السكِــــــيْــنَـــة هِبَةٌ رَبــَّـــانِــيــةٌ .. وسُـــنـَــةٌ نـــَـبـَــويـــةٌ تأليف د. زَاهِــــر بن محـمَّـد بن سَعيْد الش ِهري غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين
عدد الصفحات ١السَّكينة.. هبة ربانية وسنة نبوية .. د. زاهر بن محمد بن سعيد الشهري 2 مـقـدمـــة: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.. وبعد: في عالم متغير مليء بالحركة والاضطراب، وبالنَّ صب والصخب، في الشارع و في البيت، في السيارة و في العمل، بل حتى في الرحلات وأوقات الاستجمام والراحة ؛ لم ينفك بعضهم من صخب وقلق واضطراب . "إن العصر الذي نعيشه هو عصر [زاد فيه ]القلق والاضطراب، ومن الحقائق المذهلة والثابتة معاً أن [بعض]أسرة المستشفيات يشغله أناس مرضى بالإرهاق العصبي الذي منشأوه القلق. وإن الخبراء ... يشكون من مرارة الكفاح الدائر في ... الحصول على المال والمكاثرة به، فالأفراد والجماعات منطلقون في سباق رهيب لإحراز أكبر حظ مستطاع من حطام الدنيا، وقواهم البدنية والنفسية تدور كالآلة الدائبة وراء هذه الغاية، وقد احتشدت فيها جميع الخصائص الإنسانية الدنيا والعليا، إلا أن الآلات قد ي قط ر عليها م ن الزيت ما يرطب حدة الاحتكاك في حركتها، ويمنع الش ر ر المتولد من إحراقها، أما أعصاب الناس في عراك المادة الرهيب فكثيراً ما تفقد هذا العنصر الملطف، وت ضي مستثارة يستبد هاا القلق والضيق ، حتى تشتعل فتأتي على الأخضر واليابس"( ). وقد كان الصينيون الأقوياء في زمن قديم إذا أرادوا تعذيب أعدائهم، قيدوهم ووضعوهم تحت حنيفة من الماء؛ فتقطر على رؤ و سهم قطرة قطرة، فإذا مرَّ وقت ( ) جدد حياتك، محمد الغزالي ص 23.
عدد الصفحات ٢السَّكينة.. هبة ربانية وسنة نبوية .. د. زاهر بن محمد بن سعيد الشهري 3 على حالها هذا، فإنها تصبح كالمعاول، وتدفع هام إلى غياهب الجنون . وإن حال الإنسان في هذا الزمان ، شبيه بحال هؤلاء الأسرى ، الذين يتساقط عليهم القلق والهموم والاضطراب من كل مكان ، فدفع البعض إلى حالة تشبه الجنون. ولذا فقد نادى العقلاء المدركون لخطر الحال والمآل إلى رفع شعار (القوة في السرور) أو (دع القلق وا بدأ الحياة). والمسلم حري به أن يرفع شعار (السَّ كينة)، فهي هبة ربانية، وكلمة قرآنية، وسنة نبوية، ارتبط ورودها في القرآن الكريم والسنة النبوية بأمور جليلة، ومواقف عظيمة، وشدائد متنوعة، من تأمل مواضع ورودها، وأعمل ها في حياته ؛ أحس بالعافية والطمأنينة. فدونك إشارات في كلمات عن السَّكينة، ليست وليدة لحظ ة، أو تأليف جِلسة، بل هي معايشة وممارسة واقعية، و ذلك أصدق في نقل التجرب ة، وأعدل في حكاية الموقظة. إنها كلمات مختصرة ، ت مع المتفرق، وتنظم المتناثر؛ لتعلم أهمية السَّكينة، وعظم حث الشريعة عليها، ولتفتح لك – بإذن الله - أبواباً ونماذج كثيرة على السَّكينة؛ لعلك تد فيها ما يعيد إلى نفسك سكونها واطمئنانها، ويلم ما تفرق من شعثها، ويجمع شتات قلبك وروحك . كتبه د. ز اهِــــر بن محـمَّـد بن س عيْد الش ِهري في وقت حظر التجوال بسبب وباء (فيروس كورونا ) من عام 44 هـ zamohsa@hotmail.com توي@ zaher 422
عدد الصفحات ٣السَّكينة.. هبة ربانية وسنة نبوية .. د. زاهر بن محمد بن سعيد الشهري 4 معاني السَّكينة ومرادفاتها معاني السَّكينة: يدور تعريف (السَّكينة) على الطمأنينة، والثبات، والقرار، والحركة المحمودة ( ). قال ابن عاشور : " و السَّكينة: اطمئنان النفس عند الأحوال المخوفة، مشتقة من السكون"(3)،وقال عبدالرحمن بن سعدي : "و السَّكينة ما يجعله الله في القلوب وقت القلاقل والزلازل والمفظعات، مما يثبتها، ويسكنها ويجعلها مطمئنة، وهي من نعم الله العظيمة على العباد"(2). مرادفاتالسَّكينة: الوقار، والرحمة، واله ون، والحلم، من الألفاظ المرادفة للسكينة، وقد ي ظن أن معناها واحداً ، بينما عند التأمل نجد بينه ا اختلافاً من جهة المعنى، ومن جهة المتعلق، ومن جهة المحل القائمة به، فهي من سبيل المرادف المكافيء لا المرادف اللفظي. وذلك أن السَّكينة هي حالة تقوم بالقلب، وتكون أحياناً في حال الشدة والحزن وبعد الألم . وأما الوقار فهو هيئة تقوم بالبدن، وتظهر آثاره على الجوارح، فالسَّكينة أمر نفسي داخلي، والوقار أمر بدني ظاهري، ف الوقار يعكس ما في القلب من سكينة، والسكينة ت ظهر آثارها وقاراً على الجوارح، فهما متلازمان (4 ). ( )انظر: مقاييس اللغة لابن فارس 2/88. (3 )التحرير والتنوير6/392 . (2 )تفسير الكريم الرحمن 2/3 6. (4 )انظر: فيض القدير للمناوي /278.
عدد الصفحات ٤السَّكينة.. هبة ربانية وسنة نبوية .. د. زاهر بن محمد بن سعيد الشهري 5 وأماالرحمة والهَون والحلم فهي صفات متعلقة بأحوال النفس، فالرحمة رقة وعطف يبعث على الإحسان للمخلوقات، والحلم صفة تبعث على الأناة وعدم العجلة، ولها ارتباط بالرحمة من جهة أنه ثمرة من ثمراتها، وناتج من نتائجها . وأما الهَون فهي حالة تقوم بالبدن من الثبات في الحركة، كما قال تعالى : ﴿ وَعِبَادُ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلََِّّينَ يَمۡشُونَ رۡضِ هَوۡن عَلََ ٱلَۡۡ ا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ ٱلۡجََٰهِلُونَ قَالُواْ سَلََٰم ا ﴾ [الفرقان :62]. وعلى كل حال فالمؤمن مطلوب منه الرحمة، والرأفة، والأناة، والحلم، واله ون، والسكينة.
عدد الصفحات ٥السَّكينة.. هبة ربانية وسنة نبوية .. د. زاهر بن محمد بن سعيد الشهري 6 حقيقة السكينة اخت لف في حقيقة السَّكينة، هل هي قائمة بنفسها أو هي أمر معنوي، على قولين: القول الأول: أنها قائمة بنفسها. واختلف أصحاب هذا القول في ماهيتها على أقوال( )، أقرهاا أنها ملك من الملائكة، قال علي بن أبي طالب ":إذا ذكر الصالحون فحيهلا بعمر، مما كنا نبعد أصحاب محمد أن السَّكينة تنطق على لسان عمر "قال ابن الأث معلقاً "السَّكينة هنا ملك"(3). ومما يدل على هذاحديث البراء بن عازب قال: كان رجل يقرأ سورة الكهف، وإلى جانبه حصان مربوط بِش ط نـ ينِْ ، فتغشته سحابة، فجعلت تدنو وتدنو وجعل فرسه ينفر، فلما أصبح أتى النبيَّ فذكر ذلك له فقال: "تلك السَّكينة تنزلت بالقرآن"(2) القول الثا: أن السَّكينة معنى من المعاني التي تقوم بالنفس، وهذا ما عليه كثير من العلماء، بل جلهم، ويدل لذلك الآيات من كتاب الله ، والأحاديث من سنة النبي ،ويدل عليه تعريفها الاصطلاحي واللغوي ، قال ابن حجر العسقلاني جامعاً بين القولين السابقين: "والذي يظهر أنها مقولة بالاشتراك على هذه المعاني، فيحمل كل موضع وردت فيه على ما يليق به"(4). ( )انظر: فتح الباري لابن حجر 9/72. (3 )انظر: الحبائك في أخبار الملائك للسيوطي /32. (2 )رواه البخاري 6/ 88 (22 )، ومسلم / 247 (792.) (4 )فتح الباري 9/72.
عدد الصفحات ٦السَّكينة.. هبة ربانية وسنة نبوية .. د. زاهر بن محمد بن سعيد الشهري 7 وقال النووي : "قد قيل في معنى السَّكينة هنا أشياء، المختار منها: أنها شيء من مخلوقات الله تعالى؛ فيه طمأنينة، ورحمة ، ومعه الملائكة، والله أعلم"( ). ومما لاشك فيه أن الملائكة تنزل على المؤمنين بالثبات، الذي هو من السَّكينة، بل هو السَّكينة قال الله : ﴿ ِ مَعَكُمۡ فَثَبِِتُواْ نِّ َ إِذۡ يُوحِِ رَبُّكَ إِلََ ٱلۡمَلََٰٓئِكَةِ أ ٱلََِّّينَ ءَامَنُواْْۚ ...﴾ [الأنفال:3]،وقال : ﴿۞لَّقَدۡ رَضَِِ ٱللََُّّ عَنِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ إِذۡ ثََٰبَهُمۡ َ نزَلَ ٱلسَّكِينَةَ عَلَيۡهِمۡ وَأ َ يُبَايِعُونَكَ تََۡتَ ٱلشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِِ قُلُوبِهِمۡ فَأ فَتۡح ا قَرِيب ا ﴾ [الفتح:8]. ( )شرح صحيح مسلم 6/ 7.
عدد الصفحات ٧السَّكينة.. هبة ربانية وسنة نبوية .. د. زاهر بن محمد بن سعيد الشهري 8 السكينة فطرية أو مكتسبة ؟ من الأخلاق والخِ لال ما هو جبلة في العبد، ويزداد اتصافه به بكثرة ممارسته له، وتخلقه به، وبعض الأخلاق و الخِ لال مكتسب، يحتاج إلى ممارسة ، ونقل من العوائد، وقطع للعلائق والعوائق؛ ليتقلَّ د علا المكاسب والأخلاق. وقد أشار ابن القيم إلى أن السَّكينة من منازل المواهب، لا من منازل المكاسب، فقال: "هي موهبة من الله تعالى، ليست بسببية، ولا كسبية "( ). وكلام ه محمول على أصل السَّكينة، وأنها منزلة من الله كما جاء الآيات، وهذا النوع غير مقدور عليه من قبل العبد، لكن الله يجعله في القلب ، كما قال تعالى: ﴿ نزَلَ ٱلسَّكِينَةَ فِِ قُلُوبِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ لِيََۡدَادُوٓاْ إِيمََٰن ا َ هُوَ ٱلََِّّيٓ أ مَّعَ إِيمََٰنِهِمۡۡۗ ...﴾ [الفتح:4 ] ومثل هذهالسَّكينة قد لا تكون مقدورة، ولكن الله يجعل ذلك في قلبه فضلاً منه وجزاءاً على عمل سابق(3)،وبحسب قوة إيمان العبد وقبوله يكون له إمداد من السكينه. و تِلْك م و اهِ ـــــــب الـــــــرَّحمْ نِ ل يْس تْ ... تح ْص ل با جْتِه ادٍ أ وْ بِك سْبٍ و ل كِ ـــــنْ لا غِ ـــــنى ع نْ ب ذْلِ ج هْ ـــدٍ ... بإِِخْلا صٍ و جِ ــــــد ٍ لا بلِ ـــعْ ــبِ و ف ــــــضْ ــــــــل اللََِّّ م بــــْ ذ ولٌ و ل كِ ـــــــــــنْ ... بحِِكْم تِهِ و ع نْ ذ ا النَّص ِ يـ نْبيِ ف م ا مِنْ حِكْم ةِ الرَّحمْ نِ و ضْع الْ ... ك و اكِبِ بـ ينْ أ حْج ارٍ و تـ رْبِ ف شْكْ ـــــــــرًا لِلَّ ــــــــــذِي أ عْط ـــــــــــاك مِنْه ... فـ ل ـــوْ ق بِل الْم ح ـــلُّ ل ــــــز اد ر بي ِ (2) ( )انظر: مدارج السالكين 3/472. (3 )انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية 3/ 37. (2 )انظر: مدارج السالكين 3/472.
عدد الصفحات ٨السَّكينة.. هبة ربانية وسنة نبوية .. د. زاهر بن محمد بن سعيد الشهري 9 فعلى العبد أن يتحرى أسباب حصول السَّكينة، ومواضعها، وقبل ذلك وبعده، يسأل الله أن ينزلها في قلبه. والعبد يتأثر بمن حوله فيكتسب السَّكينة أو الغلظة والجفاء، وقد أخبر النبي أنالسَّكينة والوقار في أهل الغنم، و أن الفخر والخيلاء في أهل الخيل والإبل، فعن أبي هريرة أن رسول الله قال: "... وَالفَخْرُ وَالخُيَلاَءُ فيِ أَهْلِ الخَيْلِ وَالإِبِلِ، وَالفَدَّادِينَ أَهْلِ الوَبَرِ، وَالسَّكِينَةُ فيِ أَهْلِ الغَنَمِ "( ) "فأخبر النبي أن في رعاة الإبل الكبر والفخر والخيلاء، وفي رعاة الغنم السَّكينة والتواضع، فإذا كان الإنسان يتأثر ببهيمة لا عقل لها، ولا تفقه أنت مراد صوتها مع الاختلاف في المأكل والمشرب، فما ظنك بالإنسان الذي يبادلك الأحاديث، وتفقه قوله، بل قد يؤزُّك إلى هواه، ويزين لك الشهوات، أليس حقيقياً بأن تتأثر به؟!!"(3) ولهذايقع التأثير في بني آدم ، واكتساب بعضهم أخلاق بعض بالمعاشرة والمشاكلة، و المشاهاة في الأمور الظاهرة ؛ توجب المشاهاة في الأمور الباطنة على وجه المسارقة والتدريج الخفي، والمشاركة في الهدي الظاهر ؛ توجب أيضاً مناسبة وائتلافاً ، وإن بـ ع د المكان والزمان (2). ( )رواه البخاري 4/ 37 (222 .) (3 )خطوات إلى السعاده لعبد المحسن القاسم ص2 . (2 )انظر: اقتضاء الصراط المستقيم لابن تيمية /248.
عدد الصفحات ٩السَّكينة.. هبة ربانية وسنة نبوية .. د. زاهر بن محمد بن سعيد الشهري 01 السكينة في الاعتقاد العقيدة مبناها على اليقين والثبات والاستقرار، فالإيمان بالله ، وبملائكته، وبكتبه، وبرسله، وباليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره؛ وما تفرع عنها، هي أصول ثابتة، وعقيدة راسخة، لا تقبل الشك والارتياب، ويُ ل هاا التذبذب والاضطراب . والعبد بحاجة إلى السَّكينة في عقيدته، فيكون ثابت الإيمان، وقد دلت نصوص الكتاب والسنة على أهمية الثبات في العقيدة، وذمت المتذبذبين فيها من المنافقين، وتوعدهم الله بالدرك الأسفل من النار، فقال : ﴿ إِنَّمَا يَسۡتَ ۡ ذِنِنُكَ ٱلََِّّينَ لََ يُؤۡمِنُونَ بِٱللََِّّ وَٱلَۡۡوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَٱرۡتَابَتۡ قُلُوبُهُمۡ فَهُمۡ فِِ رَيۡبِهِمۡ يَتَََدَّدُونَ ﴾ [التوبة:42]،وقال : ﴿ إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلََِّّينَ ءَامَنُواْ بِٱللََِّّ وَرَسُولِِِۦ ثُمَّ لَمۡ يَرۡتَابُواْ وْلََٰٓئِكَ هُمُ ٱلصََّٰدِقُونَ ُ نفُسِهِمۡ فِِ سَبِيلِ ٱللََِّّْۚ أ َ مۡوََٰلِهِمۡ وَأ َ وَجََٰهَدُواْ بِأ ﴾ [الح ج رات:2 ] وقال: ﴿ فِِ قُلُوبِهِم مَّرَض فَزَادَهُمُ ٱللََُّّ مَرَض لِۡمُُۢ بِمَا كََنُواْ َ اۖ وَلَهُمۡ عَذِنَابٌ أ يَكۡذِنِبُونَ ﴾ [البقرة :2]،وقال : ﴿مُّذِنَبۡذِنَبِينَ بَينَۡ ذََٰلِكَ لََٓ إِلَََٰ هََٰٓ ؤُلََٓءِ وَلََٓ إِلَََٰ ِدَ لَُِۥ سَبِيل هََٰٓؤُلََٓءِِۚ وَمَن يُضۡلِلِ ٱللََُّّ فَلَن تََ ﴾ [النساء:42 ] وقال في وعيدهم: ﴿ إِنَّ ِدَ سۡفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ وَلَن تََ ٱلۡمُنََٰفِقِينَ فِِ ٱلدَّرۡكِ ٱلَۡۡ لَهُمۡ نَصِيرًا ﴾ [النساء:42]. والعبد ينبغي أن يعمل من الأسباب ما يجلب له السَّكينة في إيمانه، وأن يتجنب من الأسباب ما ي نقص إيمانه، وي قلل سكينته، أو قد ي ذهب هاما. و البدع والمعاصي تؤثر في الإيمان، وتخ ل بكماله، أو ت ذهب بجلاله، أو ت زيل إشراقه وحلاوته، و أما الشرك الأكبر في ذهب الإيمان، و أما الأصغر في نقص كماله . ومن خالف المنهج الصحيح، والمعتقد السليم، وقع في البدع والضلال، وحصل له من الشك والاضطراب والحيرة، بمثل ما آل إليه حال بعض رؤوس أهل البدع ،
عدد الصفحات ١٠السَّكينة.. هبة ربانية وسنة نبوية .. د. زاهر بن محمد بن سعيد الشهري 00 وما وصلوا إليه من حيرة واضطراب، وتنى بعضهم أن يموت على عقيدة العجائز – عامة الناس – لأن قلوهام ساكنة ثابتة، وإيمانهم صادق. ومن السَّكينة في المعتقد: التسليم لنصوص الق رآن والسنة، وعدم التعرض لألفاظها أو معانيها بتحريفات تحيل المعنى وتخرجه عن مقتضى لغة العرب التي نزل هاا الخطاب، وعن مراد المتكلم من كلامه قال محمد بن عثيمين : "وأنا لا أعتقد أن قلوب الذين يحرفون مطمئنة، وأن فيها السَّكينة أبداً؛ لأننا نقول له: ما الذي أدراك أن الله أراد هذا دون هذا؟ ! ولا يمكن أن يطمئن الإنسان على هذا المعنى وهو يعلم أنه سيقف بين يدي الله ويقول الله له: هل تشهد أني أردت بكلامي هذا؟ فمن يستطيع أن يؤدي هذه الشهادة؟! لكن السَّ الم الذي يمكن أن يجيب بالصواب، هو الذي يقول: نعم، أردت يا رب بكلامك هذا المعنى الذي سار عليه السلف؛ لأن ال قرآن نزل بلغة العرب، ﴿ بِلِسَانٍ عَرَبِِي مُّبِيني ﴾ [الشعراء :92]"( ). ( )شرح ألفية ابن مالك 2/ 36.
عدد الصفحات ١١السَّكينة.. هبة ربانية وسنة نبوية .. د. زاهر بن محمد بن سعيد الشهري 02 السكينة وقراءة القرآن عن أبي هريرة قال: قال رسول الله :"م نْ نـ فَّس ع نْ م ؤْمِنٍ ك رْب ةً مِنْ ك ر بِ الدُّنـْي ا، نـ فَّس الله ع نْه ك رْب ةً مِنْ ك ر بِ يـ وْمِ الْقِي ام ةِ، و م نْ ي سَّر ع ل ى م عْسِرٍ، ي سَّر الله ع ل يْهِ فيِ الدُّنـْي ا و الآْخِر ةِ، و م نْ س تـ ر م سْلِمًا، س تـ ر ه الله فيِ الدُّنـْ ي ا و الآْخِر ةِ، و الله فيِ ع وْنِ الْع بْدِ م ا ك ان الْع بْد فيِ ع وْنِ أ خِيهِ، و م نْ س ل ك ط رِيقًا يـ لْت مِس فِيهِ عِلْمًا، س هَّل الله ل ه بِهِ ط رِيقًا إِلى الجْ نَّةِ، و م ا اجْت م ع قـ وْمٌ فيِ بـ يْتٍ مِنْ بـ ي وتِ اللهِ، يـ تـْل ون كِت اب اللهِ، و يـ ت د ار س ون ه بـ يـْنـ ه مْ، إِلاَّ نـَزَلَتْ عَلَيْهِمِ السَّكِينَةُ ، و غ شِيـ تـْه م الرَّحمْ ة و ح فَّتـْه م الْم لا ئِك ة ، و ذ ك ر ه م الله فِيم نْ عِنْد ه ، و م نْ ب طَّأ بِهِ ع م ل ه ، لم ْ ي سْرِعْ بِهِ ن س ب ه "( ). فتلاوة القرآن الكريم ومدارسته سبب لنزول السَّكينة، فكم من سكينة نزلت على حلقات القرآن في بيوت الله .. وكم من سكينة نزلت على البلاد والمج تمع بسبب هذه الحلقات المباركة .. وكم من سكينة نزلت على الذين يتلون كتاب الله آناء الليل وأطراف النهار .. وكم من سكينة نزلت على بيت مسلم جعل القرآن هِج يراه وأنيسه، وذهاب غمه وحزنه، فش عَّ فيه الضياء وتلالأ منه السَّ نا، وأشرقت منه الأنوار : "لَوْ رَأَيـْتَنِِ وَأَنََ أَسْتَمِعُ لِقِرَاءَتِكَ الْبَارِحَةَ، لَقَدْ أُوتِيتَ مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ "(3) هكذا قالها النبي وهو يستمع لقراءةأبي موسى الأشعري . ( )رواه مسلم4/3274 (3699.) (3 )رواه مسلم /246 (792.)
عدد الصفحات ١٢السَّكينة.. هبة ربانية وسنة نبوية .. د. زاهر بن محمد بن سعيد الشهري 03 وعن أسيد بن حضير قال: بـ يـْن م ا ه و يـ قْر أ مِن اللَّيْلِ س ور ة البـ ق ر ةِ، و فـ ر س ه م رْب وط ةٌ عِنْد ه ، إِذْ ج ال تِ الف ر س ف س ك ت ف س ك ت تْ، فـ ق ر أ ف ج ال تِ الف ر س ، ف س ك ت و س ك ت تِ الف ر س ، ثُ َّ قـ ر أ ف ج ال تِ الف ر س ف انْص ر ف ، و ك ان ابـْن ه يح ْ يَى ق رِيبًا مِنـْه ا، ف أ شْف ق أ نْ ت صِيب ه فـ ل مَّا اجْتـ رَّه ر ف ع ر أْس ه إِلى السَّم اءِ، ح تىَّ م ا يـ ر اه ا، فـ ل مَّا أ صْب ح ح دَّث النَّبيَِّ فـ ق ال: اقـْر أْ يا ابْن ح ض يرٍْ، اقـْر أْ يا ابْن ح ض يرٍْ، ق ال : ف أ شْف قْت يا ر س ول اللََِّّ أ نْ ت ط أ يح ْيَى ، و ك ان مِنـْه ا ق رِيبًا، فـ ر فـ عْت ر أْسِي ف انْص ر فْت إِل يْهِ، فـ ر فـ عْت ر أْسِي إِلى السَّم اءِ، ف إِذ ا مِثْل الظُّلَّةِ فِيه ا أ مْث ال الم ص ابِيحِ، ف خ ر ج تْ ح تىَّ لا أ ر اه ا، ق ال : «و ت دْرِي م ا ذ اك؟»، ق ال: لا ، ق ال : "تِلْكَ المَلاَئِكَةُ دَنَتْ لِصَوْتِكَ، وَلَوْ قـَرَأْتَ لَََصْبَحَتْ يـَنْظُرُ النَّاسُ إِلَيـْهَا، لاَ تـَتـَوَارَى مِنـْهُمْ "( ) وقال البراء بن عازب :قرأ رجل الكهف(3)، وفي الدار دابة فجعلت تنفر، فنظر فإذا ضبابة، أو سحابة قد غشيته، قال: فذكر ذلك للنبي ، فقال: "اقـْرَأْ فُلاَنُ، فَإِنـَّهَا السَّكِينَةُ تـَنـَزَّلَتْ عِنْدَ الْقُرْآنِ، أَوْ تـَنـَزَّلَتْ لِلْقُرْآنِ "(2). ( )رواه البخاري 6/ 92 (22 8.) (3 )أي: سورة الكهف . (2 )رواه البخاري 6/ 26 (4829)، ومسلم / 248 (792.)
عدد الصفحات ١٣السَّكينة.. هبة ربانية وسنة نبوية .. د. زاهر بن محمد بن سعيد الشهري 04 السكينة في الدعاء قال الله : ﴿ جِيبَت دَّعۡوَتُكُمَا فَٱسۡتَقِيمَا وَلََ تَتَّبِعَآنِِ سَبِيلَ ُ قَالَ قَدۡ أ ٱلََِّّينَ لََ يَعۡلَمُونَ ﴾ [يونس:89]. قوله: (فَٱسۡتَقِيمَا ) أي: على الدعاء، والاستقامة في الدعاء؛ ترك الاستعجال في حصول المقصود، ولا يسقط الاستعجال من القلب إلا باستقامة السَّكينة فيه، ولا تكون تلك السَّكينة إلا بالرضا الحسن لجميع ما يبدو من الغيب( ). والدعاء مناجاة بين العبد وربه ، يرفع العبد يديه إليه في سكون قلب، وخضوع جوارح، وخفض صوت، وذل نفس، ينادي ربه ﴿ نِدَآءً خَفِيِ ا ﴾ [مر:2]. وكل من ناديته رفعت صوتك ليسمعك، إلا الله ، تناديه بصوت خافت خفي، وروح ساكنة، وقلب مخبت خاضع، فيجيب حاجتك، ويستجيب دعاءك . وإن من الدعاء طلب السَّكينة من الله فعن البراء بن عازب قال: لما كان يوم الأحزاب، وخندق رسول الله ، رأيته ينقل من تراب الخندق، حتى وارى عني الغبار جلدة بطنه، وكان كثير الشَّ ع ر، فسمعته يرتز بكلمات ابن رواحة، وهو ينقل من التراب يقول: " اللَّه مَّ ل وْلا أ نْت م ا اهْت د يـْن ا ... و لا ت ص ـــــدَّقـْن ا و لا ص ــــلَّيـْن ا ف أ نْ ــــــزِل ـــــنْ س كِ ـــــــين ةً ع ــــل ـــيْ ـــــــن ا ... و ثـ ب ِتِ الأ قْد ام إِنْ لا قـ يْ ــــن ا إِنَّ الأ عْ ـــــد اء ق دْ بـ غ ـــــوْا ع ل يـْن ا ... إِذ ا أ ر اد وا فِ ــــتْ ـــــن ةً أ ب ــــــيـْن ــــــا " قال: ثُ يمد صوته بآخرها (3). ( )انظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 8/276. (3 )رواه البخاري 2/ 2 (4 26.)
عدد الصفحات ١٤السَّكينة.. هبة ربانية وسنة نبوية .. د. زاهر بن محمد بن سعيد الشهري 05 السكينة في أداء العبادات وخاصة أركان الإسلام فالطاعات كلها موضع للسكينة ، و سبب لحصوله ا، و السَّكينة مطلبٌ في القيام بالعبادة والطاعة، قال الله : ﴿ٱلََِّّينَ ءَامَنُواْ وَتَطۡمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِنِكۡرِ ٱللََِّّۡۗ لََ بِذِنِكۡرِ ٱللََِّّ تَطۡمَئِنُّ ٱلۡقُلُوبُ َ أ﴾ [الرعد :38] أي: تسكن وترضى . فمن فـ ع ل الأوامر، واج تنب النواهي؛ فله نصيب من السَّكينة، فالسكينة وطمأنينة القلب؛ ثمار يجنيها أهل الطاعات، ولعلي أ شير لبعض مواضع السَّكينة في شعائر الإسلام - الصلاة والزكاة والصوم والحج – مقصداً وأثراً . السَّكينة في الصلاة: وتشمل السكينة في المشي إليها، وفي الخشوع فيها، فأما المشي إليها فعن أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله يقول: "إِذ ا أ قِيم تِ الصَّلا ة ، فَلاَ تأَْتُوهَا تَسْعَوْنَ، وَأْتُوهَا تََْشُونَ، عَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ، ف م ا أ دْر كْت مْ ف ص لُّوا، و م ا ف ات ك مْ ف أ تُِّوا"( )، و عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه، قال: قال رسول الله : "إِذ ا أ قِيم تِ الصَّلا ة ، ف لا تـ ق وم وا ح تىَّ تـ ر وْنيِ وَعَلَيْكُمْ باِلسَّكِينَةِ "(3) وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله " :إِذَا ثـُو ِبَ باِلصَّلاَةِ فَلاَ يَسْعَ إِلَيـْهَا أَحَدُكُمْ، وَلَكِنْ لِيَمْشِ وَعَلَيْهِ السَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ، ص ل ِ م ا أ دْر كْت ، و اقْضِ م ا س بـ ق ك "(2). ومع(وعليكم السكينة): "أي الزموا السَّكينة في جميع أموركم سيما في الوفود على رب العزة ، فالزموا الوقار في الهيئة؛ بغض البصر، وخفض الصوت، ( ) رواه البخاري 3/7 (928)، ومسلم /432 (623.) (3 )رواه البخاري /22 (628.) (2 )رواه مسلم /43 (623.)
عدد الصفحات ١٥السَّكينة.. هبة ربانية وسنة نبوية .. د. زاهر بن محمد بن سعيد الشهري 06 وعدم الالتفات والعبث"( )، فإذا كان هذا في المشي إلى الصلاة، فكيف بالسكينة فيها، وفي أداء أركانها، وواجباتها، وسننها وآداهاا . وأما السَّكينة و الخشوع فيها ، فقد قال الله :﴿فۡلَحَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ َ قَدۡ أ ١ ٱلََِّّينَ هُمۡ فِِ صَلَتِهِمۡ خََٰشِعُونَ ﴾ [المؤمنون: -3]،و الخشوع يتضمن السَّكينة، ومنه حديث عمر :حيث رأى رجلاً يعبث في صلاته فقال: "لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه " أي: لسكنت وخضعت... فعلم أن الخشوع فيه سكون وانخفاض؛ ولهذا كان النبي يقول في حال ركوعه : (اللهُمَّ لَكَ رَكَعْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَلَكَ أَسْلَمْتُ، خَشَعَ لَكَ سََْعِي، وَبَصَرِي، وَمُ ِي، وَعَظْمِي، وَعَصَبِ )(3)...، فوصف نفسه بالخشوع في حال الركوع؛ لأن الراكع ساكن متواضع... وإذا كان الخشوع في الصلاة واجباً ، وهو متضمن للسكون والخشوع، فمن نقر نقر الغ راب لم يُشع في سجوده، وكذلك من لم يرفع رأسه من الركوع ويستقر قبل أن ينخفض لم يسكن؛ لأن السكون هو الطمأنينة بعينها، فمن لم يطمئن لم يسكن، ومن لم يسكن لم يُشع في ركوعه ولا في سجوده، ومن لم يُشع كان آثماً عاصياً ...فالسكون مشروع في جميع أفعال الصلاة بحسب الإمكان؛ ولهذا يسكن فيها في الانتقالات التي منتهاها إلى الحركة، فإن السكون فيها يكون بحركة معتدلة لا سريعة "(2). ( )فيض القدير للمناوي /278. (3 )رواه مسلم / 224 (77 .) (2 )القواعد النورانية لابن تيمية ص 77 وما بعدها.
عدد الصفحات ١٦