المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

التواصل اللغوي في الخطاب القرآني دراسة في الاستئناف البياني

العزوزي حرزولي

صفحة ٥ من ٢٥

الفصـــل الأول 34 كجياتو كترتيب ما نزؿ بمكة كما نزؿ بالمدينة، كما نزؿ بمكة كحكمو مدني ، كما نزؿ بالمدينة كحكمو مكي، كما نزؿ بمكة في أىؿ يثرب كما نزؿ في المدينة في أىؿ مكة ، كما يشبو نزكؿ المكي في المدني كما يشبو نزكؿ المدني في المكي، كما نزؿ بالجحفة كما نزؿ ببيت المقدس كما نزؿ بالطائؼ، كما نزؿ بالحديبية كما نزؿ ليلب كما نزؿ نيارا.. فيقكؿ ىذه خمسة كعشركف كجيا مف لـ يعرفيا كيميز بينيا لـ يحؿ لو أفٍ ي تكمـ في كتاب ا﵀ تعالى"1. كلك تأممنا ىذا القكؿ لكجدناه يتحدث عف المكاف كيتحدث عف الزماف كيتحدث عف المخاطبيف فكأنما أخذ بأىـٌ أطراؼ التكاصؿ كا لى ذلؾ فقد أشار العمماء إلى مقاييس أخرل منيا أنٌو ما كاف مبدكءا بػ(يا أييا الذيف آمنكا) نزؿ بالمدينة كما كاف مبدكءا بػ(يا أيٌ يا الناس) نزؿ بمكة 2 . كمف جية أخرل فقد انتبيكا لمخصائص المكضكعية في الخطاب فكؿ سكرة تضمٌ نت الدعكة إلى التكحيد كعبادة ا﵀ كحده كا ثبات الرسالة...فيي مكٌية3، كقد لخٌص صاحب كتاب التفسير المغكم لمقر آف بعد أف عرض تعريفات متنكعة في مراحؿ زمنية متعددة تعريؼ التفسير ب أفٌ ا لبياف" يتحقؽ بمعرفة المفظة الغريبة في الآية كمعرفة قصتيا أك بمعرفة مكاف نزكليا كفي مف نزلت أك بمعرفة بما فييا مف النسخ بمصطمحو العاـ كبياف مجمؿ كتخصيص عاـ كتقييد مطمؽ كرفع حكـ شرعي كغيرىا مما يعتريو إزالة كرفع" 4. 1- دراسات في عمكـ القرآف، أمير عبد العزي ز، مطبعة الشياب، باتنة الجزائر، ط 2،1988، ص56 2- مباحث في عمكـ القرآف، مناع قطاف، مؤسسة الرسالة ناشركف، بيركت، لبناف، ط 1،2011، ص57. 3- المرجع نفسو، ص 56. 4- التفسير المغكم لمقرآف الكريـ، مساعد بف سميماف بف ناصر الطيار، دار ابف الجكزم، السعكدية، ط 1،1422ىػ، ص 29

عدد الصفحات ٦٦

الفصـــل الأول 33 كمما تقدـ نلبحظ أف عمماء التفسير بحاجة إلى كؿ العناصر متعاضدة متكاتفة لمكصكؿ إلى المعنى، بؿ إنيـ أحسف مى ف طبؽ منيجا لسانيا متكاملب لمكصكؿ إلى المعنى الدقيؽ. ك قد تنبٌ و القدماء إلى النظر لمقرآف الكريـ بصفتو خطابا كذلؾ بالحديث عف تأثيره عمى مى فٍ يسمعو ذلؾ أفٌ ا لقرشييف كىـ أكؿ مف سمع القرآف يعدكف أفصم العرب لسانا ك أكثرىـ معرفة بأفانيف القكؿ" أحسكا في القرآف قكة غلببة كتيارا جارفا يريد أفٍ ي بسط سمطانو حيث يصؿ صكتو"1 أم التنبو إلى النجاعة التكاصمية لمخطاب القرآني في بيئة تغمب عمييا الأمية أم أف تأثرىا الأكؿ بالمنطكؽ دكف المكتكب. قاؿ الشاطبي:" كلا بدٌ في فيـ الشريعة مف اتباع معيكد الامييف الذيف نزؿ القرآف بمسانيـ فإف كاف لمعرب في لسانيـ عرؼ مستمر فلب يصم العدكؿ عنو في في ـ الشريعة كا ف لـ يكف ثـ عرؼ فلب يصم أفٍ يجرل في فيميا عمى ما لا تعرفو كىذا جار في المعاني كالألفاظ كالأساليب "2،فالمفسٌر يستحضر المشيد التكاصمي بكؿ عناصره ليصؿ إلى المقصكد، كما عمكـ المساف البحتة إلا كاحدة مف عمكـ كثيرة ت مثٌؿ أدكات التحميؿ كالكصكؿ لممعنى. لمٌا كاف القرآف يتنزؿ مفرقا حسب الحكادث كالمناسبات في فترة زمنية تربك عمى العشريف عاما عمى الأرجم ككاف في فترتيف مكٌية كمدنية كانت المناسبة ظاىرة في سياقيا بكضكح تارة كبالتمميم أخرل تجمع بيف الخصكص كالعمكـ كتكائـ بينيما لذلؾ كثر التحاكر كالتساؤؿ في سياقات المناسبات مما جعؿ النص أكثر حيكية ك استيكاء -1 أسمكب الدعكة القرآنية، دعكة كمنياجا، عبد الغني محمد سعد بركة، دار غريب، مصر، ط 1،1983، ص43. -2 المكافقات، الشاطبي، ج2، ص131.

عدد الصفحات ٦٧

الفصـــل الأول 33 لممتمقي استماعا كفيما كبذلؾ يككف النص بمغ اليدؼ مف مراده كىك إيصاؿ البلبغ كالفكرة إلى المستمع كىذا ىك القصد مف النص إذٍ كؿ نص ييدؼ إلى تكصيؿ فكرة 1. كالحقيقة أف تفاسير القرآف ال كريـ تعدٌ المؤلفات الأكثر تأثٌرا بزماف كمكاف صاحبيا كبالتالي تعكس تكاصمو مع الخطاب القرآني، فمنذ القرف الثالث لميجرم تتكالي التفاسير كتتخذ سمات مميزة إلا أف ذلؾ يعكد إلى أف ال مفسٌر يتأثر بثلبثة أبعاد2: 1- البعد التراثي . 2- بعد زماف المؤلؼ المفسٌر مف حيث الفكر كالتقاليد كالأعراؼ . 3- البعد الذاتي لممفسٌر مف حيث منيجو العممي. كىكذا غدا مف المعمكـ ارتباط التفسير بالمناسبة ك السياؽ ك معرفة أسباب النزكؿ ممٌ ا يعيػف عمى فيـ الآيات ك لذؾ اكلاه سمؼ ىذه الأمة عناية فائقة ك أفردكه بالتأليؼ كأكثركا مف الاستعانة بو في التفاسير. فقد كاف عمماء التفسير كمف بعدىـ يستنجدكف بأسباب النزكؿ أم المقاـ الذم ارتبط بنزكؿ الآيات لتبرير مكقع آية منيا كمف ذلؾ ما نجده عند الزمخشرم في الكشاؼ تفسيره للآية ﴿                                ﴾(البقرة، 589) التي يتكزٌعيا مكضكعاف حديث عف الأىمٌ ة كالحكمة منيا كحديث عف البرٌ كرغـ البعد ما بيف المكضكعيف فقد عطفنا بالكاك كقد أكرد الزمخشرم سببيف 1- التفكير البلبغيٌ عند العرب، أسسو كتطكره إلى القرف السادس، مشركع قراءة، حمادم صمكد، منشكرات كمية الآداب، منكبة، تك نس، ط2،1994، ص210-211 . 2- ينظرالمعاني في عمـ الأسمكب، مصطفى الصاكم، الحكيني، دار المعرفة الجامعية، مصر، 1993، ص25 .

عدد الصفحات ٦٨

الفصـــل الأول 33 مختمفيفلنزكؿ الآية مبرٌ را العطؼ 1 كىذا ما نجده أيضا عند الفخر الرازم 2 إذٍنجد المفسٌر في كمتا الحالتيف يربط الآية بما قبميا بكاسطة مقتضى الحاؿ. كمف نماذج أىمٌ ية المقاـ في التفسير ما كرد مف آراء لم مفسٌر يف لقكلو تعالى : ﴿        ﴾ فقد اختمؼ فييا المفسٌر كف عمى آراء كثيرة مثٌؿ الدىر كصلبة العصر كأحد طرفي النيار كعصر النبكة كالزماف كالبكرة كالعشية كغيرىا ...3، كلعؿ ذلؾ ما جعؿ الرازم يذكر عصر الدنيا لأف يرتبط في أذىاف المتمقي بعمر الانساف ك مدة حياتو" فكذا نقكؿ: كالعصر أم عصر الدنيا قد دنت القيامة ك بعد لـ تستعد كتعمـ أنؾ تسأؿ غدا عف النعيـ الذم كنت فيو في دنياؾ..."4 كلفظة العصر لا يمكف قصرىا عمى معنى كاحد فدلالتيا عامة كقد اكتسبت أىمٌ يتيا في ىذا المقاـ مف إقساـ ا﵀ جؿٌ كعلب ككاف ت ضافر السياؽ كالمقاـ الفيصؿ في اختيار بعض ال مفسٌر يف لمتفسير القائؿ أفٌ ا لعصر ىك عصر الإنساف ؛ إذٍ المقاـ مقاـ مكعظة كخسراف مدة حياة الإنساف . 1- الكشاؼ عف حقائؽ غكامض التنزيؿ، أبك القاسـ محمكد بف عمرك بف أحمد، الزمخشرم جار ا﵀، دار الكتاب العربي – بيركت،ط3،1407ىػ ، ج1 ص234 2- مفاتيم الغيب أك التفسير الكبير، أبك عبد ا﵀ محمد بف عمر بف الحسف بف الحسيف التيمي الرازم الممقب بفخر الديف الرازم، دار إحياء التراث العربي – بيركت، ط3،1420ق، ج5، ص286 3- مثلب البحر المحيط ج8ص507 الكشاؼ ج4 ص793، الجامع لأحكاـ القرآف، شمس الديف القرطبي، تم أحمد البردكني/، كابراىيـ أطفيش، دار الكتب المصرية، القاىرة، ط 2،1964،ج20 ص178 كتفسير الفخر الرازم ج 32 ص277 4- مفاتيم الغيب، الرازم، ج 32، ص278.

عدد الصفحات ٦٩

الفصـــل الأول 33 كأمٌا مف حيث السياؽ المغكم فيك إتباع ىذه الآية بالاستثناءالَّذًيفى آمىنيكا كعىمًميك ا الصَّالًحىاتً إرضائو كدخكؿ جناتو. كمف ذلؾ أيضا قاؿ ا﵀ تعالى : ﴿ك ا ذٍ قىاؿى المٌوي يىا عًيسىى ابٍفى مىرٍيىـى أىأىنتى قيمتى لًمنَّاسً اتَّخًذيكنًي كأيمِّيى إًلىيىيٍفً مًف ديكفً المٌوً قىاؿى سيبٍحىانىؾى مىا يىكيكفي لًي أىفٍ أىقيكؿى مىا لىيٍسى لًي بًحىؽ إًف كينتي قيمٍتيوي فىقىدٍ عىمًمٍتىوي تىعٍمىـي مىا فًي نىفٍسًي كلاى أىعٍمىـي مىا فًي نىفٍسًؾى إًنَّؾى أىنتى عىلبَّـي الٍغيييكبً  مىا قيمٍتي لىييـٍ إًلاَّ مىا أىمىرٍتىنًي بًوً أىفً اعٍبيديكا المَّوى رىبِّي كرىبَّكيـٍ ﴾(المائدة،551) فقد أرجع ال مفسٌر كف كركد الآيات مستأنفة دكف عطؼ إلى المقاـ كىك التبرؤ مما نسب إليو كىك يدافع عف نفسو كيقكؿ الزمخشرم :"ما ينبغي لي أىفٍ أىقيكؿى قكلا لا يحؽ لي أف أقكلو فًي نىفٍسًي في قمبي: كالمعنى: تعمـ معمكمى كلا أعمـ معمكمؾ، كلكنو سمؾ بالكلبـ طريؽ المشاكمة كىك مف فصيم الكلبـ كبينو، فقيؿ فًي نىفٍسًؾى لقكلو في نفسي إًنَّؾى أىنٍتى عىلبَّـي الٍغيييكبً تقرير لمجممتيف معان"1 . فيبدك أف مقاـ الدفاع ىك الذم اعتمده ىؤلاء ال مفسٌر كف عمى أساس أنٌو ذكر الجممة كأعقبيا بتقرير كىك غير العطؼ كا﵀ أعمـ. كالنعت المقطكع الذم ذكرنا بعض أبعاده التكاصمية عند ال نحاة يشيد بو المفسركف أيضا كمف ذلؾ ما ذكره أبك السعكد :" قاؿ أبك عمي إذا ذي كرت صفات لممدح كخي كلؼ في بعضيا الإعرابي فقد خي كلؼ للبفتناف أم لمتفنف المكجب لإيقاظ السامع كتحريكو إلى الجًدٌ في الإصغاء فإف تغييرى الكلبـً المىسكؽً لمعنى مف المعاني كصىرٍفىو عف سننو المسمكؾ ينبئ عف اىتماـو جديدو بشأنو مف المتكمِّـ كيستجمبي مزيدى رغبةو فيو مف المخاطى ب"2. 1 الكشاؼ ، الزمخشرم، ج 1، ص694. 2 - ارشاد العقؿ السميـ، ج 1، ص29-30.

عدد الصفحات ٧٠

الفصـــل الأول 33 التواصل عند البلاغيين البلبغة العربية كلا شؾ ىي ألصؽ العمكـ بدراسة التكاصؿ كلك تتبعنا تعريؼ البلبغة منذ بدايات الدرس المغكم لأ لفينا ىذا الكعي بالنظرة الشاممة لمحدث الكلبمي بكؿ عناصره ماثمة فالإماـ إبراىيـ بف محمد يعرؼ البلبغة ب أنٌيا" : يكفي مف حظ البلبغة أف لا يؤتى السامع مف سكء إفياـ الناطؽ، كلا يؤتى الناطؽ مف سكء فيـ السامع"1. ففي ىذا كعي ب أىمٌ ية قطبي التكاصؿ في نجاح العممية التكاصمية كقد عاش الإماـ ابراىيـ بف محمد في أكائؿ القرف الثاني اليجرم إذ تكفي سنة 131ىػ كقد عرؼ عنو اشتغالو بالأدب 2،كمف الميـ أف نلبحظ استعمالو لفظي الناطؽ كالسامع بما يكحي بالمسرح المغكم كما يسميو كماؿ بشر. كعرٌ ؼ عبد الحميد بف يحي الكاتب (ت 132ىػ البلبغة بأنٌيا" تقرير المعنى في الأ فياـ مف أقرب كج ك ه الكلبـ"3،أمٌا عبد ا﵀ بف المقفع (ت142ىػ فعرٌؼ البلبغة بقكلو" البلبغة اسـ جامع لمعاف تجرم في كجكه كثيرة ، فمنيا ما يككف في السككت، كمنيا ما يككف في الاستماع، كمنيا ما يككف في الإشارة، كمنيا ما يككف في الاحتجاج، كمنيا ما يككف جكابا، كمنيا ما يككف ابتداء، كمنيا ما يككف شعرا، كمنيا ما يككف سجعا كخطبا، كمنيا ما يككف رسائؿ. فعامة ما يككف مف ىذه الأبكاب الكحي فييا، كالإشارة إلى المعنى، كالإيجاز، ىك البلبغة "4. 1- البياف كالتبييف، عمرك بف بحر بف محبكب الكناني الميثي، أبك عثماف، الشيير بالجاحظ، تحقيؽ عبد السلبـ ىاركف، دار كمكتبة اليلبؿ، بيركت، ط4،1423ىػ، ، ج1، ص90. 2- الأعلبـ، خير الديف بف محمكد بف محمد بف عمي بف فارس، الزركمي الدمشقي ،دار العمـ لمملبييف، ط 15، 2002 ـ، ج1، ص59. 3- جكاىر البلبغة في المعاني كالبياف كالبديع، السيد أحمد الياشمي، شرح كتحقيؽ حسف حمد، دار الجيؿ، بيركت، دت، ص 30. 4- البياف كالتبييف، مرجع سابؽ ، ج 1، ص114.

عدد الصفحات ٧١

الفصـــل الأول 33 كالملبحظ أفٌ ابف المقفع أشار في ىذا التعريؼ إلى أىـٌ عناصر التكاصؿ فميز بيف قنكاتيا المختمفة كالإشارة ك الكلبـ كذكر عناصر العممية التكاصمية كغاياتيا ث ـ أشار إلى الرسالة بكجكه مختمفة. كلقد كاف اىتماـ البلبغيٌ يف بعممية التكاصؿ كبير ا ذلؾ أفٌ ا لبلبغة التي نشأت في رحاب المتكمميف كخاصة المعتزلة الذيف اتخذكىا كسيمة للئفياـ كالاقناع كالانتصار لأفكارىـ . كقد بدا ىذا كاضحا مف تعريؼ أكائؿ المعتزلة لمبلبغة كىك عمرك بف عبيد (ت144ىػ في حكار نقمو الجاحظ " قيؿ لعمرك بف عبيد: ما البلبغة؟ قاؿ: ما بمغ بؾ الجنة... قاؿ السائؿ: ليس ىذا أريد. قاؿ: "مف لـ يحسف أفٍ ي سكت لـ يحسف أفٍ ي ستمع، كمف لـ يحسف الاستماع لـ يحسف القكؿ. قاؿ: ليس ىذا أريد ...قاؿ: قاؿ السائؿ: ليس ىذا أريد. قاؿ: كانكا يخافكف مف فتنة القكؿ، كمف سقطات الكلبـ، ما لا يخافكف مف فتنة السككت كمف سقطات الصمت. قاؿ السائؿ: ليس ىذا أريد. قاؿ عمرك: فكأنؾ إنما تريد تخير المفظ، في حسف الإفياـ، قاؿ: نعـ. قاؿ: إنؾ إف أكتيت تقرير حجة ا﵀ في عقكؿ المكمفيف، كتخفيؼ المؤكنة عمى المستمعيف كتزييف تمؾ المعاني في قمكب المريديف، بالألفاظ المستحسنة في الآذاف، المقبكلة عند الأذىاف، رغبة في سرعة استجابتيـ، كنفي الشكاغؿ عف قمكبيـ بالمكعظة الحسنة عمى الكتاب كالسنة، كنت قد أكتيت فصؿ الخطاب كاستكجبت عمى ا﵀ جزيؿ الثكاب" 1. فيذا التدرج في تعريؼ البلبغة يعكس نظرة المعتزل ة لمبلبغة فيك يرل أنيا تقرير في عقكؿ المكمفيف ام ابلبغ لممتمقي مع مراعاتو تخفيؼ المؤكنة عميو برسالة كاضحة عبٌر عمييا بألفاظ مستحسنة ك بيٌف الغاية كىي سرعة الاستجابة ك مراعاة المقاـ ثـ ربطيا -1 البياف ك التبييف، الجاحظ، ص12.

عدد الصفحات ٧٢

الفصـــل الأول 34 بالغرض الديني كىك أفٌ مف نجم في التبميغ ك أقنع المتمقي استكجب عمى ا﵀ الثكاب الجزيؿ. كالقرآف الكريـ ىك معجزة الرسكؿ  كقد اتٌخذه المسممكف كسيمتيـ لإقناع خصكميـ كتزكية نفكسيـ إذٍ يتعبدكف ا﵀ بو، كالبلبغة برمتيا في نظر المعتزلة تخدـ ىذا المعنى مف حسف التمقي كا يصاؿ المعاني إلى الأفياـ إذٍ يعرِّ ؼ عمرك بف عبيد (ت 144ىػكىك شيخ المعتزلة في عصره البميغ بقكلو" ىك م ف أكتي تقرير حجٌ ة ا﵀ كتخفيؼ المؤكنة عمى المستمعيف..." أمٌا بشر بف المعتمر(ت 210ىػ فتعدُّ صحيفتو بمثابة دستكر لمبلبغة العربية في طكر نشأتيا كقد نقميا الجاحظ كاممة لأىمٌ يتيا كسنحاكؿ إثبات الكعي بعناصر التكاصؿ في ىذه الصحيفة. قاؿ بشر: " خذ مف نفسؾ ساعة نشاطؾ كفراغ بالؾ كا جابتيا إياؾ، فإف قميؿ تمؾ الساعة أكرـ جكىرا، كأشرؼ حسبا، كأحسف في الأسماع، كأحمى في الصدكر، كأسمـ مف فاحش الخطاء، كأجمب لكؿٌ عيف كغرٌة، مف لفظ شريؼ كمعنى بديع. كأعمـ اف ذلؾ أجدل عميؾ مما يعطيؾ يكمؾ الأطكؿ، بالكد كالمطاكلة كالمجاىدة، كبالتكمؼ كالمعاكدة. كميما أخطأؾ لـ يخطئؾ أفٍ ي ككف مقبكلا قصدا، كخفيفا عمى المساف سيلب، ككما خرج مف ينبكعو كنجـ مف معدنو. كا ياؾ كالتكعٌر، فإف التكعٌ ر يسممؾ إلى التعقيد، كالتعقيد ىك الذم يستيمؾ معانيؾ، كيشيف ألفاظؾ. كمف أراغ معنى كريما فميمتمس لو لفظا كريما، فإف حؽٌ المعنى الشريؼ المفظ الشريؼ، كمف حقيما أف تصكنيما عما يفسدىما كييجنيما، كعما تعكد مف أجمو أف تككف أسكأ حالا منؾ قبؿ أف تمتمس إظيارىما، كترٍ تى يً ف نفسؾ بملببستيما كقضاء حقيما. فكف في ثلبث منازؿ، فإف أكلى الثلبث أفٍ ي ككف لفظؾ رشيقا عذبا، كفخما سيلب، كيككف معناؾ ظاىرا مكشكفا، كقريبا معركفا، أمٌا عند الخاصة إف

عدد الصفحات ٧٣

الفصـــل الأول 34 كنت لمخاصة قصدت، كأمٌا عند العامة إف كنت لمعامة أردت. كالمعنى ليس يشرؼ ب أفٍ يككف مف معاني الخاصة، ككذلؾ ليس يتٌضع بأفٍ ي ككف مف معاني العامة. كا نما مدار الشرؼ عمى الصكاب كا حراز المنفعة، مع مكافقة الحاؿ، كما يجب لكؿ مقاـ مف الماؿ. ككذلؾ المفظ العامي كالخاصيٌ. فإف أمكنؾ أف تبمغ مف بياف لسانؾ، كبلبغة قممؾ، كلطؼ مداخمؾ، كاقتدارؾ عمى نفسؾ، إلى أف تفعـ العامة معاني الخاصة، كتكسكىا الألفاظ الكاسطة التي لا تمطؼ عف الدىماء، كلا تجفك عف الاكفاء، فأنت البميغ التاـ"1. فالقراءة المت أنيٌة ليذه الصحيفة تكضم أنٌو قد جاء عمى أىـٌ عناصر التكاصؿ فذكر المتكمـ أك الباثٌ بقكلو { كالمطاكلة كالمجاىدة، كبالتكمؼ كالمعاكدة. كميما أخطأؾ لـ يخطئؾ أفٍ ي ككف مقبكلا قصدا، كخفيفا عمى المساف سيلب، ككما خرج مف ينبكعو كنجـ مف معدنو } كذكر المتمقي أك المخاطىب فقاؿ كينبغي لممتكمـ أفٍ ي عرؼ أقدار المعاني كيكازف بينيا كبيف أقدار المستمعيف} ك أشار إلىأىمٌ ية الظرؼ الزماني بقكلو" { خذ مف نفسؾ ساعة نشاطؾ كفراغ بالؾ كا جابتيا إياؾ، فإف قميؿ تمؾ الساعة أكرـ جكىرا، كأشرؼ حسبا، كأحسف في الأسماع}كتحدٌث عف الرسالة كالشركط الكاجب تكفرىا فييا {كعٌر، فإف التكعر يسممؾ إلى التعقيد كما تحدث عف المقاـ بذكر أىـٌ عناصره متحدثا عف مقاـ المخاطىبيف كمكافقة الحاؿ لممقاـ كما تحدث عف الخاصة كالعامة { بأفٍ ي ككف مف معاني الخاصة، ككذلؾ ليس يتٌضع بأفٍ ي ككف مف معاني العامة. كا نما مدار الشرؼ عمى الصكاب كا حراز المنفعة، مع مكافقة الحاؿ، كما يجب لكؿ مقاـ مف الماؿ. ككذلؾ المفظ العامي كالخاصيٌ أمٌا القناة فيي المغة مشافية لأنٌو تحدث -1 البياف ك التبييف، الجاحظ، ج1، ص129

عدد الصفحات ٧٤

الفصـــل الأول 34 عف الخطابة، أمٌا الشفرة فمف الكاضم أنٌو يتكمـ عف المغة العربية. كا شادة بشر بالمقاـ كالمقاؿ تدؿٌ عمى كعيو بكؿ العناصر التي تؤىؿ الباثٌ في التكاصؿ مع المتمقي. ك ما مف شؾ في أفٌ ا لدراسة البلبغيٌ ة ىي الأقرب إلى دراسة التكاصؿ في جك ثقافي عاـ يحتفي بالدراسات المسانية عمكما التي نالت مكانة ميمٌ ة في تراثنا تضافرت في ذلؾ عكامؿ عديدة أكليا خدمة القرآف الكريـ إلى جانب عناصر أخرل عمى قدر كبير مف الأ ىمٌ ية أيضا كمنيا عمى سبيؿ المثاؿ ما لمكلبـ كالتكاصؿ المغكم مف تأثير في الكاقع العربي، فقد نيقؿ عف معاكية بف أبي سفياف كقد افتخر أحد جمسائو بقكة زياد كبأسو فقاؿ لو معاكية " أسكت، فك ا﵀ ما أدرؾ صاحبؾ شيئا بسيفو إلا كقد أدركت أكثر منو بمساني" 1. كما أف فً رى ؽ المتكمميف كخاصة المعتزلة بحثكا في آليات الاقناع للبحتجاج لآرائيـ الفكرية كمذاىبيـ العقدية كمف ثـٌ استثمار كؿ عناصر التكاصؿ المغكم لبمكغ ىذه الأىداؼ. فلب غرك أف يككف البعد التكاصميٌ التداكلي مف أىـٌ مككنات البلبغة العربية، كقد أشار أحد الباحثيف المعاصريف إلى ذلؾ في خطاطة جعميا تمخٌص جيكد أبي ىلبؿ العسكرم 2، كيرل الباحث أنيا تنسحب عمى جممة الدراسات البلبغية في تمؾ الحقبة. -1 البياف ك التبييف، الجاحظ ، ج1، ص217 2 البلبغة العربية أصكليا كامتداداتيا، محمد العمرم، ص 286. مكونات البلاغة العامة الأصـــــوات المتلقي التـــداول النــــــص المرسل المعـــــاني الصور البلاغية الأخذ (التناص) ترصيع تجنيس تركيب المعاني الانزياح

عدد الصفحات ٧٥

الفصـــل الأول 34 التواصل و أطرافه عند الجاحظ إذا كاف مف المنطقيٌ في مثٌؿ ىذا العمؿ تتبٌ ع المنيج التأريخي فإنٌو لا بدٌ مف البحث في المؤلفات البلبغيٌ ة الأكلى حتى لك لـ يىشًعٍ إدراجيا ضمف ىذا الفف، كىذا ما يصدؽ عمى كتاب البياف كالتبييف لمجاحظ(ت 255 ىػ) فميذا المؤلَّؼ مكانة مميزة في تراثنا لقيمتو العممية كأسبقيتو التاريخية ، ثـ إفٌ سعة عمـ أبي عثماف كفطنتو جعمتو مف أكائؿ المغكييف الذيف ينبٌيكف إلى أىمٌ ية التكاصؿ المغكم ، "كالبياف اسـ جامع لكؿ شيء كشؼ لؾ قناع المعنى، كىتؾ الحجاب دكف الضمير، حتى ي فضي السامع إلى حقيقتو، كييجـ عمى محصكلو كائنا ما كاف ذلؾ البياف، كمف أمٌ جنس كاف الدليؿ، لأف مدار الأمر كالغاية التي يجرم القائؿ كالسامع، إنما ىك الفيـ كالإ فياـ، فب أمٌ شيء بمغت الإ فياـ كأكضحت عف المعنى، فذلؾ ىك البياف في ذلؾ المكضع"1. كما تنبٌو إلىأنكاع الدلالة ك تحدٌ ث عف التكاصؿ المغكم كالتكاصؿ بالكسائؿ الأخرل كالإشارة كالعقد كالحاؿ ، كقد كصؿ الجاحظ إلى ىذا المعنى انطلبقا مف الكظيفة الاكلى لمغة كىي التكاصؿ ككشؼ الكامف في الصدكر 2. ثـ اعمـ- حفظؾ ا﵀- أف حكـ المعاني خلبؼ حكـ الألفاظ، لأف المعاني مبسكطة إلى غير غاية، كممتدة إلى غير نياية، كأسماء المعاني مقصكرة معدكدة، كمحصمة محدكدة. كجميع أصناؼ الدلالات عمى المعاني مف لفظ كغير لفظ، خمسة أشياء لا تنقص كلا تزيد : أكليا المفظ، ثـ الإشارة، ثـ العقد، ثـ الخط، ثـ الحاؿ التي تسمى نصبة، كالنصبة ىي الحاؿ الدالة، التي تقكـ مقاـ تمؾ الأصناؼ، كلا تقصر عف تمؾ الدلالات"3. 1 - البياف كالتبييف، الجاحظ، ج1، ص11. 2 - البلبغة العربية أصكليا كامتداداتيا، محمد ا لعمرم، افريقيا الشرؽ، الدار البيضاء المغرب، ط 2،2010، ص 195 . 3 - البياف كالتبييف، الجاحظ، ج1، ص82.

عدد الصفحات ٧٦

الفصـــل الأول 33 كقد نقمنا ىذا النص عمى طكلو لما تضمنو مف أسس التكاصؿ في ذلؾ الكقت المبكر ك لمٌا رأينا مف كثرة الاستشياد بو عند الباحثيف كىذا ما أكده الدكتكر محمد الصغير بناني بقكلو: "كلا نعتقد أنٌو بالإمكاف العثكر في مثؿ ىذه الفترة عمى نص كيذا يتميز بالإحاطة كالعمؽ في التفكير في مكضكع الكلبـ البشرم كقضايا التكاصؿ بيف الناس بالكسائؿ المسانية كغير المسانية "1. كلـ يقتصر امر عمى ذلؾ فقد كاف اىتماـ الجاحظ بالرسالة بيٌنا حتى سكل بينو كبيف الانساف ذاتو، جاء في كتاب البياف كالتبييف: " قاؿ بعض الأكائؿ إنما الناس أحاديث فإف استطعت أف تككف أحسنيـ حديثا فافعؿ "(2). كالبعد التكاصمي عند الجاحظ لا نجده في ثنايا مؤلفاتو بؿ في أسمكب كتابتو فمقد كعى فقارئ كتبو يحسٌ بكشائج قكية تربطو بالنص ، كقد كانت ىذه الغاية مف أىداؼ الجاحظ إذ قاؿ" كجو التدبير في الكتاب إذا طاؿ أف يداكم مؤلٌفو نشاط القارمء لو، كيسكقو إلى حظٌو بالإحتياؿ لو. فمف ذلؾ أف يخرجو مف شيء إلى شيء، كمف باب إلى باب، بعد أف لا يخرجو مف ذلؾ الف ف، كمف جميكر ذلؾ العمـ"3. كالبياف عند البلبغيٌ يف العرب - كالجاحظ مف أبرزىـ - جكىر البلبغة كالكظيفة الأساسية لكؿ اتصاؿ لغكم كذلؾ لأف مدار الأمر كالغاية التي إلييا القائؿ كالسامع إنما ىك الفيـ ك الإفياـ(4). -1 مفيكـ النص عند المنظريف القدماء، محمػد الصػغير بنػاني، مجمػة المغػة كالادب معيػد المغػة العربيػة كآدابيػا، جامعػة الجزائر، دار الحكمة، الجزائر، ع 12، ديسمبر1997، ص53. -2 البياف كالتبييف، الجاحظ، ج2، ص50. 3 - المصدر نفسو، ج3، ص237 -4 ينظرالبلبغة كالاتصاؿ، جميؿ عبد المجيد، ص 143 بتصرؼ

عدد الصفحات ٧٧

الفصـــل الأول 33 كقد لخٌص محمد العمرم مكضكع البياف كالتبييف في الخطاطة التالية1: كلا نغػػػػالي إذا قمنػػػػا أفٌ ا لجػػػػاحظ قػػػػد عػػػػالج مسػػػػألة التكاصػػػػؿ المغػػػػكم مػػػػف كػػػػؿ جكانبيػػػػا ، إذٍ طرح قضية المغة ككظائفيا كعلبقتيا بالمجتمع كالمتكمـ ، كما درس التشكيش عمػى عمميػة التكاصػؿ مػػف خػػلبؿ معالجػػة قضػية متاعػػب الاسػػتعماؿ المغػػكم ، بػؿ لقػػد تعػػكَّذ فػػي أكٌؿ كتابػػو ممػػا يقضػػي عمػػى عمميػػة التكاصػػؿ بػػيف المرسًػػؿ كالمرسىػػؿ إليػػو بقكلػػو : " الميػػـ إنٌػػا نعػػكذ بػػؾ مف فتنة القكؿ... كالسلبطة ك اليػذر "(2). فيػك يػدر ؾ أىميػة التكاصػؿ المغػكم ك يبػرز نظرتػو ليػذا التكاصػػؿ كأثػػره فػػي الحيػػاة الإنسػػانية عنػػد حديثػػ و عػػف مكسػػى كأخيػػو ىػػاركف عنػػد إشػػادتو بالفصاحة3. كاللبفت أننا لك نظرنا إلى ما كتبو الجاحظ حكؿ كظائفيٌة المغػة لػـ نجػد كبيػر فػرؽ بينػو كبػػػيف مػػػا تنػػػادم بػػػو نظريػػػة جاكبسػػػكف فػػػي كتابػػػو المك سػػػكـ( رسػػػائؿ فػػػي المسػػػانيات العامػػػة ) 1- ينظر البلبغة العربية أصكليا كامتداداتيا، محمد العمرم، ص 194 . -2البياف كالتبييف، لمجاحظ، ج1، ص27. 3- المصدر نفسو، ج1، ص31. طبيعة البيان من خلال تعريفه الفهم والافهام والتأثير وظيفة البيان وقيمته البيان العربي قيمته وتاريخه قيمة البيان: وقد بدأ المؤلف بتناول مساوئ العي قبل أن يعرف البيان - اللغة - الإشارة القصدية - الإشارة غير القصدية - الخط - العقد أحوال المخاطبين

عدد الصفحات ٧٨

الفصـــل الأول 33 مػػف كجػػكد المخاطًػػب كالمخاطىػػب كقنػػاة الاتصػػاؿ، أك التركيػػز عمػػى العلبقػػة بػػيف القػػارئ كمػػا يقرأ في نظريٌة التمقٌي(1). لقػػد ركٌػػز الجػػاحظ عمػػى طرفػػي التكاصػػؿ: المػػتكمٌـ كالسػػامع، بػػؿ جعػػؿ غايػػة البيػػاف ىػػي نجػػاح عمميػػة التكاصػػؿ، فمػػـ يركٌػػز عمػػى أحػػد الطػػرفيف دكف الآخػػر أك عمػػى الرسػػالة كحػػدىا أك مجػػػرٌد نقميػػػا مػػػف مػػػتكمـ إلػػػى سػػػامع بغػػػض النظػػػر عػػػف التفاعػػػؿ كالتكامػػػؿ بػػػيف عناصػػػر العمميػة التكاصػػمية، يقػػكؿ الجػػاحظ فػي ىػػذا الصػػدد متحػػدثا عػف البيػػاف: "... اسػػـ جػػامع لكػػؿٌ شيء كشؼ لؾ قناع المعنى كىتؾ الحجاب دكف الضمير حتى يفضػي السػامع إلػى حقيقتػو كييجـ عمى محصكلو كائنا مف كاف ذلؾ البياف كمف أمٌ جنس كاف الدليؿ لأفٌ مدار الأمػر كالغايػػة التػػي يجػػرم إلييػػا القائػػؿ كالسػػامع إنمػػا ىػػك الفيػػـ كالإفيػػاـ فبػػ أمٌ شػػيء بمغػػت الإفيػػاـ كأكضػػػػحت عػػػػػف المعنػػػػػى فػػػػػذلؾ ىػػػػػك البيػػػػػاف..."2 لأف مػػػػػدار الأمػػػػػر عمػػػػػى البيػػػػػاف كالتبيػػػػػيف، كعمػػى الأفيػػاـ كالػػتفيـ . ككممػػا كػػاف المسػػاف أبػػيف كػػاف أحمػػد كمػػا أنػػو كممػػا كػػاف القمػػب أشػػد اسػػػتبانة كػػػاف أحمػػػد3، فيػػػك يشػػػيد بالمغػػػة ك دكرىػػػا التكاصػػػمي كيتحػػػدث عػػػف البػػػاثٌ كالمتمقٌػػػي كالرسالة. فالبياف كما ىػك كاضػم يكػاد أفٍ ي كػكف مرادفػا لمصػطمم التكاصػؿ فػي العصػر الحػديث ، كمف يقرأ كتاب الجػاحظ بػتمعٌف يجػد الحػديث عػف التكاصػؿ المغػكم مبثكثػا فػي ثنايػا الكتػاب ، كسػػنركٌز فػػي ىػػذا المقػػاـ عمػػى الأىػػـٌ الػػذم يػػدؿٌ دلالػػة كاضػػحة عمػػى أصػػالة ىػػذا المكضػػكع مػػػف خػػػلبؿ البيػػػاف كالتبيػػػيف ، فػػػإذا أخػػػذنا فػػػي الاعتبػػػار أفٌ ا لعمميػػػة التكاصػػػمية تكػػػكف ناجحػػػة - 1 ينظر مثلب في النظريات المسانية كالبلبغيٌة كالأدبية عند الجاحظ مػف خػلبؿ البيػاف كالتبيػيف، محمػد الصػغير بنػاني، ديػػكاف المطبكعػػات الجامعيػػة، الجزائػػر، 1983ػػػ ص68،69 كمحػػاكرات مػػع النثػػر العربػػي مصػػطفى ناصػػؼ ، سمسػػمة عالـ المعرفة، الككيت، ع 218، شباط1997، ص64 . 2- البياف كالتبييف، الجاحظ، ج1،ص11 3 - المصدر نفسو، ج1، ص34

عدد الصفحات ٧٩

الفصـــل الأول 33 عمػػى قػػدر الانسػػجاـ بػػيف كػػؿ عناصػػرىا فإننػػا نجػػد أفٌ الجػػاحظ قػػد ذكػػر ىػػذه العناصػػر كمػػا سيتبيٌف فيما يأتي: حػػدد طرفػػي التكاصػػؿ كبػػيٌف أىمٌ يتيمػػا فػػي قكلػػو: " كالمفيًػػـي لػػؾ كالمػػتفيِّـي عنػػؾ شػػريكاف في الفضؿ إلا أفٌ المفيًـى أفضؿ مف المتفيِّـ. .."1. كيشػػير فػػي مكضػػع آخػػر إلػػىأىمٌ يػػة المػػتكمـ فػػي سػػياؽ الحػػديث عػػف صػػحيفة بشػػر بػػف المعتمػػر: " كينبغػػي لممػػتكمـ أفٍ ي عػػرؼ أقػػدار المعػػاني كيػػكازف بينيػػا كبػػيف أقػػدار المسػػتمعيف كبيف أقدار الحالات فيجعؿ لكؿ طبقة مف ذلؾ كلبما كلكؿ حالة مف ذلػؾ مقامػا حتػى يقسٌػـ أقػػػػدار الكػػػػلبـ عمػػػػى أقػػػػدار المعػػػػاني كيقسػػػػـ أقػػػػدار المعػػػػاني عمػػػػى أقػػػػدار المقامػػػػات كأقػػػػدار المستمعيف عمى أقدار تمؾ الحالات. .."2. كقػػػػػد أكلػػػػػى الجػػػػػاحظ عنايػػػػػة فائقػػػػػة لممػػػػػتكمـ لا يخطئيػػػػػا مػػػػػف يطٌمػػػػػع عمػػػػػى مؤلَّفػػػػػو، أمٌػػػػػا المخاطػب. كىػك الطػرؼ الثػاني ػ فنجػد دكره فػي إنجػاح التكاصػؿ المغػكم فػي قػكؿ الجػاحظ : " إذا لػػـ يكػػػف المسػػػتمع أحػػرص عمػػػى الاسػػػتماع مػػػف القائػػؿ عمػػػى القػػػكؿ لػػـ يبمػػػغ القائػػػؿ فػػػي منطقو ككاف النقصاف الداخؿ في قكلو بقدر الخيمَّة في الاستماع منو "3 . المقـــــام: أىمٌ ية المقاـ أصػيمة فػي تراثنػا البلبغػيٌ فقػد لاحػظ البلبغيٌػكف منػذ القػديـ ظػاىرة السػياؽ مػػف خػػلبؿ مقكلػػة بػػأفٌ لكػػؿ مقػػاـ مقػػاؿ كلكػػؿ كممػػة مػػع صػػاحبتيا مقػػاـ فػػانطمقكا فػػي مبػػاحثيـ -1 البياف كالتبييف، الجاحظ، ج1،ص34. 2- المصدر نفسو، ج1، ص131 3 - المصدر نفسو، ج2،ص215

عدد الصفحات ٨٠

الفصـــل الأول 33 حكؿ فكرة السياؽ كربطيا بالصياغة أك بمعنى أصػم ربػط الصػيغة بالسػياؽ كأصػبم مقيػاس الكلبـ في باب الحسف كالقبكؿ بحسب مناسبة الكلبـ لما يميؽ بو1. كقػػػد أكػػػد الجػػػاحظ ىػػػذه الأىمٌ يػػػة كالػػػذم نجػػػده فػػػي حديثػػػو عػػػف مكاضػػػع الإيجػػػاز ك الإطنػػاب ك مخاطبػػة الممػػكؾ ك مػػا إلػػى ذلػػؾ ك صػػحيفة بشػػر بػػف المعتمػػر التػػي أثنػػى عمييػػا تختتـ بالتأكيد عمى ىذه الأىمية "... ك ا نما مػدار الشػرؼ عمػى الصػكاب ك ا حػراز المنفعػة مػع مكافقة الحاؿ ك ما يجب لكؿ مقاـ مف مقاؿ "2. فالمتكمـ الذم يريػد أفٍ يػ نجم تكاصػمو مػع المسػتمع يجػب أفٍ ي راعػي قػدر ىػذا المسػتمع كطاقتو بؿ ك نجده يممٌ عمى ىذا الأمر بصكر مختمفة، إذٍ يقكؿ:" كقاؿ عامر بػف عبػد قػيس: «الكممة إذا خرجت مف القمب كقعت في القمب، كا ذا خرجت مف المساف لػـ تجػاكز الآذاف» . كتكمػػـ رجػػؿ عنػػد الحسػػف بمػػكاعظ جمػػة كمعػػاف تػػدعك إلػػى الرقػػة فمػػـ يػػر الحسػػف رؽ، فقػػاؿ الحسػػػف: أمٌػػػا أفٍ ي كػػػكف بنػػػا شػػػرٌ أك يكػػػكف بػػػؾ! يػػػذىب إلػػػى أفٌ المسػػػتمع يػػػرؽ عمػػػى قػػػد رقػػػة القائؿ"(3). فمذلؾ يرجم القكؿ بأف الجاحظ قػد كعػى البعػد التكاصػمي لمغػة ك تحػدث عػف عناصػرىا الميمػػة فقػػد " انتبػػو إلػػى أف الفعػػؿ المغػػكم ميمػػا كػػاف الحيٌػػز الػػذم يتنػػزٌؿ فيػػو كبقطػػع النظػػر عػػػف مقاصػػػد منجػػػزه كغاياتػػػو يقػػػكـ عمػػػى ثػػػلبث عناصػػػر رئيسػػػية تمثػػػؿ الحػػػد الأدنػػػى لمبيػػػاف المغكم كىي المتكمـ ك السػامع ك الكػلبـ... كتفطنػو إلػى ىػذا الجانػب أمػر ذك باؿ...ذلػؾ أف فرقعة ظاىرة التكاصؿ إل ى مككناتيا الأساسية لػـ تػتـ إلا فػي حقبػة متقدمػة مػف ىػذا القػرف فػي نطاؽ ما أطمؽ عميو نظرية التكاصؿ "4 1- البلبغة كالأسمكبية، محمد عبد المطمب، ص305. 2- البياف كالتبييف، الجاحظ، ج1،ص129. 3- االمصدر نفسو، ج3، ص263، كانظر أيضا ج2،ص8 كج2، ص28 4- التفكير البلبغي عف العرب، أسسو ك تطكره إلى القرف السادس، حمادم صمكد، ص 182-183

عدد الصفحات ٨١