92 المبحثالسابع: مصير الجن في الآخرة وذهب الجمهور إلى أنهم يثابون على الطاعة وهو قول الأئمة الثلاثة والأوزاعي وأبي يوسف ومحمـد بـن الحسن وغيرهم ثم اختلفوا هل يدخلون مدخل الإنس على أربعة أقوال : أحدها نعم: وهو قول الأكثر وثانيها: يكونون في ربض الجنة وهو منقول عن مالك وطائفة وثالثها: أنهم أصحاب الأعراف ورابعها: التوقف عن الجواب في هذا وروى بن أبي حاتم من طريق أبي يوسف قال: قال بن أبي ليلى في هذا لهم ثواب قال فوجدنا مصـداق ذلك في كتاب الله تعالى ولكل درجات مما عملوا قلت وإلى هذا أشار المصنف بقوله قبلها يا معشـر الجـن ألم يأتكم رسل منكم فإن قوله ولكل درجات مما عملوا يلي الآية التي بعد هذه الآية واستدل بهذه الآية أيضا بن عبد الحكم واستدل بن وهب بمثل ذلك بقوله تعالى أولئك الذين حـق علـيهم القـول في أمـم قـد خلت من قبلهم من الجن والأنس الآية فإن الآية بعدها أيضا ولكل درجات مما عملوا وروى أبـو الشـي في تفسيره عن مغيث بن سمى أحد التابعين قال ما من شيء إلا وهو يسمع زفير جهنم إلا الثقلين الذين عليهم الحساب والعقاب ونقل عن مالك أنه استدل على أن عليهم العقاب ولهم الثواب بقوله تعالى ولمـن خاف مقام ربه جنتان ثم قال فبأي آلاء ربكمـا تكـذبان والخطـاب للإنـس والجـن فـإذا ثبـت أن فـيهم مؤمنين والمؤمن من شأنه أن يخاف مقام ربه ثبت المطلوب والله أعلم. (2) لقدأوضح الله لنا مصير الكفرة من الإنس والجن وان مصيرهم جهنم وبئس القرار قال تعالى: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنْ الْجِنِّ وَالإِنسِ } [253.] وقال تعا{ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ } [223] قال الله تعا{وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ } [29] 2 - فتح الباري لابن حجر- (ج 20 / ص53
عدد الصفحات ١٧91 وإن مؤمنين الجن في الجنة قال الله تعالى إخباراً عن الجن: {وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخَافُ بَخْسًا وَلا رَهَقًا } [ن29] الزيادة في العقوبة وهذا نظير قوله تعا{وَمَنْ يَعْمَلْ مِنْ الصَّـالِحَاتِ وَهُـوَ مُـؤْمِنٌ فَـلا يَخَـافُ ظُلْمًـا وَ هَضْمًا } [221.] وقال تعا{فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطْرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُن إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ } [61-65]{حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ( 1) * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّ كُمَا تُكَذِّبَانِ } [51 - 56.] وهذا مما يشير إلى أن مؤمني الجن في الجنة سئل الشي - رحمه الله -عن الجان المؤمنين هل هم مخاطبون بفروع الإسلام كالصوم والصلاة وغير ذلك من العبادات أوهم مخاطبون بنفس التصديق لا غير فأجاب لا ريب أنهم مأمورون بأعمال زائدة علـى التصـديق ومنهيـون عـن أعمـال غـير التكـذيب فهـم مـأمورون بالأصول والفروع سبهم فإنهم ليسوا مماثلي الأنس في الحد الحقيقة فلا يكون ما أمرروا به ونهوا عنـه مساويا لما على الأنـس في الحـد لكـنهم مشـاركون الأنـس في جـنس التكليـف بـالأمر والنهـى والتحليـل والتحريم وهذا ما لم أعلم فيه نزاعا بين المسلمين وكذلك لم يتنازعوا أن أهل الكفـر والفسـوق والعصـيان مـنهم يسـتحقون لعـذاب النـار كمـا يدخلـها مـن الآدميين لكن تنازعوا في أهل الإيمان منهم فذهب الجمهور من أصـحاب مالـك والشـافعي وأحمـد وأبـى يوسف ومحمد إلى أنهم يدخلون الجنـة وروى في حـديث رواه الطبرانـي أنهـم يكونـون في ربـض الجنـة يراهم الإنس من حيث لا يرونهم وذهب طائفة منهم أبـو حنيفـة فيمـا نقـل عنـه إلى أن المطـيعين مـنهم يصيرون ترابا كالبهائم ويكون ثوابهم النجاة من النار (2) وقد ذكر افي القرآن من خطاب الثقلين ما ببين هذا الأصل كقولـه تعـالى يـا معشـر الجـن والإنـس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا شهدنا على أنفسنا وقـد أخـبر الله 2 - مجموع الفتاوى6 - صفحة199
عدد الصفحات ١٨20 عن الجن أنهم قالوا وانا منا الصالحون ومنا دون ذلك كنا طرائق قددا أي مذاهب شـتى مسـلمون وكفـار وأهل سنة وأهل بدعة وقالوا وأنا منـا المسـلمون ومنـا القاسـ طون فمـن أسـلم فأولئـك تحـروا رشـدا وأمـا القاسطون فكانوا لجهنم حطبا والقاسط الجائر يقال قسط إذا جار وأقسط إذا عدل وكافرهم معذب في الآخرة باتفاق العلماء وأما مؤمنهم فجمهور العلماء على أنه في الجنة وقد روى أنهم يكونون في ربض الجنة تراهم الإنس من حيث لا يرونهم وهذا القول مأثور عن مالك والشافعي وأحمد وأبى يوسف ومحمد وقيل إن ثوابهم النجاة من النار وهو مأثور عن أبى حنيفة وقد احتت الجمهور بقوله لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان قالوا فدل ذلك على تأتى الطمث منهم لأن طمث الحور العين إ ا يكون في الجنة شبهة: إن الجن خلقوا من نار فكيف تؤثر فيهم نار العذاب في الآخرة؟ دفعها: لا يلزم من كون الجن خلقوا من نار أن يكونوا ناراً أو أن النار لا تؤلمهم، فإن الإنس من تـراب، ولكن ليسوا تراباً بل أنشأهم الله تعالى وطورهم وصورهم، ولو أن إنساناً وقع عليه تراب كثيراً وهدم عليه بيت من التراب لهلك، ومات أو استغاث من الآلام والأوجاع، وهكذا الجن خلقوا من نار ولكنهم ليسـوا ناراً بل أنشأهم الله تعالى وطورهم وصورهم، وإن النار تؤلمهم وتحرقهم وتعذبهم. (2) المبحثالثامن: علاقة الجن بالإنسان فان قلت: ما هي علاقة الجن بالإنسان؟ الجواب: اعلم علمني الله وإياك أن العلاقة بين الإنس والجن علاقة ملازمة فقد اخرج مسلم صحيح عن عبدالله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينـه من الجن قالوا وإياك؟ يا رسول الله قال وإياي إلا أن الله أعانني عليه فأسلم فلا يأمرني إلا بخير(1) 2 - مجموع الفتاوى23 - صفحة90 ] 1 - أخرجه أحمد2/906 ، رقم9160) ، ومسلم6/1215 ، رقم1026) ، وأبو يعلى3/55 ، رقم2696) . وأخرجه أيضًا : ابن خزيمة 2/990 ، رقم 160) ، والبزار6/166 ، رقم2052) ، وابن حبان26/915 ، رقم1625) ،والطبراني (20/120 ، رقم20611) ، والشاشى1/162 ، رقم 016) وقال : حسن . وأخرجه أيضًا : الديلمى 6/95 ، رقم1226. )
عدد الصفحات ١٩29 عنعبدالله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا كان أحدكم يصلي فلا يدع أحدا يمر بين يديه فإن أبي فليقاتله فإن معه القرين(2) وقال سبحانه وتعاوَالْذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللْهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْ آَخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا (90 )( النساء (وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ (16)( فصلت قال تعالى: { وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ } {مَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ * وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ * حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ * وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ }( الزخرف. وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ (19 )أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفْارٍ عَنِيدٍ (16 )مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ (16 ) الْذِي جَعَلَ مَعَ اللْ هِ إِلَهًا آَخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ (11 )قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (15 )قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ (10 )مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلْامٍ لِلْعَبِيدِ (13) ( ق فدلت مجموع هذه غلايات والأحاديث على أن العلاقة هي الملازمة في الدنيا فالرحلة مع ذلك القرين تبدأ من ساعة التقاء الزوجين على فرش الزوجية 00ثم تبدا المعركة معه عند الولادة 000ثم الملازمة حتى سكرات الموت ،عن أبي اليسر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدعو اللهم إني أعوذ بك من الهدم وأعوذ بك من التردي وأعوذ بك من الغرق والحرق والهرم وأعوذ بك أن يتخبطني الشيطان عند الموت وأعوذ بك أن أموت في سبيلك مدبرا وأعوذ بك أن أموت لديغا ) (1) 2 - أخرجه أحمد1/01 ، رقم6606) ، ومسلم2/919 ، رقم601) ، وابن ماجه2/905 ، رقم366. ) 1 - صحيح أبي داود2 - صفحة100 ]
عدد الصفحات ٢٠22 قيل التخبط الإفساد والمراد إفساد العقل والدين وتخصيصه بقوله ( عند الموت ) لأن المدار على الخاتمة وقال القاضي أي من أن يمسني الشيطان بنزعاته التي تزل الأقدام وتصارع العقول والأوهام وأصل التخبط أن يضرب البعير الشيء بخف يده فيسقط قال الخطابي استعاذته عليه السلام من تخبط الشيطان عند الموت هو أن يستولي عليه الشيطان عند مفارقته الدنيا فيضله ويحول بينه وبين التوبة أو يعوقه عن إصلاح شأنه والخروج من مظلمة تكون قبله أو يؤسه من رحمة الله تعالى أو يكره الموت ويتأسف على حياة الدنيا فلا يرضى بما قضاه الله من الفناء والنقلة إلى دار الآخرة فيختم له بسوء ويلقى الله وهو ساخط عليه وقد روي أن الشيطان لا يكون في حال أشد على بن ادم منه في حال الموت يقول لأعوانه دونكم هذا فإنه إن فاتكم اليوم لم تلحقوه بعد اليوم نعوذ بالله من شره ونسأله أن يبارك لنا في ذلك المصرع وأن يختم لنا ولكافة المسلمين وأن يجعل خير أيامنا لقائه انتهى (2) 2 - عون اعبود6 - صفحة105 ]
عدد الصفحات ٢١23 الفصلالثاني: الصفات الخَلْقية : أوضح القرآن الكريم بعض صفات الشياطين وخاصة تلك التي ترتبط معرفتها بالتنفير من هذا الصنف من المخلوقات من جهة ، والتحذير منهم ومعرفة حقيقتهـم من جهة أخـرى كـ ي لا يكـون للشـياطين علـى المؤمنين سبيل أو سلطان ، وهذه الصفات هي: الجن مخلوق من نار يخبرنا الله سبحانه وتعالى عن أصل خلقة ذلك الشيطان يقول تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ صَلْصَـالٍ مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ * وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِ نْ نَارِ السَّمُومِ - سورة الحجر ، الآيتان11 ،15 قال ابن عباس ومجاهدوقتادة: " المراد بالصلصال ها هنا التراب اليابس. والظاهر أنه كقوله تعـالى: خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ * وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ - سورة الرن ، الآيتـان 26 ، 26 .وقولهمِنْ حَمَأٍ مَسْـنُونٍ) أي : الصلصـال مـن حمـأ وهـو الطـين . والمسـنون الأملـس ... وقولـه : (وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ ) أي : من قبل الإنسان (مِنْ نَارِ السَّمُومِ ) أي : هي السموم التي تقتل ... وعـن ابن عباس : إن الجان خُلق من له ب النار وفي رواية : من أحسن النار" (2) وقد ورد في الصحيح عن عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " خلقت الملائكة من نور ، وخُلق الجانّ من مارج من نار وخُلق آدم مما وُصف لكم " (1) الشيطان يراه الإنسان فالله تعالى يبن لنا تلك الحقيقة: إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ ، " يعني جل ثناؤه بذلك : إن الشيطان يراكم هو . والهاء في ( إنه ) عائدة على الشيطان . وقبيله يعني : وصنفـه وجنسـه الذي هـو منـه ، واحدٌ جمعه ( قُبُل ) وهم الجن : وقوله ( مِنْ حَي ـْثُ لا تَرَوْنَهُ ـمْ) يقول : من حيث لا ترون أنتم أيها الناس الشيطان وقبيله . " *يقول الرازي –رحمه الله – 2 - تفسير القرآن العظيم– لابن كثير – ج 0 – ص166 ،161 1 - صحيح مسلم–كتاب الزهد والرقائق – باب : في أحاديث متفرقة – ص 2231– ح1331.
عدد الصفحات ٢٢22 البحث الأول: { إِنَّهُ يَرَاكُمْ } يعني إبليس{ هُوَ وَقَبِيلُهُ } أعاد الكناية ليحسن العطفكقوله : { اسكن أَنتَ وَزَوْجُكَ الجنة } [23 . ] البحث الثاني: قال أبو عبيدة عن أبي زيد : «القبيل»الجماعة يكونون من الثلاثة فصاعداً من قوم شتي ، وجمعه قبل . والقبيلة : بنو أب واحد . وقال ابن قتيبة ، قبيله أصحابه وجنده ، وقال الليث : { هُوَ وَقَبِيلُهُ } أي هو ومن كان من نسله . البحث الثالث: قال أصحابنا: إنهم يرون الأنس لأنه تعالى خلق في عيـونهم إدراكـاً والإنـس لا يـرونهم لأنه تعالى لم يخلق هذا الإدراك في عيون الإنس، وقالت المعتزلة: الوجه في أن الإنس لا يـرون الجـن ، رقة أجسام الجن ولطافتها . والوجه في رؤية الجن للإنس، كثافة أجسام الإنـس ، والوجـه في أن يـرى بعض الجن بعضاً ، أن الله تعالى يقوي شعاع أبصـار الجـن ويزيـد فيـه ، ولـو زاد الله في قـوة أبصـارنا لرأيناهم كما يرى بعضنا بعضاً ، ولو أنه تعالى كثف أجسامهم وبقيت أبصارنا على هذه الحالة لرأينـاهم ، فعلى هذا كون الإنس مبصراً للجن موقوف عند المعتزلة إما على زيادة كثافة أجسام الجـن ، أو علـى زيادة قوة أبصار الإنس . البحث الرابع : قوله تعالى : { مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ } يدل على أن الإنس لا يرون الجـن لأن قولـه { مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ } يتناول أوقات الاستقبال من غير تخصيص ، قال بعض العلماء ولو قدرالجـن على تغيير صور أنفسهم بأي صورة شاؤا وأرادوا ، لوجب أن ترتفع الثقة عن معرفة الناس ، فلعل هـذا الذي أشاهده وأحكم عليه بأنه ولدي أو زوجتي جنى صور نفسه بصـورة ولـدي أو زوجـتي وعلـى هـذا التقدير فيرتفع الوثوق عن معرفة الأشخاص ، وأيضاً فلو كانوا قادرين على تخبيط النـاس وإزالـة العقـل عنهم مع أنه تعالى بين العداوة الشديدة بينهم وبين الإنس ، فلم لا يفعلون ذلك في حق أكثر البشـر؟ وفي حق العلماء والأفاضل والزهاد ، لأن هذه العداوة بينهم وبين العلماء والزهاد أكثر وأقوى ، ولما لم يوجـد شيء من ذلك ثبت أنه لا قدرة لهم على البشر بوجه من الوجوه . ويتأكد هذا بقولـه : { مَـا كَـانَ لـي عَلَيْكُمْ مّن سلطان إِلاْ أَن دَعَوْتُكُمْ فاستجبتم لي } [إبراهيم : 11 ]أعطينـا أربع خصال : نرى ولا نرى ، ونخرج من تحت الثرى ، ويعود شيخنا فتى(2) 2 - تفسير الرازي- (ج 5 / ص52)
عدد الصفحات ٢٣21 تشكل وتصور الجن قال شي الإسلام ابن تيميه : الجن يتصورون في صور الإبل والبقر والغنم والخيل والبغال والحمير وفي صور بني أدم وقد أتي الشيطان لقريش في صورة شي نجدي لما اجتمعوا بدار الندوة هل يقتلوا الرسول صلي الله علية وسلم أو يحبسوا أو يخرجوه كما قال تعالي ( وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين) ولما اجتمعت قريش الخروج إلي بدر ذكروا ما بينهم وبين كنانة من الحرب فكاد ذلك يثنيهم لهم إبليس في صورة سراقة بن مالك بن جعشم المدلجي – وكان من أشراف بني كنانة- فقال لهم : أنا جار لكم من أن تأتيكم كنانة بشي تكرهونه فخرجوا والشيطان جار لهم لا يفارقهم فلما دار القتال ورأي عدو الله جند الله قد نزلت من السماء فركض علي عقبيه فقالوا : إلي أين يا سراقة؟ ألم تكن قلت: إنك جار لنا لا تفارقنا؟ فقال (إني بريء منكم إني أري مالا ترون إني أخاف الله والله شديد العقاب ) وثمة صور أخرى كثيرة تتشكل عليها الجن وفيما يلي نذكر بعون الله تبارك وتعالي عدة أحاديث تبين بعض الصور التي تتصور عليها الجن وتظهر بها للناس كما يلي : يتشكل في صورة رجل : أخرج البخاري في صحيحة تعليقا مجزوما به عن أبي هريرة رضي الله عنه انه قال: وكلني رسول الله صلي الله عليه وسلم يحفظ زكاة رمضان فأتاني آت فجعل يحثو من الطعام فآخذته فقلت والله لأرفعنك إلي رسول الله صلي الله علية وسلم قال : إني محتاج وعلي عيال ولي حاجة شديدة قال فخليت عنه فأصبحت فقال رسول الله شكا حاجة شديدة وعيالا فرحمته فخليت سبيله قال " أما إنه قد كذبك وسيعود" فعرفت أنه سيعود لقول رسول الله صلي الله عليه وسلم فرصدته فجاء يحثو من الطعام فآخذته فقلت لأرفعنك إلي رسول الله صلي الله علية وسلم قال دعني فأني محتاج وعلي عيال فأخذته فقلت لأرفعنك إلي رسول الله صلي الله عليه وسلم قال : دعني فأني محتاج وعلي عيال ولا أعود فرحمته فخليت سبيله فأصبحت فقال لي رسول الله صلي الله عليه وسلم " يا أبا هريرة ما فعل أسيرك
عدد الصفحات ٢٤26 البارحة" قلت يا رسول الله شكا حاجة شديدةوعيالا فرحمته فخليت سبيله قال " أما إنه قد كذبك وسيعود" فرصدته الثالثة فجاء يحثو من الطعام فأخذته فقلت لارفعنك إلي رسول الله صلي الله علية وسلم وهذا آخر ثلاث مرات أنك تزعم لا تعود ثم تعود قال : دعني أعلمك كلمات ينفعك الله بها قلت : ما هن قال : إذا أويت إلي فراشك فاقرأ أية الكرسي (اللْهُ لا إِلَهَ إلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْنِ مَنْ ذَا الْذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إلا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْنَ وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ) (البقرة: 166) فإنك لن يزال عليك من الله حافظ ولا يقرينك شيطان حتى تصبح فخليت سبيله فأصبحت فقال لي رسول الله صلي الله علية وسلم "ما فعل أسيرك البارحة ؟ قلت :يا رسول الله زعم انه يعلمني كلمات ينفعني الله بها فخليت سبيله قال ك ماهي؟ قلت قال لي: لن يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح-وكانوا احرص شيء علي الخير- فقال النبي صلي الله علية وسلم "أما إنه قد صدقك وهو كذوب تعلم من تخاطب منذ النبي صلي الله عليه وسلم " أما قد صدقك وهو كذوب تعلم من تخاطب منذ ثلاث ليال يا أبا هريرة؟ " قال: لا قال " ذاك شيطان " (2) واخرج البيهقي عن ابن عمرقال: كنا جلوسا عند النبي صلي عليه وسلم فجاء رجل من أقبح الناس وجها وأقبحهم ثيابا وانتن الناس ريحا جلف جاف يتخطى رقاب الناس حتى جلس بين يدي رسول الله فقال من خلقك؟ فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم "الله :قال من خلق السماء قال "الله" قال من خلق الأرن؟ قال " الله ط قال: من خلق الله؟ فقال رسول الله صلي الله علية وسلم " سبحان الله" وامسك بجبهته وطاطا رأسه وقام الرجل فذهب فرفع رسول الله صلي الله عليه وسلم رأسه فقال "علي بالرجل" فطلبناه فكان لم يكن فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم " هذا إبليس جاء يشككم في دينكم" 2 - أخرجهالبخاري (1/021 ، رقم1205. )
عدد الصفحات ٢٥22 وفي صورة عبد اسود عن علي بن طالب رضي الله عنه قال: والله قاتل عمار بن ياسر علي عهد رسول الله صلي الله عليه وسلم الجن والأنس فقالوا هذا الأنس قد قتل فكيف الجن؟ قال كنا مع النبي صلي الله علية وسلم في سفر فقال لعمار: " انطلق فاستق لنا الماء" فانطلق فعرن له شيطان في صورة عبد أسود فحال بينة وبين الماء قاعدا فصرعه عمار فقال له : دعني واخلي بينك وبين الماء ففعل ثم أبى فأخذ عمار الثانية فصرعه فقال دعني واخلي بينك وبين الماء فتركه وأبى فصرعه فقال له مثل ذلك فتركه فوفي له فقال رسول الله صلي الله علية وسلم إن الشيطان قد حال بين عمار وبين الماء في صورة عبد اسود وإن الله عز وجل اظفر عمارا به" قال علي رضي الله عنه : فتلقينا عمارا رضي الله عنه نقول : ظفرت يدك يا أبا اليقظان قال رسول الله صلي عليه وسلم كذا وكذا فقال أما والله لو شعرت أنه شيطان لقتلته ولكن كنت هممت أن أعض بأنفه لولا نتن ريحه (2) في صورة غلام عن ابن أبي بن كعب أن أباه أخبره : أنه كان لهم جرين فيه تمر وكان مما يتعاهده فيجده ينقص فحرسه ذات ليله فإذا هو بداية كهينه الغلام المحتلم قال: فسلمت عليه فرد علي السلام فقلت : ما أنت جني ام إنسي؟ فقال: بل جني فقلت ناولني يدك فإذا يد كلب وشعر كلب فقلت : هكذا خلق الجن؟! فقال: لقد علمت الجن أنه مافيهم من هو أشد مني فقلت ما يحملك علي ما صنعت؟ قال : بلغني أنك رجل تحب الصدقة فأحببت أن اصيب من طعامك قلت فما الذي رزنا منكم؟ فقال: هذه الآية آيه الكرسي قال: فتركه وغدا أبي إلي رسول الله صلي الله عليه وسلم فاخبره فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم " صدق الخبيث" (1) وفي صورة امرأة وعن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: كان لي طعام فتبينت فيه النقصان فكنت في الليل فإذا غول قد 2 - العظمة لأبي الشي الأصبهاني6 /2165) 1 - أخرجهالنسائي في الكبرى (1/193 ، رقم20531) ، والحارث كمافي بغية الباحث (1/361 ، رقم2062) ، وابن حبان (9/19 ، رقم506) ، وأبو الشي (6/2160 ، رقم121) ،والطبراني (2/102 ، رقم662) ، والحاكم2/563 ، رقم1016) ، والضياء6/95 ، رقم2111. )
عدد الصفحات ٢٦22 سقطت عليه فقبضت عليها فقلت: لا أفارقك حتى اذهب بك إلي النبي صلي الله عليه وسلم فقالت:إني امرأة كثيرة العيال لا أعود … فذكر الحديث بنحو ما تقدم في صورة الغول عن عبد الرحمن بن أبي ليلي عن أبي أيوب النصارى انه كانت له سهوة فكانت الغول تجيء فتأخذ منه فشكا ذلك للنبي صلي الله عليه مسلم فقال " اذهب فإذا رأيتها فقل: بسم الله أجيبي رسول الله صلي الله عليه وسلم " قال فأخذها فحلفت له أن لا تعود فأرسلها فجاء فقال له النبي صلي الله عليه وسلم ما فعال أسيرك فقال: أخذتها فقالت : لا أعود فقال رسول الله صلي الله علية وسلم "كذبت وهي معاودة للكذب" فأخذها مرتين فأخذها في الثالثة فقال : ما أنا بتاركك حتى اذهب بك إلي رسول الله صلي الله علية وسلم فقالت: أرسلني أعلمك شيئا تقول فلا يقربك شيء آية الكرسي فأتي النبي صلي الله عليه وسلم فاخبره فقال: " صدقت وهي كذوب"(2) وعلي صورة القط وفي رواية عن ابن عباس قال : كان رسول الله صلي الله علية وسلم نازلا علي أبي أيوب الأنصاري في غرفة وكان طعامه في سلة من المخدع فكانت تجيء من الكوة السنور حتى تأخذ الطعام من السلة فشكا إلي رسول الله صلي الله علية وسلم فقال :"تلك الغول" الخ وفي رواية عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه قال: كان لي تمر في سهوة لي فجعلت أراده ينقص منه فذكرت ذلك للنبي صلي الله عليه وسلم فتحول فلما كان الغد وجدت فيه هرة فقلت : أجيبي رسول الله فتحولت عجوزا… فذكر الحديث لما كان الأسود أشد ضررا من غيره وأشد ترويعا كان المصلى إذا رآه أشغل عن صلاته فانقطعت عليه لذلك (1) في صورة الحيات والأفاعي عن أبي السائب مولى هشام بن زهرة - وقيل في اسمه السائب وأبو السائب أصح أنه دخل على أبي 2 - إسنادهضعيف: أخرجه أحمد (6/196). والترمذي1000 )وضعفه الألباني في ضعيف الترمذي1901.) 1 - المستدرك9 /660 - 663)،
عدد الصفحات ٢٧21 سعيد ادري في بيته قال فوجدته يصلي فجلست أنتظره حتى يقضي صلاته فسمعت تحريكاً في عراجين في ناحية البيت فالتفت فإذا حية ٌ فوثبت لأقتلها فأشار إلي أن أجلس فجلست فلما انصرف أشار إلى بيت في الدار فقال أترى هذا البيت فقلت نعم فقال كان فيه فتى ً منا حديث عهد بعرس قال فخرجنا مع رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إلى الخندق فكان ذلك الفتى يستأذن رسول ا{صلى الله عليه وسلم} بأنصاف النهار فيرجع إلى أهله فاستأذن يوماً فقال له رسول ا {صلى الله عليه وسلم} خذ عليك سلاحك فإني أخشى عليك قريظة فأخذ الرجل سلاحه ثم رجع فإذا امرأته بين الناس قائمة فأهوى إليها بالرمح ليطعنها به - وأصابته غيرة ٌ فقالت له اكفف عليك رمحك وادخل البيت حتى تنظر ما الذي أخرجني فدخل فإذا ية ٍ عظيمة ٍ منطوية ٍ على الفراش فأهوى إليها بالرمح فانتظمها به ثم خرج فركزه في الدار فاضطربت عليه فما يدري أيهما كان أسرع موتاً الحية أم الفتى قال فجئنا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فذكرنا ذلك له وقلنا ادع الله يحييه لنا فقال استغفروا لصاحبكم ثم قال إن بالمدينة جناً قد أسلموا فإذا رأيتم منهم شيئاً فآذنوه ثلاثة أيام فإن بدا لكم بعد ذلك فاقتلوه فإ ا هو شيطان وفي حديث أسماء بن عبيد عن السائب نحوه وقال فيه إن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قال إن لهذه البيوت عوامر فإذا رأيتم منها شيئاً فحرجـوا عليهـا ثلاثاً فإن ذهبت وإلا فاقتلوه فإنه كافر وقال لهم اذهبوا فادفنوا صاحبكم (2) يقول ابن عبد ال–رحمه الله - روى عباد بن إسحاق عن إبراهيم بن محمد بن طلحة عن سعد بن أبي وقاص وقال بينا أنا بعبادان إذ جاءني رسول زوجتي فقال أجب فلانة فاستنكرت ذلك فدخلت فقلت مه فقالت إن هذه الحية - وأشارت إليها - كنت أراها في البادية إذا خلوت ثم مكثت لا أراها حتى رأيتها الآن وهي هي أعرفها بعينها قال فخطب سعد خطبة حمد الله وأثنى عليه ثم قال إنك قد آذيتيني وإني لأقسم بالله إن رأيتك بعد هذا لأقتلنك فخرجت الحية وانسابت من باب البيت ومن باب الدار فأرسل وراءها سعد إنسانا 2 - أخرجه مالك في الموطأ106).وأحمد9/62 )ومسلم5/06). وأبو داود6165)
عدد الصفحات ٢٨30 فقال انظر أين تذهب فتبعتها حتى جاءت المسجد وجاءت منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فرقيت عليه ثم صعدت إلى السماء حتى غابت وقد ذكرنا كثيرا من معاني هذا الباب بالأسانيد في التمهيد من ذلك ما عن جبير بن نفير عن أبي ثعلبة الخشني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الجن على ثلاثة أثلاث فثلث لهم أجنحة يطيرون في الهواء وثلث حيات وكلاب وثلث يحلون ويظعنون وهذا إسناد جيد رواته أئمة ثقات وهو خير من إسناد حديث أبي الدرداء(2) وفي رواية أخرىأن النبي صلي الله علية وسلم قال:" إن بالمدينة نفرا من الجن قد أسلموا فمن رأي شيئا من هذه العوامر فليؤذنه ثلاثا فإن بدا له بعد فليقتله فإنه شيطان" واذا لم يذهب بالإنذار علمتم أنه ليس من عوامر البيوت ولا ممن أسلم من الجن بل هو شيطان فلا حرمة عليكم فاقتلوه ولن يجعل الله له سبيلا للانتصار عليكم بثأره بخلاف العوامر ومن أسلم والله أعلم (1) عن ابن عباس، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم نازلا علـى أبـي أيـوب الأنصـاري في غرفـة، وكان طعامه في سلة من المخدع، فكانت تجيء من الكوة السنور حتى تأخذ الطعام من السلة، فشكا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تلك الغول، فإذا جاءت فقل لها عزم عليك رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا ترجعي»قال: فجاءت، فقاللها أبو أيوب: عزم عليك رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا ترجعي فقالت: يا أبا أيـوب، دعـني هـذه المـرة، فـوالله لا أعود فتركها، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره قالت: ذلك مرتين، ثم قالـت: هـل لـك أن أعلمك كلمات إذا قلتهن لا يقرب بيتك شيطان تلك الليلة، وذلك اليوم ومن غد، قال: نعم. قالت: اقرأ آية الكرسي: {الله لا إله إلا هو الحي القيوم} [166] وسلم فأخبره، فقال«صدقت وهي كذوب»(9) 2 - إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة1 /252) 1 - شرح النووي على مسلم26 /191) 9 - رواه الحاكم ح6391 2613 تعليق الذهبي في التلخيص : سكت عنه الذهبي في التلخيص
عدد الصفحات ٢٩39 في صورة الفيل عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: جعلني رسول الله صلي الله عليه وسلم علي صدقة المسلمين فجعلت التمر في غرفة فوجدت فيه نقصانا فأخبرت بذلك رسول الله صلي الله علية وسلم فقال: "هذا الشيطان يأخذه" فدخلت الغرفه فأغلقت الباب علي فجاءت ظلمة عظيمة فغشيت الباب ثم تصور في صورة فيل ثم تصور في صورة أخرى فدخل من شق الباب فشددت إزاري علي فجعل يأكل من التمر قال: فوثبت إليه فضبطته فالتفت يداي عليه فقلت : يا عدو الله فقال: خل عني فأني كبير ذو عيال كثير وأنا فقير وأنا من جن نصيبين وكانت لنا هذه القرية قبل أن يبعث صاحبكم فلما بعث أخرجنا عنها فخل عني فلن أعود إليك فخليت عنه وجاء جبريل عليه السلام فأخبر رسول الله صلي الله عليه وسلم بما كان فصلي رسول صلي الله عليه وسلم " ما فعل أسيرك يا معاذ؟ فأخبرته فقال : " أما إنه سيعود فعد" قال: فدخلت الغرفة أغلقت علي الباب فدخل من شق الباب فجعل يأكل من التمر فصنعت به كما صنعت في المرة الأولي فقال: خل عني فاني لن أعود إليك فقلت: يا عدو الله ألم تقل لا أعود؟! قال: فإني لن أعود وآية ذلك علي أن لا يقرأ أحد منكم خاتمة البقرة ) -رأسه-لعنه الله-فإن سألت عن رأسه وما يشبهها من المخلوقات فإن الله أخبرنا وهو يوضح لنا تلك الشجرة الخبيثة ،ألا وهى شجرة الزقوم طعام أهل النار، أو بتلك شجرة المعروفة لديهم(أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ ( 11) إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظْالِمِينَ 19) إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ ( 16) طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ ( 16)سورة الصافات يقول البغوى –رحمه الله-{ كَأَنَّهُ رُؤوسُ الشَّيَاطِينِ } قال ابن عباس رضي اعنهما: هم الشياطين بأعيانهم شبه بها لقبحها، لأن الناس إذا وصفوا شيئًا بغاية القبح قالوا: كأنه شيطان، وإن كانت الشياطين لا ترى لأن قبح صورتها متصور في النفس، وهذا معنى قول ابن عباس والقرظي، وقال بعضهم: أراد بالشياطين الحيات، والعرب تسمي الحية القبيحة المنظر شيطانًا. ويقول الثعالبي –رحمه الله- وقوله تعالى : { كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشياط }اختلف في معناه فقالت فرقة شبه طلعها بثمر شجرة معروفة يقال لها رؤس الشياطين وهي بناحية اليمن يقال لها الأستن وقالت فرقة شبه
عدد الصفحات ٣٠32 برؤوس صنف من الحيات يقال لها الشياطين وهي ذوات أعراف وقالت فرقة شبه بما استقر في النفوس من كراهة رؤوس الشياطين وقبحها وإن كانت لا ترى فإنَّما شَبَّه بما استقر في النفوس من هيئته) لأن الناس إذا وصفوا شيأ بغاية القبح قالوا كأنه شيطان ونحو هذا قول امريء القيس أيقتلني والمشرفي مضاجعي ... ومسنونة زرق كأنياب أغوال فإ ا شبه بما استقر في النفوس من هيئتها (2) قــــرنه فإذا كانت تلك صورته قبحه الله ،فالنبي يخبرنا أن له قرنان ، فعن الـنبي - – قـ ال : " إذا طلع حاجب الشمس فدعوا الصلاة حتى تبرز وإذا غاب حاجب الشمس فدعوا الصـلاة حتـى تغيـب ولا تَحَيَّنوا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها فإنها تطلع بين قرني شيطان "(1) ( بين قرني شيطان ) أي قريبا من الغروب قال الخطابي اختلفوا في تأويله على وجوه فقال قائل معناه مقارنة الشيطان الشمس عند دنوها للغروب على معنى ما روى أن الشيطان يقارنها إذا طلعت فإذا ارتفعت فارقها فإذا استوت قارنها فإذا زالت فارقها فإذا دنت للغروب قارنها فإذا غربت فارقها فحرمت الصلاة في هذه الأوقات لذلك وقيل معنى قرن الشيطان قوته من قولك أنا مقرن لهذا الأمر أي مطيق له قوي عليه قال الله تعالى وما كنا له مقرنين أي مطيقين وذلك أن الشيطان إ ا يقوى أمره في هذه الأوقات لأنه يسول لعبدة الشمس أن يسجدوا لها في هذه الأوقات الثلاثة وقيل قرنه حزبه وأصحابه الذين يعبدون الشمس يقال هؤلاء قرن أي شيوخا جاؤوا بعد قرن مضوا وقيل إن هذا تمثيل وتشبيه وذلك أن تأخير الصلاة إ ا هو من تسويل الشيطان لهم وتسويفه وتزيينه ذلك في قلوبهم وذوات القرون إ ا تعالج الأشياء وتدفعها بقرونها فكأنهم لما دفعوا الصلاة وأخروها عن أوقاتها بتسويل الشيطان لهم حتى اصفرت الشمس صار ذلك منه بمنزلة ما تعالجه ذوات القرون وتدافعه بأرواقها والله أعلم 2 - تفسير الثعال6 /10) 1 - أخرجه مالك الموطأ266) وأحمد1/99( )6006). والبخاري2/261). ومسلم1/105)
عدد الصفحات ٣١33 وفيه خامس قاله بعض أهل العلم وهو أن الشيطان يقابل الشمس حين طلوعها وينتصب دونها حتى يكون طلوعها بين قرنيه وهما جانبا رأسه فينقلب سجود الكفار عبادة له انتهى كلام الخطابي وهذا الوجه الخامس رجحه شيخنا العلامة الدهلوي (2) مــــجلسه وهناك مجالس للشياطين نهانا النبي – –أن نجلس فيها ،وهى الجلوس بـين الشـمس والظـل عـن أبي عيان عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن الـنبي صـلى ا لله عليـه وسـلم نهـى أن يجلس الرجل بين الضح والظل وقال مجلس الشيطان) (1) عن ابن بريدة عن أبيه أن النبي صلى الله عليه و سلم نهى أن يقعد بين الظل والشمس(9) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللْه تَعَالَى عَنْهُ بِرِوَايَةِ اِبْنِ بُرَيْدَةَ عَنْهُ قَالَ إِذَا كَـانَ أَحَـدكُمْ فِـي الْفَـيْء فَقَلَـصَ عَنْـهُ فَلْيَقُمْ فَإِنَّهُ مَجْلِس الشَّيْطَان (6) قال المناوى –رحمه الله - (إذا كان أحدكم في الشمس) في رواية في الفيء (فقلص) بفتحات أي ارتفع وزال (عنه الظل وصـار) أي بقي (بعضه في الظل وبعضه في الشمس فليقم) أي فليتحول إلى الظل ندبا وإرشادا لأن الجلوس بين الظل والشمس مضر بالبدن إذ الإنسان إذا قعد ذلك المقعـد فسـد مزاجـه لاخـتلاف حـال البـدن مـن المـؤثرين المتضادين كما هو مبين في نظائره من كتب الطب ذكره القاضي وقضيته أنه لو كـان في الشـمس فقلصـت عنه فصار بعضه فيها وبعضه في الظل كان الحكم كذلك ثم لما خفـي هـذا المعنـى علـى التوربشـتي قـال الحق الأبلت التسليم للشارع فإنه يعلم مالا يعلمه غيره فإن قلت هذا ينافيه خبر البيهقي عن أبي هريـرة رأيت رسول الله قاعدا في فناء الكعبة بعضه في الظل وبعضه في الشمس قلت محل النهي المداومـة عليـه 2 - عون المعبود1 /10) 1 - (أخرجه أحمد) 26663 ، (الآحاد والمثاني1306 ، انظر صحيح الجامع1019 ، والصحيحة090 ،9220 9 - (أخرجه ابن ماجه) 9511 ، صحيح الجامع1060 ، وصحيح الترغيب والترهيب9009 6 - أخرجه عبد الرزاق عن معمرفي الجامع (22/16 ، رقم23533) ،والحميدي (1/601 ، رقم0229. )
عدد الصفحات ٣٢