المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

التواصل اللغوي في الخطاب القرآني دراسة في الاستئناف البياني

العزوزي حرزولي

صفحة ٦ من ٢٥

الفصـــل الأول 33 الرسالـــة: لقػػد أكلػػى الجػػاحظ( الرسػػالة ) أىمٌ يػػة قصػػكل فشػػدد عمػػى الانسػػجاـ بػػيف الألفػػاظ كالمعػػاني كجعميا مف مقكمات البياف ك ىك عنده أقرب ما يككف إلى ما يعرؼ بالتكاصؿ المغػكم فتػراه يمػمٌ عمػػػى أىمٌ يػػػػة الكػػػلبـ بقكلػػػػو: "المعػػػاني القائمػػػػة فػػػي صػػػػدكر المتكممػػػيف المتصػػػػكر ة فػػػي أذىػػػػانيـ ك المختمجة في نفكسيـ ك المتصػمة بخػكاطرىـ مسػتكرة خفيػة ك بعيػدة كحشػية... لا يعػرؼ الإنسػاف ضمير صاحبو، كلا حاجة أخيو كخميطو، كلا معنى شػريكو كالمعػاكف لػو عمػى أمػكره، كعمػى مػا لا يبمغػػو مػػف حاجػػات نفسػػو إلا بغيػػره. كا نمػػا يحيػػي تمػػؾ المعػػاني ذكػػرىـ ليػػا، كأخبػػارىـ عنيػػا، كاسػػتعماليـ إياىػػا. كىػػذه الخصػػاؿ ىػػي التػػي تقربيػػا مػػف الفيػػـ، كتجمييػػا لمعقػػؿ، كتجعػػؿ الخ فػػي منيا ظاىرا، كالغائب شاىدا، كالبعيد قريبا "1. ففػػػػػي ىػػػػػذا الػػػػػنص إشػػػػػادة بالرسػػػػػالة ك تثمػػػػػيف لأىمٌ يػػػػػة الكػػػػػلبـ ك فػػػػػي الكقػػػػػت ذاتػػػػػو إصػػػػػرار عمػػى تكضػػيم كظيفتػػو التكاصػػمية ك تػػأثر المتمقػػي بيػػذه الرسػػالة فػػلب سػػبيؿ إلػػى إظيػػار المعػػاني الخفيػػػة المسػػػتكرة سػػػكل الكػػػلبـ ك ىػػػذا مػػػا يسػػػاير مػػػا يعػػػرؼ بػػػالإبلبغ فػػػي عصػػػرنا ، ك ا لػػػى ذلػػػؾ فالجػػاحظ يحتفػػي بالمطابقػػة بػػيف المفػػظ ك المعنػػى ك يعبػػر عنػػو بالمشػػاكمة إذٍ يقػػكؿ:" ك متػػى شػػاكؿ أبقاؾ ا﵀ ػ ذلؾ المفظ معناه ك أعرب عف فحكاه ك كػاف لػذلؾ الحػاؿ كفقػا ك لػذلؾ القػدر لفقػا ك خػرج مف سماجة الاستكراه ك سمـ مف فساد التكمؼ كاف قمينا بحسف المكقع ك بانتفاع المستمع(2). كبعد استعراض ىذه النماذج مف جيكد الجاحظ المغكية كالتي كاف القصد منيا التمثيػؿ الحصػػر فػػإف "النتيجػػة الطبيعيػػة بػػؿ الحتميػػة ليػػذا التصػػكر الشػػامؿ لمتكاصػػؿ المغػػكم كالتشػػبث بكظائفية الكلبـ بركز فكرة ضركرة ربط المقاـ بالمقاؿ كملبءمتو لمقتضى الحاؿ" 3. -1 البياف ك التبييف، الجاحظ ،ج1،ص81. -2 المصدر نفسو ، ج2،ص7 3 - التفكير البلبغيٌ عند العرب، أسسو كتطكره إلى القرف السادس، مشركع قراءة، حمادم صمكد، ص 208

عدد الصفحات ٨٢

الفصـــل الأول 34 التواصل ونظرية اعجاز عند عبد القاهر الجرجاني(ت215هـ يي عػػدٌ عبػػد القػػاىر الجرجػػاني مػػف أبػػرز أعػػلبـ تراثػػػنا المغػػػكم فمقػػد كػػاف لكتابػػػيو (دلائػػؿ الإعجاز) ك(أسػرار البلبغػة ) كبيػر الأثػر فػي حقػؿ الدراسػات المغكيػة عامػة كالبلبغػة خاصػة إلى يكمنا ىذا ك حقيقة الأمر أفٌ عبد القاىر أي ليً ـ حسِّ ا لغكيا أصيلب متمكنا جعمو يتعامؿ مػع ركح المغػػة عمػػى الػػرغـ مػػف أنٌػػو يحمػػؿ النصػػكص الأدبيػػة المكتكبػػة، كمعمػػكـ أف محمػػؿ الكػػلبـ المكتكب مفتقد لعنصر الكلبـ الفعمي عمى نحك ما ىك ثابت في حقؿ الدرس المغػكم...غير أف تمكف عبد القاىر مف المغػة ك استقصػاؤه أكضػاعيا كفيػـ بنيتيػا ك تعمقػو فػي تحميميػا جعمػو يصػػؿ إلػػى نتػػائج ميمػػة أعانػػو عميػػو معايشػػتو لمػػدرس المغػػكم التقميػػدم ، فقػػد كػػاف عبػػد القػػاىر إمػػاـ المغػػة فػػي عصػػره ك المتفػػنفٌ فػػي العربيػػػة كنحكىػػا الػػذم تشػػدٌ إليػػو الرحػػاؿ...في مجػػػاؿ النحك التقميدم كمجاؿ التفسير معا(1) كلقػػد عػػالج القضػػايا البلبغيٌػػة بأسػػمكب عممػػي حكػػيـ يػػنـُّ عػػف ذكػػاء ك أسػػتاذية ك لعػػؿٌ مػػرد ذلؾ تعدٌ د ركافد ثقافتو ك تضمعو في عمكـ مختمفة كعمـ النحػك ك الكػلبـ ك البلبغػة ك مازالػت آراء الجرجػػػاني جػػػديرة بالبحػػػث لاسػػػتخلبص مػػػا يفيػػػد الفكػػػر المغػػػكم فػػػي عصػػػرنا ك أسػػػكة بػػػالمنيج المتبػػع فػػي اسػػتجلبء جػػذكر التكاصػػؿ عنػػد الجػػاحظ نحػػاكؿ إظيػػار جيػػك د الجرجػػاني ك ا شػػاراتو إلى عممية التكاصؿ المغكم فقد ضػمت مؤلفاتػو خلبصػة كثيػر مػف جيػكد سػابقيو إلػى جانػب جيكده المميزة . ك يبدك بجلبء أفٌ الجرجاني كاف كاعين ا بػدكر المغػة التكاصػمي، فنجػده ينظػر إلػى الكػلبـ عمػػى أنٌػػو رسػػالة بػػيف مرسػػؿ ك مرسػػؿ إليػػو يتطمٌػػب جيػػدا لاسػػتجلبء مكنكنػػو بػػؿ كيجعػػؿ ذلػػؾ الغاية المثمى ك المطمب الأسما لمبلبغة إذٍ يقكؿ: "ك لـ أزؿ منذ خدمت العمـ أنظػر فيمػا قالػو العمماء في معنى الفصاحة ك البلبغػة ك البيػاف ك البراعػة ك فػي بيػاف المغػزل مػف ىػذه العبػارات 1- ظػكاىر قرآنيػة فػي ضػكء الدراسػات المغكيػة بػػيف القػدماء كالمحػدثيف، البػدراكم زىػراف، دار المعػارؼ، مصػػر، 1993، ط2، ص80

عدد الصفحات ٨٣

الفصـــل الأول 34 كتفسػػير المػػراد بيػػا فأجػػد بعػػض ذلػػؾ كػػالرمز ك الإيمػػاء ك الإشػػارة فػػي خفػػاء ك بعضػػو كالتنبيػػو عمى مكاف الخبيء ليطمب ك مكضع الدفيف ليبحث عنو فيخرج" (1). فينػػاؾ علبقػػة تفاعػػؿ بػػيف عناصػػر العمميػػة التكاصػػمية فكػػؿ رسػػالة صػػدرت عػػف المػػتكمـ مشػػػػكمة كػػػػاف لازمػػػػا عمػػػػى المسػػػػتمع بػػػػذؿ جيػػػػد فػػػػي فيميػػػػا ك فػػػػتم مغاليقيػػػػا ك ىكػػػػذا تتكامػػػػؿ العناصػػػر مجتمعػػػة فػػػي خدمػػػة تكاصػػػمية المغػػػة فتػػػراه فػػػي جانػػػب آخػػػر يشػػػدد عمػػػى أفٌ الجيػػػد فػػػػػي الػػػػػنظـ ك ىػػػػػك تكامػػػػػؿ بػػػػػيف النحػػػػػك ك البلبغػػػػػة فػػػػػي خدمػػػػػة الػػػػػنص يتطمػػػػػب جيػػػػػدا مقػػػػػابلب مف المستمع(المرسؿ إليو ) لتقييـ الرسالة يقكؿ عبد القاىر :" لا يكفي في عمػـ الفصػاحة أف تنصػػب ليػػا قياسػػا مػػا ك أف تصػػػفيا كصػػفا مجمػػلب ك تقػػكؿ فييػػا قػػػكلا مرسػػلب بػػؿ لا تكػػكف فػػػي معرفتيا في شيء حتػى تفصػؿ القػكؿ ك تحصٌػؿ كتضػع اليػد عمػى الخصػائص التػي تعػرض فػػػي نظػػػـ الكمػػػـ، ك تعػػػدىا كاحػػػدة كاحػػػدة ك تسػػػمييا شػػػيئا شػػػيئا كتكػػػكف معرفتػػػؾ معرفػػػة الصػػػنع الحاذؽ الذم عى مً ـ كؿ خيط مف الإبر سيـ الذم فػي الػديباج ك كػؿ قطعػة مػف القطػع المنجػكرة في الباب المي قطٌ ػٌ ع ك كؿ آجره مف الآجر الذم في البناء البديع" (2) كيمػػػمُّ عبػػػد القػػػاىر عمػػػى أىمٌ يػػػة التكاصػػػؿ المغػػػكم ك يػػػردٌ عمػػػى أكلئػػػؾ الظػػػانيف أف ىػػػذا التكاصؿ المغكم ينبني عمى إتقاف المغػة بنحكىػا ك صػرفيا ك بلبغتيػا دكف الدلالػة ك المعنػى أمٍ حصر معاني الكلبـ في الخبر ك الاسػتفياـ ك الأمػر ك النيػي ك مػا إلػى ذلػؾ يقػكؿ عبػد القػاىر:" تىػػرل كثيػػران مػػنيـ لا يىػػرل لػػو معنػػىن أكثػػرى ممَّػػا يػػرىل للئشػػارةً بػػالرأس كالعػػيف، كمػػا يىجػػديه لًمخػػط كالعىقٍد، يقكؿي: إنَّما ىك خبره كاستخباره، كأمٍر كنييه، كلكؿِّ مًف ذلؾ لفظه قد كيضع لػو، كجيعػؿ دلػػػيلبن عميػػػو، فكػػػؿُّ مىػػػفٍ عىػػػرؼى أكضػػػاعى لغػػػةو مػػػفى المغػػػات، عربيػػػةن كانػػػت أك فارسػػػية، كعػػػرىؼى المغٍػزل مػف كػؿَّ لفظػةو، ثػـ سػاعدىه المسػافي عمػى النُّطػؽ بيػا، كعمػى تىأديػةً أجراسًػيا كحيركفًيػػا، 1- دلائؿ الإعجاز في عمـ المعاني، لعبػد القػاىر الجرجػاني، تحقيػؽ محمػكد محمػد شػاكر، مكتبػة الخػانجي، القػاىرة، ط1،سنة1991،ص34. 2- المصدر نفسو، ص37،

عدد الصفحات ٨٤

الفصـــل الأول 34 فيك بيِّف في تمػؾ المٌغػةً، كامػؿي الأداةً، بػالغه مػفى البيػافً المبمػغى الػذم لا مزيػدى عميػو، مينٍتىػو إلػى الغايػػةً التػػي لا مػػذىبى بعػػدىا يسػػمع الفصػػاحة كالبلبغػػة كالبراعػػةى فػػلب يىعػػرؼ ليػػا معنػػىن سػػكل الإًطٍنابً في القكؿ "1. إف ىػػذا التمييػػز بػػيف مسػػتكيات الكػػلبـ يبػػيف أسػػس نظػػرة عبػػد القػػاىرة لػػدائرة الكػػلبـ بػػيف البػػاثٌ ك المتمقػػي كأىميػػة تثمػػيف ىػػذه الرسػػالة بػػالغكص فػػي أسػػرارىا لإدراؾ مقاصػػد المػػتكمـ ك مراميػو، كالكسػػائؿ المغكيػة التػػي كظٌفيػا لبمػػكغ ىػػذه الغايػات، ك الحػػديث عػف كظائفيػػة المغػػة ىك دعامة عممية التكاصؿ. ك يممٌ عبد القاىر عمػى ىػذا الأمػر بقكلػو " كجممػةي الأمػر أنَّػو لا يىػػرل الػػنقصى يىػػدٍخؿي عمػػى صػػاحبوً فػػي ذلػػؾ إلا مػػف جيػػةً نقصًػػو فػػي عمػػـ المغػػة، لا يعمػػـ أف ىينػػػا دقػػػائؽ كأسػػػرار طريػػػؽ العمػػػـ بيػػػا الركيػػػة كالفكػػػر، لطػػػائؼ ميسٍػػػتقاىا العىقػػػؿي، كخصػػػائصى معػػافو ينفػػردي بيػػا قػػكـه قػػد ىيػػديكا إلييػػا، كديلُّػػكا عمييػػا، ككيشًػػؼ ليػػـ عنيػػا، كريفعػػتً الحيجيػػب بيػػنىييـ كبينىيا، ك أنٌيا السَّببي في أفٍ عرضتً المزيَّةي في الكلبـً، ككجبى أفٍ ي فضيؿى بعضيو بعضاي" (2) ك إذاريمنػػا البحػػث فػػي مؤلفػػات الجرجػػاني عػػف عناصػػر التكاصػػؿ فإننػػا نجػػده قػػد أشػػار إلييػا ك أفػاض القػػكؿ ، ذلػؾ أف عبػػد القػاىر لمٌػػا تػدبر الأمػر ككجػػد أف ذلػؾ يرجػػع إلػى طبيعػػة المغػػػػػة كارتباطيػػػػػا بػػػػػأحكاؿ المخمػػػػػكقيف كظػػػػػاىر أ مػػػػػرىـ كمكضػػػػػكع جبمتيـ...انتيػػػػػى إلػػػػػى أف التأكيلبت النحكية المنبثقة عف التقديرات العقمية فقػط تغفػؿ طبيعػة ال مغػة كتسػيء إلػى فيميػا إساءة شديدة(3). فيمػايخػػصٌ طرفػػي التكاصػؿ المرسػػؿ ( المػػتكمـ) ك المرسػؿ إليػػو (السػػامع) فمقػد كػػاف شػػغؼ عبػػد القػػاىر بأسػػرار الإعجػػاز ك الجمػػع بػػيف حػػديث الخػػالؽ سػػبحانو ك تعػػالى ك لغػػة الخمػػؽ أمٌ نػػزكؿ القػػرآف بمسػػاف عربػػي ك عجػػز العػػرب عػػف مجاراتػػو دافػػع ميػػـ لمتركيػػز عمييمػػا فالإعجػػاز 1- دلائؿ الإعجاز، عبد القاىر الجرجاني ص 6-7 -2 المصدر نفسو،،ص7 . -3 ظكاىر قرآنية، البدراكم زىراف، ص 82

عدد الصفحات ٨٥

الفصـــل الأول 34 يعػػكد إلػػػى المػػػتكمـ لا إلػػػى المغػػػة ذاتيػػػا ك ا لػػػى المسػػتمع الػػػذم يتفاعػػػؿ مػػػع الػػػنص ك لعػػػؿٌ ككنػػػو أشػػعريا يجعػػؿ تركيػػزه الأكؿ عمػػى المػػتكمـ دكف غيػػره مػػف العناصػػر فػػالقرآف كػػلبـ ا﵀ ك لػػيس مف مخمكقاتو كما يرل المعتزلة . المتكمم " المرسل ": يقػػكؿ عبػػد القػػاىر فػػي معػػرض تأكيػػده لأ ىمٌ يػػة المػػتكمـ: " إفٌ الفصػػاحة فػػي مػػا نحػػف فيػػو عبػػػارة عػػػف مزيػػػة ىػػػي لممػػػتكمـ دكف ك اضػػػع المغػػػة ك ا ذا كػػػاف كػػػذلؾ فينبغػػػي لنػػػا أفٍ ن نظػػػر إلػػػى المػػتكمـ ىػػؿ يسػػتطيع أفٍ ي زيػػد مػػف عنػػد نفسػػو فػػي المفػػظ شػػيئا لػػيس ىػػك لػػو فػػي المغػػة... ك ا ذا نظرنا كجدناه لا يستطيع أفٍ ي صػنع بػالمفظ شػيء أصػلبن ك لا أفٍ ي حػدث فيػو كصػفا كيػؼ ك ىػك إف فعػػؿ ذلػػؾ أفسػػد عمػػى نفسػػو ك أبطػػؿ أفٍ ي كػػكف متكممػػا لأنٌػػو لا يكػػكف متكممػػا حتػػى يسػػتعمؿ أكضاع لغة عمى ما كي ضعت عميو"1. ثػػـ أننػػا نجػػد عبػػد القػػاىر يتكجػػو بخطابػػو إلػػى المػػتكمـ إذٍ ىػػك مػػف أىػػـٌ عناصػػر عمميػػة التكاصؿ ؛ لأفٌ ا لمغة في نظره ما ىػي إلا مػادة خػاـ تأخػذ قيمتيػا مػف المػتكمـ، بػؿ نجػده ك ىػك يقعِّػػد لنظريػػة الػػنظـ يػػذكِّ ر بضػػركرة التػػزاـ المػػتكمـ بقكاعػػد الكػػلبـ التػػي تربطػػو بالسػػامع فمػػيس النظـ " إلا أف تضع كلبمؾ الكضػع الػذم يقتضػيو عمػـ النحػك ك تعمػؿ عمػى قكانينػو كأصػكلو ك تعرؼ مناىجو التي نيجت فلب تزيغ عنيا ك تحفظ الرسكـ التي رسػمت لػؾ فػلب تخػؿ بشػيء منيا"(2). كعميػػو فػػإفالنظػػرة إلػػى المغػػة كمؤسسػػة اجتماعيػػة كظيفتيػػا التكاصػػؿ تحػػتٌـ مراعػػاة ىػػذا البعػػد الاجتمػػاعي كالالتػػزاـ بػػالقكانيف المتكاضػػع عمييػػا مػػف قبػػؿ المجتمػػع الكاحػػد، ك لمػػا كػػاف الاجتيػػاد فػػي أسػػاليب التكاصػػؿ ك التفػػنفٌ فػػي التبميػػغ مصػػدره المػػتكمـ كجػػدنا أف عبػػد القػػاىر -1دلائؿ الإعجاز، عبد القاىر الجرجاني، ص 401،402 -2 المصدر نفسو ، ص81.

عدد الصفحات ٨٦

الفصـــل الأول 33 يركز عمى مصػدر إنتػاج الرسػالة المغكيػة كفػؽ الشػفرة المشػتركة بػيف طرفػي التكاصػؿ ك ىػذا ما يفسر اعتداده بالعقؿ في انتاج أك تمقي الرسالة أثناء عممية التكاصؿ ذلػؾ أف العقػؿ" ىػك كػػػؿ شػػػيء، ك ىػػػذا العقػػػؿ ىػػػك الػػػذم يصػػػطنع الفكػػػرة كينظميػػػا ك ينسِّػػػقيا ك بعػػػد أف تتٌ خػػػذ الفكػػػرة مكانيػػا مػػف العقػػؿ مرتبػػة منسٌػػقة تيػػبط عمػػى القمػػـ كتابػػة ك عمػػى المسػػاف شػػعرا أك خطابػػة "(1)، ىػػػذه القناعػػػة عنػػػد عبػػػد القػػػاىر تبػػػرز فػػػي قكلػػػو:" لػػػيس الغػػػرض إذا بػػػنظـ الكمػػػـ إلا تناسػػػؽ دلالاتيا ك تلبقي معانييا عمى الكجو الذم اقتضاه العقؿ"(2) . كيتضم مما سبؽ أف لممتكمـ مكانة ميمٌ ة ك دكر ا بارز ا في نظرية النظـ يتجاكز احتػراـ قكانيف المغة مف علبقة الفعؿ بالفاعؿ ك ما إلييا إلى الخصائص الفنية المتبادلة بيف المرسػؿ ك المرسػػؿ إليػػو ك خاصػػة إذا كانػػت الرسػػالة فنيػػة شػػعرا أك نثػػرا كعمػػى كجػػو الخصػػكص الفػػركؽ بيف التراكيب "كذلؾ أنٌا لا نعمـ شيء يبتغيو الناظـ بنظمو غير أفٍ ي نظر في كجكه كػؿ بػاب ك فركقػػػو فينظػػػر فػػػي الخبػػػر إلػػػى الكجػػػكه التػػػي تراىػػػا فػػػي قكلػػػؾ (زيػػػده منطمػػػؽه ) ك(زيػػػده ينطمػػػؽي ) ك( ينطمؽ زيد )... ك فػي الشػر ط ك الجػزاء إلػى الكجػكه التػي تراىػا فػي قكلػؾ :( إف تخػرج أخػرج ) ك( إف خرجت خرجت )... ك فػي الحػػاؿ إلػػى الكجػكه التػػي تراىػػا فػي قكلػػؾ (جػػاءني زيػد مسػػرعا) ك(جػػاءني يسػػرع )... فيعػرؼ لكػؿ مػف مكضػعو كيجػيء بػو حيػث ينبغػي لػو ك ينظػر فػي الحػركؼ التػي تشػترؾ فػي معنػػى ثػػـ ينفػػرد كػػؿ كاحػػد منيػػا فػػي خصكصػػية فػػي ذلػػؾ المعنػػى... ك ينظػػر فػػي الجمػػؿ التػػي تسػػػػرد فيعػػػػرؼ مكضػػػػع الفصػػػػؿ مػػػػف الكصػػػػؿ ... كيتصػػػػرؼ فػػػػي التعريػػػػؼ ك التنكيػػػػر ك التقػػػػديـ ك التأخير ك في الكلبـ كمو كفػي الحػذؼ كالتكػرار ك الإضػمار ك الإظيػار فيصػيب بكػؿ مػف ذلػؾ مكانػو ك يسػػتعممو عمػى الصػػحة ك مػا ينبغػػي لػو... "(3) أمٌأفٌ الفػػركؽ الأسػمكبية بػػيف التراكيػػب -1 البياف العربي، بدكم طبانة، دار الثقافة، بيركت، د ط، 1986 ، ص173. -2 دلائؿ الإعجاز، عبد القاىر الجرجاني، ص 49-50. -3 المصدر نفسو ، ص81،82 .

عدد الصفحات ٨٧

الفصـــل الأول 33 المغكيػػة تػػؤكؿ إلػػى خصػػائص مميػػزة لممػػتكمـ حتػػى يغػػدك ك كأنٌػػو رسػػاـ يتعامػػؿ مػػع الأصػػباغ " فالفركؽ ك الكجكه كثيرة ليس ليا غاية تقؼ عندىا ك لا نياية لا تجد ليا ازديػاد بعػدىا ثػـ أعمػـ أف ليست المزية بكاجبة ليا فػي أنفسػيا ك مػف حيػث ىػي عمػى الإطػلبؽ ك لكػفٌ تعػرض بسػبب المعاني ك الأغراض التي يكضع ليا الكلبـ ... ك ا نما سبيؿ ىذه المعاني سبيؿ الأصػباغ التػي تعمؿ فييا الصكر ك النقكش "(1). كيمػػػمٌ عبػػػد القػػػاىر عمػػػى ىػػػذه الكفػػػاءة عنػػػد المػػػتكمـ(المرسػػػؿ) الػػػذم يسػػػتطيع أفٍ ي بػػػدع ك أفٍ يبتكر مف المعاني بحذقو ك ذكائو ما ييممو غيره ك لا يعتد بو " تػرل الكاحػد منيػا غفػلب سػاذجا عاميٌػػا مكجػػكدا فػػي كػػلبـ النػػاس كميػػـ ثػػـ تػػراه ك قػػد عمػػد إليػػو البصػػير بشػػأف البلبغػػة ك ا حػػداث الصػػكر بالمعػػاني فيصػػنع منػػو مػػا يصػػنع الحػػذؽ حتػػى يغػػرب فػػي الصػػنعة ك يػػدؽٌ فػػي العمػػؿ ك يبدع في الصياغة "(2) فيػػػػػػذه النصػػػػػػكص تبػػػػػػيٌف بجػػػػػػلبء اىتمػػػػػػاـ عبػػػػػػد القػػػػػػاىر بػػػػػػالمتكمـ ك لعػػػػػػؿ الاكثػػػػػػار مػػف الاقتبػػاس عػػف عبػػد القػػاىر يجػػد مبػػرره فيمػػا شػػاع عنػػد بعػػض البػػاحثيف مػػف أفٌ البلبغػػة العربيػػػػة بلبغػػػػة مخاطىػػػػب لا بلبغػػػػة مػػػػتكمٌـ، كأنيػػػػا مرتبطػػػػة بالطبقػػػػة العميػػػػا التػػػػي ييتكجٌػػػػو ليػػػػا بالخطاب ارتباطا لا فكاؾ منو، ك ىذا عبد القاىر يؤكد ك يقرٌر أىمية المتكمٌ ـ فػي التكاصػؿ ك انتػػاج الرسػػالة ك خاصػػة الفنيٌػػة منيػػا كييمًػػمُّ عمػػى مػػا يجػػب أف يتػػكفر فيػػو مػػف شػػركط ليكػػكف إرسػالو ناجحػا. كيقػكؿ أيضػا "كأفٍ يكػكفى المػتكمـي فػي ذلػؾ جييػرى الصَّػكٍت، جػارمى المسػاف، لا تىعترضػػػو لكنٌػػػو، كلا تقػػػؼي بػػػػوً حيبٍسػػػة، كأفٍ يسػػػتعمؿ المفػػػظى الغريػػػػبى، كالكممػػػةى الكىحشػػػيَّ ةى، فػػػػإًفً اسٍػػػتظيرى للؤىمػػػر كبػػػالغ فػػػي النظػػػر، فػػػأىفٍ لا ييمٍحًػػػفى فيرفػػػع فػػػي مكضػػػع النصػػػب، أك ييخطػػػئى -1 دلائؿ الإعجاز، عبد القاىر الجرجاني ، ص 87. -2 المصدر نفسو، ص422-423.

عدد الصفحات ٨٨

الفصـــل الأول 33 فيىجػػيء بالمفظػػةً عمػػى غيػػرً مػػا ىػػيى عميػػو فػػي الكىضٍػػعً المُّغػػكمِّ، كعمػػى خػػلبؼً مػػا ثىبتػػتٍ بػػو الركايةي عفً العرب "1. المُرسَل إليه( السامع): السػػامع قسػػيـ لممػػتكمـ ك شػػريكو فػػي عمميػػة التكاصػػؿ كرغػػـ أنٌػػو المتتبػػع لآراء الجرجػػاني يكتشػػؼ اىتمامػػو بالمرسػػؿ ( المػػتكمـ) بيػػد أفٌ المػػدقِّ ؽ يجػػد أفٌ اىتمامػػو بالسػػامع لػػيس بالقميػػؿ ك يمكػػػف أفٍ ن ممػػػس ذلػػػؾ فػػػي مػػػؤلفي الجرجػػػاني "دلائػػػؿ الإعجػػػاز" ك"أسػػػرار البلبغػػػة" لأفٌ أمٌ رسالة ػ بغض النظر عف أىمٌ يتيا الفنية، لا تؤدم دكرىا في غياب المرسػؿ إليػو كمػف يقعٌػد لنظريػػة فػػي الكػػلبـ لابػػد أفٍ ي أخػػذ فػػي اعتبػػاره ىػػذا الأمػػر فػػػ " إفٌ العبػػارة / الػػنص ىػػي نفسػػيا مكضػػػع الفيػػػـ أك التأكيػػػؿ لػػػدل المتمقٌػػػي فػػػالمتكمـ يقػػػكـ بعمميػػػة تشػػػفير لممعنػػػى الػػػذم يقصػػػده ك المتمقٌػػػي يقػػػكـ بعمميػػػة فػػػؾ ليػػػذا التشػػػفير ك لكػػػي تكػػػكف ىاتػػػاف العمميتػػػاف عمػػػى مسػػػتكل كاحػػػد أك لكػػػي يتحقػػػؽ التراسػػػؿ بينيمػػػا كتتحقػػػؽ بػػػذلؾ كظيفػػػة الكػػػلبـ لابػػػد أف تحمػػػؿ العبػػػارة نفسػػػيا معايير تشفيرىا ك أفٍ ي ككف المتمقي نفسػػو عمى درايػة بيذه المعايير " (2). كنظػػرة عبػػد القػػاىر التػػي تجعػػؿ(السػػامع) شػػريكا فػػي العمميػػة التكاصػػمية لا مسػػتقبً لب فقػػط لرسائؿ الباثٌ ؛ إذٍ لابدٌ لو مف بذؿ جيد لإنجاح التكاصؿ يقكؿ عبد القاىر:" فإنؾ تعمـ عمػى كؿ حاؿ أف ىذا الضرب مػف المعػاني كػالجكىر فػي الصػدؼ لا يبػرز لػؾ إلا أفٍ تشػقو عنػو ك العزيز المحتجب لا يريؾ كجيو حتى تستأذف عميو ثـ ما كؿ فكر ييتدم إلى كجو الكشػؼ عمػػا اشػػػتمؿ عميػػػو ك لا كػػػؿ خػػاطر يػػػؤذف لػػػو فػػػي الكصػػكؿ إليػػػو فمػػػا كػػػؿ أحػػد يفمػػػم فػػػي شػػػؽ الصدفة ك يككف في ذلؾ مف أىؿ المعرفة " 3 1- دلائؿ الإعجاز، لعبد القاىر الجرجاني ، ، ص 7. -2 قراءة في معنى المعني عند عبد القاىر الجرجاني، عز الػديف إسػماعيؿ، مجمػة فصػكؿ، المجمػد 7، العػدداف الثالػث كالرابع، القاىرة، سنة 1987، ص44 . 3 - أسرار البلبغة، لعبد القاىر الجرجاني، تحقيؽ محمكد محمد شاكر، دار المدني، جدة، د ط، ص 141.

عدد الصفحات ٨٩

الفصـــل الأول 33 كلػػذلؾ لا يػػرل الجرجػػاني أفٌ الػػنص ذا قيمػػة إلا إذا كػػاف لػػو أثػػر عنػػد السػػػامع ك مػػا عػػدا ذلؾ لا يتمـ المراد ك لمٌا عمٌؽ عمى قكؿ الشاعر(ك لمٌا قضػينا مػف منػى كػؿ حاجػة. ..) " ىػؿ تجد لاستحسانيـ ك حمدىـ ك ثنائيـ ك مدحيـ منصرفا إلا إلى استعارة كقعػت مكقعيػا ك أصػابت غرضيا أك حسف ترتيب تكامؿ معو البياف حتى كصؿ المعنى إلى القمب مػع كصػكؿ المفػظ إلػػى السػػمع... ك ا لا إلػػى سػػلبمة الكػػلبـ مػػف الحشػػك غيػػر المفيػػد... ك سػػلبمتو مػػف التقصػػير الػػذم يفتقػػر معػػو السػػامع إلػػى تطمػػب زيػػادة بقيػػت فػػي نفػػس المػػتكمـ فمػػـ يػػدؿٌ عمييػػا بمفظيػػا الخاص بيا "(1) . ىػػػذه اىمٌ يػػػة لمسػػػامع تجعػػػؿ عقمػػػو ك قمبػػػو أدكات تفاعػػػؿ مػػػع الرسػػػالة أك بعبػػػارة أخػػػرل يمػػتمس عبػػد القػػاىر أثػػر الرسػػالة عمػػى المرسػػؿ إليػػو إذٍ يقػػكؿ: " فػػإذا رأيػػت البصػػير بجػػكا ىر الكلبـ يستحسف شعرا أك يستجيد نثرا يجعؿ الثنػاء عميػو مػف حيػث المفػظ فيقػكؿ : حمػك رشػيؽ كحسػػف أنيػػػؽ، فػػػاعمـ أنٌػػو لػػػيس ينبئػػػؾ عػػػف أحػػكاؿ ترجػػػع إلػػػى أجػػراس الحػػػركؼ ك ا لػػػى ظػػػاىر الكضع المغكم بؿ أمر يقع مف المرء في فؤاده ك فضؿ يقتدحو العقؿ مف زناده "(2) يػػذىب عبػػد القػػاىر أبعػػد مػػف ذلػػؾإذٍ يستحضػػر لحظػػة تػػأثر السػػامع بالرسػػالة ك تفاعمػػو معيػػػػا رابطػػػػا ذلػػػػؾ بنظريػػػػة الإعجػػػػاز ك ىػػػػذا الػػػػنص نفػػػػيس فػػػػي ىػػػػذه النقطػػػػة ك لػػػػذلؾ سػػػػننقمو عمػػى طكلػػو:" لا يػػؤتى بالاسػػـ معػػرٌل مػػف العكامػػؿ إلا لحػػدث قػػد نػػكل إسػػناده فػػإذا قمػػت عبػػد ا﵀ فقػد أشػعرت قمبػو بػذلؾ أنٌػو قػد أردت الحػديث عنػو فػإذا جئػت بالحػديث فقمػت مػثلب ( قػػاـ) أك قمػػت خػػرج أك قمػػت قػػدـ فقػػد عمػػـ مػػا جئػػت بػػو ك قػػد كطػػأت لػػو ك قػػدمت الإعػػلبـ فيػػو فػػدخؿ إلى القمب دخكؿ المأنكس بو كقبمو قبكؿ المييأ لو المطمئف إليو ك ذلؾ لا محالػة أشػد لثبكتػو ك أنفى لمشبية ك أمنع لمشػؾ ك أدخػؿ فػي التحقيػؽ ك جممػة الأمػر أنٌػو لػيس إعلبمػؾ الشػيء بغتػة غفػػػلب مثٌػػػؿ إعلبمػػػؾ بعػػػد التنبيػػػو عميػػػو لأف ذلػػػؾ يجػػػرم مجػػػرل تكريػػػر الإعػػػلبـ فػػػي التأكيػػػد -1 أسرار البلبغة، ال جرجاني ، ص 22. -2 المصدر نفسو، ص5-6

عدد الصفحات ٩٠

الفصـــل الأول 33 كالإحكػػاـ ك مػػف ىينػػا قػػالكا: أفٌ الشػػيء إذا أضػػمر ثػػـ فسػػر كػػاف ذلػػؾ أفخػػـ لػػو مػػف أفٍ يػػ ذكر مف غير تقدمو إضمار ك يدؿٌ عمى صػحة مػا قػالكه أنػا نعمػـ ضػركرة فػي قكلػو تعػالى : فإنيػا لا تعمػػى الأبصػػار  فخامػػة ك شػػػرفا ك ركعػػة لا نجػػد منيػػا شػػػيئا فػػي قكلنػػا "فػػأفٌ الأبصػػػار لا تعمى" ك كذلؾ السبيؿ أبدا في كؿ كػلبـ كػاف فيػو ضػمير قصػة... أنػت بػو فػي حكػـ مػف بػدأ ك عاد ككطد ثـ بيٌف ك لكٌح ثـ صرٌح ك لا يخفى المزية فييا طريقو ىذا الطريؽ "(1) . كنممس اىتمامو بالسامع ك التككيد عمى دكره عن د تعميؽ الجرجاني عمى قكؿ الشاعر : داف عمى أيدم العفاه ك شاسع عف كؿ ند في الندل ك ضريب كالبدر أفرط في العمك كضى كٍ ءه لمعصبة الساريػف جد قريب " كفكِّػػر فػػي حالػػؾ كحػػاؿً المعنػػى معػػؾ، كأنػػت فػػي البيػػت الأكؿ لػػـ تىنٍتىػػوً إلػػى الثػػاني كلػػـ تتدبٌر نيصرتو إيٌاه، كتمثيمو لو فيما ييممي عمى الإنساف عيناه، كيؤىدِّم إليو نػاظراه، ثػـ قًسٍػييما عمى الحاؿ كقد كقفتى عميو، كتأمٌمتى طىرىفىيٍو، فإنؾ تعمـ بيعٍد مػا بػيف حالتيػؾ، كشػدَّ ة تىفىاكتيمػا في تمكُّف المعنى لديؾ، كتحبُّبًو إليؾ، كنيبٍمًو في نفسؾ، كتكفيرًه لأينٍسًؾ، كتحكيػـ لػي بالصػدؽ فيما قمت، كالحؽِّ فيما ادَّعيتي "(2). كىػػذا يػػدؿٌ دلالػػة كاضػػحة عمػػى مكانػػة السػػامع عنػػد عبػػد القػػاىر بإعطػػاء ىػػذه الأىمٌ يػػػة لمذكؽ في التفاعػؿ مػع الرسػالة ، ك عميػو فػذكؽ السػامع كفيػؿ بػإدراؾ دقػائؽ الػنظـ الػذم أسػس عميو عبد القاىر نظريتو المغكية ، كيسترسػؿ الجرجػاني فػي سػرد الشػكاىد التػي تبػيف أف قيمػة النص الحقيقية تككف عمى مقدار تػأثيره فػي السػامع فيسػكؽ مثػالا ك ىػك يتحػدث عػف الجنػاس مكازنػػا بػػيف بيتػػي أبػػي تمػػاـ كالبسػػتي ك بفػػرؽ بػػيف تجنػػيس قبػػ يم ك تجنػػيس حسػػف ك يعمٌػػؽ عمػػى بيتي أبي تماـ ك البستي إذٍ يقكؿ الأكؿ: -1 دلائؿ الإعجاز عبد القاىر الجرجاني، ص 132،133 -2 أسرار البلبغة، عبد القاىر الجرجاني، ص 116.

عدد الصفحات ٩١

الفصـــل الأول 33 " ذىبت بمذىبو السماحة فالتكتٍ فيو الظنكف أمى ذٍ ىى بي أـ ميذٍىبي " ك يقكؿ الثاني: " ناظً راه في ما جنى ناظً ػػراه أكدعاني أمي تٌ بما أكدعانػي" إذٍ ينكػػػػر عبػػػػد القػػػػاىر أفٍ ي كػػػػكف مصػػػػدر القػػػػبم فػػػػي الأكؿ ك الحسػػػػف فػػػػي الثػػػػاني عائػػػػدا إلى الألفاظ: " لكف لأنؾ رأيت الفائدة ضعفت في الأكؿ ك قكيػت فػي الثػاني ك ذلػؾ أنػؾ رأيػت أبا تماـ لـ يزدؾ بمذىب كميذٍىبي عمى أف أسمعؾ حركفا مكررة لا تجد ليا فائدة إف كجػدت إلا متكمفة متمحٌ مة ك رأيت الآخر قد أعاد عميؾ المفظة ك أنٌو يخدعؾ عف الفائدة ك قد أعطاىػا ك يكىمؾ أف لـ يزدؾ ك قد أحسف الزيادة ك كفٌ اىا "(1). المقــام: لممقاـ مكانة ميمة في عممية التكاصؿ فمف المعػركؼ أفٌ الظػركؼ المحيطػة بالمرسػؿ كالمرسؿ إليو ليا تأثيرىا عمى عممية التكاصػؿ برمٌ تيػا بػؿ تػؤ ثر عمػى الرسػالة دلاليػا ك تركيبيػا لأفٌ المقػػػاـ يشػػػمؿ العلبقػػػة بػػػيف طرفػػػي التكاصػػػؿ فػػػي مكقػػػؼ محػػػدد ك المضػػػمكف الػػػذم يكػػػكف ميما في تحديد مدلكؿ المقػاؿ ك صػيغتو التركيبيػة فكجػكد المػتكمـ ( المرسػؿ ) ك السػامع(المرسػؿ إليػػػو) لا يػػػدؿٌ دائمػػػا عمػػػى نجػػػاح التكاصػػػؿ ك أداء الرسػػػالة لممقصػػػكد يقػػػكؿ عبػػػد القػػػاىر : "... فميس الداءي فيو بالييِّف، كلا ىك بحيثي إذا ريمٍتى العلبجى منو كجدتى الإمكافى فيو مػع كػؿِّ أحػدو ميسٍػػػعًفان، كالسػػػعيى مينٍجًحػػػان، لأفَّ المزايػػػا التػػػي تحتػػػاجي أف تيعٍمًمىيػػػـ مكانىيػػػا كتصػػػكرى ليػػػـ شػػػأنيا، أمػػكر خفيٌػػة، كمعػػاف ركحانيػػة، أنػػتى لا تسػػتطيعي أف تينىبِّػػو السػػامًعى ليػػا، كتحػػدث لػػو عممنػػا بيػػا، حتػى يكػكف مييئنػا لإدراكيػا، كتكػكفى فيػو طبيعػةه قابمػةه ليػا، كيكػكفى لػو ذكؽ كقريحػة يىجًػدي ليمػػا -1 دلائؿ الإعجاز، عبد القاىر الجرجاني، ص 524.

عدد الصفحات ٩٢

الفصـــل الأول 34 فػػي نفسػػو إحساسػػان بػػأفَّ مًػػف شػػأف ىػػذه الكجػػكه كالفػػركؽ أف تعػػرض فيػػو المزيػػة عمػػى الجممػػة كمى ف إذا تصفَّم الكلبـى كتدبَّر الشعرى، فرَّؽى بيف مكقع شيء منيا كشيء . .."(1). فيذا التحميؿ مف عبد القاىر بحث في نجاعة التكاصؿفقد ذكر الأينس بالرسػالة كنفػي الشػػػػؾ كالتحقيػػػػؽ كمػػػػا إلييػػػػا مػػػػف كسػػػػائؿ كفيمػػػػة بتحقيػػػػؽ نجػػػػاح المرسػػػػؿ فػػػػي نقػػػػؿ رسػػػػالتو إلى المتمقٌي. ك يشير عبد القاىر في مفيكمو لمنظـ إلػى فعػؿ القػكؿ أكلاٌ ك ىػك المسػتكل الػدلالي الػذم تترتػػب ف يػػو المعػػاني المجػػردة فػػي نفػػس المػػتكمـ ك مسػػتكل التركيػػب الػػذم تتعػػانؽ فيػػو المعػػاني حسب القكاعد التركيبية ثـ البعػد الصػكتي حيػث تتخػذ المعػاني مػدلكلات أك ألفػاظ مػف معجػـ النسػػػؽ المغػػػكم ك فعػػػؿ الخطػػػاب ثانيػػػا ك ىػػػك يرتكػػػز عمػػػى عنصػػػريف ميمػػػيف عنصػػػر الغػػػرض المقصػػػػكد مػػػػف المػػػػتكمـ كػػػػأفٍ ي كػػػػكف اسػػػػتفياـ أك إنػػػػذار... ك التػػػػأثير الػػػػذم تركػػػػو فػػػػي السػػػػامع ثـ عنصر المضاميف ك مف بينيا العناصر المقامية التػي تػتحكـ فػي عمميػة الترتيػب كالتركيػز ك التأكيػػد ففػػي المقػػاؿ " ضػػرب عمػػرك زيػػدا " فالمضػػمكف ىػػك ضػػرب إنسػػاف مػػا زيػػد ك الجػػزء المؤكد ىك عمرك ك علبمة تأكيػده ىػك تقديمػو ك ىكػذا فتمٌحػي فػي الػنظـ الفكاصػؿ بػيف الألفػاظ ك المعنػػػى ك تتعػػػزز العلبقػػػات التػػػي تػػػربط بػػػيف الأسػػػماء ك الأفعػػػاؿ أك بػػػيف الأسػػػماء ك الأسػػػماء أك بػػيف ىػػذه ك تمػػؾ ك مكملبتيػػا مػػف الحػػاؿ ك التمييػػز كالتكابػػع كالمجػػركرات تتكامػػؿ بيػػا نظريػػة النظـ. ك لعؿٌ مكضكع الفصؿ ك الكصؿ دليػؿ عمػى طريقػة عبػد القػاىر ك منيجػو فػي استحضػار المقػػاـ فػػي الػػربط بػػيف الجمػػؿ بػػ ػ"الكاك" تػػارة ك دكنيػػا تػػارة أخػػرل ممػػا يفضػػي إلػػى نجػػاح عمميػػة التكاصؿ. -1 دلائؿ الإعجاز، عبد القاىر الجرجاني ، ص 547.

عدد الصفحات ٩٣

الفصـــل الأول 34 كيمػػمٌ عبػػد القػػاىر عمػػى ىػػذا المكضػػكع ليثٍ بًػػت أف تضافػػػر كػػؿ العناصػػر ىػػك كحػػده الكفيؿ بإتماـ عممية التكاصؿ إذٍ يقكؿ:" ك الألفاظ لا تراد لأنفسيا ك ا نما تراد لتجعؿ أدلػة عمػى المعاني فإذا عدمت الػذم تػراد ك اختػؿ أمرىػا فيػو لػـ يعتػد بالأكصػاؼ التػي تكػكف فػي أنفسػيا عمييا ك كانت السيكلة ك غير السيكلة فييا كاحػدا ك مػف ىينػا رأيػت العممػاء يػذمكف مػف يحممػو تطمػػػب السػػػجع كالتجنػػػيس عمػػػى أفٍ يضػػػ ـ ليػػػـ المعنػػػى ك يػػػدخؿ عميػػػو مػػػف أجميمػػػا ك عمػػػى أفٍ يتعسػػؼ فػػػي الاسػػػتعارة بسػػػببيما ك يركػػػب الكعػػػكرة ك يسػػػمؾ المسػػػالؾ المجيكلػػػة... ذلػػػؾ أنٌػػػو لا يتصكر أفٍ ي جب بيما ك مف حيث ىما فضؿ كيقع بيما مع المعنى اعتداد "(1). تبقػػى الإشػػارة إلػػى أ فٌ مػػف الدراسػػيف مػػف نفػػى عػػف عبػػد القػػاىر ىػػذا السػػبؽ ك رأل أف فكرتػػػو عػػػف الػػػنظـ ىػػػي مجػػػرد فكػػػرة ك ليسػػػت نظريػػػة بػػػدليؿ أنيػػػا مبثكثػػػة فػػػي كتابيػػػو " دلائػػػؿ الاعجاز ك أسرار البلبغة" ك ليست مكجػكدة فػي كتػاب كاحػد ، ك يقػكؿ انػو مسػبكؽ فػي آرائػو مف قبؿ الجاحظ ك الخطابي ك الباقلبني ك أفٌ فكرتو عف النظـ مكجكدة عند الخطابي2. ك الباحػػث يػػرل أنػػو مػػف خػػلبؿ مػػا سػػبؽ يثبػػت مػػا لعبػػد القػػاىر مػػف ألمعيٌػػة كقػػكة عػػرض لآرائػػو غيػػر أنٌػػو ك الحػػؽٌ يقػػاؿ لا نقػػؼ عمػػى نظريػػة متكاممػػة الأركػػاف فػػي التكاصػػؿ المغػػكم لكننػػػا نجػػػد أكثػػػر عناصػػػرىا، دكف أفٍ ن نسػػػى أف عبػػػد القػػػاىر قػػػد سػػػبؽ فػػػي كثيػػػر مػػػف آرائػػػو الدراسات المغكية الحديثة ، ك مازاؿ كتاب " دلائؿ الإ عجاز " منبعا ثرٌا لمدراسات المغكية. كلقد أفاد البلبغيٌ كف بعػد الجػاحظ ك الجرجػاني مػف ىػذه الجيػكد ك لعػؿٌ مقدمػة ابػف خمػدكف خير دليؿ عمى ذلػؾ فمقػد نالػت الممكػة المسػانية عنػده المكانػة الأىػـٌ ك نممػس كعيػو بالتكاصػؿ في تكظيفو ليذه الآلية فػي منػاىج التعمػيـ، فتبحػره فػي عمػـ المسػاف لا يقػؿ أىمٌ يػة عػف تمكنػو مف عمـ الاجتمػاع الػذم ينسػب إليػو ابتكػاره ك كثيػر مػف النػاس فػي عصػرنا لا يقػدركف جيػكد ابػػػف خمػػػدكف المسػػػانية قػػػدرىا بػػػؿ إنيػػػـ يعرفػػػكف عمػػػى أنٌػػػو عػػػالـ اجتمػػػاع لػػػيس إلا ك الكاقػػػع أفٌ -1 دلائؿ الإعجاز، عبد القاىر الجرجاني، ص 523. 2- ينظر: المعاني عمـ الأسمكب، مصطفى الصاكم الجكيني، دار المعرفة، 1993، ص68 كما بعدىا

عدد الصفحات ٩٤

الفصـــل الأول 34 المغػكييف يجػدكف مخزكنػا مػف العمػكـ المسػانية التػػي لا تبتعػد عمػا ىػك مكجػكد الآف يقػكؿ أحػػد البػػاحثيف "... ىنػػاؾ مػػف المسػػانييف مػػف يجػػد فػػي المقدمػػة مخزكنػػا مػػف الإثػػراءات الثريػػة التػػي تػػدؿ عمػػى حممػػو مػػف الأفكػػار المسػػانية التربكيػػة التػػي لا تقػػؿ أىمٌ يػػة عمػػا تكصػػؿ إليػػو البحػػث المساني عند الغربييف "(1). ك كانػػػت رؤ يتػػػو قائمػػػة عمػػػى أفٌ أىػػػـٌ خصػػػائص المغػػػة ىػػػي التكاصػػػؿ أمٌ إبانػػػة كا فيػػػاـ المتمقي إذٍ يقكؿ: " اعمـ أفٌ المٌغات كمٌيا ممكات شبيية بالصٌناعة إذٍ ىي ممكات فػي المٌسػاف لمعبارة عف المعاني كجكدتيا كقصكرىا بحسب تماـ الممكػة أك نقصػانيا. كلػيس ذلػؾ بػالنٌظر إلى المفردات كا نٌما ىك بالنٌظر إلى التٌراكيب. فإذا حصمت الممكة التٌامٌة فػي تركيػب الألفػاظ المفردة لمتٌعبير بيا عػف المعػاني المقصػكدة كمراعػاة التٌػأليؼ الٌػذم يطبٌػؽ الكػلبـ عمػى مقتضػى الحاؿ بمغ المتكمٌـ حينئذ الغاية مف إفادة مقصكده لمسٌامع كىذا ىك معنى البلبغة"(2). 1 - التفكيػػػػػػر المسػػػػػػاني فػػػػػػي الحضػػػػػػارة العربيػػػػػػة، عبػػػػػػد السػػػػػػلبـ المسػػػػػػدم، الػػػػػػدار التكنسػػػػػػية لمكتػػػػػػاب، تػػػػػػكنس، ط 2، 1986،ص208. -2 ديكاف المبتدأ كالخبر في تاريخ العرب كالبربر كمف عاصرىـ مف ذكم الشأف الأكبر، عبد الرحمف بف محمد بف محمد، ابف خمدكف أبك زيد، كلي الديف الحضرمي الإشبيمي، تم خميؿ شحادة، دار الفكر، بيركت، ط 2،1988، ص554

عدد الصفحات ٩٥

الفصل الثاني  الاس تئنافامبياني  الاس تئناف امبياعند امقدماء  أ سلــــــوب المقاومــــــة  الحوار في امقــرأ ن امكــريم  أ طــراف امتواصــل الاستئناف البياني و التواصل اللغوي

عدد الصفحات ٩٦

الفصل الثاني 83 الاستئناف البياني: الاستئناؼ البياني كما ىك ك اضح مف المصطمح مف اىتمامات عمـ البلبغة ك ىك مف مباحث عمـ المعاني يي درس في م ك ضك ع الك صؿ ك الفصؿ بؿ يعدٌ مف أىـ ىذه المباحث فقد ناؿ مكانة متميٌ زة يقكؿ أحد الباحثيف المعاصريف" فيك مف أركع مكاضع الفصؿ بيف تركيبيف يتم ـ أحدىما الآخر...ما يعرؼ عند عمماء المعاني بشبو كماؿ الاتصاؿ" 1. كلما كانت المغة ك سيمة لمتك اصؿ بيف البشر يجسدىا الكلبـ تجسيدا حقيقيا إذٍ يتككٌ ف مف مجمك عة مف الجمؿ تأتي تارة م ك صك لة ك تارة أخرل مفص ك لة عف بعضيا البعض لتأدية المعاني المقص ك دة ك نقميا مف الباثٌ إلى المتمقٌي، كانت ظاىرة الاستئناؼ ك ثيقة الصمة بالتك اصؿ المغك م "ك المغة المشيك رة بالدقة ك النظاـ لا بد أف يكك ف الفصؿ فييا بيف الجمؿ ك المفردات يق ك ـ عمى أسرار بلبغية ك يكك ف الك صؿ بيف جمميا أك مفرداتيا قائما عمى أسس فنية ك نكت بيانية بحيث لا يصمح الفصؿ في مكاف الك صؿ ك لا الك صؿ في مكاف الفصؿ"2 . أمٌا الاستئناؼ في المغةفيك الابتداء ك استأنفت الشيء إذا ابتدأتو كالاستئناؼ الابتداء، ككذلؾ الائتناؼ3 . كفي اصطلبح البلبغييف ييعدٌ الاستئناؼ البياني أحد أضرب الاستئناؼ إذ ييدرس ضمف باب الفصؿ كالكصؿ، ذلؾ الجمؿ تأتي مكصكلة بالكاك أك مفصكلة كيككف الفصؿ في خمس مكاضع: أكليا أف يككف بيف الجممتيف اتحاد تاـٌ كامتزاج معنكم حتٌ ى كأن يما أي فرً غا في قالب كاحد كيسمٌ ى ذلؾ ك ماؿ الاتصاؿ، كثانييا أف يككف بيف الجممتيف تبايف تاـ بدكف ايياـ خلبؼ المراد كيسمى ذلؾ كماؿ الانقطاع، كثالثيا أف يككف بيف الجممتيف رابطة قكية كيسمى شبو 1- نحك المعاني، أحمد عبد الستار الجكارم، المؤسسة العربية لمدراسات كالنشر، بيركت، د ط، 2006، ص102. 2 - مف بلبغة النظـ العربي، دراسة تحميمية لعمـ المعاني، عبد العزيز عبد المعطي عرفة، عالـ الكتب، بيركت، ط 2، 1984،ج2 ص146. -3 لساف العرب، لابف منظكر، دار صادر، بيركت، ط3،1414ىػ، ج9 ص15

عدد الصفحات ٩٧