المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

التواصل اللغوي في الخطاب القرآني دراسة في الاستئناف البياني

العزوزي حرزولي

صفحة ٧ من ٢٥

الفصل الثاني 84 كماؿ الاتصاؿ كذلؾ بأف تككف الجممة جكابا عف سؤاؿ فييً ـ مف الجممة الأكلى كتسمى حينئذو جممة استئنافية، كرابعي ا: أف يككف بيف الجممتيف الأكلى ك الثانية جممة أخرل متكسٌ طة بينيما بحيث لك عي طفً ت الثالثة عمى الأكلى المناسبة ليا لتي كى ـ أنيا معطكفة عمى المتكسطة فيي ترؾ العطؼ كيسمٌ ى شبو كماؿ الانقطاع، كخامسيا أف يككف بيف الجممتيف تناسب كارتباط لكف يمنع مف عطفيما مانع كىك عدـ اشتراكيما في الحكـ كيسمٌ ى التكسط بيف الكماليف1. كعرؼ بعض المحدثيف شبو كماؿ الاتصاؿ أك الاستئناؼ البياني بطريقة تبرز البعد التكاصمي بالقكؿ:" يككف شبو كماؿ الاتصاؿ حينما تككف الجممة السابقة مما يثير في نفس المتمقي سؤالا يتردد في نفسو كلك لـ يصرح بو فتأت ي الجممة الثانية لتجيب عف ىذا السؤاؿ، كتأتي دكف أف تعطؼ بالكاك، كعمى أسمكب الاستئناؼ، فالجممة الكاقعة جكابا لسؤاؿ مقدر ذىنا...غير مصرح بو: ىي جممة استئنافية" 2. كا لى ذلؾ ف الاستئناؼ يمثؿ تقاطع عم ك ـ عدة: عمـ القراءات ك عمـ الن حك ك عمـ المعاني عمى تفاكت بينيا إلى أف عر ؼ ىذا العمـ مكانو المتميز عمى يد عبد القاىر الجرجاني في دلائؿ الإعجاز. ك لعؿٌ ىذا ما يفسٌ ر كثرة المصطمحات مف ابتداء ك ائتناؼ ك استئناؼ ك شبو كماؿ الاتصاؿ ك الاستئناؼ البياني، لكف في كؿ الأحكاؿ فقد ناؿ ىذا المكف مف عمـ المعاني دراسات تنكعت بيف ما كاف معتمده الفكر كما كاف معتمده الذكؽ ك إف كاف نادرا قميلب ، كما تجدر الإشارة إلى أف ىذا المكضكع عكلج مف قبؿ النحاة كالبيانييف في أبكاب مختمفة منيا باب الحذؼ كما فعؿ عبد القاىر الجرجاني عند حديثو عف حذؼ الأسماء " كمف المكاضع التي 1 - ينظرجكاىر البلبغة في المعاني كالبيف كالبديع، السيد أحمد الياشمي، شرح كتحقيؽ حسف حمد، دار الجيؿ، بيركت، دت، ص 130 ك البلبغة كالتطبيؽ، أحمد مطمكب كحسف البصير، كزارة التعميـ العالي، العراؽ، ط 2،1999، ص 158-160 2 - البلبغة العربية، أسسيا كعمكميا كفنكنيا، عبد الرحماف حسف حبنؾ الميدياني، دار القمـ، دمشؽ، ط 1،1996، ج1، ص 586

عدد الصفحات ٩٨

الفصل الثاني 85 يط ردي فييا حذؼي المبتدأ، "القطع الأكؿى، كيىستأنفكف كلبمان آخرى، كا ًذا فعىمكا ذلؾ، أتكٍا في أكثرً الأمرً بخبىرو مف غىير مبتدإ " 1 لكف التفصيؿ جاء في باب الفصؿ كالكصؿ كما سيأتي كما أفٌ النحاة عالجكا مكضكع الاستئناؼ البياني في باب النعت المقطكع ك أسمكب التعم يؿ2 كما عكلج في باب أضرب الخبر فالضرب الطمبي كثيؽ الصمة بالاستئناؼ البياني كىكذا تمزقت دراسة ىذا المكضكع بيف أبكاب نحكية عديدة كأبكاب بلبغية متفرقة. الاستئناف و القراءات: إذا كاف مجاؿ القراءات ىك القرآف الكري ـ فإنو مجاؿ الاستئناؼ أيضا ك ا ف كاف يتجاكزه إلى حديث الناس كذلؾ، ك التأليؼ في الك قؼ ك الابتداء أك القطع ك الاستئناؼ مبكر قياسا لعممي النحك ك البلبغة فنجد ضرار بف سرد (ت 129ىػ) يؤلؼ كتابا بعنك اف الك قؼ كالابتداء ك قد ذكر بف النديـ ثمانية مؤلفات في ىذا الفف تعك د إلى ما قبؿ 215 ىػ، يقك ؿ ابف الأنبارم :" ك مف تماـ معرفة إعراب ال قرآف ك معانيو ك غريبو معرؼ ال ك قؼ كالابتداء"3 . كىذه العلبقة ال ك طيدة ىي التي دفعت - فيما يبد ك- رابح د ك ب إلى تعميؿ اىتماـ رائد المفسٌر يف ابف جرير الطبرم بم ك ضك ع الفصؿ ك الك صؿ ك الاستئناؼ مف ضمنو إذٍ قاؿ:"ك درس الفصؿ ك الك صؿ لقي عند الطبرم أكبر عناية ك كاف ليذا الدرس البلبغي عنده أكبر رصيد ك لعؿ السر في ذلؾ يعكد إلى نب ك غو في عمـ القراءات ... ك ىك عماد الفصؿ ك الك صؿ ك ىك العمـ الذم أعار المصطمح إلى البلبغة" 4 فالأسبقية في ظ يك ر مصطمح الاستئناؼ كاف في ىذا المجاؿ ك لعؿ أك ؿ كتاب حمؿ ىذا العنك اف ىك كتاب ابف النحاس "القطع ك الائتناؼ"، 1- دلائؿ الإعجاز، عبد القاىر الجرجاني، ص 147 2- أسمكب التعميؿ في المغة العربية، أحمد خضير عباس، دار الكتب العممية، بيركت، ط 1،2007، ص182 3- الكقؼ كالابتداء في كتاب ا﵀ لمحمد بف القاسـ بف الأنبارم، تح: محي الديف عبد الرحماف رمضاف، مجمع المغة العربية، دمشؽ، 1971، ج1، ص108. 4- البلبغة عند المفسٌريف حتى نياية القرفالرابع ىجرم ػ، رابح دكب، دار الفجر لمنشر كالتكزيع، القاىرة، ط 1،1997، ص 400

عدد الصفحات ٩٩

الفصل الثاني 86 كخلبصة القك ؿ أف للبستئناؼ مكانة ميمة في عمـ القراءات ك قد بيٌ ف الزركشي ذلؾ بق ك لو: " ك ىك فف جميؿ ك بو يعرؼ كيؼ أداء القرآف ك يترتب عمى ذلؾ ف ك ائد كثيرة ك استنباطات غزيرة ك بو تتبيف معاني الآيات ك يؤمف الاحتراز عف الك قك ع في المشكلبت" 1 . أمٌابحث الاستئناؼ في النحك كالبلبغة كىي الأقرب إلى المكضكع فستدرس مف خلبؿ التتبع التاريخي لمصطمح الاستئناؼ البياني كمفيكمو في التراث عند المغكييف ذلؾ أفٌ عمكـ العربية لـ تكف مستقمة أكؿ الأمر بعضيا عف بعض. الاستئناف البياني في التراث العربي : 1. سيبو يه(ت 185هـ: إذا أخذنا في الاعتبار أف كتاب سيبك يو يعد أكؿ مؤلؼ لغك م في الثقافة العربية فإنو يتحتـ البحث فيو عف إشارات ليذا الم ك ضك ع ك لعؿ أىـٌ ملبحظتيف في ىذا المجاؿ ىما: - أف سيبك يو لـ يشر إلى مصطمح (الاستئناؼ البياني) تماما - ك أنٌو بحث مك ضك ع الاستئناؼ البياني في ثنايا الكتاب إذ نجد أفٌ إشارات كثير ة ممٌا دخؿ فيما بعد تحت اسـ البلبغة مك جك دة فيو ك لئف كانت شيرة سيب ك يو في النحك قد صرفت الناس في البحث في الج ك انب الأخرل مف الكتاب عمى أفٌ النحك الذم نعرفو الي ك ـ لـ يكف في عصر سيبك يو مستقلب عف سائر عمك ـ العربية ك ا نما كاف جزءن منو ك الكتاب ليس كتاب نحك فقط ك ا نما ىك كتاب في عمك ـ العربية فيو المغة ك النصٌ ك ص ك فيو النحك ك الصرؼ ك فيو البلبغة ك العر ك ض ك فيو القراءات ك التجك يد...كما أفٌ ال نحك نفسو لـ يكف عند سيبك يو ك أمثالو مقصك را عف الإعراب ك البناء ك عف الجز ئيات الفرعية ك ا نما كاف يؤدم إلى فيـ كلبـ العرب 2 كأساليبيـ المختمفة كمنيا الاستئناؼ البياني . 1- البرىاف في عمكـ القرآف، أبك عبد ا﵀ بدر الديف محمد بف عبد ا﵀ بف بيادر الزركشي ، تح ابراىيـ محمد أبك الفضؿ ابراىيـ، دار المعرفة، بيركت لبناف، ط 1،1957، ص342 -2 المكجز في تاريخ البلبغة، مازف المبارؾ، دار الفكر، دمشؽ، د ت ، ص 50،51

عدد الصفحات ١٠٠

الفصل الثاني 87 كيمكننا اثبات ذلؾ مف خلبؿ بعض النماذج التي نقؼ عمييا في الكتاب، فقد عمٌ ؽ عمى بيت الفرزدؽ : ك رثت أبي أخلبقو عاجؿ القرل ك عبط الميارم ك ك مييا ك شبك بييا فكأف قيؿ لو أم الميارم ؟ فقاؿ ك ك ميا ك شبك بيا، ك تقك ؿ مررت برجؿ الأسد شدة كأنؾ قمت مررت برجؿ كامؿ ؛ لأنؾ أردت أف ترفع شأنو ، ك ا ف شئت استأنفت كأنٌو قيؿ ما ىك1 . ثـ أف سيبك يو يتحدث عف القطع ك الابتداء، ك ذلؾ في قك لو : «ىذا باب المعرفة مف النكرة ك المعرفة مبتدأة »2 . كعف سيبكيو :قاؿ ميميؿ: كسقيتي تيـى ا﵀ً كأسان مرٌةن .. . كالنار شب سعيريىا بضًراـً كلقد خبىطٍفى بيكتى يشكيرى خبطةن .. . أخكالناٍ كىيـ بنك الأعماـً الشاىد فيو أنٌو رفع (أخكالنا) عمى أنٌو خبر ابتداء محذكؼ، كأنٌو قاؿ: ىـ أخكالنا كىـ بنك الأعماـ. كقكلو: كىـ بنك الأعماـ، يدؿ عمى المبتدأ المحذكؼ 3،كأنٌو حيف قاؿ: خطبف بيك ت يشكر قيؿ لو : ك ما ىك ؟ فقالك ا: أخك النا ك ىـ بنك الأعماـ...ك تقك ؿ مررت برجؿ الأسد -1 الكتاب،سيبكيو أبك البشر عمرك بف عثماف بف قنمبر، تحقيؽ عبد السلبـ محمد ىاركف، دار الجيؿ، بيركت، د ت، ج2، ص17 . -2 المصدر نفسو، ج2، ص14 . 3- شرح أبيات سيبكيو، يكسؼ بف أبي سعيد السيرافي، تح: الدكتكر محمد عمي الريح ىاشـ، مكتبة الكميات الأزىرية، دار الفكر لمطباعة كالنشر كالتكزيع، القاىرة – مصر، 1974 م، ج2، ص41

عدد الصفحات ١٠١

الفصل الثاني 88 شدةن كأنؾ قمت مررت برجؿ كامؿ أردت أف ترفع شأنوك ا ف شئت استأنفت كأنٌو قيؿ : ما ىك؟1 كما طرؽ سيب ك يو ىذا الم ك ضك ع في باب بدؿ المعرفة مف النكرة ك المعرفة مف المعرفة ك قطع المعرفة مف المعرفة مبتد أة فقاؿ:" أمٌا بدؿ المعرفة مف النكرة فق ك لؾ مررت برجؿ عبد ا﵀ كأنٌو قيؿ لو : بمف مررت؟ أك ظفٌ أنٌو يقاؿ لو ذلؾ فأبدؿ مكانو ما ىك أعرؼ . كما تحدث عف مك ضك ع الاستئناؼ البياني في ما لا يعمؿ في المعرؼ إلا مضمرا " أمٌا قك ليـ نً عـ الرجؿ عبد ا﵀، ك عبد ا﵀ نً عـ الرجؿ ك أنٌو قاؿ نً عـ الرجؿ فقيؿ لو: ما ىك ؟ فقاؿ : عبد ا﵀، ك ا ذا قاؿ عبد ا﵀ فكأنٌو قيؿ لو : ما شأنو؟ فقاؿ: نً عـ الرجؿ" 2 كىذا ما حدا بعبد القادر حسيف إلى الق ك ؿ معم قا عمى عدـ تعرض سيب ك يو إلى مصطمح ال ك صؿ ك الفصؿ لا باسمو ك لا مك ضك عاتو فذلؾ لـ يكف معيك دا في زمانو " ك ا نما عرؼ في ما بعد عمى يد الفرٌاء ك لكف الذم ذكر سيبك يو ىك ما يفيد شبو كماؿ الاتصاؿ ك ا ف لـ يصرح باسمو" 3. كخلبصة القك ؿ أف سيبك يو قد ضمٌ ف الجممة الأكلى سؤالا ك جعؿ الثانية جك ابا ليذا السؤاؿ المقدر بؿ نصٌ عمى أفٌ ال جممة الثانية استئناؼ ك ىذ ما سيكك ف محؿ دراستنا إف شاء ا﵀ . ك قد عمؽ أحد الباحثيف عمى جيد سيب ك يو بق ك لو" إف ال ك قك ؼ أمٌا عبارات سيب ك يو ك ىك يحاكؿ أف يحمؿ ال نصٌ الشعرم مف خلبؿ تص ك ره لمسياؽ المغ ك م الذم ك قع فيو ال نصٌ linguistic context كمحاكلة تأمؿ ذلؾ الم ك قؼ ك ىذا التحميؿ يعطينا ص ك رة ك اضحة عمى ارتباط ىذا المغ ك م الجميؿ بمعطيات السياؽ ك مدل اىتمامو بسياؽ الحاؿ ك ىذا يعني أف سيبك يو لـ يكف ييتـ بالمنحى المعيارم فحسب إنما كاف يراعي جانب التحميؿ المغ ك م بصك رة 1- الكتاب، سيبكيو، ج2، ص14-17. 2- المصدر نفسو، ج2،ص 177. 3- أثر النحاة في البحث البلبغي، عبد القادر حسيف، دار غريب لمطباعة كالنشر، القاىرة، 1988، ص98.

عدد الصفحات ١٠٢

الفصل الثاني 011 دقيقةك اعية ك لمنظر إليو ك ىك يقك ؿ :" أنو حيف قاؿ خبطف بيك ت يشكر قيؿ لو ك ما ىـ فقاؿ أخك النا ك ىـ بنك الأعماـ "1 . كىذا مممح داؿٌ عمى أىمية الاستئناؼ البياني كبعده التكاصمي فالمؤلىؼ النحكم الأكؿ في التراث العربي كا ف لـ يشر إلى مكضكع الفصؿ كالكصؿ مصطمحات كمكضكعا أشار إلى مكضع الاستئناؼ البياني ككضع اليد عمى بعده التكاصمي كالتصكر قطب التكاصمي الثاني بتقدير السؤاؿ. 2. الفـــــــــــــر اء (ت 207هـ: ك قد عرض الفرٌاء لمك ضك ع الك صؿ ك الفصؿ عمك ما ك لمك ضع الاستئناؼ خاصة ك البياني منو عمى كجو أخص، في الحك ار القرآني بػ" قاؿ" ك اتسـ أسمك بو بالك ضك ح ك الدقة العممية قياسا إلى ما ك جدناه عند سيبك يو2 . كيستعمؿ الفرٌاء مصطمح الاستئناؼ مرٌة ك مصطمح الائتناؼ مرٌ ة أخرل ك قد كانت لو الأسبقية في نماذج عديدة ك شاعت عند المتأخريف عنو فقد عمؽ عمى ق ك لو تعالى : ذَهَبَ الله بِن و رِهِم و تَرَكَه م فِي ظممات لاَ ي بصِر ون ص مٌّ ب كمٌ ع ميٌ ...  فقاؿ مفسٌر ا مجيء صـٌّ بكـه عمي مرفك عة بقك لو رفعف ك أسماؤىف في أكؿ الكلبـ منصٌ ك بة ؛ لأفٌ الكلبـ تـ ك انقضت بو آية ثـ استؤنؼ: صـ في آية أخرل فكاف أق ك ل للبستئناؼ3 . كأك ضح الأمثمة عمى ذلؾ تعميقو عمى الآيتيف 6 مف سك رة إبراىيـ ك49 مف سك ر ة البقرة مفسٌر ا ال ك صؿ ك الاستئناؼ إذا قاؿ في الآية الأكلى : ﴿                     1- الاستئناؼ في كتاب سيبكيو، درس في النحك كالبلبغة، حسف عبد المقصكد، مجمة عمكـ المغة رقـ 29،دار غريب لمنشر كالتكزيع، القاىرة، 2005، المجمد8 العدد الأكؿ، ص53 . 2- المعاني في ضكءأساليب القرآف، عبد الفتاح لاشيف، دار المعارؼ / مصر/ ط 1977، ص310 3- معاني القرآف، أبك زكريا يحيى بف زياد بف عبد ا﵀ الديممي الفراء، تحقيؽ محمد عمي النجار كأحمد يكسؼ نجاتي، دار المصرية لمتأليؼ كالترجمة - مصر ، ط 1، ج1 ص16 .

عدد الصفحات ١٠٣

الفصل الثاني 010   ﴾ فقد كاف تحميمو معنيا عف الذك ؽ إذٍ قاؿ" فمعنى الكاك أنيـ يسميـ العذاب غير التذبيح، كأنيـ يعذبك نكـ بغير الذبح ك بالذبح ك معنى طرح الكاك كأنو تفسير لصفات العذاب ك ا ذا كاف أكلو غير آخره ثـ أك رد أمثمة أخرل ليفسر ال ك صؿ أك الفصؿ ك الاستئناؼ"1 . كالأىـٌ أنو أشار إلى الاستئناؼ البياني المتربط بالفعؿ " قاؿ" ففي ق ك لو جؿ ثناءه:﴿ كىا ًذٍ قىاؿى ميكسىى لًقىكٍمًوً إًف الم وى يىأٍميريكيـٍ أىف تىذٍبىحيكاٍ بىقىرىةن قىاليكاٍ أىتىت خًذينىا ىيزيكنا قىاؿى أىعيكذي بًا لم وً أىفٍ أىكيكفى مًفى الٍجىاىًمًيفى ﴾. كىذا فًي القرآف كثير بغير الفاء، كذلؾ لأنو جكابه يستغنى أكلوي عف آخره بالكقفة عميو، فيقاؿ: ماذا قىاؿى لؾ؟ فيقكؿ القائؿ: قاؿ كذا ككذا فكأفٌ حسف السككت يجكز بو طرح الفاء. كأنت تراه فًي رء كس الآيات - لأنيا فصكؿه - حىسىننا مف ذلؾ: ﴿قاؿى فىما خىطٍبيكيـٍ أىيُّيىا الٍميرٍسىميكفى. قاليكا إًن ا أيرٍسًمٍنا ﴾ كالفاء حسنة مثؿ قكلو: ﴿فىقاؿى الٍمىلؤىي ال ذًيفى كىفىريكا ﴾ كلك كاف عمى كممة كاحدة لـ تيسقط العرب منو الفاء. مف ذلؾ: قيمتي ففىعىمٍت، لا يقكلكف: قمت فعمت، كلا قمت قاؿ، حىت ى يقكلكا: قيمٍتي فقاؿ، كىقيمٍتي فقاـ لأنيا نىسىؽه كليست باستفياـ يكقؼ عميو ألا ترل أنو: «قاؿى»فرعكف ﴿لًمىفٍ حىكٍلىوي أىلا تىسٍتىمًعيكفى. قاؿى رىبُّكيـٍ كىرىبُّ آبائًكيـي الأٍىك لًيفى ﴾ فيما لا أحصيو2. كقد فيـ الباحث مف كلبـ الفراء إشارة ميمٌة إلى دكر الاستئناؼ في الترابط النصٌي ذلؾ أنو كازف بيف أسمكب المقاكلة الذم تـٌ بو الربط ك الفاء العاطفة رغـ أنو لـ يستعمؿ مصطمح المقاكلة أك مصطمح الاستئناؼ البياني في ىذا المقاـ ك الدليؿ عمى ذلؾ قكلو :"كمثمو مف غير الفعؿ كثيره فًي كتاب الم و بالكاك كبغير الكاك ف أمٌا الذم بالكاك فقكلو: ﴿قيؿٍ أىأينىب ئيكيـٍ بًخىيٍرو مًفٍ ذلًكيـٍ لًم ذًيفى ات قىكٍا عًنٍدى رىب يًـٍ ﴾ ثيـ قىاؿى بعد ذلؾ: ﴿الص ابًرًيفى كىالص ادًقًيفى كىالٍقانًتًيفى كىالٍمينٍفًقًيفى -1معاني القرآف، أبك زكر يا يحيى بف زياد بف عبد ا﵀ الديممي الفراء، ج 2، ص69 2 - المصدر نفسه، ج1، ص34-33.

عدد الصفحات ١٠٤

الفصل الثاني 011 كىالٍميسٍتى غٍفًرًيفى بًالأٍىسٍحارً ﴾. كقاؿ فًي مكضع آخر: ﴿الت ائًبيكفى الٍعابًديكفى الٍحامًديكفى ﴾ كقاؿ فًي غير ىذا: ﴿إًف ال ذًيفى فىتىنيكا الٍميؤٍمًنًيفى كىالٍميؤٍمًناتً ﴾ ثيـ قاؿ فًي الآية بعدىا: ﴿إًف ال ذًيفى آمىنيكا ﴾ كلـ يقؿ: كا فٌ "1. كىك كما نمحظ فيـ عميؽ لدكر الاستئناؼ في ربط ما قبمو بما بعده كخاصة باستعماؿ حرؼ "إفٌ" التككيدية التي كثيرا ما ارتبطت بالاستئناؼ البياني ، "ك مف ىنا يتبيف لنا ب ك ضك ح قد أطمؽ مصطمح الف ك اصؿ عمى رؤ ك س الآيات المنفصمة عمٌا قبميا، أمٌا إذا كانت الآية ك اقعة جك ابا لسؤاؿ مقدر فإنيا تنفصؿ عمٌا قبميا أيضا كما يفصؿ الجك اب عف السؤاؿ ك ىذا ما أسماه المتأخر ك ف بػ" شبو كماؿ الاتصاؿ" 2 . كخلبصة القكؿ أف الفراء قدٌر السؤاؿ كاستحضر المخاطب كانتبو إلى أسمكب المقاكلة بإشارات ذكية، بؿ كازف بيف الأسمكب السردم كالأسمكب الحكارم عند استعماؿ الفعؿ "قاؿ" كما انتبو إلى ارتباط ال بياني بػ"إفٌ " كىك بذلؾ قد أشار إلى معظـ ميزات الاستئناؼ البياني كالتي يبدك أنٌيا لـ تمؽى الاستثمار الكامؿ ممف جاء بعده، بؿ كقؼ كؿ كاتب عف ملبحظة أك اثنتيف دكف اجماليا في مكضع كاحد كىذا فيما اطٌمع عميو الباحث. 3. الجاحظ (ت255هـ: ك رغـ إشادة الجاحظ بم ك ضك ع الك صؿ ك الفصؿ حتى لا نكاد نقرأ عف ىذا الم ك ضك ع عند القدماء ك المحدثيف إلا ك جدنا ما نقمو الجاحظ عف الفارسي " ما البلبغة؟" قاؿ:" معرفة الفصؿ مف الك صؿ"3 كلكنو مع ذلؾ أشار إلى مك ضك عنا الاستئناؼ البياني ك تقدير السؤاؿ فقد رأل في قكؿ ا﵀ تعالى:" إف أصحاب الجنة اليك ـ في شغؿ فاكيك ف" ك أصحاب الجنة لا يك صفك ف بالشغؿ ك ا ف ذلؾ ج ك اب لقك ؿ قائؿ" خبرني عف أىؿ الجنة بأم شيء يتشاغم ك ف أـ ليـ فراغ أبدا" فيق ك ؿ المجيب " لا" 4 . كما نجد تقديره لمسؤاؿ إذٍ يقك ؿ:" قد كاف المسمم ك ف يتكمم ك ف 1 - معانيالقرآن، الفراء، ص 33 2- الكصؿ كالفصؿ في القرآف الكريـ، شكر محمكد عبد ا﵀، دار دجمة، الأردف، ط 1،2009، ص34 . 3 البيان والتبيين، الجاحظ، ج1، ص11. 4- الحيكاف، عمرك بف بحر بف محبكب الكناني بالكلاء، الميثي، أبك عثماف، الشيير بالجاحظ، دار الكتب العممية - بيركت، ط2،424ىػ،ج4، ص395 .

عدد الصفحات ١٠٥

الفصل الثاني 012 في الصٌلبةك يطبٌقك ف إذا ركع ك ا، فنيى عف ذلؾ إماـ مف الأئمٌة، ك ضرب عميو، بعد أف أظير النٌسخ، ك عرٌفيـ أف ذلؾ مف المنسك خ، فكأفٌ قائلب قاؿ: أتنيانا عف شيء، ك قد كاف عمى عيد النبيٌ صمى ا﵀ عميو ك سمـ؟ فيقك ؿ: نعـ. ك قد قدٌـ الاحتجاج في النٌاسخ ك المنسك خ"1. كبيذا فقد اتٌخذ الجاحظ مف الاستئناؼ البياني أسمكبا لتحميؿ الظكاىر المغكية عمى سنف العرب في كلبميا. 4. المبرد (ت286هـ: ك درس أيضا الاستئناؼ البياني كىك ما كاف إجابة عف سؤاؿ مقدر أك ما عرؼ فيما بعد بشبو كماؿ الاتصاؿ فقد نقؿ ابف الزممكاني عف المبرٌ د تعميقو عف قك ؿ ا﵀ تعالى :﴿ فآتيا فرع ك ف فقك لا إنا رس ك ؿى رب العالميف﴾ فكأنو قيؿ :فإذا قاؿ لكما " ما شأنكما؟" فقك لا ذلؾ2 . كما نستشؼ ذلؾ في ما ذكر في مناظرتو مع الفيمس ك ؼ الكندم، إذا برر التك كيد في قك ؿ العرب " إف زيدن ا منطمؽه " أنيا إجابة عف سؤاؿ مقدر . 5. عبدالقاهر الجرجاني(ت 471 هـ: لقد أشاد القدماء كالمحدثكف عمى سكاء بجيكد عبد القاىر الجرجاني كنظريتو المغكية النظـ المتضمنػة في كتػاب دلائػؿ الإعجاز، كقد ناؿ الكتاب مف الشيرة ما يغني عف الحديث عنو . كقد سبقت الإشارة إلى جيكد النحاة كالبلبغييف في ىذا المكضكع ، لكف كاف لعبد القاىر الجرجانػي الفضؿ الأكبر في إخراجو بأسمكب عممي حكيـ ينـٌ عف ذكاء كأستاذية ، فلب يكػاد يذكر الاستئناؼ أك الفصؿ أك الكصؿ إلا كذي كر الجي رجاني كجيكده ؛ ذلؾ أف مصطمح الفصؿ كالكصؿ عمكمن ا لـ يعرؼ الاستقرار طكاؿ الفترة التي سبقت الجرجاني ، فمـ يس تقر إلا 1- الحيكاف، الجاحظ، ج4، ص396 2 - التبياف في عمـ البياف المطمع عمى إعجاز القرآف، لابف الزممكاني، تح: د.أحمد مطمكب، د. خديجة الحديثي، مطبعة العالي، بغداد، ط1،1964، ص63.

عدد الصفحات ١٠٦

الفصل الثاني 013 عمى يده1،مما جعؿ مف جاء بعده مشدكديف إلى سمطانو تمقكا فصكلو كقكانينو ، كلـ يضيفكا إلييا شيئا يذكر. كميما يكف الأمر فإف عبد القاىر الجرجاني يعد رائدا لامعا في دراسة مكضكع الاستئنػاؼ بطريقػة تقػكـ عمى الجمع بيف النحك كالبلبغة ، كلو فضؿ السبؽ كالريادة. كقد درس عبد القاىر الاستئناؼ ضمف باب الفصؿ كبعد أفٍ بيٌف دكاعي فصؿ الجمؿ كالتي أطمؽ عمييا مصطمح الاتصاؿ إلى الغاية قاؿ:" ىذا، كىينا أمره سًكىل ما مضىىى يكجًبي الاستئناؼى كترؾى العطؼً، كىك أف الحكايةى عنيـ بأنيـ قالكا كيتى ككيتى، تحر ؾي السامعي ف لأف يعممكا مصيرى أمرىـ كما يصنع بيـ "2 ثـ يسترسؿ فيقكؿ كا ذا استقريتى كجدتى ىذا الذم ذكرتي لؾ مف تنزيمًيـ الكلبـ ، إذا جاء بً عقبً ما يقتضي سؤالان، منزلتو إذا صي ر ح بذلؾ السؤاؿً كثيران "3 كعمى كؿ ف النماذج المذككرة في التراث –محؿ الدراسة في ىذه الرسالة - مأخكذة مف دلائؿ الإعجاز. 6. ابن الأثير (ت 637هـ: لـ يعقد ابف الأثير بابا لمفصؿ أك الك صؿ ك جاء ذكره للبستئناؼ في باب الإيجاز4 . إذٍقاؿ بعد أف ذكر أقساـ الحذؼ:" فأمٌا القسـ الأكؿ ك ىك الذم تحذؼ منو الجمؿ فإنو ينقسـ إلى قسميف أيضا فأحدىما حذؼ الجممة المفيدة...ك لا تكاد تجده إلا في كتاب ا﵀ تعالى ك القسـ الآخر حذؼ الجممة غير المفيدة، ك قد ك ردا ىاىنا مختمطيف ك جممتيما أربعة أضرب: الضرب الأ ول: حذؼ السؤاؿ المقدر ك يسمى الاستئناؼ ك يأتي عمى ك جييف، الك جو الأكؿ إعادة الأسماء ك الصفات ك ىذا يجيء تارة بإعادة اسـ مف تقدـ الحديث عنو:" أحسنت 1 - ينظر بلبغة الكممة كالجممة ك الجمؿ، منير سمطاف، منشأة المعارؼ الاسكندرية، ط 2،1993، ص176. 2 - دلائؿ الإعجاز، عبد القاىر الجرجاني، ص 235 . 3 المصدر نفسو، الصفحة نفسيا 4- المثؿ السائر في أدبالكاتب كالشاعر لابف الأثير، تح محمد محي الديف عبد الحميد، المكتبة العصرية، بيركت، 1990، ج2، ص77-79

عدد الصفحات ١٠٧

الفصل الثاني 014 إلى زيد، زيد حقيؽ بالإحساف ك تارة يجيء ب إعادة صفتو كقك لؾ:" أحسنتي إلى زيد صديقيؾ القديـ أىؿ لذلؾ منؾ" ىك أحسف مف الأكؿ ك أبمغ لانطك ائو عمى بياف الم ك جب للئحساف ك تخصيصو. فمف ما ك رد مف ذلؾ ق ك ؿ ا﵀ تعالى:﴿  ﴾ ك الاستئناؼ ك اقع في ىذا الكلبـ عمى " أكلئؾ" لأنو لما قاؿ " ألـ ذلؾ الكتاب" إلى قك لو " بالآخرة ىـ ي ك قنك ف" اتجو لسائؿ أف يقك ؿ :" ما باؿ المستقميف بيذه الصفات قد اختصك ا باليدل" فأجيب بأف أكلئؾ المك صك فيف غير مستبعد أف يفك ز ك ا دك ف الناس عاجلب ك بالفلبح آجلب. الو جه الثاني: الاستئناؼ بغير إعادة الأسماء ك الصفات ك ذلؾ كقك ؿ ا﵀ تعالى: ﴿  ﴾ فمخرج ىذا الق ك ؿ مخرج الاستئناؼ لأف ذلؾ مف مظاف المسألة عف حالو عند لقاء ربو ك كأف قائلب قاؿ" كيؼ حاؿ ىذا الرجؿ عند لقاء ربو بعد ذلؾ التصمب في دينو ك التسخي لك جيو بر ك حو" فقيؿ :" أدخؿ الجنة" ك لـ يقؿ " قيؿ لو لانصٌ باب الغرض إلى المق ك ؿ لا إلى المقك ؿ لو مع كك نو معمك ما ك كذلؾ قك لو تعالى:" يا ليت قك مي يعممك ف" مرتب عمى تقدير سؤاؿ سائؿ عمٌا ك جد. ك مف ىذا النحك قك لو عز ك جؿ﴿   ﴾ ك الفرؽ بيف اثبات الفاء في "س ك ؼ" كقك لو تعالى ﴿    ﴾ ك بيف حذؼ الفاء ىاىنا في ىذه الآية أف إثباتيا ك صؿ ظاىر بحرؼ م ك ضك ع لمك صؿ ك حذفيا ك صؿ خفي تقديرم للبستئناؼ الذم ىك جك اب لسؤاؿ مقدر. كأنيـ قالك ا:" ماذا يكك ف إذا عممنا نحف عمى مكانتنا ك عممت أنت" فقاؿ " سك ؼ

عدد الصفحات ١٠٨

الفصل الثاني 015 تعممك ف" ف ك صؿ تارة بالفاء ك تارة بالاستئناؼ" لمتفنف في البلبغة ك أقك ل ال ك صميف ك أبمغيما الاستئناؼ ك ىك قسـ مف أقساـ عمـ البياف تتكاثر محاسنو فاعرفو إف شاء ا﵀ تعالى 1 . 7. يحي بن حمزة العم و ي (ت 749هـ: تميز العمك م عف البلبغييف الذم جاءك ا بعد السكٌاكي بمنيجو الذم تجنب فيو ما ساد في عصره مف حرص عمى تقنيف البلبغة ك تبك يبيا حتى كادت أف تفقد ر ك اءىا بؿ إف العمك م كاف شديد التأثر بالزممكاني ك ابف الأثير ك الجرجاني . ك قد نبو كسابقيو عمى أىمٌ ية الاستئناؼ ك درسو ضمف باب الفصؿ ك الك صؿ2، بؿ جعمو بعن ك اف دقيق ة تنك ييا بمكانتو3 . ثـ تحدث عف أسمك ب المقاكلة بطريقة قريبة جدا بؿ متطابقة عمٌا ذكره الجرجاني 4 . كمع أفٌ العمكم قد أحسف في تحميؿ ىذه الشكاىد كاستنتاج الاحكاـ فييا لكنو مع ىذا لـ يسـ ىذا الأسمكب استئنافن ا كما فعؿ الزمخشرم ك السكٌاكي كالقزكيني أك شبو كماؿ الاتصاؿ كما فعؿ المتأخركف مقتديا في ذلؾ كمو بعبد القاىر الجرجاني" 5. أنواع الاستئناف البياني كيكلي البلبغيكف أىمٌ ية كبرل ليذا النكع مف الاستئناؼ ؛ لأنو أىـٌ مكاطف الفصؿ كجؿ الكلبـ عميو، قاؿ السكٌاكي «كتنزيؿ السؤاؿ بالفحكل منزلة الكاقع لا يصار إليو لجيات لطيفة، إما لتنبيو السامع عمى مكقعو أك لإغنائو أف يسأؿ أك لئلبٌ يسمع منو شيء أك لئلبٌ 1- المثؿ السائر، ابف الأثير، ج2، ص79 2- الطراز لأسرار البلبغة كعمكـ حقائؽ الإعجاز، يحيى بف حمزة بف عمي بف إبراىيـ، الحسيني العمكمٌ، المكتبة العصٌرية - بيركت، د ت، ج3 ص169 3- المصدر نفسو، ج2، ص27 4- المصدر نفسو، ج2ػ، ص29. 5- الحاكـ البلبغي، يحي بف حمزة العمكم، دراسة في التفكير البلبغي، منيرة محمد ف اعكر، منشكرات اتحاد كتاب العرب، دمشؽ، سمسمة الدراسات ( 8)،2010، ص202.

عدد الصفحات ١٠٩

الفصل الثاني 016 ينقطع كلبمؾ بكلبمو أك لمقصد عمى تكثير المعنى بتقميؿ المفظ كىك تقدير السؤاؿ كترؾ العاطؼ »1. كىذا ما يفسر كثرتو في القرآف الكريـ كالحديث الشريؼ ككلب ـ البمغاء . كيميٌ ز البلبغيكف بيف ثلبثة أنكاع مف الاستئناؼ : 1 – أف يككف سؤالا عف سبب الحكـ الذم تضمٌنتو الجممة السابقة بكجو عاـ بأف تجعؿ الجممة الثانية عف سؤاؿ عاـ تقديره ما ىك؟ أك لماذا؟ أك ما السبب ؟ فيك سؤاؿ عف المقصكد، كمف نماذج ىذا الضرب الشييرة قكؿ الشاعر : قاؿ لي كيؼ أنت قمت عميؿ *** سير دائـ كحزف طكيؿ فجممة (سير دائـ) جممة مستأنفة إذٍ كقعت جكاب سؤاؿ تثيره جممة (أنا عميؿ) ؛ لأف مف طبيعة المتمقٌي أف تتحرؾ نفسو بسؤاؿ مضمكنو ما سبب ككنؾ عميلب ؟ كأسرع ال متكمٌـ فأجاب عمى السؤاؿ دكف أف يطرح عميو (سير دائـ) ، كذلؾ أف عادة الناس إذا قيؿ فلبف مريض قالكا ما سبب مرضو ؟ كمف ذلؾ أيضا قكؿ ا﵀ تعالى :  قيؿ لمميؤمًنيف يىغيضُّكا مًف أبصىارًىًـ كىيىحفىظيكا فيركجًيـ ذىلًؾى أزكىى لىييـ  (النور،30)، كمنو أيضا قكؿ ا﵀ تعالى كىنىقيكؿ ذيكقيكا عىذىابى الحىريؽ ذىلؾى بًمىا قىدمت أيٍدًيكيـ ...(آل عمران، 131).كما نجد ىذا الضرب مف الاستئناؼ في قكؿ ا﵀ تعالى ﴿            ﴾ ففي الآية جممتاف أكليما استدعت سؤالا فكأفٌ قائلب قاؿ لماذا لـ يكف ىناؾ إكراه في الديف؟ كىذا السؤاؿ يستفسر عف سبب الحكـ مطمقا بمعنى أنو يجيؿ سببو فيأتي الجكاب كالإعلبـ في الجممة الثانية ﴿    ﴾ 2 1- مفتاح العمكـ، يكسؼ بف أبي بكر بف محمد بف عمي السكٌاكي الخكارزمي الحنفي، ضبطو ككتب ىكامشو كعمؽ عميو: نعيـ زرزكر، دار الكتب العممية، بيركت – لبناف، ط2،1987، ص118 . -2 عمـ المعاني كمقتضى الحاؿ، أسعد أحمد عمي، دمشؽ ج2، مقتضى حاؿ المعاني،1987/1988، ص530

عدد الصفحات ١١٠

الفصل الثاني 017 كمف نماذج ىذا الاستئناؼأيضا قكؿ الشاعر : كقد غرضت مف الدنيا فيؿ زمني معط حياتي لعز بعدما غرضػػا جربت دىرم كأىميو فما تركتٍ لي التجارب في كد امرئ غرضا أم لًـى تقكؿ ىذا كيحؾ ك ما الذم اقتضاؾ أف تطكم إلى ىذا الحد كشحؾ 1؛ أم تعرض عف الدنيا، كفصؿ جممة (جربت) ؛ لأنيا سبب عاـ لضجره مف الدنيا . ك يعمؽ الطيبي عمى ىذيـ البيتيف بقكلو " فإنو حيف أبدل الشكاية مف الزماف حمؿ السامع عمى أف يقكؿ لماذا يشكك منو ك لما استحؽ ىذه الشكاية؟ قاؿ" إني جربتي دىرتي ك أىميو كمارست حمكه ك مرٌه فمـ يبؽ لي فيو غرض". ك يمحؽ أيضا بيذا الضرب قكؿ ابي تماـ" سمبنا غطاء الحسف عف حر أكجو تظؿ لمب السالبييا سكالبا كجكه لك أفٌ الارض فييا ككاكب تكقدكا لمسارم لكانت ككاكبا 2 02 – أف يككف سؤالا عف سبب خاص. كمف ذلؾ قكؿ ا﵀ تعالى حكاية عف يكسؼ عميو السلبـ :                  ... (يوسف،53) . -1 الإيضاح في عمكـ البلبغة لمقزكيني تح عبد الحميد ىنداكم، مؤسسة المختار، القاىرة، ط 2،2006ـ، ص147 . -2 التبياف في البياف، لمطيبي ، شرؼ الديف الحسيف بف محمد بف عبد ا﵀ (ت 743ىػ)، تح: تكفيؽ الفيؿ ك عبد المطيؼ لطؼ ا﵀، ذات السلبسؿ لمطباعة الككيت، ط1،1986، ص 105.

عدد الصفحات ١١١

الفصل الثاني 018 فجممة﴿    ﴾ مستأنفة استئنافا بيانيا ؛ لأنيا كقعت جكابا أثاره القكؿ السابؽ (كما أبرئ نفسي) ، ذلؾ أف يكسؼ عميو السلبـ أعمف في الآيات السابقة براءتو مف الخيانة كاعترفػت امػرأة العزيػز بأنيػا ىي التي راكدتو عف نفسيا ، فمف المنطقي أف ييطرح السؤاؿ ما السبب الخاص الذم جعمو يقكؿ ىذا بعد أف ثبتت براءتو . كما تستغرب النفكس أف يصدر ىذا الحكـ مف نبي – كا ف كاف ينطبؽ عمى كؿ نفس – كلعؿ ىذا ما يفسر مجيء الاستثناء (إلا ما رحـ ربٌي)، كالمستثنى نفس يكسؼ كأمثالو، كلذا أسرع – عميو السلبـ - بالإجابة (إفٌ النفس لأمارة بالسكء) 1 . قاؿ القزكيني متحدثا عف ىذا النػكع مف الاستئناؼ «كىذا الضرب يقتضي تأكيد الحكـ»2 كما مرٌ في باب أحكاؿ الاسناد . كمف ىػذا الضػرب أيضػػا قكؿ ا﵀ تعالى :  كىلاى تيخىاطبنًي فًي الذ يف إن ييـ ميغرىقيكف (هود،53) كارتباط" إفٌ" بالاستئناؼ البياني باب مف أبكاب عمـ المعاني يبرز المنحى التداكلي التكاصمي فلب يؤتى بػ"إفٌ " إلا إذا اعتقد المتكمٌـ أفٌ السامع يحتاج إلى تأكيد الحكـ ك ىك ما أسماه البيانيكف بالسبب الخاص، ك التسمية ذاتيا تشي بيذا المعنى لأفٌ طمب معرفة السبب الخاص مختمؼ عف السبب العاـ أك غيره مف الأسباب ك لذلؾ جاء مؤكدنا بػ"إفٌ" دالةن عمى ىذا البعد، رابطةن ما قبميا بما بعدىا. 3 – أف يككف سؤالا عف غير السبب العاـ كالخاص فيككف عف شيء آخر لو تعمؽ بالجممة الأكلى، كذلؾ كما في قكلو تعالى :  كىلىقىد جىاءت رسمنىا إبرىاىًيـى بًالبيشرىل قىاليكا سىلبىمنا قىاؿى سىلبىـه فىمىا لىبىثى أف جىاءى بًعجؿو حىني ذو  (هود،69)، كذلؾ أف مف طبيعة المتمقٌي لمقصة أف يسأؿ فما كاف رد إبراىيـ بعد أف سممت عميو الملبئكة فجاءت الإجابة ﴿ قاؿ -1 كسياؽ الآيات ذىلًؾ لًيىعمىـ أن ي لىـٍ أخينٍوي بًالغىيبً كأف ا﵀ لاى يىيدًم كىيدى الخىائًنيف  كما أبرئ نفسي إف النفس لأمارة بالسكء ...  -2 الإيضاح في عمكـ البلبغة لمقزكيني، ص147

عدد الصفحات ١١٢

الفصل الثاني 001 سلبـه﴾ كمف الممفت أف رد إبراىيـ عميو السلبـ كاف بالجممة الاسمية الدالة عمى الثبكت فرد التحية كقد كانت بجممة مقدرة بالفعمية 1. كىذا المكف يكثر في محاكرات ال قرآف الكريـ فالسؤاؿ قد يككف عف الفاعؿ أك غيره مف مشتملبت الجممة الأكلى كما في قكؿ الشاعر : عرفت المنزؿ الخالي *** عفا مف بعد أحكاؿ عفاه كؿ حنػػػاف *** عسكؼ الكبؿ ىطاؿ فصؿ عفاه كؿ حناف للبستئناؼ لأنو حيف قاؿ عفا مف بعد أحكاؿ كاف مظنٌو أف يقاؿ ماذا عفاه2. كمنو أيضا قكؿ أبي الطيب: كما عفت الريٌاح لو محلب عفاه مف حدا بيـ كساؽ فإنٌو لمٌا نفى الفعؿ المكجكد عف الرياح كاف مظنٌة أف يسأؿ عف الفاعؿ3. -1 التبياف في إعراب القرآف، أبك البقاء عبد ا﵀ بف الحسيف العكبرم، دار الجيؿ بيركت، ط 2،1987ج2، ص705. -2 مفتاح العمكـ، السكٌاكي، ج1، ص246. -3 الإيضاح في عمكـ البلبغة، ص48.

عدد الصفحات ١١٣