المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

التواصل اللغوي في الخطاب القرآني دراسة في الاستئناف البياني

العزوزي حرزولي

صفحة ١٨ من ٢٥

الفصــــــل الرابـــــــع 272 التوكيدبـ" هل" + "إلا": ﴿                         ﴾ (النحل:33) تحدثت الآيات قبؿ ىذه الآيةعمّا أصاب الأقواـ السابقيف مف عذاب لما عصوا أمر ربيـ فانساؽ ذىف المتمقي إلى سؤاؿ عف مآؿ المعاصريف لنزوؿ القرآف مف الكفّ ار و المشركيف فجاء ىذا الاستئناؼ البياني﴿      ﴾ ناشئا عف جممة ﴿                   ﴾ (الرعد ، 42) "لأنّيا تثير سؤاؿ مف يسأؿ عف إباف حموؿ العذاب عمى ىؤلاء كما حؿ بالذيف مف قبميـ"1. وأيا كاف التفسير ﴿    ﴾ سواءً بتيديدىـ أو أمر ا﵀ بعذاب الاستئصاؿ أو بقبض الأرواح ففي الكؿ تبرز مناسبة ىذه الآية " لِ ما قبميا لَ مّ ا طعف الكفار في القرآف "2 وبالتالي ىذه الوظيفة الميمة للبستئناؼ البياني في التماسؾ النصي عف طريؽ الوصؿ الخفي بآلية تواصمية لا تظير عمى سطح النّص لكنّيا تحقّؽ تماسكا متينا يتمثّؿ في تواصؿ القارئ مع ىذا الخطاب المجيد . والخطاب و ا ف كاف موجّ يا لمنّ بي  ففيو تعريض واضح لممشركيف 3، وقد جاء الاستئناؼ البياني في صفة القصر ال مكوّنة مف " ىؿ" و"إلاّ " لما فيو مف قوة الردع لمكفرة والمشكّ كيف في كمؿ زماف ومكاف لرسالة النبيّ . -1التحرير والتنوير، ابف عاشور، ج 14، ص145. -2البحر المحيط، ابو حياف، ج5، ص474. -3التحرير والتنوي ر، مرجع سابؽ، ج14 ص145

عدد الصفحات ٢٧٤

الفصــــــل الرابـــــــع 272 أمّا البنية المغوية فقد جاءت:(إلاَّ): أداة حصر، (أف تأتييـ): مصدر مؤوؿ في محؿ نصب مفعوؿ بو لمفعؿ (ينظروف)، (الملبئكةُ): فاعؿ لمفعؿ (تأتي). التوكيد بـ"قد" + فعل ماض ﴿              ﴾ (الحديد:17) وقع الاستئناؼ البياني في قولو تعالى قد بينا لكـ الآيات لعمّ كـ تعقموف ناشئ عف جممة ﴿أفّ ا﵀ يُ حيِ الأرضَ بعدَ مَ وْ تِ يا﴾ "لأف مف يسمع ىذه الآية يتطمب معرفة الغرض مف ىذ ا الإعلبف فيكوف قولو ﴿     ﴾ جوابا عف طمبو"1. والمتأمؿ في الآية 16 مف سورة الحديد يجد تحذيرًا لممؤمنيف مف قسوة القموب التي ألمَّ ت بأىؿ الكتاب. ويرى المفسّروف أف قولو تعالى ﴿        ﴾ جاء "تمثيلب لإحياء القموب القاسية بالذكر والتلبوة بإحياء الأرض الميتة بالغيث "2،وقد جاء الاستئناؼ البياني بمثابة التذييؿ وىو ممّا ارتبط بو كذلؾ في الخطاب القرآني إذْ ورد بعد استطراد ، والتذييؿ لوف بلبغي مف المعاني يدخؿ تحت إطار الإطناب وقد عرفو البلبغيّوف بأنّو تعقيب الجممة بجممة أخرى تشتمؿ عمى معناىا توكيدا لمنطوقيا. فمنو ما يكوف بضرب الأمثاؿ ومنو ما لا يكوف كذلؾ وىذه الآية جاءت كضر ب مثؿ وعميو فقد أفاد" ىذا الاستئناؼ البياني مفاد التذييؿ للآيات السابقة "3. -1التحرير والتنوير، ابف عاشور، ج 27، ص394. -2روح المعاني، الألوسي، ج 14، ص181. -3التحرير والتنوير، مرجع سابؽ، ج 27، ص394.

عدد الصفحات ٢٧٥

الفصــــــل الرابـــــــع 272 أمّا كونو مؤكدا فذلؾ عف طريؽ "قدْ " التي دخمت عمى الفعؿ الماضي. والسياؽ الذي نزلت فيو ىذه الآية كما نقؿ ابف حيّاف "ىو كثرة المزاح في بعض شباب الصحابة في بعض الأقواؿ"1وفي الجممة ىودعوة إلى العودة إلى ا﵀ و الخشوع لآياتو. وقد جاءت البنية المغوية منسجمة مع ىذا المغزى ؛ فبداية الجممة بػ " قد " التي تفيد التحقيؽ، ثـّ يعقبيا فعؿ ماضٍ وفاعمو (بَيَنَّا)، يتموه (لكـ) جار ومجرور متعمقاف بو ، و(الآيات) مفعوؿ بو لمفعؿ (بيّف)، وتختـ الآيات بجممة اسمية منسوخة بػ " لعؿّ "، فالضمير (كـ) اسميا، و(تعقموف) خبرىا . وعمى ىذا المنواؿ أيضا جاء قوؿ ا﵀ تعالى : ﴿          ﴾ (المائدة: 142) لو + جممةمؤكّدة بمؤكد واحد: ﴿                                    ﴾ (التوبة:46-47) جاءت ىذه الآية كسابقتيا مصدّر ة بػ "لو" وىي التي وبّ خ فييا المتخمفيف عف الجياد مع الرسوؿ  وجاء فييا قولو﴿     ﴾ فكاف لسائؿ أف يسأؿ عف سبب كره ا﵀ لخروجيـ وعادة أف الجيش يستحسف تكثير عددِ ه فجاء البياف بالاستئناؼ البياني ﴿ -1البحر المحيط، ج8، ص222.

عدد الصفحات ٢٧٦

الفصــــــل الرابـــــــع 273       ﴾ ويقوؿ ابف عاشور عف ىذا الاستئناؼ البياني " إنّو لبياف الحكمة مف كراىية انبعاثيـ وىي إرادة ا﵀ سلبمة المسمميف" 1. والخطاب في ىذا الاستئناؼ البياني موجو إلى المؤمنيف "فيا أييا المؤمنوف لو خرج فيكـ ىؤلاء المنافقوف ما زادوكـ إلا خبالا، فمـ يزيدوكـ بخروجيـ فيكـ إلا فسادا و ضرا لذلؾ ثبّ طيـ ا﵀ عمى الخروج معكـ" 2. أمّا السياؽ الذي نزلت فيو ىذه الآية فقد نقؿ أبو حيّاف "أنّو لما خرج رسوؿ ا﵀ صمى ا﵀ عميو وسمـ ضرب عسكره عمى ثنية الوداع، وضرب عبد ا﵀ بف أبي سموؿ عسكره أسفؿ منيا ولـ يكوف بأقؿ العسكريف فمما سار تخمؼ عنو عبد ا﵀ في مف تخمؼ فنزلت ىذه الآية"3، ممّا يوضح الممْ مَ ح التواصمي للبستئناؼ البياني فقد شفا ا﵀ صدور المؤمنيف الذيف قد يسألوا عف كراىية ىؤلاء في الجيش فيحدث التفاعؿ بيْف الخطاب القرآني والمتمقّي ليذه الرسالة الواضحة الدلالة، وا ذا ما عرفنا الظرؼ الزماني و المكاني الذي نزلت فيو ىذه الآية ، أدركنا عمؽ المعنى التواصمي. و ممّا يشد المتمقي أفّ ما بعد "لو" الشرطية جاء أسموب القصر بػ"ما" و"إلاّ " تقويةً وتوكيدً ا لممعنى، و مف المعموـ أف القصر بالنفي و الاستثناء مف أقوى أساليبو. أمّا البنية المغوية فقد جاءت مكوّنة مف " لو" التي تفيد الامتناع للبمتناع ، ثـّ الفعؿ الماضي (خرجوا ) ثـّ (ما) النافية، لتحقؽ مع (إلاَّ ) أداة الاستثناء الممغاة أسموب قصر ، وجممة (ما زادوكـ ) لا محؿ ليا لأنّيا جواب شرط غير جازـ ، و(خبالا) مفعوؿ بو ثافٍ . -1التحرير والتنوير، ابف عاشور، ج 10، ص216 -2جامع البياف، الطبري، ج 11، ص482 -3البحر المحيط، ابو حياف الأندلسي، ج5، ص50.

عدد الصفحات ٢٧٧

الفصــــــل الرابـــــــع 274 لولا + جممة مؤكّدة بمؤكد واحد ﴿                       ﴾ (القمم:48-49) استئناؼ بياني ناشئ عف مضموف النيي مف قولو" ﴿          ﴾ لأنّو يتضمّف التحذير مف الوقوع في كرب مف قبيؿ كرب يونس عميو السلبـ"1 . و الخطاب لمنبي صمى ا﵀ عميو وسمـ بحسب الجممة قبؿ الاستئناؼ﴿         ....﴾ وصاحب الحوت ىو يونس الذي لولا "أف أنعـ ا﵀ عميو بالتوفيؽ لمتوبة وتاب عميو و لولا توبتو لكانت حال و عمى الذـّ "2 "فجاءت ىذه الجممة الشرطية استئنافا لبياف كوف المنيي عنو أمرا محذورا . ......لمغائمة"3، و كؿ مف يقرأ القرآف و يجد ىذا الخطاب الموجّ و لمنبي  ينتظر فما بعد؟ فتأتي الإجابة﴿لولا أف تداركو نعمة مف ربو ﴾ وما يؤيد ذلؾ أف المسمميف يدعوف بدعاء يونس لتفريج الكروب التي تمـّ بيـ. و أمّا السياؽ الذي وردت فيو ىذه الآية وىو ما يعيف عمى فيميا إلى جانب العناصر الأخرى ، نجده عند أبي السعود إذْ يقوؿ:" أنّيا –أي ىذه الآية- نزلت بأُ حد حيف ىـَّ رسوؿ ا﵀ صمى ا﵀ عميو وسمـ أف يدعو عمى المنيزميف مف المؤمنيف وقيؿ أراد أف يدعو عمى ثقيؼ"4 فنزلت ىذه الآية ﴿فاصْبِرْ لِحُكْـٍ رَ ب ؾَ ...﴾. -1التحرير والتنوير، ابف عاشور، ج 29، ص105 -2الكشاؼ لمزمخشري، ج 4، ص596. -3روح المعاني، الألوسي، ج 15، ص42 -4ارشاد العقؿ السميـ، ج 9، ص20.

عدد الصفحات ٢٧٨

الفصــــــل الرابـــــــع 275 وىكذا تأتمؼ عناصر التواصؿ فالمخاطب ىو النبيّ صمى ا﵀ عميو وسمـ والمكاف جبؿ أُحُ د والزماف بُعَ يْ دَ الغزوة، والسياؽ العاـ ىو أف النبيّ صمى ا﵀ عميو وسمـ ىـّ بالدعاء عمى أقواـ والمُ تمق وف الأوائؿ وىـ الصحابة الذيف عايشوا الحدث فجاء ىذا التوجيو الربّاني الخالد شفاءً لما في الصدور. أمّا البنية المغوية فالجممة اسمية تصدّ رتيا (لولا ) وىي حرؼ امتناع لوجود ، والمصدر المؤوؿ بعد لولا (أف تداركو ) مبتدأ، وخبرىا محذوؼ وجوبا ، تقديره موجود ، أمّا الشطر الثاني مف الجممة فيو جواب الشرط يت ضمّف اللبـ وىي واقعة في جواب لولا ، و(نُبِذَ ) فعؿ ماضي مبني لممجيوؿ ونائب الفاعؿ مستتر تقديره ىو ، و(بالعراء ) متعمقاف بػػػ " نُبِذَ " و(ىو مذموـ) جممة اسمية في محؿ نصب حاؿ1. 1 - إعراب القرآف، محي الديف الدرويش، ج 10، ص185

عدد الصفحات ٢٧٩

الفصــــــل الرابـــــــع 276 2- الجممة الاسمية المؤكّدة بمؤكد واحد: الجمل المؤكّدة بالقصر بـ"إنّ ما": ﴿                 ﴾ (البقرة: 14) الاستئناؼ البياني في قولو تعالى حكاية عف المنافقيف لأضرابيـ مف الكفر ﴿إنما نحف مستيزئوف ﴾ "فكأف الكفار اعترضوا عمى المنافقيف حيف قالوا ليـ : إنا معكـ، فقالوا: ما بالكـ إف صح أنكـ معنا توافقوف أىؿ الإسلبـ؟ فقالوا: ﴿  ﴾1. وىذايفسر لقارئ القرآف أو سامعو كيؼ أنّ يـ جمعوا بيف الإيماف والكفر ذلؾ بأنّ يـ مستيز ؤو ف. وىذا الخطاب حكاه ا﵀ عف المنافقيف المتوجّ ييف إلى رؤسائيـ و أصحابيـ و قد نقؿ ابف جرير "عف ابف عباس رض ي ا﵀ عنيما قاؿ:" كاف رجاؿ مف الييود إذا لقوا أصحاب النبيّ صمى ا﵀ عميو وسمـ قالوا: إنا عمى دينكـ، وا ذا خموا إلى أصحابيـ وىـ شياطينيـ قالوا:﴿      ﴾2. وممّا يشد المتمقي في الآية وىي ممّا حكاه المولى عف المنافقيف أنّو جاء بالجممة الاسمية ﴿  ﴾ بعد ﴿  ﴾و النكتة في ذلؾ في دفع اعتقاد أنّيـ مؤمنوف كما نبّو الألوسي إلى لمحة أخرى لمتوكيد " وىي ثباتيـ عمى الييودية لأف المستيزئ بالشيء مصر عمى خلبفو و زيادة وىو تعظيـ الكفر"3 فقد ارتبط التوكيد بالاس تئناؼ البياني، ولا يكوف التوكيد إلاّ لمنكِر أو مف نُزّؿ منزلتو فبذلؾ يتحقَّؽ المنحى التداولي التواصمي. -1الكشاؼ لمزمخشري، ج 1، ص66. -2جامع البياف، ج1، ص306. -3روح المعاني، الألوسي، ج 1، ص160.

عدد الصفحات ٢٨٠

الفصــــــل الرابـــــــع 277 أمّا البنية المغوية فقد جاءت مكوّنة مف "إنما" أداة حصر و نحف ضمير منفصؿ مبني في محؿ رفع مبتدأ و" مستيزئوف" خبر مرفوع بالواو لأ نّو جمع مذكر سالـ. الجمل الاسمية المؤكّدة بأسموب القصر " إن" و" إلا" ﴿                                      ﴾ (المؤمنون:24-25) جاء الاستئناؼ البياني في قولو تعالى﴿       ﴾ لأف "جميع ما قالوه يثير في نفس السامعيف إذا كاف ىذا حاؿ دعوتو في البطلبف و الزيؼ فماذا دعاه إلى القوؿ بيا؟ فيجاب بأنّو أصابو خمؿ في عقمو بقولو ﴿       ﴾" 1 وىذا مف خطاب قوـ نوح بعضيـ بعضا فقوليـ عنو عميو السلبـ أف بو "جنوف أي فاحتمموه واصبروا عميو لعمّ و سيفيؽ ممّا ىو فيو"2. وممّا يشد انتباه المتمقي ىو أسموب القصر بػ"إفّ" و"لا" واستعماؿ ﴿  ﴾ حتى لا يفتض أمرىـ فيو مف أعقؿ الناس. أمّا البنية المغوية فقد جاءت مكوّنة مف مبتدأ ضمير منفصؿ و رجؿ خبر، وقبؿ المبتدأ (إِفْ ) النافية، ثـّ أعقبت المبتدأ (إلاَّ ) أداة الحصر و(بو) جار ومجرور متعمقاف بمحذوؼ خبر مقدـ، و(جِنَّة) مبتدأ مؤخّ ر. -1التحرير والتنوير، ابف عاشور، ج 18، ص44. -2ينظرروح المعاني للؤلوسي، ج 9، ص228 .

عدد الصفحات ٢٨١

الفصــــــل الرابـــــــع 278 الجمل الاسمية المؤكّدة بـ" إنّ " ﴿                                    ﴾ (الزمر:3) وقع الاستئناؼ البياني في قولو تعالى﴿    ﴾ و ذلؾ بعد ما ذكر أف الديف الخالص ﵀ وحده وأردؼ بذكر المشركيف "فكأنّو قيؿ بعد حكاية ما ذكر: فماذا يفعؿ ا﵀ تعالى بيـ؟ فقيؿ: ﴿    ﴾ 1. وممّا يشد المتمقي في ىذه الآية أنّيا افتتحت بأداة الاستفتاح " أ لا" ثـّ جاء الحديث عف المشركيف فمما أتبع بالاستئناؼ البياني "جاء مت ضمّننا الحذؼ لدلالة الحاؿ عميو" 2 فالتقدير في أفّ ا﵀ يحكـ بينيـ أي وبيف خصمائِ يـ الذيف ىـ مخمِ صوف في الديف. و ىذا المعنى يتضح في السياؽ مف خلبؿ التقابؿ بيف فريقيف : مخمصوف موحدوف وكفرة فقد قاؿ الطبري في قولو تعالى ﴿     ﴾ شيادة أف لا إلو إلا ا﵀ "3. أمّا الألوسي فعمؽ عمى ىذه الآية يقولو "أف رجلبً قاؿ: يا رسوؿ ا﵀ إنا نعطي أموالنا التماس الذكر فيؿ لنا مف أجر؟ فقاؿ رسوؿ ا﵀ صمى ا﵀ عميو وسمـ: لا قاؿ: يا رسوؿ ا﵀ إنا نعطي التماس الأجر والذكر فيؿ لنا أجر ، فقاؿ رسوؿ ا﵀ صمى ا﵀ عميو وسمـ : " إف ا﵀ تعالى لا يقبؿ إلا مف أخمص لو " ثـّ تلب رسوؿ ا﵀ عميو الصلبة والسلبـ ىذه الآ ية ﴿   - 1المصدر نفسو، ج 12، ص226. -2ارشاد العقؿ السميـ لأبي السعود، ج 7، ص241. 3 - جامع البيان، الطبري،ج22، ص256

عدد الصفحات ٢٨٢

الفصــــــل الرابـــــــع 279  ﴾"1."وفي المقابؿ قوؿ الكافريف ﴿        ﴾ نزلت في ثلبثة أحياء كاف يعبدوف الأوثاف"2. و لذلؾ جاء الاستئناؼ البياني ليُجِيب عف ت طمّع النفس وليربط الآية بالخطاب الكمي وىو أف ا﵀ ىو الحقيؽ بالعبادة و أنّو سيحكـ بيف المتخاصميف. أمّا البنية المغوية فقد جاءت مكوّنة مف: (إفَّ ) أداة توكيد ونصب، واسميا لفظ الجلبلة (ا﵀)، وخبرىا الجممة الفعمية (يحكـ بينيـ )، (في ما) جار ومجرور متعمقاف بػ(يحكـ) ، (ىـ فيو مختمفوف) جممة اسمية صمة الموصوؿ. النموذج الثاني: ﴿                                      ﴾ (البقرة: 69-74) ىذه الجممة الاستئنافية مف مقوؿ بني اسرائيؿ إلى موسى لما كرروا السؤاؿ لثالث مرّة ولا يخفى ما في ذلؾ مف إلحاح عمى رسوؿ ا﵀ عميو الصلبة والسلبـ فشفعوا سؤاليـ لممرّ ة الثالثة بقوليـ ﴿     ﴾ مستأنفة "استئنافا بيانيا لأ نّيـ عمموا أفّ إعادتيـ السؤاؿ توقّ ع في نفس موسى تساؤلاً عف سبب التكرير والإلحاح في السؤاؿ "3،فيذا الاستئناؼ البياني موجّ و مف بني إسرائيؿ إلى موسى ويجعؿ المتمقّي كأنّما يعايف الحدث معاينة إذْ جاء الاستئناؼ البياني واصلب ما قبمو بما بعد ه إذ يجد أي متمؽٍ مؤمف في نفسو حاجة لمسؤاؿ -1روح المعاني، ج 12، ص225. -2المصدر نفسو، ج12، ص226. -3التحرير والتنوير، ابف عاشور، ج 1، ص554.

عدد الصفحات ٢٨٣

الفصــــــل الرابـــــــع 282 عف ىذا الالحاح في التكرير فتأتي إجابتيـ ﴿إفَّ الَ بقَ ر تَ شَ ابَ و عَ مَ يْ نَ ا...﴾ ىذا مف جية، ومف جية أخرى أفّ موسى عميو السلبـ كاف سيجِ د ىذا فجاءت الإجابة بالاستئناؼ البياني فغياب "الواو" العاطؼ و وجود أداة التعميؿ يؤيّد جعؿ ىذا المشيد كأنّما ىو واقع يتصؿ فيو أجزاء الخطاب بعضيا ببعض بمثؿ ىذه الآلية التواصمية . و ممّا يشدّ المتمقّ ي تصديره بػ"إفّ" التي جاءت لمتعميؿ ليُ فيد الإعتذار عمى تكرير السؤاؿ 1. وملبءمة"إفّ" لمجممة الاستئنافية واضحة فيما يشتركاف في أنؾ ترى الكلبـ بيا مقطوعا موصولا بتعبير الجرجاني وفي ىذا النموذج إفادة التعميؿ كما أفّ "إفّ" أدت مؤدى الفاء. أمّا البنية المغوية فجاءت مكوّنة مف: (إفَّ ) حرؼ توكيد ونصب ، (البقر) اسميا و(تشابو) جممة فعمية خبرىا ، و(عمينا) جار ومجرور متعمقاف بػ " تشابو ". جممة اسمية مؤكّدة بـ"إنّ" + اسم ضمير متصل ﴿                     ﴾ (النمل:79-84) جاءالاستئناؼ البياني في قولو تعالى ﴿     ﴾ لأنّو " وقع جوابا لسؤاؿ نشأ ممّا قبمو أعني ﴿    ﴾ كأنّو قيؿ: ما باليـ غير مؤمنيف بمَ ف ىو عمى الحؽ المبيف؟ فقيؿ ﴿    ﴾"2. وىذا التقارب في الوظيفة بي ف التعميؿ والاستئناؼ البياني الذي أشار إليو الزركشي جعؿ الزمخشري قبمو يصرح في ىذه الآية ب أنّو استئناؼ و "لكنو يشبو أف يكوف تعميلب آخر لمتوكؿ"1. -1روح المعاني، الألوسي، ج 1، ص289. -2 المصدر نفسو، ج 10، ص239.

عدد الصفحات ٢٨٤

الفصــــــل الرابـــــــع 282 ويرى الباحث أف الخيط الرابط بينيما إلى جانب المضموف التعميمي أف كمييما يسيـ في الترابط النصي بربط خطاب الآيتيف بالخطاب الكمي فالآيات 80،81،82،83،84، 85،86 كميا تتحدث عف المكذبيف المعرضيف عف الحؽ فلب غرو أف يأتي الاستئناؼ البياني بيذه الوظيفة التعميمية إذا أف المتمقي ليحتار في إعراض مف عاصروا الرسوؿ  ورأوا الآيات وسمعوا الق رآف أف يصروا عمى إعراضيـ. و الخطاب مف ا﵀ تعالى لرسولو عميو الصلبة والسلبـ وقد جاءت الآية م صدّر ة بػ"إفّ" و قد أفاض الزركشي في بياف ارتباط الاستئناؼ البياني بالتعميؿ في مؤلفو "ال برىاف في عموـ القرآف" و الذي أشير إليو في الفصؿ الثاني مف ىذا البحث2. أمّا البنية المغوية فقد تشكمت مف: "إفّ " الحرؼ المشبو بالفعؿ الذي يفيد النصب والتوكيد واسميا الكاؼ ضمير متصؿ مبني في محؿ نصب اسـ (إفَّ )، وخبرىا ( لا تسمع الموتى ) وىي جممة فعمية مشكّمة مف (لا) النافية و(تُسمِعُ ) فعؿ مضارع مرفوع و فاعمو مستتر تقديره أنت ، (الموتى) مفعوؿ بو. الجمل المؤكّدة بـ"إنّ" + اسم موصول ﴿                              ﴾ (النساء:97) بعد أف ميّز ا﵀ المؤمنيف القاعديف عف الجياد دوف عذر عف المجاىديف في سبيم و فكيؼ بح اؿ القاعديف حتى عف إظيار إسلبميـ وخاصة بمكة ، و(ظالمي أنفسيـ ) تدؿّ 1الكشاؼ، الزمخشري، ج 3، ص383. 2- ينظرالفصؿ الثاني: ص 123.

عدد الصفحات ٢٨٥

الفصــــــل الرابـــــــع 282 عمىأنّيـ عمى غير الإسلبـ عادوا إلى عبادة الأوثاف واستثني الضعفاء مف النساء والرجاؿ والولداف، فيذه الآية "مجيبة عمّا يجيش في نفوس السامعيف عف مصير أولئؾ فكاف موقعيا استئنافا بيانيا"1. قاؿ الطبري" إف الذيف تقبض أرواحيـ الملبئكة ظالمي أنفسيـ أي مكسبي أنفسيـ غضب ا﵀ وسخطو"2 أمّا السياؽ الذي وردت فيو الآيات فقد ذكر أف ىاتيف الآيتيف نزلت في أقواـ في مكة كانوا قد أسمموا و آمنوا با﵀ ورسولو و تخمّفوا عف اليجرة مع رسوؿ ا﵀ صمى ا﵀ عميو وسمـ حيف ىاجر..."3. وقد جاءت ىذه الآية م صدّر ة بػ"إفّ" لأفّ أمرىـ – أي المتخمفيف بأرض الكفر- كاف مدعاة لمتردد في مآلي ـ فقد كانوا مع المسمميف في أوؿ الأمر عندما كاف رسوؿ ا﵀ صمى ا﵀ عميو وسمـ بمكة لكنيـ فتنوا عف دينيـ بؿ قاتموا المسمميف في بدر فجاء الاستئناؼ مؤكدا بػ"إفّ" إجابة لممتردد وىذا عمى أساس اعتبار حاؿ المخ اطب ذلؾ أف التأكيد " معنى مستفاد مف صيغ وأساليب لغوية معيّ نة معروفة في العربية وغرض تواصمي يستخدمو المتكمـ لتثبيت الشيء في نفس المخاطَب"4 "أمّا الاسـ الموصوؿ ىنا فقد جاء في قوة المعرؼ بلبـ الجنس وليس المراد شخصا أو طائفة بؿ جنس مف مات ظالمً ا لنفسو"5. أمّا البنية المغوية فقد جاءت مكوّنة مف "إفّ" متبوعة باسميا " الذيف" وىو اسـ موصوؿ مبني في محؿ نصب اسـ "إفّ ". ثـّ (توفاىـ الملبئكة) وىي جممة فعمية مكوّنة مف مفعوؿ بو -1التحرير والتنوير، ابف عاشور، ج5، ص173. -2جامع البياف، الطبري، ج 7، ص379. -3 المصدر نفسو، ج7، ص381. -4 التداولية عند العمّماء العرب، مسعود صحراوي، ص205-206 -5التحرير والتنوير، ابف عاشور، ج 5، ص173.

عدد الصفحات ٢٨٦

الفصــــــل الرابـــــــع 283 مقدـ (ىـ) وفاعؿ مؤخر (الملبئكة، أمّا (ظالمي) فحاؿ مف الضمير (ىـ) وىو مضاؼ (أنفسيـ) مضاؼ إليو، وخبر (إفَّ) محذوؼ تقديره: ىمكوا. وجممة (توفاىـ الملبئكة) صمة الموصوؿ. جممة مؤكّدة بـ" إنّ " خبرها كان مع معموليها ﴿                                ﴾ (المدثر:11-17) جاءت ىذه الجممة مستأنفة استئنافا بيانيا بعد حرؼ الردع "ك "لتعميؿ ما قبمو كأنّو قيؿ: لـ زجر عف طمب المزيد؟ وما وجو عدـ لياقتو؟ فقيؿ أنّو كاف معاندا لآيات المنعـ"1. و النسؽ الذي وردت فيو ىذه الآية المستأنفة بيانيا نسؽ تيديدي ومجيئو بعد ﴿﴾ التي جاءت في موقع آخر مف القرآف " مفيدة لمتيديد والوعيد في قولو تعالى ﴿             ﴾" 2 ثـّجاءت أداة الزجر المنتيية بصوت المدّ ممّا يوقع في النفس الأثر البالغ والخطاب عف المتقو ؿ ع مى الرسوؿ  والقرآف أنّو سحر يؤثر لذلؾ فيذا الخطاب تسمية لمرسوؿ . -1روح المعاني للؤلوسي، ج 15، ص136. -2التحرير والتنوير، ج 29، ص303.

عدد الصفحات ٢٨٧

الفصــــــل الرابـــــــع 284 أمّا السياؽ الذي وردت فيو ىذه الآية إذْ بعد تعديد نعـ ا﵀ الكثيرة عمى الوليد بف المغيرة –وىو المقصود كما يقوؿ المفسّروف- الذي قاؿ مقالة السوء في القرآف، جاء الردع وبعده الاستئناؼ البياني تعميلب1. و تكاد كتب التفسير تجمع عمى أف المقصود الأوؿ وقت نزوؿ الوحي - والعبرة بعموـ الحكـ لا بخصوص السبب- ىو الوليد بف المغيرة 2 كما ذكرنا آنفًا و كاف معروفا بكثرة الماؿ والرياسة ومعاداة الرسوؿ  والتقوؿ عمى القرآف. و لعمّ و مف المفيد أف نقؼ في ىذا المقاـ مع الرازي وىو يعدد دلالات الاستئناؼ البياني لممتمقي المتواصؿ مع كتاب ا﵀ تعالى و ىذه الآية المستأنفة بيانيا أنموذج لذلؾ إذْ يقوؿ: - أنّو كاف منازع لمكؿ منكر لمكؿ(دلائؿ وحدانية ا﵀). - أنّو كفره كفر عناد و ىو أفحش أنواع الكفر. - يدؿ عمى أنّو مف قديـ الزماف كاف عمى ىذه الحرفة. - أف معاندتو كانت مختصة بآيات ا﵀ تاركا لمعناد في سائر الأشياء3. ولعمّ و قد استوحى ىذه الاستنتاجات الغزيرة مف خلبؿ تواصمو أولا مع الخطاب القرآني وأخذه بالصورة التي وردت عمييا البنية المغوية سواءً مف حيث كونيا استئنافا بيانيا أو مف ورود "إفّ" المسبوقة بحرؼ الردع "كلبّ ". وبالجممة فقد جاءت البنية المغوية مف "كلبّ "، وىي حرؼ معناه الردع والزجر ، حتى قيؿ: متى سَ معتَ " كلبّ " في سورة فاحكـ بأنّيا مكية4،(أنّو) مشكّمة مف (إفّ) واسميا ، وخبرىا -1ينظرالكشاؼ، الزمخشري، ج 4، ص684. -2 المحرر الوجيز لابف عطية، ج5، ص394. -3مفاتيح الغيب، الرازي، ج 30، ص705. 4 - مغني المبيب، ابف ىشاـ، ص187

عدد الصفحات ٢٨٨

الفصــــــل الرابـــــــع 285 الجممة الاسمية المنسوخة بػ " كاف و(لآياتنا) جار ومجرور متعمقاف بالخبر، و(عنيدًا) خبر "كاف" منصوب، أمّا اسميا فالضمير المستتر في "كاف". جممة اسمية مؤكّدة بـ"إنّ" + ضمير متصل ﴿        ﴾ (الدخان:15) استأنفت ىذه الجممة ﴿   ﴾ بيانيا " لأنّيـ إذا سمعوا ﴿    ﴾ تطمّعوا إلى ما سيكوف بعد كشفو وتطمّع المؤمنوف إلى ما تصير إليو حاؿ المشركيف بعد كشؼ العذاب ىؿ يقمعوف عف الطعف ؟فكاف قولو ﴿   ﴾ مبيّنا لما يتساءلوف عنو"1. و الخطاب في الآيات السابقة لياتو الآية موجو لمنبي  ﴿        ﴾ الدخاف 10، لكف الآية تضمّنت التفاتً ا وىو مف الظواىر المألوفة الارتباط بالاستئناؼ البياني إنكـ عائدوف، فالخطاب موجو لممشركيف. وىذا التخريج انبنى عمى أف ىذا الدخاف قد وقع في مجاعة أصابت قريش فقاؿ ا﵀ ﴿       ﴾ اي عائدوف لمكفر والجحود. وىذا ما يبيّف الارتباط الوثيؽ بيف الاستئناؼ البياني و الالتفات مف جية والاستئناؼ البياني والسياؽ مف جية أخرى، إذْ بفيـ سبب النزوؿ يسيؿ فيـ المعنى والتواصؿ مع الخطاب الكريـ وقد ورد في صحيح البخاري في سبب نزوؿ ىذه الآية " إف قريشا لما أبطأت -1التحرير والتنوير، ابف عاشور، ج 25، ص293.

عدد الصفحات ٢٨٩