الفصــــــل الرابـــــــع 254 ممّا استرعى انتباه الباحث أف لعؿّ تعد مف أكثر النواسخ ارتباطا بالاستئناؼ البياني إذْ جاءت أربع مرات بخلبؼ النواسخ الأخرى وكاف ذلؾ في المواضع الآتية: 1- الآية65 مف سورة الأنعاـ (محؿ الدراسة 2- ا لآية168 مف سورة الأعراؼ 3- الآية03 مف سورة الشعراء 4- الآية21 مف سورة الشعراء و ورد الاستئناؼ البياني في قولو تعالى ﴿ ﴾ استئناؼ بعد استئناؼ ولا غرو، فما قبمو تيديد مف ا﵀ لممشركيف بألواف مختمفة مف العذاب ممّا يستثير النفس إلى التطمّع لبياف ذلؾ إشفاقا وخشية."﴿ ﴾ استئناؼ بياني جواب لسؤاؿ سائؿ عف فائدة تصريؼ الآيات وذلؾ رجاء حصوؿ فيميـ لأ نّيـ لعنادىـ كانوا في حاجة إلى إحاطة البياف بأفياميـ لعمّ يا تتذكر وترعوي "1 . وتتابع الاستئناؼ في قولو تعالى ﴿ ﴾ الذي ارتبط بما قبمو دعا إلى استئناؼ ثاني في قولو تعالى ﴿ ﴾ وىذا دعا إلى الاستئناؼ الذي نحف بصدده. وقد تفاعؿ النبيّ القدوة في التواصؿ مع الخطاب القرآني مع ىذه الآيات فقد نقؿ ابف كثير أنّو "لما نزلت ىذه الآية ﴿ ﴾ قاؿ رسوؿ ا﵀ : أعوذ بوجيؾ أو﴿ مف تحت أرجمكـ ﴾ قاؿ: أعوذ بوجيؾ، -1التحرير والتنوير، ابف عاشور، ج 7، ص286
عدد الصفحات ٢٥٨الفصــــــل الرابـــــــع 255 أو﴿يمبسكـ شيعا﴾ قاؿ رسوؿ ا﵀ : ىذا أىوف أو ىذا أيسر1،ولذلؾ جاء قولو (لعمّ يـ) تخويؼ ﴿لعمّ يـ يفقيوف﴾. أمّا البنية المغوية : فالجممة تت صدّر ىا (لعؿّ ) وىي في كلبـ العرب حرؼ يفيد الترجّ ي، واسميا الضمير (ىـ) وخبرىا جممة فعمية (يفقيوف) . النموذج الثاني: ﴿ ﴾ (الشعراء: 3) في ىذه الآية يخاطب ا﵀ نبيّو أف أشفؽ عمى نفسؾ أف تقتميا حسرة عمى ما فاتؾ مف إسلبـ قومؾ إذا أف لفظ البخع معناه: أقصى الذبح2. "إذْلما بيّ ف ا﵀ تعالى أف كتابو ىو المبيّف فمعؿّ ذلؾ داع لتساؤؿ النبيّ عف استمرار إعراض المشركيف عف الإيماف وتصديؽ القرآف فجاء ىذا الاستئناؼ البياني ليجيب عف ذلؾ"3. وفي ىذه الآية تحويؿخطاب، إذْ بعد أف كاف القرآف يتحدث عف الكتاب ال مبيف تحوّ ؿ إلى خطاب الرسوؿ "أي لا تيتـ يامحمّد وبمّ غ رسالتؾ وما عميؾ مف إيمانيـ فإف ذلؾ بيد ا﵀"4. ولعؿّ أفادت الإشفاؽ عف النبيّ وا ف كاف الأصؿ فييا أف تفيد الرجاء وجاءت "باخع" عمى صيغة اسـ الفاعؿ الداؿ عمى الاستمرار وىكذا... فيذا الاستئناؼ كغيره وا ف لـ يتضمّف أدوات التوكيد تضمف شحنة قوية وكثافة في الدلالات. أمّا البنية المغوية فأىـ ما يميزىا أف خبرىا اسـ لا جممة فعمية كالأسموب السابؽ. -1تفسير ابف كثير، ج3، ص241. -2ينظرالكشاؼ، الز مخشري، ج 3، ص298 . -3ينظرالتحرير والتنوير، ابف عاشور، ج 19، ص93 . -4محرر الوجيز، ابف عطيو، ج4، ص224.
عدد الصفحات ٢٥٩الفصــــــل الرابـــــــع 256 جممة اسمية غيرمؤكّدة منسوخة بـ" ليس": ﴿ ﴾ (الواقعة:1-2) بداية لمسورة تقرع الآذاف وتيز النفوس ، إف بمضمونيا وىو الحديث عف يوـ العرض الأكبر، أو بطبيعة أصواتيا ممّا يجعؿ المتمقي خائفا، ناىيؾ عف أسموب الشرط "فيأتي الاستئناؼ البياني ﴿ ﴾ ناشئ عف الآية الأولى"1. وفيىذه الآية اعتراض رابط لما بعده بما قبمو موضحا و مبيّنا وقد ذكر الشرط إذا وقعت الواقعة ولـ يذكر الجواب بؿ يبدأ بيذه الجممة الاستئنافية ﴿ ﴾ ويسترسؿ فكأنّ ما" ىذا اليوؿ كمو مقدمة لا يذكر نتائجيا لأف نتائجيا أىوؿ مف أف يحيط بيا المفظ"2. ىذا الخطاب الموجو إلى الإنسانية جمعاء يتفاعؿ معو الإنساف المستكف في أعماقو المستيقف أف لا بد مف البعث. وقد جاءت الجممة مشكّمة مف الفعؿ الناسخ (ليس) واسمو (كاذبة) مؤخر ، و(لوقعتيا) شبو جممة متعمؽ بمحذوؼ، خبر. واللبـ ىنا بمعنى "في". جممة اسمية غير مؤكّدة منسوخة بـ"ما " النافية: ﴿ ﴾ (الأنعام: 55-57) الاستئناؼ بياني وقع في قولو تعالى:﴿ ﴾ فقد أمر ا﵀ نبيّو بأف يقوؿ ليـأنّو عمى بينة مف ربو، و أنّيـ قد كذبوا بالحؽ وكاف مف عاداتيـ أف يقولوا -1ينظرالتحرير والتنوير، ابف عاشور، ج 27، ص281 . -2في ظلبؿ القرآف، سيد قطب، ج 6، ص3462 .
عدد الصفحات ٢٦٠الفصــــــل الرابـــــــع 257 لو:" ايتنا بالعذاب" فجاء بيذا الاستئناؼإجابة ليـ فا﵀ أعمـ بنفوسيـ وعادتيـ في الحوار والمجادلة، ( ). وقد جاء ىذا الاستئناؼ البياني"مبيّنا لخطأىـ في شأف ما جعموه منشأً لتكذيبيـ بيا، وىو عدـ مجيء ما وعد فييا مف العذاب الذي كانوا يستعجمونو"1. و بالنظر إلى الآية ﴿ ﴾ (الأنعام، 58)، نفيـ جيدا ىذه الآية، إذْ لو كاف في الإمكاف تعذيبكـ لقضي الأمر ولكنو بيد ا﵀ تعالى، وىذا الاستئناؼ البياني بيّ ف ما قبمو وميّ د لما بعده فيو نقطة مآؿ وانبثاؽ. وقد كرّ ر الباحث ىذا الاستنتاج انطلبقا مف فيمو للبستئناؼ البياني ودوره في الترابط النصي والتفاعؿ والتواصؿ مع الخطاب القرآني الكريـ. أمّا البنية المغوية فقد جاءت مشتممة عمى العناصر الآتية: (ما): نافية، (عندي): ظرؼ مكاف متعمؽ بمحذوؼ خبر مقدـ، (ما): اسـ موصوؿ مبتدأ مؤخر وجممة (تستعجموف) صمة الموصوؿ، (بو): جار ومجرور متعمقاف بػ (تستعجموف). ومف الجمؿ الاسمية غير المؤكّدة المستأنفة بيانيا الواردة منسوخة : 1- قوؿ ا﵀ تعالى﴿ لكف أكثر الناس لا يؤمنوف﴾ (غافر: 59) 2- ﴿ كانوا لا يتناىوف عف منكر فعموه ﴾ (المائدة:79) الجمل الاسمية المتضمّنة اسم إشارة : وردت أسماء الإشارة خمسا وثلبثيف مرة في الجمؿ المستأنفة بيانيا في الذكر الحكيـ وقد جاءت في تراكيب وصور مختمفة اقترنت في أحيافٍ بػ" إفّ " وجاءت دونيا أحيانا أخرى، ولذلؾ سنقوـ بدراستيا عمى حد ه عسى أف نصؿ فييا إلى الغرض الأسموبي مف ىذا التكرار. 1-ارشاد العقؿ السميـ، ابي السعود، ج 3، ص142
عدد الصفحات ٢٦١الفصــــــل الرابـــــــع 258 النموذج الأول ﴿ ﴾ (البقرة: 5) يجيء ىذا الاستئناؼ بيانيا بتقدير"ما لممستقميف بيذه الصفات قد اختصوا باليدى؟ فأجيب بأفّ أولئؾ الموصوفيف، غير مستبعد أف يفوزوا دوف الناس باليدى عاجلب، وبالفلبح آجلب"1، إذا بعد تعديد صفات المؤمنيف المشيود ليـ بالتقى فيـ مؤمنوف بالغيب ومقيموف لمصلبة ومنفقوف للؤمواؿ وىو المؤمنوف بالقرآف وما أنزؿ قبمو إيمانا وصؿ إلى درجة اليقيف في الآخرة أفلب تتطمّع النفس إلى استجلبء مآليـ؟ فيأتي ﴿ ﴾. و لاِسـ الإشارة في المغة العربية بُ عد حضو ريّ فيو لا يقاؿ عادة إلا في جوٍ تواصمي وفي الحضور الفعمي أو المفترض لقطبي التواصؿ و لعؿّ ىذا ما يفسر كثرتو في الجممة المستأنفة القائمة أصلب عمى افتراض السؤاؿ الذي تقابمو إجابة. و استُيؿّ ىذا الاستئناؼ البياني باسـ إشارة، وىو مف طرائقو المعروفة " إذْ يجيء تارة بإعادة اسـ ما است ؤ نؼ عنو الحديث كقولؾ: أحسنت إلى زيد، زيد حقيؽ بالإحساف و تارة بإعادة صفتو كقولؾ: أحسنت إلى زيد صديقؾ القديـ أىؿ لذلؾ، فيكوف الاستئناؼ بإعادة الصفة أحسف وأبمغ" 2. وىنا عوّض اسـ الإشارة الاسـ الموصوؿ وناب عف كؿ تمؾ الصفات الحميدة التي وُصؼ بيا المتقوف لا صفة واحدة فكاف غاية في الفصاحة والبلبغة والفخامة والمناسبة، بقوؿ ابف عاشور:" واسـ الإشارة ىنا حؿ محؿ ذكر ضمير "ىـ" والإشارة أحسف منو وقعا لأنّيا تتضمّف جميع أوصافيـ المتقدمة"3. -1الكشاؼ،الزمخشري، ج 1، ص44 وقد أورد غير ىذا الاحتماؿ في ىذه الجممة -2المصدر نفسو، ج1، ص44 -3التحرير والتنوير، ابف عاشور، ج 1، ص242
عدد الصفحات ٢٦٢الفصــــــل الرابـــــــع 259 فتصوير القرآف يجعمؾ كأنؾ في المشيد الحي ﴿ ﴾ وأصالة اسـ الإشارة في الحضور والتواصؿ معروفة عند مستعممي المغة. أمّا البنية المغوية فقد جاءت مؤلفة مف اسـ الإ شارة (أولئؾ) وىو المبتدأ ، و(عمى ىدى) جار ومجرور متعمقاف بمحذوؼ خبر لممبتدأ (أولئؾ)، (مف ربيـ ) متعمقاف بمحذوؼ صفة لػ (ىدى) . النموذج الثاني: ﴿ ﴾ (البقرة: 16) استئناؼ بيانيإذْ بعد تعديد صفات المنافقيف السمجة وأعماليـ الذميمة مف خداع لممؤمنيف وافساد في الأرض مع ادعاء الإصلبح واتياـ المؤمنيف بالسفاىة و ا صرارىـ عمى الاستيزاء بما لا يستيزئ أحدٌ بو أبدا " فحُؽ لمسامع بعد إجراء تمؾ الأوصاؼ عمييـ أف يسأؿ مف أيف دخؿ عمى ىؤلاء ىذه الييئات؟" 1 فيجاب بالاستئناؼ البياني ليعرؼ السبب ويستجمي الأمر ﴿ ﴾. و أعطى اسـ الإشارة البعد التواصمي الحي فيؤلاء المخصوصوف بأعماليـ " صاروا كأنّيـ حُضَّار مشاىِدوف عمى ما ىـ عميو، وما فيو مف معنى الإيذاف ببعد منزلتيـ في الشر وسوء الحاؿ"2. كما تضمّف ىذا الاستئناؼ استعارة في قولو تعالى ﴿ ﴾ وىي استعارة مرشحة لما ت ضمّنتو ممّا يوافؽ المستعار لو، وجاءت ىذه الجممة الاستئنافية مبيّنة ل معمّ ة، كما أنّيا مقابمة لموضوع الآية السابقة ﴿ ﴾ و جممة ﴿ ﴾ -1روح المعاني، الألوسي، ج 1، ص163 -2ارشاد العقؿ السميـ، أبو السعود، ج 1، ص48
عدد الصفحات ٢٦٣الفصــــــل الرابـــــــع 262 و التنظير مف الأمور التي أكد البحثأنّيا مطّرِدة في ارتباطيا بالاستئناؼ البياني. أمّا البنية المغوية فقد جاءت تضـ المبتدأ وىو اسـ الإشارة (أولئؾ) و(الذيف) خبر، وجممة (اشتروا الضلبلة باليدى) جممة فعمية صمة الموصوؿ. النموذج الثالث: ﴿ ﴾ (هود:24) كما جاء في الآية السابقة وصفيـ بشدة الكفر﴿ ﴾، فكأف كفر غيرىـ ليس بكفر في جَ نبو1. ولما ذكر ا﵀ عقوبتيـ في الآخرة ت طمّعت النفس ىؿ أفّ عذابيـ (وىـ عمى ىذه الصفة) وعقابيـ في الآخرة فقط؟ وىؿ ىـ سالموف مف عذاب الدنيا 2؟ فأُجيب بقولو ﴿ ﴾، فجاء ىذا الاستئناؼ البياني تبيينا وتوضيحا " أنّيـ ما كانوا يعجزوف ا﵀ في الدنيا بأف يعاقبيـ و لو أراد عقابيـ ما كاف ليـ مف يتولاىـ فينصرىـ منو و يمنعيـ مف عقابو وقد أضفى اسـ الإشارة بعدا حضوريا تواصميا، كما أسمفنا في النموذجيف السابقيف. أمّا البنية المغوية ففييا (أولئؾ) اسـ إشارة مبتدأ ، (لـ يكونوا) فعؿ مضارع ناقص مجزوـ بػ " لـ " ، والواو اسميا ، (معجزيف ) خبرىا ، (في الأرض ) حاؿ مف الضمير في (يكونوا)، وجممة (لـ يكونوا معجزيف ) خبر لػ (أولئؾ) . 1- إرشاد العقل السليم، أبو السعود، ج4، ص296 وفتح القدير ، الشوكاني، ج2، ص556. 2 - التحرير والتنوير، ج22، ص34.
عدد الصفحات ٢٦٤الفصــــــل الرابـــــــع 262 النموذج الرابع ﴿ ﴾ (يوسف:37) لما أخبر يوسؼ عميو السلبـ السجينيف معو بأنّو ينبّ أىما بما يحمؿ إلييما مف طعاـ قبؿ أف يأتييما وىذا فوؽ عمـ العمماء، كاف مف المنطقي أف يثار السؤاؿ: و أنى لو ىذا؟ فجاء الاستئناؼ البياني جوابا﴿ ﴾. وليتـ البياف في الاستئناؼ البياني جاءت جممة ﴿ ﴾، "لأف الإخبار بأف ا﵀ تعالى عمّ مو التأو يؿ وعموـ أخرى ممّا يثير السؤاؿ عف وسيمة حصوؿ ىذا العمّ ـ فأخبر بأف سبب عناية ا﵀ بو إنفراده في ذلؾ المكاف بتوحيد ا﵀"1. و الخطاب مف يوسؼ عميو السلبـ إلى رفيقيو في السجف ، ولكنو إلى جانب ذلؾ يمثؿ أنموذجً ا للبستئناؼ البياني ودوره في التناسؽ النصي، إذْ أفّ ىذه الإجابة كانت مف حسف التخمص إلى الدعوة لمتوحيد ونبذ الشرؾ فجاء بعد آية واحد ة مف قولو تعالى حكاية عف يوسؼ ﴿ ﴾. وقصة يوسؼ كما ىو معروؼ أنموذج لمقصة القرآنية و قد تضمّنت الكثير مف الجمؿ المستأنفة البيانية إفْ في أسموب المقاولة أو غيره كما ىو الشأف في ىذه الآية. وجاءت ىذه الجممة م صدّر ة باسـ الإشارة "لإفادة عمو الدرجة وبعد المنزلة "2لأف مف معاني الإشارة البُعد. -1ينظرالتحرير و التنوير، ابف عاشور، ج 12، ص272. -2ارشاد العقؿ السميـ، لأبي السعود، ج 4، ص277
عدد الصفحات ٢٦٥الفصــــــل الرابـــــــع 262 ومف ىذه الجمؿ نشأ استئناؼ بياني آخر﴿ ﴾ لإفادة التعميؿ كما يرى أبو السعود 1. أمّا البنية المغوية، ففييا (ذلكما) وىي مبتدأ ، وتفصيمو: ذا: اسـ إشارة ، واللبـ لمبعد والكاؼ لمخطاب ، و(ممّا) جار ومجرور متعمقاف بمحذوؼ خبر(ذلكما)، و(عمّمني) صمة الموصوؿ (ما). النموذج الخامس: ﴿ ﴾ (الأعراف: 163) سبقت ىذه الآية في تعديد مظاىر عصياف بني إسرائيؿ ( )و﴿ ﴾، ثـّ تمتيا ىذه الآية فكاف لممتمقي أف يسأؿ عف حكمة إتياف الحوت يوـ سبتيـ وامتناعو في غير ذلؾ اليوـ فجاء الاستئناؼ البياني لمبياف و التوضيح ﴿ ﴾. ومف الميـّ أف نذكر أىمية تقدير المتمقي للبستئناؼ البياني فقد اختمؼ فيو المفسّروف تبعا لتقدير السؤاؿ و ذلؾ ناتج ولا شؾ عف فيميـ للآية. فالألوسي يرى الاستئناؼ البياني في جممة ﴿ ﴾ دوف الكاؼ واسـ الإشارة، لأ نّو قدر السؤاؿ عف حكـ اختلبؼ حاؿ الحيتاف تارة وعدمو أخرى، أمّا الكاؼ فنقؿ فييا رأي الطبرسي أنّيا في موضع الحاؿ أو بمتعمؽ بمحذوؼ وقع صفة لمصدّر مقدر أي إتيانا كائنا كذلؾ2. -1ارشاد العقؿ السميـ، لأبي السعود ، ج 4، ص277 2 - روح المعاني، الألوسي، ج5، ص85
عدد الصفحات ٢٦٦الفصــــــل الرابـــــــع 263 أمّا ابف عاشور فيرى الاستئناؼ البيان ي في جممة ﴿ ﴾ و السؤاؿ المقدر عنده: ما فائدة ىذه الآية مع عمـ ا﵀ بأنّيـ لا يرعووف عف انتياؾ حرمة السبت 1؟ وىذا التنوّ ع دليؿ عمى التفاعؿ و التواصؿ مع الخطاب القرآني والاستئناؼ البياني ميدانو الخصب، وقد جاءت جممة ﴿ ﴾ مضارعية لحكاية الحاؿ الماضية لاستحضار صورتيا والتعجيب منيا. و الجممة الموالية ليا جاءت مت ضمّنة فعميف ماض ومضارع ﴿ ﴾ وىذا لمدلالة عمى فسقيـ المستمر. و الخطاب في ﴿﴾ وا ف كاف لمنبي بمخاطبة معاصريو مف الييود فإف المتمقي الحقيؽ بالتواصؿ مع ىذا الخطاب يجد في الاستئناؼ إجابة لما قد يطرحو مف أسئمة و لذلؾ رجّح الباحث رأي ابف عاشور وأخذ بو في أفّ الاستئناؼ البياني وقع بجممة (كذلؾ نبموىـ). أمّا البنية المغوية، فإفّ ما يمفت النظر في محؿ الاستئناؼ مف الآية اشتماليا عمى: (كذلؾ) وىي مشكّمة مف حرؼ الجر الكاؼ ومجروره " ذلؾ " والجار والمجرور في موضع نصب عمى أنّو مفعوؿ مطمؽ 2،(نبموىـ ) وىي جممة فعمية ، فعميا فعؿ مضارع ، والواو فاعؿ و (ىـ) مفعوؿ بو . والجممة بعدىا (ما كانوا يفسقوف ) تعميؿ لما قبميا، إذْ الباء في (بما) تعميمية. 1 التحرير والتنوير، ابن عاشور، ج9، ص252 2 - إعراب القرآف، محي الديف الدرويش، ج 3، ص482
عدد الصفحات ٢٦٧الفصــــــل الرابـــــــع 264 ثانياالجممة المؤكّدة بمؤكد واحد: 1-الجمل الفعمية السين + مضارع مبني لممجهول: ﴿ ﴾ (الأعراف: 179-184) أمر ا﵀ المؤمنيف أف يدعوه بأسمائو الحسنى وأف لا يبالوا بالذيف يمحدوف في أسمائو و الإعراض عنيـ و المتبادر إلى ذىف المؤمف" كيؼ لا نبالي وىـ يمحدوف في أسماء ا﵀ تعالى؟ " فجاء الاستئناؼ البياني ﴿ سيجزوف ما كانوا يعمموف﴾"1. فلب بدّ مف معاقبتيـ بصنيعيـ ىذا فيشفي ا﵀ صدور المؤمنيف. وىذا الاستئناؼ جاء لتعميؿ " المعنى عمى الأمر بالاجتناب اجتنبوا إلحادىـ كيلب يصيبكـ ما يصيبيـ فإنو سينزؿ بيـ عقوبة ذلؾ "2. وقد جاء ىذا التعميؿ دوف أداة بؿ قاد إليو سياؽ الآية ، و تضمّف الفعؿ المضارع "السيف" التي تفيد الاستقباؿ القريب واقترنت بالمضارع المبني لممجيوؿ المرفوع بثبوت النوف. ولا غرو أف يأتي تأكيد عقوبة الممحديف الذيف يمحدوف بأسماء ا﵀ تعالى إذْ أفّ المتمقي المتواصؿ مع ىذه الآيات يت طمّع إلى معرفة عقوبتيـ خاصة و قد أُمر وىو المؤمف با﵀ أفْ يبتعد عف ىؤلاء المستكبريف المعانديف وىكذا يتحقؽ التواصؿ مع الخطاب القرآني بثنائية السؤاؿ والجواب . -1ينظرارشاد العقؿ السميـ لأبي السعود، ج 3، ص296 . - 2روح المعاني، الألوسي، ج 5، ص117.
عدد الصفحات ٢٦٨الفصــــــل الرابـــــــع 265 وعموما فإف البنية المغوية جاءت جممة فعمية تامة العناصر، الفعؿ فييا (سيُ جْ زَ وْ ف) حيث السيف حرؼ استقباؿ ، و(يُ جْ زَ وْ فَ ) فعؿ مضارع مبني لممفعوؿ ، والواو نائب فاعؿ و(ما) اسـ موصوؿ مفعوؿ بو، (كانوا يَ عْ مَ مُ وف) صمة الموصوؿ. و ممّا أُكد بالسيف أيضا ﴿ سَنَسِمُوُ عَمَى الخُرْطُوـِ ﴾ (القمم:17). سوف + فعل مضارع مبني لممعموم ﴿ ﴾ (هود:93) استئناؼ بياني وقع جوابا لسؤاؿ مقدر ناشئ مف"تيديد شعيب عميو السلبـ لقو مو بقولو ﴿﴾ و اخبرىـ ب أنّو عامؿ فكأف سائؿ منيـ سأؿ: فماذا يكوف بعد ذلؾ؟ فقيؿ:﴿ ﴾1. والاستئناؼالبياني ميوؿ لممتمقي و قد نبّو الزمخشري إلى قوتو وبلبغتو، إذْ عقد موازنة بيف ىذه الآية و قولو تعالى في سورة الأنعاـ ﴿ فسوؼ تعمموف﴾ (الأنعام، 135) فإف قمت أي فرؽ بيف إدخاؿ الفاء ونزعيا في ﴿ ﴾ قمت: "إدخاؿ الفاء وصؿ ظاىر بحرؼ موضوع لموصؿ ونزعيا وصؿ خفي تقديري بالاستئناؼ الذي ىو جواب لسؤاؿ مقدر...وأقوى الوصميف وأبمغيما الاستئناؼ وىو باب مف أبواب عمـ البياف تتكاثر محاسنو"2. ذلؾ أف التيديد جاء دوف وسائط ومقدماتممّا أضفى عميو قوة أكثر مف وصمو بالفاء التي كاف دخوليا مناسبا لممقاـ الذي ذكرت فيو " ففي خطاب شعيب عميو السلبـ قومو -1روح المعاني، الالوسي، ج 6، ص321 -2الكشاؼ، الزمخشري، ج 2، ص424
عدد الصفحات ٢٦٩الفصــــــل الرابـــــــع 266 مف الشدة ما ليس في الخطاب المأمور بو النبيّ في سورة الأنعاـ جريً ا عمى ما أرسؿ بو محمّد مف الميف ليـ"1 . وقد ربطت ىذه الجممة ما قبميا بما بعد ىا فكانت مف علبئؽ التماسؾ النصي، وىذه الملبحظة لمفسّريف كبيريف الزمخشري وابف عاشور مف أنفس الملبحظات الدالّة عمى ماىية الاستئناؼ البياني ووظيفتو، ف يو مف أقوى آليات التماسؾ النصي ، كما لا يخفى م ا فيو مف البعد التواصمي المُتأت ي مِف السؤاؿ والجواب . أمّا البنية المغوية فقد جاءت مكوّنة مف (سوؼ) وىي حرؼ استقباؿ ، و(تعمموف) فعؿ مضارع مرفوع وفاعمو الواو . إنما + فعل مضارع : ﴿ ﴾ (النحل:92) وقع الاستئناؼ البياني في جممة(إنّ ما يبموكـ ا﵀ بو) "لأنّيا تعميؿ لما سبقيا أي يعاممكـ معاممة المختبر بذلؾ الكوف لينظر أتتمسكوف بحبؿ الوفاء بعيد ا﵀ تعالى...أـ تغتروف بكثرة قريش وشوكتيـ "2. وىكذا فقد جاء الا ستئناؼ البياني مفيدا " لمتعميؿ بما تقتضي الحكمة" 3 . وجاء لفظ التبييف بعد ىذه الجممة مباشرة ﴿ ﴾ جاءت مؤكّدة بمؤكديف النوف الثقيمة واللبـ، ىذا ما جاء بعد الاستئناؼ أمّا ما جاء قبمو فقد ضرب ا﵀ ليـ مثلب بالمرأة التي نقضت غزليا، وينقؿ بف حيّاف أنّيا كانت معروفة لدى المخاطبيف "وىي مف قريش خرقاء اسميا -1التحرير والتنوير، ابف عاشور، ج 12، ص153 -2روح المعاني، الألوسي، ج 7، ص459 -3التحرير والتنوير، مرجع سابؽ ، ج 14، ص266
عدد الصفحات ٢٧٠الفصــــــل الرابـــــــع 267 "ريطة بنت سعد بف تيـ" اتخذت مغزلا... فكانت تغزؿ ىي وجوارييا مف الغداة إلى الظير ثـّ تأمُ رنيفّ فينقضف ما غزلف" 1. وقد جاء ىذا الاستئناؼ مؤكدا بأسموب القصرإنما" كما قد سبؽ بالتحذير مف إخلبؼ المواثيؽ ونكث الأيماف. أمّا البنية المغوية فيي: (إنما): كافة ومكفوفة، (يبموكـ): فعؿ مضارع مرفوع ، و" كـ " مفعوؿ بو مقدـ،(ا﵀): فاعؿ، (بو): جار ومجرور متعمقاف بالفعؿ (يبموكـ) . إنما + فعل ماض مبني لممجهول ﴿ ﴾ (النحل:123-124) لما كانت الآية السابقة للبستئناؼأي النحؿ:123) صرحت بأف النبيّ متبع لممّة إبراىيـ ، وكاف الييود يدّعوف أنّيـ عمى ديف إبراىيـ كما ادعى مشركو العرب ذلؾ ، فجاء الرد عمى المشركيف في الآية 123 بمامف شأنو أف يثير سؤالا: "كيؼ يكوف الإسلبـ مف ممّ ة إبراىيـ و فيو جعؿ يوـ الجمعة اليوـ المقدس وقد جعمت التوراة لمييود يوـ التقديس يوـ السبت؟" 2 فجاءت الإجابة بالاستئناؼ البياني الواصؿ المعنوي بيف ما قبمو وما بعده ﴿ ﴾ ذلؾ أفّ " الييود كانوا يدعوف أف يوـ السبت مف شعائر الإسلبـ وأف إبراىيـ كاف محافظا عميو"3. وجاءت الإجابة بالاستئناؼ آنؼ الذكر مدعوما بالتوكيد عف طريؽ أسموب القصر -1البحر المحيط، أبو حياف، ج5، ص514 -2التحرير والتنوير، ابف عاشور، ج 14، ص322. -3ارشاد العقؿ السميـ، أبو السعود، ج 5، ص150.
عدد الصفحات ٢٧١الفصــــــل الرابـــــــع 268 بػإنّ ما" وىذا ممّا يشد المتمقي إذْ مف المعموـ أفّ "إنّ ما" تأتي لقمب الاعتقاد أي مزاع ميـ بأفّ السبت مف شعائر إبراىيـ كما أفّ إيراد الفعؿ مبن يا لممفعوؿ جريا عمى سنف الكبرياء "وا يذاف بعدـ الحاجة إلى التصري ح بالفاعؿ"1 عزّ اسمو وتعالى. أمّا البنية المغوية فجاءت مكوّنة مف: (إنّ ما): كافة ومكفوفة، (جُعؿ): فعؿ ماضي مبني لممفعوؿ، (السبت): نائب فاعؿ (عمى الذيف): جار ومجرور متعمقاف بالفعؿ (جعؿ)، (اختمفوا فيو): جممة فعمية، صمة الموصوؿ. التوكيد بـ"إن " + إلا ﴿ ﴾ (الأنعام:54) الآية ردّ عمى المشركيف قؿ أيّ يا البشر لا أممؾ خزائف ا﵀ ولا أعمـ الغيب ولست مف الملبئكة فمما جاءت ىذه الجمؿ الثلبث متتابعات معطوفة بعضيا عمى بعض " فالمقاـ مثير سؤاؿ سائؿ ماذا تدعي بالرسالة؟" 2 فجاء الاستئناؼ البياني ﴿ إف أتبع إلا ما يوحى إليّ ﴾ وبتعبير آخر لما نفى النبيّ ما يستعجمونو مف خوارؽ جاء الاستئناؼ بأسموب القصر"عمى معنى تخصيص حالو بإتباع ما يوحى إليو...كأنّو قيؿ: ما أفعؿ إلا إتباع ما يوحى إلي"3. وقد جاء ىذا الاستئناؼ عمى أسموب القصر بػ"إفْ " التي تفيد النفي مع "إلاّ " أداة الاستثناء. -1روح المعاني، الألوسي، ج 7، ص486. -2التحرير والتنوير، ابف عاشور، ج 7، ص242 -3ارشاد العقؿ السميـ، أبو السعود، ج 3، ص137
عدد الصفحات ٢٧٢الفصــــــل الرابـــــــع 269 أمّا البنية المغوية فقد جاءت تشمؿ: (إفْ) : نافية (اتبع): فعؿ مضارع مرفوع (إلاَّ): أداة حصر (ما): اسـ موصوؿ مفعوؿ بو (يُوحى إليَّ): صمة الموصوؿ. النموذج الثاني: ﴿ ﴾ (النجم:19-23) ىذا أنموذج للبستئناؼ المرتبط بالالتفات وقد أُ شيرَ في الفصؿ الثاني إلى ذلؾ و ىذا أحد النماذج التطبيقية فقد تحوؿ ا﵀ عف خطاب المشركيف ﴿ ﴾ إلى الغيبة ﴿ ﴾. وقد صنّؼ ابف عاشور ىذه الجممة استئنافا بيانيا1 مع عدّىا مف ضروب الالتفات ويرى الباحث أفّ أغراض الاستئناؼ البياني مف تعميؿ وتوضيح غير بعيدة عف ىذه الجممة ، فقد بيّف ا﵀ تعالى سبب تعمّقيـ بالآلية وىو إتباع الظف وما تيواه أنفسيـ (وا﵀ أعمـ بمراد آياتو)، وقد حقّ ؽ الالتفات غرضا آخر ميما ي جده المتمقي لمخطاب القرآني وىو الإشعار بميانة المشركيف "للئيذاف بأف تعداد قبائحيـ اقتضى الإعراض عنيـ " 2. أمّا البنية المغوية ليذه الجممة فقد شممت: (إِفْ) : نافية، (يتبعوف): فعؿ مضارع مرفوع ، وفاعمو الواو . (إلاَّ): أداة حصر (الظفّ) : مفعوؿ بو لمفعؿ (يتبعوف)، (وما): الواو عاطفة ، و(ما) موصولة معطوفة عمى الظف ، (تيوى الأنفس) : جممة فعمية صمة الموصوؿ. -1التحرير والتنوير، ابف عاشور، ج 27، ص109 -2روح المعاني للؤلوسي، ج 14، ص58
عدد الصفحات ٢٧٣