الفصل الثاني 047 تتبع تاريخي للاستئناف البياني عند المفسرين: التفسير المفس ر وتاريخ وفاته استئناف استئناف بياني 1) الكشٌاؼ الزمخشرم (ت 528ىػ 82 / 2) مفاتيح الغيب الرازم (606ق 43 / 3) الجامع لأحكاـ القرآف القرطبي (671ق 19 / 4) أنكار التنزيؿ كأسرار التأكيؿ البيضاكم (685ق 136 / 5) مدارؾ التنزيؿ كحقائؽ التأكيؿ النسفي(710ق 37 / 6) البحر المحيط أبك حياف(745ق 224 / 7) الدر المصكف في كتاب ا﵀ المكنكف السميف الحمبي(756ق 98 / 8) ارشاد العقؿ السميـ أبك السعكد(982ىػ 597 / 9) البحر المديد ابف عجيبة(1224ق 18 10) فتح القدير الشككاني(1250ق 17 / 11) ركح المعاني الألكسي(1270ق 126 12) التحرير كالتنكير ابف عاشكر(1393ق 444 13) التفسير الكسيط الطنطاكم (معاصر) 22 كمف خلبؿ ىذه النتائج نتبيٌف الآتي - الاىتماـ بالاستئناؼ البياني كانت بدايتو مع الزمخشرم بطريقة كاضحة كبمغ أكج دراستو عند ابف عاشكر. - لقد شيدت ىذه الظاىرة اىتماما متزايدا عبر القركف خاصة في الجانب المصطمحي - التفاسير المصطبغة بالتيارات الفكرية كالاعتزاؿ عند الزمخشرم كالأشعرية عند ابف عاشكر ىي الأكثر اىتماما بيذه الظاىرة مف بيف التفاسير التي تيتـ بالجانب المغكم ذلؾ أف التفاسير الحديثة كأضكاء البياف لمشنقيطي كالظلبؿ لسيد قطب لا تتضمٌف اىتماما كاضحا بظاىرة الاستئناؼ البياني. - بعض التفاسير كتفسير البيضاكم ك تفسير أبي السعكد دي رً س فييا الاستئناؼ دكف ذكر المصطمح.
عدد الصفحات ١٦٢الفصل الثالث المخاطب الخاص
عدد الصفحات ١٦٣الفصل الثــــــالــــــــــث 051 توطئــــة: النٌبي صمى ا﵀ عميو كسمـ ىك المتمقٌ ي الأكؿ لمخطاب القرآني، "إذٍ أفٌ طرفي الاتصاؿ الأساسيف في عممية الكحي النبكم ىما ا﵀ في جانب كالرسكؿ البشر في جانب آخر" 1 .ركل عبد ا﵀ بف مسعكد رضي ا﵀ عنو: " قاؿ لي النٌبي - صمى ا﵀ عميو كسمـ - اقرأ عميٌ القرآف " أم اقرأ عميَّ بعض الآيات مف القرآف الكريـ " قمت: أقرأ عميؾ، كعميؾ أي نزً ؿ؟ " أم لماذا أقرأه عميؾ، كأنت في غنى عف سماعو منٌ ي، لأنٌ و عميؾ أنزؿ، تمقيتو مف ربٌؾ، كحفظتو في قمبؾ كبمٌ غتو إلى الناس. " قاؿ: إنٌ ي أحب أف أسمعو مف غيرم " 2. كمحمٌد المكمٌؼ بإبلبغ الرسالة إلى الناس أجمعيف يخاطبو القرآف مباشرة كبطريقة صريحة كما قد يكني عنو أك يجعمو مكضكع الخطاب أك يجمعو مع المؤمنيف في خطاب كاحد ذلؾ أفٌ " النٌبي إنٌما ىك كارد في ىذا الأسمكب القرآني في كاحد مف مكضعيف إمٌ ا مكضع الخطاب كا مٌ ا مكضع التحدٌ ث فيك ليس المتكمـ بالقرآف بحسب أسمكب القرآف كا مٌ ا ىك في القرآف إفٍ مخاطب خطابا محكي لو الأمر كقكلو تعالى: ﴿عفا ا﵀ عنؾ لًـى أىذًنتى لىييـٍ ﴾ (التوبة:34) أك خطاب المأمكر الذم يطمب منو أفٍ ي فعؿ شيئا امتثالا لكممة القرآف التي ىك مكجية إليو كليست مكجية منو3. كارتأل الباحث أف يدرس أساليب الاستئناؼ البياني في الجانب التطبيقي بحسب المتمقي أك القطب الثاني لمتكاصؿ فإذا كاف ا﵀ تعالى ىك المتكمـ بالقرآف فالمخاطىبكف متعدٌدكف، ك قد يككف المخاطىب محدٌدا كما يككف عامٌا غير مميٌز إذ يكجًّو الخطاب 1- مفيكـ النص، دراسة في عمكـ القرآف ، نصر حامد أبك زيد، المركز الثقافي المغربي، المغرب، ط 7،2000، ص40 2- التعميقات الحساف عمى صحيح ابف حباف كتمييز سقيمو مف صحيحو، كشاذه مف محفكظو، محمد بف حباف بف أحمد بف حباف، دار با كزير لمنشر كالتكزيع، جدة - المممكة العربية السعكدية،ط 1،2003، ج2، ص152 3-محاضرات الشيخ العلبمة محمد الفاضؿ بف عاشكر، تقديـ: الشيخ كماؿ الديف جعيٌط، مركز النشر الجامعي، تكنس، 1999، ص289.
عدد الصفحات ١٦٤الفصل الثــــــالــــــــــث 050 إلى الإنساف أيٌا كاف ك في أمٌ زماف، كما قد يككف ىذا المخاطب خاصٌا مميزا كأف يككف النٌبي أك المؤمنكف أك المنافقكف أما الركف الأكؿ كىك الباثٌ فيبدك لتالي القرآف كمتدبٌ ره " أنو مسكغ عمى أسمكب ككنو كلبـ ا﵀ تعالى أعني أفٌ ا﵀ تعالى بذاتو الجميمة ىك الذم يعتبر المتكمـ بالكممة القرآنية عمى حسب ما صيغت عميو التراكيب القرآنية في أسمكبيا". فالمتكاصؿ مع الخطاب القرآني يقؼ أماـ لفظة نحف أك أنٌ ا أك قمنا أك إنٌ ا ك ما حمؿ عمييا تعكد إلى ا﵀ تعالى1. أو: النّبي : 1. ﴿ ﴾ (آل عمران: 13-11) كالشاىد﴿ قؿ أؤنبِّكـ بخير مف ذلكـ﴾ إذٍ الجممة استئناؼ بياني2 ناشئ عف الآية قبميا فقد اقتصر الذكر عمى حسف المآب دكف العذاب فجاء الاستئناؼ إجابة إلى ىذا التطمٌع، فإف قاؿ قائؿ: كما حسف المآب؟ قيؿ: ىك ما كصفو بو جؿٌ ثناءه كىك المرجع إلى جنٌ ات النعيـ ﴿تجرم مف تحتيا الأنيار﴾3. 1- محاضرات الشيخ العلبمة محمد الفاضؿ بف عاشكر، ص 289. 2- التحرير كا لتنكير، ابف عاشكر، ج 3، ص183. -3تفسير الطبرم = جامع البياف عف تأكيؿ آم القرآف ، مػحمد بف جرير بف يزيد بف كثير بف غالب الآممي، أبك جعفر الطبرم ،،تح الدكتكر عبد ا﵀ بف عبد المحسف التركي،دار ىجر لمطباعة كالنشر كالتكزيع كالإعلبف، المممكة العربية السعكدية، ط1،2001، ج5، ص267
عدد الصفحات ١٦٥الفصل الثــــــالــــــــــث 051 كاللبفت فعلب ىك ىذا المنحى التكاصمي كتقدير السؤاؿ في ىذا الكقت المبكر في كتب التفاسير كالذم كجدناه عند ابف جرير الطبرم (تكفي 310ىػ) حتى ك ا ف لـ نقؼ عمى مصطمح الاستئناؼ البياني كالخطاب مكجٌو مف ا﵀ تعالى إلى الرسكؿ :" قؿ يا محمد لمناس الذيف زيٌ ف ليـ حب الشيكات"1 . كىك خطاب ظاىر كمباشر ك لعؿٌ المفسٌر يف قد أخذكا تقدير السؤاؿ لا مف السياؽ الداخمي فقط للآية بؿ مف السياؽ الخارجي المرتبط بأسباب النزكؿ إذا ذكر ابف كثير" قاؿ عمر بف الخطاب رضي ا﵀ عنو لمٌا أنزلت ﴿ زيف لمناس حب الشيكات ﴾ قمت: الآف يا رب حيف زيٌ نتيا لنا، فنزلت ﴿ قؿ أؤنبكـ بخير مف ذلكـ لمذيف اتقكا... ﴾"2. كقد جاءت ىذه الآية مفتتحة ب ػ(قيؿ)"للبىتماـ بمقكؿ...كالاستفياـ لمعرض تشكيقا مف نفكس المخاطبيف إلى تمقي ما سيقصٌ عمييـ "3 كفي ىذه الآية تسمية عفزخارؼ الدنيا كدعكة إلى ال تطمٌع لما في الآخرة مف نعيـ مقيـ. كالملبحظ أفٌ فعؿ "قؿ" أيتبِّ ع " بجممة فعمية فعميا مضارع ، كزمف المضارع عند النحاة يحتمؿ الحاؿ أك الاستقباؿ ، كليس ىناؾ شؾ في أفٌ الإخبار عف النعيـ المقيـ إنما كاف في الحاؿ أم كقت نزكؿ الآية. كما تضمنٌت الآية الالتفات مف الغيبة في الآية 14 إلى الخطاب في الآية 15 "4، كىك مف الظكاىر الأسمكبية التي كثيرا ما ترد مع الاستئناؼ البياني كتمتزج معو تجسيدا لمبعد التكاصمي في مثؿ ىذه الآيات. كمف نماذج الخطاب المكٌجو لمنبي قكؿ ا﵀ تعالى -1 جامع البياف عف تأكيؿ آم القرآف ، الطبرم ، ج5، ص268. -2تفسير ابف كثير، ج2، ص18. -3التحرير كالتنكير، ابف عاشكر، ج 3، ص184. -4البحر المحيط لأبي حياف، ج2، ص417
عدد الصفحات ١٦٦الفصل الثــــــالــــــــــث 052 2. ﴿ ﴾ (يونس: 43-41) كقد جاء الاستئناؼ البياني في قكلو تعالى ﴿ إًفَّ الٍعًزَّةى لًمَّوً جىمًيعان ﴾ بمثابة الجكاب عف سؤاؿ مقدٌر "كأنٌو قيؿ: ما لي لا أحزف؟ فكانت الإجابة ﴿ إًفَّ الٍعًزَّةى لًمَّوً جىمًيعان ﴾ لا يممؾ أحد شيئا منيا لا ىـ كلا غيرىـ" 1. كالمعنى المستفاد ىك التعميؿ كقد سبقت الإشارة في الفصؿ الثاني مف البحث إلى ىذه المسألة ، كالتعميؿ بػ"إفَّ " كثيرا ما يرد في الاستئناؼ البياني إذٍ كاف مف أكؿ ما استرعى انتباه الباحث أثناء جمع المادة ا لعمٌ مية، كقد عمٌ ؽ ابف عاشكر عمى ىذا الارتباط الكثيؽ يقكلو:" ككؿ جممة كاف مضمكنيا عمة لمتي قبميا تككف أيضا استئنافا بيانيا، فالاستئناؼ البياني أعـ مف التعميؿ"2 . كالخطاب مكجٌو لمنبي صمى ا﵀ عميو كسمـ فإذا قيؿ لـ لا يحزنو قكل يـ ؟ يقاؿ: "لأفٌ الغمبة كالقير ﵀ سبحانو كتعالى لا يممؾ أحد شيئا منيا أصلب لا ىـ كلا غيرىـ "3 .فاستأنؼ سبحانو الكلبـ مع رسكلو معملب لما ذكره مف نيي الرسكؿ فقاؿ﴿ ﴾ ك ا ذا كاف كؿ ذلؾ لو فكيؼ يقدركف عميؾ حتى تحزف لأقكاليـ الكاذبة ؟!4 كىذاالاستئناؼ ناشئ عما قبمو في نسؽ تكاصمي مبير، إذٍ ني يً ي النٌبي عف الحزف مف قكؿ الكفار المتضمف الطعف عميو كتكذيبو ك القدح في دينو فالمقصكد التسمية لو كالتبشير -1الكشاؼ، الزمخشرم، ج 2، ص357. -2التحرير كالتنكير، ابف عاشكر، ج 11، ص221 -3ركح المعاني في تفسير القرآف العظيـ كالسبع المثاني، شياب الديف محمكد بف عبد ا﵀ الحسيني الألكسي تح عمي عبد البارم عطية، دار الكتب العممية – بيركت، ط1،1425ىػ،ج6، ص144 . 4-فتح القدير، محمد بف عمي بف محمد بف عبد ا﵀ الشككاني اليمني، دار ابف كثير، دار الكمـ الطيب - دمشؽ، بيركت، ط1،1414ىػ، ج2، ص522
عدد الصفحات ١٦٧الفصل الثــــــالــــــــــث 053 كماأفٌ السياقيف الداخمي ك الخارجي أم المغكم كالمرتبط بأسباب النزكؿ يعضداف ىذا المعنى، أما بالنسبة للؤكؿ أك الداخمي فإف الآيات قبؿ ىذه الآية حكت ما أكرده القكـ مف أنكاع الشبيات التي حكى ا﵀ عنيا كأجاب عنيا، فعدلكا إلى طريؽ آخر كىك "أنيـ ىددكه كخكٌفكه كزعمكا أنٌا أصحاب التبع كالماؿ فنسعى في قيرؾ كا بطاؿ أمرؾ ك ا﵀ سبحانو كتعالى أجاب عف ىذا الطريؽ بقكلو ﴿ ﴾"1. أما السياؽالخارجي فنممسو في ما ركاه ابف عباس قاؿ: "لمٌا لـ ينتفعكا بما جاءىـ مف ا﵀ كأقامكا عمى كفرىـ، كبر ذلؾ عمى الرسكؿ فجاء مف ا﵀ فيما يعاتبو ﴿لا ﴾ يسمع ما يقكلكف كيعممو فمك شاء بعزٌ تو لانتصر منيـ"2. أمٌا البنية المغكية فقد جاءت الجممة الاسمية مصدٌرة بػ " إفٌ " لتدؿ عمى قكة التككيد ، كما كسرت اليمزة ىنا لأنيا جاءت بعد القكؿ ، كا لاَّ كانت خلبؼ المراد ، كمما يقكم التككيد " جميعا " التي ىي تككيد معنكم لممؤكد " العزٌة "3. 3. ﴿ ﴾ (مريم:11-14) -1مفاتيح الغيب، الرازم، ج 7، ص278 -2الدر المنثكر، عبد الرحمف بف أبي بكر، جلبؿ الديف السيكطي،دار الفكر - بيركت، د ت ج4، ص379 3 - إعراب القرآف الكريـ كبيانو ، محي الديف الدركيش دار الإرشاد، حمص، سكريا،ط 3،1412 ىػ1992ـ،4 /271
عدد الصفحات ١٦٨الفصل الثــــــالــــــــــث 054 كقع الاستئناؼ البياني فيقكلو تعالى﴿ ﴾ كقع جكابا عمٌا نشأ مف صدر الكلبـ كأنٌو قيؿ:" ماذا يفعؿ الشياطيف بيـ حينئذ؟ فقيؿ: تؤزىـ أم تغرييـ كتييٌ جيـ"1. كيعمؽ الألكسي عمى ىذا الاستئناؼ البياني ببعد تكاصمي كاضح :" كالمراد مف الآية تعجيب رسكؿ ا﵀ مماتضمنٌتو الآية السابقة مف قكلو تعالى﴿ كيقكؿ الإنساف أئذا متي لسكؼ أخرج حيا ﴾ إلى ىنا كحكتو عف ىؤلاء الكفرة الغكاة.... ك عمى أفٌ جميع ذلؾ بإضلبؿ الشياطيف لا لأفٌ ىناؾ قصكر في التبميغ"2. إفٌ ىذا التحميؿ في الخطاب ال مكجٌو لمنبػػي كتقدير ما يدعك إلى البياف كعتكِّ ىـ في الآيات السابقة ىك ما بيٌف بو المفسٌر كف أفٌ التعجيب ليس مف إرساؿ الشياطيف بؿ مما ذكر مف أحكاليـ بناءن عمى قرائف مختمفة ىك ما يبيٌف شمكلية المنيج التحميمي لدل المفسٌر يف إذٍ لاحظكا أفٌ الاستئناؼ البياني متكلٌ د عمٌا قبمو فيك مرتبط بو كلذلؾ أيختير ىذا الأسمكب ليذه الغاية التكاصمية بيف القرآف كمتمقيو . كقد جاءت الجممة فعمية متبكعة بمفعكؿ مطمؽ مؤكدو لفعمو ك ا ف كاف ىناؾ مف عدٌ اليزٌ ك الأزٌ ك الاستفزاز أخكات بمعنى شدة الإزعاج، فقد كاف لابف جنٌي رأم في اليمزة كقكتيا. حيث يقكؿ: "كاليمزة أخت الياء، فتقارب المفظاف لتقارب المعنييف. ككأنيـ خصٌكا ىذا المعنى باليمزة لأنيا أقكل مف الياء، كىذا المعنى أعظـ في النفكس مف اليزِّ؛ لأنؾ قد تيز ما لا باؿ لو كالجذع كساؽ الشجرة، كنحك ذلؾ "3. - 1ارشاد العقؿ السميـ إلى مزايا الكتاب الكريـ، محمد بف محمد بف مصطفى العماديأبك السعكد، دار إحياء التراث العربي – بيركت دت، ج 5، ص281 - 2ركح المعاني، الألكسي، ج 8، ص450. 3-الخصائص، ابف جني، ج2، ص148
عدد الصفحات ١٦٩الفصل الثــــــالــــــــــث 055 4. ﴿ ﴾ (الفرقان:11) اختيمً ؼ في الاستئناؼ البياني في أم مف مقاطع ىذه الجمؿ كأكرد الألكسي ىذه الاختيارات 1 لكف الميـ في الاستئناؼ البياني أنو كرد إجابة ع ما ذكره المشرككف مف المشي في الأسكاؽ فقالكا: ىذه الآيات كما فييا مف اصطناع تعجب المشركيف ﴿ ماؿ ىذا الرسكؿ يأكؿ الطعاـ ك يمشي في الأسكاؽ... ﴾ تأتيو الإجابة بخطاب مكجٌو لمنبي ﴿ ﴾ . كأعيد لفظ تبارؾ لاستئناؼ خطاب جديد بالمفظ ذاتو الذم بدأت بو السكرة فيذا التحكؿ في الخطاب مف الحديث عف المشركيف كأقكاليـ إلى النبي ك دكف لفظ "قػؿ" أك أمر مباشر أك نيي صريح كما مرٌ في النماذج السابقة إنما أريد بو الإعراض عف باطميـ ك الإقباؿ عمى خطاب النٌبي بتثبيتو ك تثبيت المؤمنيف فأعيد المفظ الذم ابتدأت بو السكرة، إذٍ كاف مفتتح السكرة ﴿ ﴾ ثناءن عمى ا﵀ بأنو منزٌ ه في صفاتو عف النقائص، كثير الخير. كاختلبؼ المفسٌر يف في السياؽ الذم نزلت فيو ىذه الآية جعميـ يختمفكف في تقدير السؤاؿ ما قبؿ الاستئناؼ مما يؤثر في غرضو "فعف ابف عباس أنيـ أنكركا عميو المشي في الأسكاؽ كالتماس المعاش كىك رسكؿ ا﵀ " 2 فجاء ىذا الاستئناؼ جكابا ليـ....كخرٌج بعضيـ الأمر عمى أفٌ النٌبي خيٌر بيفأفٍ ي ككف نبيا ممكا أك نبيا عبدا فاختار أفٍ ي ككف 1-ركح المعاني، الألكسي،ج 9، ص430. أما ابف عاشكر فيرل أنيا مف أكؿ قكلو تعالى﴿تبارؾ 18، ص330. 2-التفسير الكسيط لمقرآف الكريـ ، محمد سيد طنطاكم ، دار نيضة مصر لمطباعة كالنشر كالتكزيع، الفجالة – القاىرة ، ط1، ج17، ص406
عدد الصفحات ١٧٠الفصل الثــــــالــــــــــث 056 نبيا عبدا، فنزلت ﴿ تبارؾ ﴾ كما أفٌ المفسٌر يف اختمفكا في بداية الاستئناؼ البياني في مف رآه في أكؿ الآية كابف عاشكر كفي مف رآه في قكلو ﴿جعؿ﴾ كفي آخر الآية عمى تقدير: كيؼ الحاؿ في الآخرة؟ فقيؿ: يجعؿ لؾ قصكرا. كقد اختار الباحث رأم ابف عاشكر انطلبقا مف الجممة الاستئنافية متكلدة مما قبميا تمثٌؿ رباطا كتماسكا نصيٌا كلذلؾ فافتتاحيا ب(تبارؾ) ينسجـ مع م ثيلبتيا مف الجممة المستأنفة بيانيا. كعمى كؿ الكجكه فيذا الاستئناؼ جاء عمى صيغة جممة فعمية. افتتحت بالفعؿ " تبارؾ "، كمف معاني "تفاعؿ" التدريج 1، بمعنى أفٌ البركة تحؿٌ شيئا فشيئا ، أما الفاعؿ فقيؿ مضاؼ محذكؼ كالتقدير " خير الذم ..." كقيؿ إفٌ الفاعؿ ىك الاسـ المكصكؿ " الذم " عمى معنى التنزيو كالتعظيـ . 1 - الكاضح في عمـ الصرؼ، محمد خير الحمكاني، دار المأمكف لمتراث، دمشؽ، ط 1،1428ىػ2008 ـ، ص126
عدد الصفحات ١٧١الفصل الثــــــالــــــــــث 057 ثانيا: المؤمنون 1.﴿ ﴾ (البقرة 413-411) دخكؿ الجنة غاية المؤمنيف جميعا فممٌا جاء بيذا الأسمكب المتبكع بقكلو ﴿ كىلىمَّا يىأٍتًكيـٍ مىثىؿي الَّذًيفى خىمىكٍا مًفٍ قىبٍمًكيـٍ ﴾ تشكفت النفس إلى المعرفة ك تطمٌعت إلى الإجابة فجاء ﴿ مىسَّتٍييـي الٍبىأٍسىاءي كىالضَّرَّاءي ﴾ ك"ذلؾ أفٍ مستيـ بياف لممثؿ كىك استئناؼ كأفٌ قائلب قاؿ: كيؼ كاف ذلؾ المثؿ؟ فقاؿ: ﴿ مىسَّتٍييـي الٍبىأٍسىاءي كىالضَّرَّاءي ﴾"1. كىذا الخطاب مكجٌو لممؤمنيف فيك دعكة ليـ في كؿ زماف كمكاف بالصبر كالثبات "تأسيا ليـ بمف سبقيـ مف المتقيف حتى يفكزكا برضكاف ا﵀ كنصره "2 .كمما يساعدنا في تممس ىذا التطمٌع كىذا التفاعؿ مع الآية بالتشكؼ إلى الجنة لأنيا منتيى آماؿ المؤمنيف. كقد ذيكر في سبب نزكؿ ىذه الآية ما أكرده الشككاني " أنيا نزلت في يكـ الأحزاب أصاب النٌبي يكمئذ كأصحابو بلبء كحصر ... كعف ابف عباس قاؿ: أخبر ا﵀ المؤمنيف أفٌ الدنيا دار بلبء كأنو مبتمييـ كأخبرىـ أنو ىكذا فعؿ بأنبيائو كصفكتو لتطيب نفكسيـ "3. كقد جاءت ىذهالجممة فعمية ماضكية بما في الماضي مف قكة في الدلالة . -1مفاتيح الغيب لمرازم، ج 6، ص379. -2التفسير الكسيط، سيد طنطاكم.ج 1، ص463. -3فتح القدير، الشككاني، ج1، ص247.
عدد الصفحات ١٧٢الفصل الثــــــالــــــــــث 058 كمما يؤكد استئنافية ىذه الجممةأفٌ ىناؾ مف عدًّىا تفسيرية1، كما أشدٌ ما بيف التفسير كالاستئناؼ مف صمة في الدلالة عمى المعنى كتكضيحو فمف يتمك ىذه الآية تيتزٌ نفسو اىتزازا إذا تمقٌ ت نفسو ككقع في خمده أفٌ دخكؿ الجنة كالفكز بيا لف يدرؾ إلا بسنٌة مرت عمى الأمـ السالفة فيتحرؽ شكقا إلى معرفة مثؿ السابقيف فتأتيو الإجابة كالتفسير . ﴾2 ﴾ (الواقعة:1-14) ىذه الجممة مستأنفة استئنافا بيانيا لأنيا جكاب عمٌا يثيره قكلو تعالى ﴿ كالسابقكف السابقكف﴾ مف تساؤؿ السامع عف أثر التنكيو بيـ2 بنعمة القرب مف ا﵀ تعالى ك كيؼ لا كىـ العبيد الذيف نكٌه بيـ ربيـ ككصفيـ بالسابقيف ككررىا تعظيما كتفخيما. كلقد جاء ىذا الاستئناؼ بالتفصيؿ لما قبمو بطريقة بديعة للآية السابقة ﴿ كالسابقكف السابقكف﴾ فتيفك نفس المتمقٌي مرتقبة م ػى ف ىؤلاء؟ كىكذا فيذا المكف البلبغي كما أسمفنا عيٌ نة دالٌة عف التكاصؿ مع الخطاب القرآني الكريـ. فقد ابتدأت السكرة بذكر يكـ" الكاقع ة" يقرع السمع كييز النفس فيزلزليا مف أركانيا، ثـٌ يسرد أصناؼ الناس ك المتمقٌي متميؼ ليعرؼ ىذه الأصناؼ إلى أفٍ ي أتي الخطاب إلى ذكر المقربيف. ك لا بدٌ مف الإشارة إلى تكاثؼ المعاني في ىذه الجممة لأنيا جاءت عمى طريقة المؼٌ ك النشر3 ﴿ ككنتـ أزكاجا ثلبثة....في جنات النعيـ ﴾. 1 - إعراب القرآف كبيانو، محي الديف ا لدركيش، 1 /317 -2التحرير كالتنكير، ابف عاشكر، ج 27، ص288 3-المصدر نفسو،الصفحة نفسيا.
عدد الصفحات ١٧٣الفصل الثــــــالــــــــــث 061 أما سياؽ ىذه الآيات فيبدأ بذكر الآخرة ثـٌ يصنؼ مصائر الناس كقد نزلت ىذه السكرة بمكة ك المعركؼ أفٌ مف ميزات القرآف المكي تثبيت العقيدة كالردٌ عمى المشركيف كالشاكيف في البعث كالنشكر، ثـٌ تفسٌر السكرة مصائر ىذه الأزكاج الثلبثة، أصحاب الميمنة كأصحاب المشأمة ك تبيٌف حاؿ المقربيف السابقيف. كىذا الخطاب في الحقيقة ييً ـ عباد ا﵀ جميعا فكميـ مبعكثكف يكـ القيامة لكف المؤمنيف بالبعث ىـ الأكلى بيذا الاىتماـ. أمٌا البنية المغكية فقد جاءت ىذه الجممة المستأنفة بيانيا اسميةن مع ما في دلالتيا مف قكة التككيد ﴿أكلئؾ﴾ اسـ إشارة مبني في محؿ رفع مبتدأ، كالمقربكف خبره مرفكع كعلبمة رفعو الكاك، كاستعماؿ اسـ الإشارة لمتفخيـ لأنو مما يناسب الجممة السابقة للبستئناؼ البياني ﴿ كالسابقكف السابقكف﴾ كالتي جاءت مبتدأ ك خبر عمى "مذىب سيبكيو ...كىذا كما تقكؿ الناس الناس كأنت أنت عمى تفخيـ الأمر كتعظيمو"1. ككما لا يخفى البعد الحضكرم لاسـ الإشارة مٌما يضفي جكٌا مف المعايشة لمحدث بتفاعؿ القارئ مع الخطاب القرآني. 3.﴿ ﴾ (الصف:11-11) الاستئناؼ البياني الكارد في ىذه الآية الكريمة ىك قكلو تعالى ﴿ تؤمنكف با﵀ كرسكلو ﴾ ذلؾ أفٌ الآيات السابقة لو فييا مف التشكيؽ الممزكج مف الرىبة مف عذاب أليـ ما فييا فجاء -1البحر المحيط، ج8، ص205
عدد الصفحات ١٧٤الفصل الثــــــالــــــــــث 060 ىذا الاستئناؼ جكابا ناشئا مما قبمو كأنيـ قالكا: كيؼ نعمؿ؟ كماذا نصنع؟ فقيؿ: ﴿تؤمنكف با﵀...﴾ 1. كالخطاب لممؤمنيف الذيف جاءىـ الرسكؿ باليدل كديف الحؽ كرغـ أفٌ الآية كردت بصيغة التكريـ ﴿يا أيٌيا الذيف آمنكا ﴾ إلا أفٌ ا﵀ تعالى أكدىا ب﴿تؤمنكف﴾ كسياؽ الآية يدؿ عمٌا يجيش في صدكر المؤمنيف، فقد نقؿ الطبرم أفٌ قكما قالكا : لك كنا نعمـ أم الأعماؿ أحب إلى ا﵀ ك أفضؿ فنزلت ﴿ يا أيٌيا الذيف آمنكا ىؿ أدلكـ عمى تجارة... ﴾2. ككؿ المؤمنيف حريصكف كلا شؾ عمى الفكز برضكاف ا﵀ تعالى ك النجاة مف عذابو، ك لا ضير فالاستئناؼ البياني مف أغراضو التكضيح كالإجابة كالبياف، فقد نقؿ الطبرم عف بعض التابعيف أنيـ إذا تمك ىذه الآية قالكا: الحمد ﵀ الذم بيٌنيا3. كىك مممح كلا شؾ تكاصمي جاء إجابة عف تساؤؿ في نفكسيـ، كأنما سألكا فأجيبكا إجابة شافية كافية رأكا أنيا حقيقة ب أفٍ ي حمد ا﵀ عمييا. ثـٌ أفٌ ىذا الاستئناؼ ربط ما قبمو بما بعده فقد فسٌر ما قبمو كميٌد لما بعده. كقد جاءت ىذه الجممة المستأنفة بيانيا فعمية مضارعية ، كلكفٌ المضارع فييا بمعنى الأمر، ك يدؿٌ عميو قراءة عبد ا﵀ بف مسعكد (آمًنيكا با﵀ً كىرىسيكلًو كىجىاىًديكا ) 4. 4.﴿ -1ارشاد العقؿ السميـ، أبك السعكد، ج 8، ص245. -2جامع البياف، الطبرم، ج 22، ص607 -3 المصدر نفسو، ص 618. 4 - إعراب القرآف كبيانو، محي الديف الدركيش، ج1، ص 83
عدد الصفحات ١٧٥الفصل الثــــــالــــــــــث 061 ﴾(المائدة:114) كقع الاستئناؼ البياني في قكلو تعالى﴿ تحبسك نيما﴾ "كأنٌو قيؿ بعد اشتراط العدالة فييا فكيؼ نعمؿ إف ارتبنا بيما؟ فقيؿ : تحبسكنيما"1. كالمعمكـ أفٌ علبقة الإنساف بالماؿ كطيدة ككثيرا ما يحدث التنازع بيف الناس حكلو كلا يطمئف إلى الشيادة كحدىا فجاء ىذا الاستئناؼ يجيب عف ىذا التطمٌع البشرم. ك الخطاب لمعشر المؤمنيف الذيف يطبقكف ما يأمرىـ ا﵀ بو، يحمكف حلبلو كيحرمكف حرامو. كقد أستيؿ بقكلو تعالى ﴿يا أيٌيا الذيف آمنكا... ﴾ أما السياؽ الذم نزلت فيو ىذه الآية في ما نقمت كتب التفسير أنيا "نزلت في رجميف تميـ الدارم كعدم بف بدا ء، فقد أخذا جاما مف فضة لر جؿٌ كاف يرافقيما في السفر مات أثناء سفره كباعاه خفية عف أىمو ثـٌ اكتشؼ الأمر، فممٌا أنكر أحدىما رفع الأمر إلى الرسكؿ فنزؿ ىذا الحكـ "2 . كا لى ذلؾ فقد جاء ىذا الاستئناؼ لمبياف أم مبيٌ نا لمحكـ في حالة تعارض مف يشيدكف في قضية ما، فجاء الإيضاح بيذا الاستئناؼ البياني. أمٌا البنية المغكية فقد جاءت مككٌنة مف فعؿ مضارع فاعمو ضمير مستتر كجكبا تقديره أنتـ –أم الذيف آمنكا - كىما ضمير متصؿ مبني في محؿ نصب مفعكؿ بو يعكد عمى الشاىديف. كقد ذىب بعض النحاة إلى إخراج الجممة مف الاستئناؼ إلى الكصؼ ، عمى أنيا صفة لػ"آخراف " 3، غير أفٌ الزمخشرم ييقًرٌ كيميؿ إلى عدِّىا استئنافية لا صفة، كأيَّده في ذلؾ 1-الكشاؼ، الزمخشرم، ج 1، ص688. 2-الكسيط، الطنطاكم، ج 4، ص322 كابف كثير، ج3، ص196 3 - إعراب القرآف، محي الديف الدركيش، ج3، ص 37
عدد الصفحات ١٧٦الفصل الثــــــالــــــــــث 062 أبك حيَّاف، فقاؿ: " كما قالو الزمخشرم مف الاستئناؼ أظير مف الكصؼ لطكؿ الفصؿ بالشرط كالمعطكؼ عميو بيف المكصكؼ كصفتو 1". كيميؿ الباحث إلى أنيا مستأنفة بيانيا بالتعكيؿ عمى المعنى لا عمى المبنى فقط، إذٍ أفٌ كظيفة ىذه الجممة ىي التكضيح كربط ما قبميا بما بعدىا فيي مف آليات التماسؾ النصي، كما أنٌ يا إجابة عمٌا يخطر بباؿ المتمقٌي مف سؤاؿ في التعامؿ مع الشاىد في قضايا الماؿ. 5.﴿ ﴾(آؿ عمراف: 105-107) كقع الاستئناؼ البياني في قكلو تعالى﴿ ىـ فييا خالدكف﴾ كقد جاءت ىذه الآية بعد آيات خاطب ا﵀ فييا المؤمنيف كأمرىـ بالاعتصاـ بحبمو المتيف كذكٌرىـ بنعمو عمييـ ثـٌ ذكر مصير الكفار المخزم كمصير المؤمنيف الفائزيف برحمة ا﵀ "في نعيمو كىي الثكاب المخمِّد "فإف قمت كيؼ مكقع قكلو ﴿ ىـ فييا خالدكف﴾ بعد قكلو ﴿ ففي رحمة ا﵀﴾ قمت: مكقع الاستئناؼ كأنٌو قيؿ: كيؼ يككنكف فييا؟ فقيؿ ىـ فييا خالدكف لا يضعنكف عنيا كلا يمكتكف "2. ك الخطابمكجٌو لممؤمنيف مف الآية ﴿كاعتصمكا بحبؿ ا﵀ جميعا... ﴾...ك يبيٌف الرٌازم الأثر النفسي ليذه الآية فبعد أفٍ ي ؤكد تخريجيا بالاستئناؼ البياني كما سبؽ، يرل أفٌ ىذا 1 - البحر المحيط، أبك حياف الأندلسي، تحقيؽ:عادؿ عبد المكجكد، كآخركف، دار الكتب العممية، بيركت، ط1422ىػ 2001ـ،4 /64 -2الكشاؼ، الزمخشرم، ج 1، ص399.
عدد الصفحات ١٧٧