2
عدد الصفحات ١3 حقوق الطبع محفوظة الطبعة الأولى 9221هـ2002 رقم الإيداع الدولي21292/2002 الترقيم الدولي977-390-110-5 دار ابن رجب طبع –نشر-توزيع دار الفوائد =================================================
عدد الصفحات ٢2 الشيطان كأنك تراه تأليف أبي همام السيد مراد سلامة
عدد الصفحات ٣1 المقـدمـة إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمد عبده ورسوله يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وانتم مسلمون آل عمران201 . يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَ قَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ء: 1] { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِ يدًا ( 07) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا } [07،01] أما بعد؛ فإن أصدق الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها وكـل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار وبعد. فإنني قد طالعت كثيرا من الكتب التي تتكلم عن الشيطان فوجدت فيها خيرا كثيرا وجهدا مشكورا ، ولكن الم أجد أحدا تكلم عن تلك الشخصية بالتفصيل فاستعنت بالله وكتبت تلك الرسالة اللطيفة وسميتها ( الشيطان كأنك تراه ) وأوضحت فيها صفات الشيطان الخَلْقية وصفاته الـــخـــُ لــُ قية واشتملت الرسالة على سبعة فصول وخاتمة الفصل الأول: مباحث عقدية وذكرت فيها بعض المسائل العقدية التي تتعلق بشخصية ذلك اللعين الفصل الثاني: صفات الشيطان الخَلْقية الفصل الثالث: صفات الشيطان لـــخـــُ لــُ قية الفصل الرابع أعــماله الفصل الخامس: أهداف الحرب الشيطانية الفصل السادس: دروع المقاومة وحصون الأمان من كيد الشيطان
عدد الصفحات ٤6 الفصلالسابع: الأحاديث الضعيفة والموضوعة في الشيطان ثم ذكرت الخامة واثبت في نهاية الرسالة المراجع والمصادر التي استعنت بها في كتابة تلك الرسالة وأخيرا فاني قد بذلت غاية ما عندي من جهد في اخرج هذا السفر فالله –سبحانه المسؤول بعد ذلك وقبل ذلك أن ينفع به المسلمين والمسلمات في الدارين وان يجعلها خالصة لوجهه الكريم وما كان فيه من صواب فمن الله العزيز الوهاب وما كان فيه من خطا أو نقصان فمنى ومن الشيطان والله ورسوله منه براء ومـــــا ذاك منى بل من الله وحده بعـفـو وإمداد وفـضل وانــــعم فــإن أك فيها مــخطئا أو مغالطا فمن ذات نفسي كل خطئي وغلطتي أتـوب إلى الرحــمن من كل غلطة واسـتغـفر الرحـمن لي ولأخوت وأســاله جـل اسـمـه بـصفـاته وأسمـائه الحـسنى قبول رســـالتي تأليف أبو همام \ السيد مراد سلامه محافظة البحيرة /مركز شبراخيت قرية/ فرنوى محمول/0201396110
عدد الصفحات ٥2 الفصلالأول: مباحث عقدية اعلم علمني الله وإياك أن هناك مسائل عقدية ينبغي للمسلم أن يتعرف عليها ويجب عليه أن يؤمن بهـا لأن القران الكريم قد نص عليها في غير ما آية من كتابـه وحتـ ى لا يقـ ع السـلم في لشـرك مـن حيـث لا يدري وقد جمعتها من بطون الكتب وها هي بين يديك مسفرة اسأل الله أن ينفعنا بها المبحث الأول : وجوب الإيمان بوجود الجن: لقد تحدث االقرآن الكريم في مواضع متعددةعلى وجود عالم الجن، فوجب الإيمان بوجود الجن إيماناً جازماً لا يخلطه أدنى شك قال الله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَـا أُرِيـدُ أَنْ يُطْعِمُـونِ } [61-65.] وقال تعا{يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنـسِ إِنْ اسْـتَطَعْتُمْ أَنْ تَنفُـذُوا مِـنْ أَقْطَـارِ السَّـمَاوَاتِ وَالأَرْنِ فَانفُـذُوا تَنفُذُونَ إِلا بِسُلْطَانٍ } [99.] وقال تعا{وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنْ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ ا لْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّـا قُضِـيَ وَلْـوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ * قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَ يْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَـى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْ تَقِيمٍ * يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِي اللْهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ } [13-92.] ومن خلال تلك الآيات تبين لنا أن الجن مخلوق مـن مخلوقـات الله تعـا التي خلقها ووضع فيها جانب الخير وجانب الشر 00 وقد دل اعلى وجوهمالأدلة من القران والسنة واقر بذلك جميع طوائف المسلمين إلا قلة منهم يقول بن تيمة-رحمه الله - ( لم يخالف أحد من طوائف المسلمين في وجود الجن ولا في أن الله أرسل محمدا إليهم وجمهور طوائف الكفار على إثبات الجن أما أهل الكتاب من اليهود والنصارى فهم مقرون بهم كإقرار المسلمين وان وجد فيهم من ينكر ذلك كما يوجد في طوائف المسلمين كالجهمية والمعتزلة من ينكر ذلك وان كان جمهور الطائفة وأئمتها مقرين بذلك وهذا لأن وجود الجن تواترت به أخبار الأنبياء تواترا معلوما بالاضطرار ومعلوم بالاضطرار أنهم أحياء عقلاء فاعلون بالإرادة بل مأمورون منهيون ليسوا صفات وأعراضا قائمة بالإنسان أو غيره كما يزعمه
عدد الصفحات ٦2 بعض الملاحدة فلما كان أمر الجن متواترا عن الأنبياء تواترا ظاهرا تعرفه العامة والخاصة لم يمكن طائفة كبيرة من الطوائف المؤمنين بالرسل أن تنكرهم كما لم يمكن لطائفة كبيرة من الطوائف المؤمنين بالرسل إنكار الملائكة ولا إنكار معاد الأبدان ولا إنكار عبادة اله وحده لا شريك له ولا إنكار أن يرسل الله رسولا من الإنس إلى خلقه ونحو ذلك مما تواترت به الأخبار عن الأنبياء تواترا تعرفه العامة والخاصة كما تواتر عند العامة والخاصة مجيء موسى إلى فرعون وغرق فرعون ومجيء(2) المبحثالثاني: -الجن مطالبون بالتكاليف الشرعية: الجن مكلفون كما أن الإنس مكلفون بالتكاليف الشرعية، وقد يختص الجن بأحكام لا يكلف بها الإنـس وكذلك قد يختص الإنسان بأحكام لا يكلف بها الجن، لاختلاف الجنسين عن بعضهما البعض. قال الله تعالى: {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَـوْ مِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنفُسِنَا وَغَرَّتْهُمْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَـانُوا كَـافِرِينَ } [ 290.] وقال تعالى إخباراً عن الجن {وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ فَمَـنْ يُـؤْمِنْ بِرَبِّـهِ فَـلا يَخَـافُ بَخْسًـا وَ رَهَقًا } [29.] دلت الآيتان على أن الجن مكلفون كتكليف الإنس، وتوجه الخطاب الشرعي عليهم كما هو في الإنس. يقول ابن عبد البر –رحمه الله - مكلفون مخاطبون لقوله تعالى يا معشر الجن والإنس وقوله تعالى فبـأي آلاء ربكما تكذبان وقوله سنفرغ لكم أيها الثقلان وقوله لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جـان ولا يختلفـون أن محمدا صلى الله عليه وسلم رسول إلى الإنس والجن نذير وبشير هذا مما فضل به على الأنبياء أنه بعـث إلى الخلق كافة الجن والإنس وغيره لم يرسل إلا بلسان قومه صلى الله عليه وسلم ودليل ذلك ما نطق به القرآن من دعائهم إلى الإيمان بقوله في مواضع من كتابه يا معشر الجن والإنس(1) 2 - مجموع الفتاوى23 - صفحة20 1 - التمهيد جزء22 - صفحة221
عدد الصفحات ٧1 ومنها قوله تعالى في سورة الجن فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا فإن قوة هذا الكلام تقتضي أنهم انقادوا له وآمنوا بعد شركهم وذلك يقتضي أنهم فهموا أنهم مكلفون به وكذلك كثير من الآيات التي في هذه السورة التي خاطبوا بها قومهم ومنها قولهم فيها وأنا لما سمعنا الهدى آمنا به وكذا قولهم فمن أسلم فأولئك تحروا رشدا إلى آخر الآيات ومنها قوله تعالى قل الله شهيد بيني وبينكم وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ فهذه الآية تقتضي أن النبي صلى الله عليه وسلم منذر بالقرآن كله من بلغه القرآن جنيا كان أو إنسيا وهي في الدلالة كآية الفرقان أو أصرح فإن احتمال عود الضمير على الفرقان غير وارد هنا فهذه مواضع في الفرقان تدل على ذلك دلالة قوية أقواها آية الأنعام هذه وتليها آية الفرقان وتليها آيات الأحقاف وتليها آيات الرحمن وخطابها في عدة الآيات فبأي آلاء ربكما تكذبان وتليها سورة الجن فقد جاء ترتيبها في الدلالة والقوة كترتيبها في المصحف وفي القرآن أيضا ما يدل لذلك ولكن دلالة الإطلاق اعتمدها كثير من العلماء في مباحث وهو اعتماد جيد وهو هنا أجود لأن الأمر بالإنذار المطلق إذا لم يتقيد بقيد يدل على تمكن المأمور في الإتيان به في أي فرد شاء من أفراده وفي كلها وهو صلى الله عليه وسلم كامل الشفقة على خلق الله والنصيحة لهم والدعاء إلى الله تعالى فمع تمكنه من ذلك لا يتركه في شخص من الأشخاص ولا في زمن من الأزمان ولا في مكان من الأمكنة وهكذا كانت حالته صلى الله عليه وسلم ويعلم أيضا من الشريعة أن الله تعالى لم يرد من قوله قم فأنذر مطلق الإنذار حتى يكتفى بإنذار واحد لشخص واحد بل أراد التشمير والاجتهاد في ذلك فهذه القرائن تفيد الأمر بالإنذار لكل من يفيد فيه الإنذار والجن بهذه الصفة لأنه كان فيهم سفهاء وقاسطون وهم مكلفون فإذا أنذروا رجعوا عن ضلالهم فلا يترك النبي صلى الله عليه وسلم دعاءهم والآية بالقرائن المذكورة مفيدة للأمر بذلك فتثبت البعثة إليهم بذلك ومنها كل آية فيها لفظ المؤمنين ولفظ الكافرين مما فيه أمر أو نهي ونحو ذلك فإن المؤمنين والكافرين صفتان لمحذوف والموصوف المحذوف لا يتعين أن يكون الناس بل المكلفين أعم من أن يكونوا إنسا أو جنا
عدد الصفحات ٨90 وإذا ثبت هذا أمكن الاستدلال بما لا يعد ولا يحصى من الآيات كقوله تعالى فالـذين آمنـوا بـه وعـزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون فـالجن الـذين لم يتبعـوه ليسـوا مفلحـين وإ ـا يكون كذلك وإذا ثبتت رسالته في حقهم وكقوله تعالى لينذر الذين ظلموا وبشرى للمحسنين وكقوله هـدى للمتقين ونحو ذلك من الآيات أيضا قوله تعالى إ ا تنذر من اتبع الذكر ومن الجن كذلك.(2) يقول ابن حجر–رحمه الله - وَقَالَ عَبْد الْجَبَّار : لَا نَعْلَم خِلَافًا بَيْن أَهْل النَّظَر فِي ذَلِكَ ، إِلْا مَا حَكَـى زَرْقَان عَنْ بَعْض الْحَشْوِيَّة أَنَّهُمْ مُضْطَرُّونَ إِلَى أَفْعَالهمْ وَلَ يْسُوا بِمُكَلْفِينَ (1) المبحث الثالث: بلوغ دعوة الرسل إلى الجن: قال الله تعالى: {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَـوْ مِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنفُسِنَا وَغَرَّتْهُمْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ * ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ } [290-292.] فهذا إقرار من الجن والإنس بأن الرسل قد بلغت وأوضحت وأنـذرت، والكـافرون مـنهم يشـهدون علـى أنفسهم بالكفر وأنهم غرتهم الحياة الدنيا، ثم نبه الله سـبحانه وتعـالى بعـد اعترافهـم وإقـرارهم بإقامـة الحجة عليهم بأن الله لا يعذب قوماً، لم يرسل إليهم من ينبههم من غفلاتهم، ويوقظهم من سكراتهم، ويخرجهم من ظلماتهم حتى لا يبقى عذراً لم عتذر ولا حجـة لمـن يحـتت حتـى إذا عـذبهم عـذبهم ـق وعدل. إن بعثة النبي صلى الله عليه وسلم عامَّة إلى الجن والإنس وقد بلغ رسول الله دعوته إلى الجن دون شـك ولا ريب. يقول ابن تيمية –رحمه الله -والجن مكلفون كتكليف الإنس ومحمـد صـلى الله عليـه وسـلم مرسـل إلى الثقلين الجن والإنس وكفار الجن يدخلون النار بالنصوص وإجماع المسلمين(9) 2 - فتاوى السبكي- (ج 6 / ص1 1 - فتح الباري لابن حجر- (ج 20 / ص53) 9 - مجموع الفتاوى29 - صفحة06 ]
عدد الصفحات ٩99 قال الله تعا{قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلْ اللْهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَـذَا الْقُـرْآنُ لأُنـذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ } [23.] وقد بلغ الرسول صلى الله عليه وسلم القرآن للجن قال الله تعالى: {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَـرٌ مِـنْ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَ دًا } [2-1 .] قال تعا{وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنْ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِـتُوا فَلَمَّـا قُضِـيَ وَلْـوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ } [13.] وهذا يثبت بلوغ دعوته إلى الجن قطعاً، وكان ذلك عن طريق توافدهم عليه، واسـتماع هم إليـه صـلى الله عليه وسلم، وعن طريق ذهابه إليهم، وقراءته عليهم وسؤالاتهم وجواباته لهم. عن علقمة قال: سألت ابن مسعود رضي الله عنه هل شهد أحد منكم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الجن؟ قال: لا ولكنا كنا مـع رسـول الله صـلى الله عليـه وسـلم ذات ليلـة ففقـدناه، فالتمسـتاه في الأودية والشعاب! فقيل استطير؟! أو اغتيل؟!- استفهام تعجبي - قال ابن مسـعود: فبتنـا بشـرِّ ليلـة بات بها قوم، فلما أصبحنا إذا هو جاء من قبل حِراء، فقلنا: يا رسول الله فقدناك فطلبناك فلم نجدك، فبتنا بشر ليلة بات بها قوم، فقال صلى الله عليه وسلم: "أتاني داعي الجن، فـذهبت معهـم، فقـرأت عليهم القرآن" قال ابن مسعود: فانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم بنا فأرانا آثارهم وآثار نيرانهـم، وسألوه عن الزاد، فقال: "كل عظم ذكر اسم الله يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحماً، وكل بعرة أو روثـة علف لدوابكم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فـلا تسـتنجوا بهمـا فإنهمـا طعـام إخـوانكم" رواه مسلم. (2) وعن جابر قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على أصحابه، فقرأ عليهم سورة الرحمن من أولها إلى آخرها، فسكتوا. فقال: "لقد قرأتها على الجن فكانوا أحسن مردوداً منكم! كنـت كلمـا أتيـت علـى قوله - تعالى -: {فَبِأَيِّ ءالاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ } قالوا: لا شيء من نعمك ربَّنا نكذب، فلله الحمد (1) 2 - أحمد2/691 )(6263). و«مسلم»1/91 )و«أبو داود»06) 1 -تفسير ابن كثير ج6 ص113.
عدد الصفحات ١٠92 المبحثالرابع : هل من الجن رسل؟ الذي عليه جمهور السلف انه ليس من الجن رسلا وإ ا الرسل من الإنس وهم تبع لهم يقول ابن كثير –رحمه الله – في قوله تعالى :(يَا مَعْشَرَ الْجِـنِّ وَالْـإِنْسِ أَلَـمْ يَـأْتِكُمْ رُسُـلٌ مِـنْكُمْ يَقُصُّـونَ عَلَيْكُمْ آَيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَـى أَنْفُسِـنَا وَغَـرَّتْهُمُ الْحَيَـاةُ الـدُّنْيَا وَشَـهِدُوا عَلَـى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِي نَ (290 )الأنعام 290 ) وهذا أيضا مما يُقرع الله به سبحانه وتعالى كافري الجن والإنس يوم القيامة، حيث يسألهم -وهـو أعلـم -: هل بلغتهم الرسل رسالاته؟ وهذا استفهامُ تقرير: { يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِـ نْكُمْ } أي: من جملتكم. والرسل من الإنس فقط، وليس من الجن رسل، كماقد نص على ذلك مجاهـد، وابـن جُرَيْت، وغير واحد من الأئمة، من السلف والخلفوقال ابن عباس: الرسل من بني آدم، ومن الجن نُذُر . وحكى ابن جرير، عن الضحاك بن مُزاحم: أنه زعم أن في الجن رسلا واحتت بهذ ه الآية الكريمة وفي الاستدلال بها على ذلك نظر؛ لأنها محتملة وليست بصريحة، وهي -والله أعلم -كقوله{ مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ . بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لا يَبْغِيَانِ } إلى أن قال{ يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ } [ 23 -11] وقد نص هذا الجواب بعينه ابن جرير، والدليل على أن الرسل إ ا هم من الإنس قوله تعالى: { إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ } إلى أن قال{ رُسُلا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللْهِ حُجَّةٌ } [219 -216] إبراهيم{ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ } [وت15] في ذريته، ولم يقل أحد من الناس: إن النبوة كانت في الجن قبل إبراهيم الخليل ثم انقطعت عنهم ببعثته. وقال تعالى: { وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطْعَامَ وَ يَمْشُونَ فِي الأسْوَاقِ } [10]{ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلا رِجَالا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى } [203] { وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلْوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ . قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنزلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْ دِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى
عدد الصفحات ١١93 طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ * يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللْهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِ نْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * وَمَنْ لا يُجِبْ دَاعِيَ اللْهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الأرْنِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُ ونِهِ أَولِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ } [13 -391(2) وهل فيهم رسل أم ليس فيهم إلا نذر على قولين فقيل فيهم رسل لقوله تعالى يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم وقيل الرسل من الإنس والجن فيهم النذر وهذا أشهر فإنه أخبر عنهم بإتباع دين محمد وأنهم ولوا إلى قومهم منذرين قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى الآية قالوا وقوله ألم يأتكم رسل منكم كقوله يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان وإ ا يخرج من المالح وكقوله وجعل القمر فيهن نورا وجعل الشمس سراجا والقمر فى واحدة أصناف الجن: * الجن أصناف من حيث الإيمان والكفر والطاعة والعصيان اعلم علمني الله وإياك :أن الجن كالبشر من ناحيـة الإيمـان بـالله والكفـر بـ ه ومـن ناحيـة الطاعـة و المعصية قال الله تعالىمخبر عن تلك الحقيقة علـى لسـانهم : {وَأَنَّـا مِنَّـا الصَّـالِحُونَ وَمِنَّـا دُونَ ذَلِـكَ } [22فمنهم المسلم الذى اسلم وحهه للله حنيفا ومنهم الكـافر: قـال الله تعـالى إخبـاراً عـن قـول الجن: {وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا * وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّ مَ حَطَبًا } [26-26.] {وَشَهِدُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ } [290 .] - والجن أصحاب آراء مختلفة ومشارب متفرقة وطرق متعددة، قال الله تعا{وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا) } [ن22.] - إبليس من الجن. قال الله تعا{وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ كَـانَ مِـنْ الْجِـن فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ } [60.] الكافر من الجن يسمى شيطاناً قال الله تعا {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُـلِّ نَبِـ يٍّ عَـدُواا شَـيَاطِينَ الإِنـسِ وَالْجِـنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَـاءَ رَبُّـكَ مَـا فَعَلُـوهُ فَـذَرْهُمْ وَمَـا يَفْتَـرُونَ } [ 221.] 2 - تفسير ابن كث- (ج 9 / ص960
عدد الصفحات ١٢92 المبحث الخامس: مدى تأثير الشيطان على الإنسان: أخي المسلم000اختى المسلمة قد قول قائل :هل للشيطان سلطان على البشر ادم لا ؟ لقد تحدث القران عن هذه القضية و أوضحها ولم يدع مجالا للشك قد اخبرنا الله أن الشيطان قـد أخـذ نفسه العهد أن يغوى بنى ادم أن استطاع إلى ذلك سـبيلا واسـتثنى عبـاد الله المخلصـين فقـال سـبحانه موضح ذلك على لسان الشيطان (قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْنِ وَلَـأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِـينَ (93 ) إِلْا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (60)( الحجر يقول الفخر الرازي – رحمه الله - وأما قوله : { إِلاْ عِبَادَكَ مِنْهُمُ المخلص } ففيه مسائل : المسألة الأولى: اعلم أن إبليس استثنى المخلصين ، لأنه علم أن كيده لا يعمل فيهم ، ولا يقبلـون منـه ، وذكرت في مجلس التذكير أن الذي حمل إبليس على ذكر هذا الاستثناء أن لا يصير كاذباً في دعواه فلمـا احترز إبليس عن الكذب علمنا أن الكذب في غاية الخساسة . اعلم أن إبليس لما قال : { لأزَيّنَنَّ لَهُمْ فِى الأرن وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاْ عِبَادَكَ مِنْهُمُ المخلص } أوهم هذا الكلام أن له سلطاناً على عباد الله الذين يكونون من المخلصين ، فبين تعالى في هذه الآية أنه ليس له سلطان على أحد من عبيد الله سواء كانوا مخلصين أو لم يكونوا مخلصين ، بل من اتبع منهم إبليس باختياره صار متبعاً له ، ولكن حصول تلك المتابعة أيضاً ليس لأجل أن إبليس يقهره على تلك المتابعة أو يجبره عليها والحاصل في هذا القول : أن إبليس أوهم أن له على بعض عباد الله سلطاناً ، فبين تعالى كذبه فيه ، وذكر أنه ليس له على أحد منهم سلطان ولا قدرة أصلاً ، ونظير هذه الآية قوله تعالى حكاية عن إبليس أنه قال : { وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مّن سلطان إِلاْ أَن دَعَوْتُكُمْ فاستجبتم لِي } [ إبراهيم11 ]{ إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَ انٌ على الذين ءامَنُواْ وعلى رَبّهِمْ يَتَوَكْلُونَ * إِنَّمَا سلطانه على الذين يَتَوَلْوْنَهُ والذين هُم بِهِ مُشْرِكُونَ } [33 ،200 ] هذه الآية تدل على بطلان قول من زعم أن الشيطان والجن يمكنهم صرع الناس وإزالة عقولهم كما يقوله العامة ، وربما نسبوا ذلك إلى السحرة قال وذلك خلاف ما نص الله تعالى عليه ، وفي الآية قول آخر ، وهو أن إبليس لما قال : { إِلاْ عِبَادَكَ مِنْهُمُ المخلص } [60 ]
عدد الصفحات ١٣91 المخلصين صدقه الله في هذا الاستثناء فقال{ إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سلطان إِلاْ مَنِ اتبعك مِنَ الغاوين } فلهذا قال الكلبي : العباد المذكورون في هذه الآية هم الذين استثناهم إبليس(2) * ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أن الشيطان لما أوعد بأنه سيضل أكثر بني آدم استثنى من ذك عباد الله المخلصين معترفاً بأنه لا قدوة له على إضلالهم ونظيره قوله في ص أيضاً { قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاْ عِبَادَكَ مِنْهُمُ المخلصين } [01-09 ] قوله في بني إسرائيل{ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إَلاْ قَلِيلاً } [11 ]{ وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فاتبعوه إِلاْ فَرِيقاً مِّنَ المؤمنين } [10 ]{ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ } [25 ]لشيطان لا سلطان له على أولئك المخلصين كقوله { إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ } [61 ]{ إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ على الذين آمَنُواْ وعلى رَبِّهِمْ يَتَوَكْلُونَ إِنَّمَا سُلْطَانُهُ على الذين يَتَوَلْوْنَهُ وال ذين هُم بِهِ مُشْرِكُونَ } [ النحل33-200 ]{ وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاْ لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بالآخرة مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ } [12 ]وقوله { وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاْ أَ ن دَعَوْتُكُمْ فاستجبتم لِي } [11 ] يقول الطبري– رحمه الله -واختلف أهل التأويل في المعنى الذي من أجله لم يسلط فيه الشيطان على المؤمن. فقال بعضهم بما حُدّثت عن واقد بن سليمان، عن سفيان، في قوله{ إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الْذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكْلُونَ } قال: ليس له سلطان على أن يحملهم على ذنب لا يغفر. وقال آخرون: هو الاستعاذة، فإنه إذا استعاذ بالله منع منه ، ولم يسلط عليه ، واستشهد لصحة قوله ذلك بقول الله تعالى:( وَإِمَّا يَنزغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نزغٌ فَاسْ تَعِذْ بِاللْهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) وقال آخرون في ذلك، بما حدثني 0000 عن الربيع، في قوله( إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الْذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكْلُونَ ) إلى قوله( وَالْذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ ) يقال: إن عدوّ الله إبليس قال( لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ 2 - تفسير الرازي- (ج 3 / ص922
عدد الصفحات ١٤96 الْمُخْلَصِينَ ) فهؤلاء الذين لم يجعل للشيطان عليهم سبيل، وإ ا سلطانه على قوم اتخذوه وليا ، وأشركوه في أعمالهم. حدثني محمد بن سعد، قال: 000عن ابن عباس، قوله ( إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى ا لْذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكْلُونَ ) يقول: السلطان على من تولى الشيطان وعمل بمعصية الله . حدثنا بشر، قال 00عن قتادة، قوله ( إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الْذِينَ يَتَوَلْوْنَهُ ) يقول: الذين يطيعونه ويعبدونه. وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، قول من قال: معناه: إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا فاستعاذوا بالله منه، بما ندب الله تعالى ذكره من الاستعاذة( وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكْلُونَ ) على ما عرن لهم من خطراته ووساوسه. وإ ا قلنا ذلك أولى التأويلات بالآية ، لأن الله تعالى ذكره أتبع هذا القول( فَإِ ذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللْهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ) وقال في موضع آخر:( وَإِمَّا يَنزغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نزغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللْهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) فكان بينا بذلك أنه إ ا ندب عباده إلى الاستعاذة منه في هذه الأحوال ل يُعيذهم من سلطانه (2) ويقولالشنقيطي – رحمه الله -فإن قيل : اثبت الله للشيطان سلطاناً على أوليائه في آيات . كقوله هنا { إِنَّمَا سُلْطَانُهُ على الذين يَتَوَلْوْنَهُ } [200 ]{ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِ لاْ مَنِ اتبعك مِنَ الغاوين } [61 ] اتبعه من الغاوين : مع أنه نفى عنه السلطان عليهم في آيات أخركقوله: { وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فاتبعوه إِلاْ فَرِيقاً مِّنَ المؤمنين وَمَا كَانَ لَ هُ عَلَيْهِمْ مِّن سُلْطَانٍ } [10-12 ] . وقوله تعالى حاطياً عنه مقرراً له: { وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاْ أَن دَعَوْتُكُمْ فاستجبتم لِي } [ إبراهيم11 ] . فالجواب هوأن السلطان الذي أثبته له عليهم غير السلطان الذي نفاه ، وذلك من وجهين : 2 - تفسير الطبري- (ج 25 / ص136
عدد الصفحات ١٥92 الأول-أن السلطان المثبت له هو سلطان إضلاله لهم بتزينه، والسلطان المنفي هو سلطان الحجة . فلم يكن لإبليس عليهم من حجة يتسلط بها، غير أَنه دعاهم فأجابوه بلا حجة ولا برهان . وإطلاق السلطان على البرهان كثير في القرآن. الثاني -أن الله لم يجعل له عليهم سلطاناً ابتداء البتة ولكنهم هم الذين سلْطوه على أنفسهم بطاعاته ودخولهم في حزبه، فلم يتسلط عليهم بقوة. لأن الله يقول: { إِنَّ كَيْدَ الشيطان كَانَ ضَعِيفاً } [51 ] واختيارهم. ذكر هذا الجواب بوجهيه العلامة ابن القيم رحمه الله. وقد بينا ها في كتابنا ( دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب (2) المبحثالسادس: هل يعلم الجن الغيب؟ هل يعلم الجن الغيب؟ يزعم كثير من الناس أن الجن يعلمون الغيب ويستدلون على ذلك بأن السحرة الذين يتعاملون مع الجـن يخبرون عن أمور غيبية، وهذا كله من الجهل المحكم بكتاب الله وبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الإمام الرازي-رحمه الله- المسألة الثالثة عشرة: اختلفوا في أن الجن هل يعلمون الغيب؟ وقد بين الله تعالى في كتابه أنهـم بقـوا في قيد سليمان عليه السلام وفي حبسه بعد موته مدة وهم ما كانوا يعلمون موته، وذلـك يـدل علـى أنهـم لا يعلمون الغيب، ومن الناس من يقول أنهم يعلمون الغيب، ثم اختلفوا فقال بعضهم إن فـيهم مـن يصـعد إلى السموات أو يقرب منها ويخبر ببعض الغيوب على ألسنة الملائكة، ومنهم من قال : لهم طرق أخرى في معرفة الغيوب لا يعلمها إلا الله ، واعلم أن فتح البـاب في أمثـال هـذه المباحـث لا يفيـد إلا الظنـون والحسبانات والعالم قائقها هو الله تعالى . (1) 2 - أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن25 /199) 1 -) تفس الرازي - (ج 2 / ص00)
عدد الصفحات ١٦