المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

السكينة هبة ربانية وسنة نبوية

زاهر بن محمد بن سعيد الشهري

صفحة ٢ من ٣

السَّكينة.. هبة ربانية وسنة نبوية .. د. زاهر بن محمد بن سعيد الشهري 07 السَّكينة في الصوم: فقد أمر النبي  بالكف عن الخصومة وقت الصيام، و أمر بالرد على من خاصم ه أن يقول له: (إني صائم)؛ لأن الصيام يربي النفس على حسن الخلق، والحلم والأناة، و تحمل إيذاء الناس، ويعودها على كظم الغيظ ، وسكون الغضب، قال " :إذَا أَصْبَحَ أَحَدُكُمْ يـَوْماً صَائِماً ، فَلاَ يـَرْفُثْ وَلاَ يََْهَلْ، فَإِنِ امْرُؤٌ شَاتَََهُ أَوْ قَاتـَلَهُ، فـَلْيـَقُلْ : إِني ِ صَائِمٌ، إِني ِ صَائِمٌ "( )، فيحفظ الصائم نفسه من أن تـ مضي ما هي قادرة على إمضائه، باستمكانها ممن غاظها، وانتصارها ممن ظلمها ، قال سليمان بن موسى : " إذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك عن الكذب، ودع عنك أذى الخادم، وليكن عليك سكينة ووقار، ولا تعل يوم صومك ويوم فطرك سواء "(3) السَّكينة في الحج: لما دفع النبي  من عرفة وقد شنق للقصواء(2) الزمام، حتى إن رأسها ليصيب مورك رحله، ويقول بيده اليمنى "أَيـُّهَا النَّاسُ، السَّكِينَةَ السَّكِينَةَ " كلما أتى حبلاً من الحبال أرخى لها قليلا، حتى تصعد...(4). ومن حج عرف قيمة هذه الوصية النبوية، فالحج مظنة الزحام ، بل هو زحام؛ زحام أجساد، وزحام سيارات، وزحام أنفاس، مما ي نتج غضباً ، ورفع أصواتٍ في بعض الأحيان، وبعضهم قد منحه الله قوة في بدنه، وصحة في جسمه، فيسرع في مشيه، فيصيب بالأذى كبار السن و الضعاف من غيرهم. ( ) رواه مسلم 3/826 ( 2 .) (3 )الزهد والرقائق لابن المبارك ص 26. (2) هي ناقته، قال أبو عبيدة: القصواء المقطوعة الأذن عرضاً . (4 )انظر: صحيح مسلم 3/886 ( 3 8.)

عدد الصفحات ١٧

السَّكينة.. هبة ربانية وسنة نبوية .. د. زاهر بن محمد بن سعيد الشهري 08 عن ابن عباس قال: إِنمَّ ا ك ان ب دْء الإِْيض اعِ ( ) مِنْ قِب لِ أ هْلِ الْب ادِي ةِ، ك ان وا ي قِف ون ح افـ تي ِ النَّاسِ ح تىَّ يـ ع ل ِق وا الْعِصِيَّ و الجِْع اب (3 )و الْقِع اب، ف إِذ ا نـ ف ر وا، تـ ق عْق ع تْ (2) تِلْك ، فـ نـ ف ر وا باِلنَّاسِ، ق ال : و ل ق دْ ر ئِي ، و إِنَّ ذِفـْر ىْ نا ق تِهِ ل ي م سُّ ح ارِك ه ا(4)، و ه و يـ ق ول بِي دِهِ : "يََ أَيـُّهَا النَّاسُ، عَلَيْكُمْ باِلسَّكِينَةِ، يََ أَيـُّهَا النَّاسُ، عَلَيْكُمْ باِلسَّكِينَةِ "(2). السَّكينة في تشييع الجنازة : ويسن الإسراع بالجنازة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم : " أَسْرِعُوا باِلجِْنَازَةِ، فَإِنْ تَكُ صَالحَِةً فَخَيـْرٌ تـُقَد ِمُونـَهَا، وَإِنْ يَكُ سِوَى ذَلِكَ، فَشَرٌّ تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ "(6)، لكنيكون الإسراع شديدًا، ويكون على حامليها ومشيعيها السَّكينة، ولا يرفعون أصواتهم؛ لا بقراءة ولا غيرها من تهليل وذكر ، أو قولهم : استغفروا له، وما أشبه ذلك؛ لأن هذا بدعة(7). قال ابن تيمية : "قال قيس بن عباد - وهو من كبار التابعين : (كانوا يستحبون خفض الصوت: عند الذكر، وعند القتال، وعند الجنائز )، وكذلك سائر الآثار تقتضي أنهم كانت عليهم السَّكينة، في هذه المواطن، مع امتلاء القلوب بذكر الله، وإجلاله وإكرامه "(8). ( )حمل البعير ونحوه على الإسراع في السير عند الإفاضة . (3) (الجعاب): وهي الكنانة التي تعل فيها السهام، و(القعاب): وهو القدح الضخم الغليظ من الخشب. (2) أي ضرب بعضها بعضاً، فكان منها صوت وصخب ينفر منه الناس والدواب (4) (الذفر): أصل أ ذنها، و(حاركها ): أعلى الكاهل، وهو مجمع الكتفين. (2 )رواه أحمد4/72 (3 92)، وحسن إسناده أحمد شاكر . (6 )رواه البخاري 3/86 ( 2 2)، ومسلم 3/ 62 (944.) (7 )الملخص الفقهي لصالح الفوزان / 2 2. (8 )اقتضاء الصراط المستقيم /228.

عدد الصفحات ١٨

السَّكينة.. هبة ربانية وسنة نبوية .. د. زاهر بن محمد بن سعيد الشهري 09 السكينة في وقت الشدائد والمخاوف إذا تأملت السَّكينة في وقت الشدائد، تد أنها من أقوى عوامل النصر في جميع المعارك؛ يقابل هذا شدة الخوف والرعب في قلوب الأعداء، فهو أقوى أسباب الهزيمة، ولكي نقف على هذه المسألة نأخذ مو قف النبي صلى الله عليه وسلم في هجرته من مكة إلى المدينة النبوية، وفي بعض غزواته. السَّكينة في الهجرة: لما أذن الله  لرسوله  بالهجرة من مكة إلى المدينة النبوية، خرج معه صاحبه وصد ِ يق هذه الأمة أبو بكر الصديق ، فلما بلغا الغار، رأى أبو بكر  أقدام المشركين على باب الغار ، فقال للنبي  :يا رسول الله، لو أن أحدهم نظر إلى قدميه أبصرنا تحت قدميه، فقال  :"يا أ بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما"( )، قال الله  مبيناً هذا ا د ث وما حصل فيه : ﴿ إِلََّ تَنصُُُوهُ خۡرَجَهُ ٱلََِّّينَ كَفَرُواْ ثَانَِّ ٱثۡنَينِۡ إِذۡ هُمَا فِِ َ فَقَدۡ نَصََُهُ ٱللََُّّ إِذۡ أ ٱلۡغَارِ إِذۡ يَقُولُ لِصََٰحِبِهِۦ لََ تََۡزَنۡ إِنَّ ٱللَََّّ يَّدَهُۥ َ نزَلَ ٱللََُّّ سَكِينَتَهُۥ عَلَيۡهِ وَأ َ مَعَنَاۖ فَأ بُِِنُودي لَّمۡ تَرَوۡهَا وَجَعَلَ كََِمَةَ ٱلََِّّينَ كَفَرُواْ ٱلسُّفۡلََٰٰۗ وَكََِمَةُ ٱللََِّّ هَِِ ٱلۡعُلۡيَاۡۗ وَٱللََُّّ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ [التوبة:42 ] (ف أ نز ل ٱللََّّ س كِينـ ت ه ۥ ع ل يۡهِ ) أي أنزل الثبات والطمأنينة ، والسكون المثبة للفؤاد، وهكذا المؤمن في خضم الفتن والبلايا، وعند نزول المحن والرزايا، يحتاج إلى سكينة من الله تعالى مثــب ِ ـــته، وسكينة من الله  للجنان مطم ِنه، وسكينة من الله  للقلب مقـــو ِ يه، وسكينة من الله  بالنصر مبشر ِ ة ﴿ نزَلَ ٱللََُّّ سَكِينَتَهُۥ عَلَيۡهِ َ فَأ يَّدَهُۥ بُِِنُودي َ وَأ لَّمۡ تَرَوۡهَا وَجَعَلَ كََِمَةَ ٱلََِّّينَ كَفَرُواْ ٱلسُّفۡلََٰٰۗ وَكََِمَةُ ٱللََِّّ هَِِ ٱلۡعُلۡيَاۡۗ ( ) رواه مسلم 4 / 824 (328 )

عدد الصفحات ١٩

السَّكينة.. هبة ربانية وسنة نبوية .. د. زاهر بن محمد بن سعيد الشهري 21 وَٱللََُّّ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ [التوبة:42]. قال عبدالرحمن السعدي : "وفيها فضيلة السَّكينة، وأنها من تام نعمة الله على العبد في أوقات الشدائد والمخاوف التي تطيش هاا الأفئدة، وأنها تكون على حسب معرفة العبد بربه، وثقته بوعده الصادق، وبحسب إيمانه وشجاعته"( ). ما أعظم السَّكينة إذا استقرت في القلب وتكنت (نزَلَ ٱللََُّّ سَكِينَتَهُۥ َ فَأ عَلَيۡهِ )، عندها تتطرد الخوف والحزن من القلوب، وتخالط بشاشة الإيمان سويداء الأفئدة، فلا حزن مع الله ، ومن كا ن الله  معه؛ فماله وللحزن، إنما الحزن كل الحزن لمن فاته الله ، فمن حصل له فعلى أي ِ شيء يحزن؟ ومن فاته الله  فبأي ِ شيئ يفرح؟ ترك الصحابة  ديارهم التي فيها ولدوا وتربوا ونشأوا، وخالطت بطحاؤها دماءهم وعروقهم، وتركوا أموالهم ، وخرج بعضهم يحمل جسده وما عليه من ثياب، وبما يوصله إلى مقصده المدينة النبوية، فلم يصبهم الحزن والغم من فقد شيء؛ لأنهم وجدوا حلاوة الإيمان، وأنس السَّكينة، فنسوا كل تعب، وض حوا بكل غال وثمين، وربحوا الإيمان و السَّكينة ﴿ ِي نَفۡسَهُ ٱبۡتِغَآءَ مَرۡضَاتِ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشۡۡ ٱللََِّّْۚ وَٱللََُّّ رَءُوفُُۢ بِٱلۡعِبَادِ ﴾ [البقرة :327]. السَّكينة في الحديبية: كانت غزوة الحديبية في السنة السادسة من الهجرة، قال : ﴿إِنَّا فَتَحۡنَا لَكَ فَتۡح ا مُّبِين ا ١ لَِِۡغۡفِرَ لَكَ ٱللََُّّ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنۢبِكَ وَمَا خَّرَ وَيُتِمَّ نِعۡمَتَهُۥ عَلَيۡكَ وَيَهۡدِيَكَ صِرََٰط ا مُّسۡتَقِيم ا َ تَأ٢ وَيَنصَُُكَ ٱللََُّّ نَصًُۡا عَزِيزًا ٣ نزَلَ ٱلسَّكِينَةَ فِِ قُلُوبِ َ هُوَ ٱلََِّّيٓ أ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ لِيََۡدَادُوٓاْ إِيمََٰن ا مَّعَ إِيمََٰنِهِمۡۡۗ ( ) تيسير الكريم الرحمن 2/329.

عدد الصفحات ٢٠

السَّكينة.. هبة ربانية وسنة نبوية .. د. زاهر بن محمد بن سعيد الشهري 20 رۡضِِۚ وَكََنَ ٱللََُّّ عَلِيمًا حَكِيم ا وَللََِِّّ جُنُودُ ٱلسَّمََٰوََٰتِ وَٱلَۡۡ ﴾ [الفتح: -4]. فمن عوامل النصر إنزال السَّكينة في قلوب المؤمنين، قال الله  :﴿ لِيََۡدَادُوٓاْ رۡضِِۚ وَكََنَ ٱللََُّّ عَلِيمًا حَكِيم ا إِيمََٰن ا مَّعَ إِيمََٰنِهِمۡۡۗ وَللََِِّّ جُنُودُ ٱلسَّمََٰوََٰتِ وَٱلَۡۡ ﴾. و حينما أرسل النبي صلى الله عليه وسلم عثمان بن عفان  يفاوض أهل مكة على أن يسمحوا لهم أن يعتمروا ويطوفوا بالبيت، ثُ يُرجوا عنهم، لكن المشركين رفضوا ذلك، كما قال تعالى : ﴿ إِذۡ جَعَلَ ٱلََِّّينَ كَفَرُواْ فِِ قُلُوبِهِمُ ٱلَۡۡمِيَّةَ حََِيَّةَ ٱلۡجََٰهِلِيَّةِ ...﴾ [الفتح:36] فأنزل  سكينته رسوله والمؤمنين، فقال  :﴿ نزَلَ ٱللََُّّ سَكِينَتَهُۥ عَلَََٰ رَسُولِِِۦ وَعَلََ َ فَألۡزَمَهُمۡ كََِمَةَ ٱلتَّقۡوَىَٰ وَكََنُوٓاْ َ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَأ ِ شََۡءٍ عَلِيم ا هۡلَهَاْۚ وَكََنَ ٱللََُّّ بِكُلِ َ حَقَّ بِهَا وَأ َ أ ﴾ [الفتح:36] ولماقيل بأن عثمان  قد قتل، قال النبي  للصحابة( :بايعوني على الموت) فبايعوه تحت الشجرة في الحديبية عن يقين وطمأنينة، فأنزل الله  السَّكينة عليهم، فقال : ﴿۞لَّقَدۡ رَضَِِ ٱللََُّّ عَنِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ إِذۡ يُبَايِعُونَكَ تََۡتَ ثََٰبَهُمۡ فَتۡح ا قَرِيب ا َ نزَلَ ٱلسَّكِينَةَ عَلَيۡهِمۡ وَأ َ ٱلشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِِ قُلُوبِهِمۡ فَأ ﴾ [الفتح:8]،ففي صلح الحديبية ك انت السَّكينة لها عامل كبير في موقف المؤمنين، وثباتهم أمام قريش عن بكرة أبيها وهم على مشارف الحرم ( ). السَّكينة يوم حنين: لما فتح النبي  مكة، سمع أن هوازن اجتمعوا لحربه، فسار إليهم  في أصحابه الذين فتحوا مكة، وممن أسلم من الطلقاء أهل مكة، فكانوا اثني عشر ألفاً ، والمشركون أربعة آلاف، فأ عجب بعض المسلمين بكثرتهم، وقال بعضهم: لن نغل ب اليوم من قلة. ( ) باختصار من دروس الهجرة لعطيه محمد سالم .

عدد الصفحات ٢١

السَّكينة.. هبة ربانية وسنة نبوية .. د. زاهر بن محمد بن سعيد الشهري 22 فلما التقوا هم وهوازن، حملوا على المسلمين حملة واحدة، فانهزموا لا يلوي أحد على أحد، ولم يبق مع رسول الله ، إلا نحو مائة رجل، ثبتوا معه، وجعلوا يقاتلون المشركين، وجعل النبي  يــــر ِ كض بغلته نحو المشركين ويقول: "أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب". ولما رأى من المسلمين ما رأى، أمر العباس بن عبد المطلب أن ينادي في الأنصار وبقية المسلمين، وكان رفيع الصوت، فناداهم: يا أصحاب السمرة، يا أهل سورة البقرة ، فلما سمعوا صوته، عطفوا عطفة رجل واحد، فاجتلدوا مع المشركين، فهزم الله المشركين هزيمة شنيعة( )، قال الله  :﴿ لَقَدۡ نَصََُكُمُ ٱللََُّّ فِِ مَوَاطِنَ كَثِيرَةي عۡجَبَتۡكُمۡ َ وَيَوۡمَ حُنَينٍۡ إِذۡ أ كَثَۡۡتُكُمۡ فَلَمۡ تُغۡنِ عَنكُمۡ شَيۡ ا وَضَاقَتۡ عَلَيۡكُمُ رۡضُ بِمَا رَحُبَتۡ ثُمَّ وَلَّۡۡتُم مُّدۡبِرِينَ ٱلَۡۡ ﴾ [التوبة:32 ] إنفي هذه الآية تنبيه على خطر الع جْ ب، وأنه سبب للهزائم والضعف والخور، بل قد يكون محبطاً للأعمال الصالحة، ولما أعجب المسلمون بكثرتهم في يوم حنين لم تغن عنهم من الله شيئاً . وفي هذا درس عظيم وعبرة ألا يغتر عبد بما يملكه من مقومات في ال ع دد أو الع دد، فالنصر من عند الله ،و﴿ كَم مِِن فِئَةي قَلِيلَةٍ غَلَبَتۡ فِئَة كَثِيرَةَُۢ بِإِذۡنِ ٱ للََِّّۡۗ وَٱللََُّّ مَعَ ٱلصََّٰبِِِينَ ﴾ [البقرة :349]. والنصرإنما هو في ميادين القلوب قبل ميادين الحروب، فمتى نصرنا الله  بإقامة شرعه ، واتباع سنة نبيه ، نصرنا الله وثبتنا، ومكَّ ن لنا، وأنزل السَّكينة في قلوبنا ﴿ نزَلَ جُنُود َ نزَلَ ٱللََُّّ سَكِينَتَهُۥ عَلَََٰ رَسُولِِِۦ وَعَلََ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَأ َ ثُمَّ أ ا لَّمۡ ( ) انظر: مسند الإمام أحمد 2/396 ( 772)

عدد الصفحات ٢٢

السَّكينة.. هبة ربانية وسنة نبوية .. د. زاهر بن محمد بن سعيد الشهري 23 تَرَوۡهَا وَعَذِنَّبَ ٱلََِّّينَ كَفَرُواْْۚ وَذََٰلِكَ جَزَآءُ ٱلۡكََٰفِرِينَ ﴾ [التوبة:36 ] والسَّكينة هي أقوى عوامل النصر، والرعب والهلع هو أشد عوامل الهزيمة . قال ابن تيمية : "وكان المسلمون على عهد نبيهم، وبعده، لا يعرفون وقت الحرب إلا السَّكينة وذكر الله سبحانه"( ). ( ) اقتضاء الصراط المستقيم /228.

عدد الصفحات ٢٣

السَّكينة.. هبة ربانية وسنة نبوية .. د. زاهر بن محمد بن سعيد الشهري 24 السكينة في الحركة و المشي قال الله : ﴿ وَعِبَادُ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلََِّّينَ يَمۡشُونَ رۡضِ هَوۡن عَلََ ٱلَۡۡ ا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ ٱلۡجََٰهِلُونَ قَالُواْ سَلََٰم ا ﴾ [الفرقان :62 ] قال ابن جرير الطبري : "يقول تعالى ذكره : (وَعِبَادُ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلََِّّينَ يَمۡشُونَ رۡضِ هَوۡن عَلََ ٱلَۡۡ ا) بالحلم و السَّكينة والوقار، غير مستكبرين، ولا متجبرين، ولا ساعين فيها بالفساد ومعاصي الله"( ). و قوله تعالى: (يَمۡشُونَ رۡضِ عَلََ ٱلَۡۡ ) أي: حلماء متواضعين، يمشون في اقتصاد، وتؤدة وحسن سمت. وكل ذلك من أخلاق النبوة، فقد جاء في صفته  أنه كان إذا مشى تقلَّ ع، أي: رفع الر ِ جل بقوة، كأنما ينحط من ص ب بٍ (3)، ويمشي ه وناً ، ذريع المشية إذا مشى، أي: واسع الخ طا، كان يرفع في مشيه رجله بسرعة ، ويمد خطوه، خلاف مشية المختال، وكل ذلك بسكينة و رفق وتثبت دون عجلة. قال الزهري : سرعة المشي ت ذهب هااء الوجه . قال ابن عطية : يريد الإسراع الحثيث لأنه يُل بالوقار، والخير في التوسط. و لا ت ْشِ فـ وْق الأْ رْضِ إِلاَّ تـ و اض عًا ... ف ك مْ تح ْتـ ه ا ق ــــــوْمٌ ه ـــــــــمْ مِنْك أ رْف ـــع و إِنْ ك نْت فيِ عِ ـــــز ٍ و حِ ــــرْزٍ و م نـ ع ـــةٍ ... ف ك مْ م ات مِنْ قـ وْمٍ ه مْ مِنْك أ مْن ع ومن السَّكينة في المشي : السَّ كينة في قيادة السيارة، فلا يؤذي الآخرين، ولا يلقي بنفسه في الهلكه ؛ بسبب السرعة الزائدة، والاضطراب في القيادة . ( ) جامع البيان للطبري 9/392. (3 )انظر: جامع الترمذي 2/299 (2628.)

عدد الصفحات ٢٤

السَّكينة.. هبة ربانية وسنة نبوية .. د. زاهر بن محمد بن سعيد الشهري 25 السكينة في السكن (البيت) لما خلق الله  آدم وزوجه حواء، أسكنهما دار السَّكينة والسلام (الجنة) ، ثُ هبطا منها إلى دار الدنيا، ومعهما السَّكينة ﴿ هُوَ ٱلََِّّي خَلَقَكُم مِِن نَّفۡسي وََٰحِدَةي وَجَعَلَ مِنۡهَا زَوۡجَهَا لِيَسۡكُنَ إِلَۡۡهَاۖ ...﴾ [الأعراف :89 ] والزواج آية من آيات، حيث خلق الذكر والأنثى ، وجعلهم أزواجاً، وجعل بينهم مودة ورحمه، وجعل البيت مأوى وسكناً ، قال الله : ﴿ وَمِنۡ زۡوََٰج َ نفُسِكُمۡ أ َ نۡ خَلَقَ لَكُم مِِنۡ أ َ ءَايََٰتِهِۦٓ أ ا لِِتَسۡكُنُوٓاْ إِلَۡۡهَا وَجَعَلَ بَيۡنَكُم مَّوَدَّة وَرَحََۡةًْۚ إِنَّ فِِ ذََٰلِكَ لَأٓيََٰتي لِِقَوۡمي يَتَفَكَّرُونَ ﴾ [الروم:3 ]. وموضع سكن الزوجين (البيت)، و يطلق عليه (السكن) ﴿ سۡكِنُوهُنَّ مِنۡ َ أ حَيۡثُ سَكَنتُم ...﴾ [الطلاق:6]،وهو مشتق من السَّكينة. إن البيت المسلم يحتاج إلى السَّكينة ضرورة واختياراً ، فأما ضرورة فبجعل السَّكينة نواة تأسيسه، وركيزة إقامته. وأما اختياراً فيكون بتربية أفراده على السَّكينة والسكون في القول والفعل، وأن يكون كل ما في البيت معيناً على تحقيقها. إن السَّكينة ليست خمولاً وكسلاً ، بل هي نشاطٌ وحيويه، وجدٌ ومثابره، وعملٌ واجتهاد، وكل ذلك في هدوء وسكينة . إن رفع الأصوات والصراخ ؛ ي ناقض السَّكينة.. إن كثرة المشاكل بين الزوجين وافتعالها أحياناً ؛ يُ الف السَّكينة، وي قو ِ ض خيامها.. إن خلو البيت من العبادة وقراءة القرآن والذكر؛ يطرد السَّكينة..

عدد الصفحات ٢٥

السَّكينة.. هبة ربانية وسنة نبوية .. د. زاهر بن محمد بن سعيد الشهري 26 إنانفراد أفراد الأسرة بأكل وشرب ؛ يُ الف مبدأ السَّكينة والسكن، ولذا حث النبي  على الاجتماع على الطعام .. إن انعزال الأبناء والبنات في غرفهم ، أو انعزال عقولهم بأجهزتهم مع حضور أجسادهم؛ ي ضعف السَّكينة، وي ولد الوحشة والقلق، وي غذ ِ ي حبَّ الذات.. إن السَّكينة في البيت: كلمةٌ طيبةٌ ، وفعلٌ حسنٌ ، ويدٌ حانيةٌ ، وملمسٌ دافيء، ونظرةٌ مشفقة.. إن السَّكينة في البيت: خفضٌ للج ناح، ورفعٌ للج ناح، عفوٌ وصفح، خدمةٌ ومساعدة، فعل معروفٍ ، وكف أذى، وبذل ندى.. فالسَّ كينة السَّ كينة أيها الأزواج.. فالزواج مبني على المودة والسكن، ولا يتحقق هذا الوصف إلا في وجود السَّكينة في التعامل، و السَّكينة في المعاشرة، و السَّكينة في القول ولحن الـم قال، و في لحظ البصر والـم قل. و لن تنزل السَّكينة إلا إذا كان الزوج والزوجة كما يحب الله  ويرضى .

عدد الصفحات ٢٦

السَّكينة.. هبة ربانية وسنة نبوية .. د. زاهر بن محمد بن سعيد الشهري 27 السكينة في الَوطان ﴿ مَرۡنَا مُتََۡفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا َ ن نُّهۡلِكَ قَرۡيَةً أ َ رَدۡنَآ أ َ وَإِذَآ أفَحَقَّ عَلَيۡهَا ٱلۡقَوۡلُ فَدَمَّرۡنََٰهَا تَدۡمِير ا ﴾ [الإسراء :6] إنانتشار المعاصي الفواحش؛ مؤذن برحيل السَّكينة والطمأنينة، وحلول ضدها من الاضطراب والفوضى ، وتسليط الجبابرة والعتاه ﴿ وَضَََبَ ٱ للََُّّ مَثَل قَرۡيَة كََنَتۡ ءَامِنَة مُّطۡمَئِنَّة تِيهَا رِزۡقُهَا رَغَد ۡ يَأا مِِن ِ مَكََني كُِ نۡعُمِ ٱ َ فَكَفَرَتۡ بِأ للََِّّ ذََٰقَهَا ٱللََُّّ لَِِاسَ ٱلُۡۡوعِ وَٱلَۡۡوۡفِ بِمَا كََنُواْ يَصۡنَعُونَ َ فَأ﴾ [النحل:3] قال أبو عبيد البكري الأندلسي (ت: 487هـ) حاكياً حال أقوام سالفين: "ثُ تنب أ فيهم ...، فكان فيهم ما شاء الله أن يكون، ثُ قبضه إليه فكثرت فيهم الخطايا والفواحش، وسل ط عليهم الجبابرة، فأُ خذت عنهم السَّكينة... فمات ملكهم كمداً لذلك، ولم يزالوا مقهورين ..."( ). ومن السَّكينة في البلاد؛ اجتماع الناس على إمام واحد ، إليه تسكن النفوس، وبه تزول الفوضى والاضطراب ، فعن زياد بن علاقة قال: سمعت جرير بن عبد الله  قام يُطب يوم توفي المغيرة بن شعبة  - وكان أميراً على الكوفة- فقال: "عليكم باتقاء الله ، والوقار و السَّكينة، حتى يأتيكم أمير، فإنما يأتيكم الآن"(3) وقد نهى النبي  عن الخروج على ولاة الأمر، لما في ذلك من المفاسد والشرور، ف عن عرفجة الأشجعي  قال: سمعت رسول الله  يقول: " إِنَّهُ سَتَكُونُ هَنَاتٌ وَهَنَاتٌ، فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يـُفَر ِقَ أَمْرَ هَذِهِ الَُْمَّةِ وَهِيَ جََِيعٌ، ( ) المسالك والممالك / 34. (3 )رواه أحمد2 /489 ( 9 23.)

عدد الصفحات ٢٧

السَّكينة.. هبة ربانية وسنة نبوية .. د. زاهر بن محمد بن سعيد الشهري 28 فَاضْرِبُوهُ باِلسَّيْفِ كَائِنًا مَنْ كَانَ "( ) وفي رواية للنسائي(3)،قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر يُطب الناس، فقال: "إِنَّهُ سَيَكُونُ بـَعْدِي هَنَاتٌ وَهَنَاتٌ، فَمَنْ رَأَيـْتُمُوهُ فَارَقَ الجَْمَاعَةَ، أَوْ يُرِيدُ يـُفَر ِقُ أَمْرَ أُمَّةِ محَُمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَائِنًا مَنْ كَانَ فَاقـْتـُلُوهُ، فَإِنَّ يَدَ اللََِّّ عَلَى الجَْمَاعَةِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ مَنْ فَارَقَ الجَْمَاعَةَ يـَرْكُضُ ". قال ابن الأثير : "(هَنَاتٌ ): جمع ه ن ة، وهي الخصلة من الشَّر، ولا تقال في الخير. (يد الله على الجماعة): أي سكينته ورحمته مع القوم المتفقين المجتمعين . (فإذا تفرقوا واختلفوا): أزال السَّكينة عنهم وأوقع بأسهم بينهم"(2). سئل الحسن البصري عن قتال الحجاج بعد أن ذكروا له ظلمه، وسفكه للدماء، وأخذه للأموال، فقال: "أرى أن لا تقاتلوه ، فإنها إن تكن عقوبة من الله؛ فما أنتم برادي عقوبة الله بأسيافكم، وإن يكن بلاء ؛ فاصبروا حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين"، و خطب في الناس فقال: "ياأيها الناس إنه والله ما سلط الله الحجاج عليكم إلا عقوبة، فلا تعارضوا عقوبة الله بالسيف، ولكن عليكم السَّكينة والتضرع "(4). ( )رواه مسلم2 / 479 ( 823.) (3 )7/93 (4232.) (2 )جامع الأصول2/2 (7487.) (4 )الطبقات لابن سعد7/ 32.

عدد الصفحات ٢٨

السَّكينة.. هبة ربانية وسنة نبوية .. د. زاهر بن محمد بن سعيد الشهري 29 السكينة في الَماكن العامة منفعة الأماكن العامة مشتركة بين جميع الناس، لذا وجب على من يرتادها ويغشاها أن يلزم السَّكينة، ويتحلى بالوقار، فيستعمل مرافقها بأدب، ويُاطب من فيها بإحترام، وبأحسن الكلام، وقد أوصى النبي  من جلس في الطرقات أن يعطيها حقها فقال  :"إِياَّك مْ و الج ل وس ع ل ى الطُّر ق اتِ "، فـ ق ال وا: م ا ل ن ا ب دٌّ، إِنمَّ ا هِي مج الِس ن ا نـ ت ح دَّث فِيه ا، ق ال : "ف إِذ ا أ بـ يـْت مْ إِلاَّ الم ج الِس ، ف أ عْط وا الطَّرِيق ح قَّه ا "، ق ال وا: و م ا ح قُّ الطَّرِيقِ؟ ق ال : "غَضُّ البَصَرِ، وَكَفُّ الََذَى، وَرَدُّ السَّلاَمِ، وَأَمْرٌ باِلْمَعْرُوفِ، وَنـَهْيٌ عَنِ المُنْكَرِ "( ). فليس من السَّكينة والأدب رفع الصوت في الأماكن العامة ، فضلاً عن الأصوات النشاز التي تنادي على صاحبها بسوء الخِلال: ﴿ وَٱقۡصِدۡ فِِ مَشۡيِكَ صۡوََٰتِ لَصَوۡتُ ٱلَۡۡمِيرِ نكَرَ ٱلَۡۡ َ وَٱغۡضُضۡ مِن صَوۡتِكَْۚ إِنَّ أ ﴾ [لقمان:9]. ومنالسَّكينة: السَّكينة في الأسواق: فالأسواق مظنة الأصوات العالية، وفيها حركة مستمرة دائمة، وهذه طبيعتها ووصفها، ومن وصف النبي  أنه لم يكن سخاباً بالأسواق، فعن عبد الله بن عمرو : "أ نَّ ه ذِهِ الآي ة الَّتيِ فيِ الق رْآنِ : ﴿يُّهَا َ يََٰٓأ رۡسَلۡنََٰكَ شََٰهِد َ ٱلنَّبُِِّ إِنَّآ أ ا وَمُبَشِِۡ ا وَنَذِنِير ا﴾ [الأحزاب :42]، ق ال فيِ التـَّوْر اةِ : يا أ يـُّه ا النَّبيُِّ إِناَّ أ رْس لْن اك ش اهِدًا و م ب ش ِرًا و حِرْزًا لِلأْ م ِي ِين ، أ نْت ع بْدِي و ر س وليِ، سم َّيـْت ك الم تـ و ك ِل ، لَيْسَ بِفَظ ٍ وَلاَ غَلِيظٍ، وَلاَ سَخَّابٍ باِلََسْوَاقِ، و لا ي دْف ع السَّي ِئ ة باِلسَّي ِئ ةِ، و ل كِنْ يـ عْف و و ي صْف ح "(3) ( )رواه البخاري 2/ 23 (3462.) (3 )رواه البخاري 6/ 22 (4828.)

عدد الصفحات ٢٩

السَّكينة.. هبة ربانية وسنة نبوية .. د. زاهر بن محمد بن سعيد الشهري 31 السكينة عند الغضب الغضب مثير للنفس، ومحرك لنوازعها ، ومهيج للجوارح، يغير صفات الإنسان ، و يُر جه من حال الانتظام، إلى الاضطراب ، فتشتد رِعدة الأطراف، و يظهر الزبد على الأشداق، وتشتد حمرة الأحداق، وتنقلب المناخر، و يتخبط نظمه، ويضطرب لفظه، ويستحيل اللسان انطلاقاً بالقبائح من الشتم والفحش وغيرهما. وتبدأ الأعضاء با لضرب فما فوقه، إلى القتل عند التمكن، فإن عجز عن التشفي، رجع غضبه عليه فمزق ثوبه، وضرب نفسه وغيره، حتى لا يسلم منه حيوان ولا جماد ، وأما قلب الغضبان فقد امتلأ على المغضوب عليه حقداً وكمداً، فأظهر الشماتة بمساءته، والحزن بسروره، والعزم على إفش اء سره، وهتك ستره، و الاستهزاء به، وغيرها من القبائح . و الغضبان لا يسمع الصوت، وإن سمع فهو لا يستطيع أن يميزه بسبب الغضب، وكل عند الغضب له مما ذكر من الصفات نصيب . ولذا يحتاج الغضبان إلى ما يعيده إلى صوابه، وسابق حاله، يحتاج إلى سكون في جوارحه، وهدوء في روحه وجنانه ، ولذا أمر الله بالاستعاذة به  من الشيطان الرجيم، فقال : ﴿ وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيۡطََٰنِ نَزۡغ فَٱسۡتَعِذِنۡ بِٱ للََِّّْۚ إِنَّهُۥ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ [الأعراف:322]، و أوصى النبي  الغضبان بأن يستعيذ  من الشيطان الرجيم ، فعن عدي بن ثابت قال: سمعت سليمان بن ص ردٍ قال: اسْت بَّ ر ج لا نِ عِنْد النَّبيِ ِ ، فـ غ ضِب أ ح د هم ا، ف اشْت دَّ غ ض ب ه ح تىَّ انـْتـ ف خ و جْه ه و تـ غ يـَّر : فـ ق ال النَّبيُِّ : "إِني ِ لَََعْلَمُ كَلِمَةً، لَوْ قَالهََا لَذَهَبَ عَنْهُ الَّذِي يََِدُ " ف انْط ل ق إِل يْهِ

عدد الصفحات ٣٠

السَّكينة.. هبة ربانية وسنة نبوية .. د. زاهر بن محمد بن سعيد الشهري 30 الرَّج ل ف أ خْبـ ر ه بِق وْلِ النَّبيِ ِ  و ق ال: "تـَعَوَّذْ باِللََِّّ مِنَ الشَّيْطَانِ " فـ ق ال : أ تـ ر ى بيِ بأ ْسٌ، أ مج ْن ونٌ أ نا ، اذْه بْ ( ). و أمر النبي  من كان قائماً أن يجلس، ومن كان قاعداً أن يضطجع، فعن أبي ذر  أن رسول  قال لنا: "إذا غضب أحدكُم وهو قائِمٌ فليجلِسْ، فإن ذهبَ عنه الغضَبُ، وإلا فلَيْضطَجِع "(3)،و أمر الغضبان بأن يتوضأ، قال رسول الله  :"إِنَّ الْغَضَبَ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَإِنَّ الشَّيْطَانَ خُلِقَ مِنَ النَّارِ، وَإِنَََّّا تُطْفَأُ النَّارُ باِلْمَاءِ، فَإِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ فـَلْيـَتـَوَضَّأْ "(2). وكل هذا من شأنه أن يزيل حرارة الغضب وغليانه، فتنتقل نفس الغضبان من حال الاضطراب والحركة ، وطلب البطش والانتقام ، إلى حال السكون والدعة ، ورجحان العقل ، عن أبي هريرة  أن رجلاً قال للنبي  :أوصني، قال: "لا تغضب" فردد مراراً ، قال: "لا تغضب"(4)،فسكون الغضب يكون بالسكينة وبالسكوت، ولذا يقال في الأمثال: (سكن غضبه). قال الله تعالى عن موسى : ﴿ خَذِنَ َ وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسََ ٱلۡغَضَبُ أ لۡوَاحَۖ وَفِِ نُسۡخَتِهَا هُد ٱلَۡۡ ى وَرَحََۡة لِِلََِّّينَ هُمۡ لِرَبِِهِمۡ يَرۡهَبُونَ ﴾ [الأعراف :24]، (وَلَمَّا سَكَتَ ) أي: لما كف موسى عن الغضب وسكن(2). ( )رواه البخاري 8/ 2 (6248)، ومسلم4 /32 2 (36 2.) (3 )رواه أبو داود7/ 63 (4783.) (2 )رواه أحمد39/222 ( 7982.) (4 )رواه البخاري 8/38 (6 6.) (2 )انظر: جامع البيان للطبري 2/466،2/249.

عدد الصفحات ٣١

السَّكينة.. هبة ربانية وسنة نبوية .. د. زاهر بن محمد بن سعيد الشهري 32 السكينة و الليل جعل الله  الليل سكناً ﴿ ِصۡبَاحِ وَجَعَلَ ٱلَّۡۡلَ سَكَن فَالِقُ ٱلۡۡ ا وَٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ حُسۡبَان اْۚ ذََٰلِكَ تَقۡدِيرُ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡعَلِيمِ ﴾ [الأنعام:96 ] فالليل تسكنفيه النفس، وتطمئن فيه الروح، وتهدأ فيه الحركة، فما أجمل الليل تزينه نجوم السماء، وتغشاه السَّكينة، فلا تكاد تسمع همساً . في ظلمة الليل تد السَّكينة طريقها للقلب، فيتصل بالملأ الأعلى ؛ في صلاة وقيام، وذكر وقراءة قرآن، وعندها تتنزل السَّكينة والملائكة. في الليل صفاء ذهن، وحضور قلب، وفي آخره سحر وسكينة، فاطلب لقلبك السَّكينة في المواضع التي تد فيها اجتماع قلبك، وقوة إيمانك، واندفاع الوسواس عنك، ومزيد النور والهدى و السَّكينة.

عدد الصفحات ٣٢