المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

فتاوى يكثر السؤال عنها معتمدة

غير معروف

صفحة ٨ من ١٦

للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 111 وطالما أن الأمر فيما ذهب إليه الشافعية والحنابلة مستند إلى التجربة فإنه يجدر بنا أن نذكر شيئاً من الإحصاءات العصرية فيما يسببه زواج الأقارب. ورد في كتاب ندوة الفحص الطبي: يساء فهم تـأثير زواج الأقـارب، ويلقى باللوم على هذه العادة الاجتماعية العميقة الجذور في مجتمعنا، وكثيراً ما تتهم عادة زواج الأقارب بأنّا السبب في أمراض أطفالنـا وإعاقـاتهم، إن هناك نسبة احتمالات معروفة؛ لإنجاب تخلقـات غـير طبيعيـة، أو أمـراض وراثية، عند كل زواج أي عند كل حمل، فالنسبة بين زواج الأغراب، تكون 2%، أي أن الزوجين من غير الأقرباء لديُّما فرصة98% لإنجـاب أطفـال أصحاء عن كل حمل، أما زواج الأقـارب مـن أبنـاء العمومـة الأولى، فـإن احتمال فرصة الإنجاب غير الطبيعي تزيد، فتكون 4% أي أن لديُّم فرصـة 96% لإنجاب أطفال أصـحّاء، وترتفـع نسـبة احـتمال إنجـاب ا لأمـراض الوراثية كلما زادت صلة القرابة بين الزوجين، وكلـما تكـررت عـ أجيـال متتالية في الأسرة، كما في 22-23 من ندوة الفحص الطبي قبل الزواج من منظور طبي وشرعي برعاية جمعية العفاف الخيرية: تحرير فاروق بدران وعادل بدارنه، 1994م وفي ختام الكلام ننبّه على ثلاثة أمور: 1.إن هذه الإحصائية تزيل لنا الهالة الكبيرة المعطاة للحديث عن زواج الأقارب؛ إذ النسبة ضئيلة في الفرق بين زواج القرابة وغيرها.

عدد الصفحات ١١٤

112 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فتاوى يكثر السؤال عنها 2.إن ما اشتهر على ألسن الناس من حديث: (غربـوا النكـاح)، غـ ثابت عن المصطفى ، ومعلـوم أن الحـديث الموضـوع لا يجـوز ذكـره إ للتنبيه على وضعه؛ فالاحتجاج لعدم زواج القرابة بأحاديث نبوية لا ينبغـي لما سبق تفصيله. 3.إن الشافعية وبعض الحنابلة رأوا من الأسباب السابق ذكرها عـدم استحباب زواج القرابة القريبة و يوصلوا ذلفي للسـنية؛ لأن الاسـتحباب أدنى درجة منها؛ ولأن ما ذكروا من التعليلات لا يستفاد منه السنية، فالأمر إذن يدور بين الاستحباب وعدمه فحسـب، ولا ننسـى أن مـَن قـال بعـدم استحباب زواج القرابة القريبة نـصّ عـلى أن زواج القريبـة أولى مـن زواج الأجنبية. والله ولي التوفيق.   

عدد الصفحات ١١٥

للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 113 فتوى18) العلاقة بين الزوج قبل الزواج هل يجوز إقامة علاقة بين الراغبين بالزواج مع بعضهم؟ يعد هذا الموضوع من أكثر الموضوعات طرحاً في هذه الأيام؛ لما طـرأ على حياة المسلمين من تغيرّ نتيجة الغزو الفكري الذي نعايشه، حتى غدا هذا الأمر مشكلاً عند غالبية الناس، يكثـرون مـن الاستفسـار عنـه، مـع تقبـل عجيب منهم للأفكار المستوردة فيه، واستغراب لتفصيل الإسلام لـه، وإن هذا الأمر كان في غابر الزمان بدهي للنـاس لا يحتـاج إلى سـؤال وجـواب؛ لتسليم الناس بأحكام دينهم واعتقاد صدقها وصحتها وثقتهم الكبيرة به. وتحقيقاً للمقصود من بيان النظرة الشرعية للعلاقة بين الجنسـين قبـل الزواج نضع أصولاً وأسساً متفقة لدى العقلاء لبناء هذا الحكم عليها. الأساس الأول: إن حكمة الله  اقتضت خلـق الأرض وإرادة إعمارهـا بجعـل بنـي الإنساظن خلائف فيها، كل منهم يخلف مَن بعده في القيام بهـذا الواجـب، {وَإِذْ قَالَ رَبُّفيَ لِلْمَلائِكَةِ إِ ن جَاعِلٌ فيِ الأَْرْضِ خَلِيفَةً } [ة30]{وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الأَْرْضِ } [الأنعام165]{ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلائِفَ فيِ

عدد الصفحات ١١٦

114 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فتاوى يكثر السؤال عنها الأَْرْضِ } [14]{هــُوَ أَنْشــَأَكُمْ مــِنَ الأَْرْضِ وَاســْتَعْمَرَكُمْ فِيهــَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْه } [61 .] ولا يمكن حصول هـذاالاسـتخلاف والاسـتعمار لهـا؛ إلا بديمومـة الجنس البشري فيها، وهو مكوّن كباقي الأجناس من ذكر وأنثى، ولا يحصل التكاثر بينهما إلا بالالتقاء، وهذا الالتقاء يحتاج إلى شوق كـل مـنهما ل خـر وميله له وإلا يحصل التعاشر بينهما، ولزهدا في بعضهما البعض، و يحصل التناسل والتكاثر الذي به يرتبط وجود الإنسان. فحقيقة اشتياق الجنسين لبعضهما أمر لا ينبغـي أن يختلـف فيـه اثنـان للحكمة المترتبة عليه، وقد قرّر الله  هذه الحقيقة في مواطن عديدة 1.أنّه عدَّ النساء من الشهوات المحبوبـة للرجـال، فقـال: {زُيـننَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ الننسَاءِ } [14.] 2.أنه ع عنهما بالنفس الواحدة؛ لتمام الانسجام الحاصل بينهما؛ ولعدم تكامل الإنسان في تلبية حاجياته إلا باجتماعهما، {يَا أَيَُُّّا النَّاسُ اتَّقـُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَ وْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُماَ رِجـَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً } [1]{هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَماَّ تَغَشَّاهَا حمََلَتْ حمَْلاً خَفِيفاً } [189.]

عدد الصفحات ١١٧

للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 115 3.أنه بينَّ أن السكن و الاستقرار والراحة يكون بالتقاء الجنسـين، {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهـَا وَجَعـَلَ بَيـْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحمَْةً } [21.] إذا استحضرنا هذا فإن انتباه واهتمام وميل كل من الجنسين إلى الآخـر أمر طبيعي، جبلنا وفطرنا عليه ليستمر الوجود البشري، ولا استنكار لذلفي، وإن من أعظم ما تتميّز به الشريعة الربانية المنسجمة مع الفطرة البشرية أنّـا نظمت العلاقة ما بين هذين الطرفين؛ لأن في ترك اجتماعهما بلا حدود وقيود ما لا تحمد عقباه بتحقق الظلم على البشرية، ومن صوره: 1.إن في اتصالهما لا بد مـن حصـول التوالـد الـذي مـن أجلـه جعـل الاشتياق بينهما، وهذا التناسل يحتاج إلى العناية والاهتمام، ولا يكـون ذلـفي حقيقة إلا بوجود أب وأم ينعم في الحياة بينهما حتى تتكامل حاجاته النفسية والعاطفية والجسدية والتربوية مع بعضها البعض. فمهما حاولوا من إيجاد المؤسسات المختصة برعايـة أولاد الزنـا، فلـن توفر لهم ما يمكن أن يوجد لدى الأبوين، إضافة لما يكون عليه مـن النظـرة لمجتمعه عندما يفقد أسمى معا الحياة مـن وجـود أسرة وأهـل، وعنـدما يعرف أنه كان وليد شهوة عابرة لا مبالية. 2.إن في تقديم المرأة نفسها للرجال بلا مقابل ظلم كبير لها، فكل يقضي وطره منها ويمضي، وهي تتحمل أعباء هـذا الحمـل الـذي لا تعـرف ممـن حصل، وإن عرفت فلا أحد يستطيع إلزامه بشيء، فبدل أن تقضي مدة الحمل

عدد الصفحات ١١٨

116 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فتاوى يكثر السؤال عنها مدللة فرحة بمولود سيأتي لها، تقضيه منغصة مهمومة متعبة فلا أحد يعترف لها به ولا أحد يعينها ويواسيها، ولا أحد يتحمل مشاق تربيته، مما يؤدي بها إلى أن تتخلص منه بأي وسيلة دون أي رحمة يحملها البشر. وهذا غيض من فيض. إذا هّد هذا عُلِمَ عظـم تشرـيع الإسـلام للتـزاوج بـين البشرـ، وأنـه الوسيلة الوحيدة لاجتماع هذين الجنسين المشتاقين لبعضهما، وقـد شـجعت عليه في نصو كثيرة كما سبق، منها قوله : (يا معشر الشباب مَن استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصـن للفـرج، ومـَن يسـتطع فعليه بالصوم فإنـه لـه وجـاء) في صـحيح مسـلم: 2 :1018، وصـحيح البخاري 5 :1950 . وفي نفس الوقت الذي يقرر فيه الإسلام هذه الحقيقة بين الجنسين من رغبة كلّ منها الشديدة بالآخر قرر أساس آخر وهو الآتي. الأساس الثاني: إن الإسلام حر ام الحر في تشريعاته على المحافظة على المجتمع أن يبقى طاهراً نقياً بعيداً عن كلن أسباب الفساد التي تنـتج عـن هـذا الميـل العاطفي والجنسي بينهما، ومن ذلفي: 1. أنه أباح الزواجمبكراً: {وَاللاَّئِي َْ يحَِضْن } [4.]

عدد الصفحات ١١٩

للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 117 2.أنه أباحالتعدد: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مـِنَ الننسـَاءِ مَثْنـَى وَثـُلاثَ وَرُبَاع } [3.] 3.أنه أمربغض البصر بينهما: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مـِنْ أَبْصـَارِهِمْ } [النور30] {وَقُلْ لِلْ مُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ } [31 .] 4. أنه أمر بحفظالفروج: {وَيحَْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِفيَ أَزْكَى لهـَُمْ إِنَّ اللهََّ خَبِيرٌ بِماَ يَصْنَعُونَ } [30]{وَيحَْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ } [النور31.] 5. أنه أمر المرأة بالحجاب والاحتشام: {وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا، وَلْيَضرِْبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلىَ جُيُوبهِِنَّ } [31.] 6.أنــه حــرم عليهــا التــ ج: {وَلا تــَ ََّجْنَ تــَ َُّجَ الجَْاهِلِيــَّةِ الأُْولىَ } [33.] 7. أنّه حرم عليها إبداء زينتها لغير محارمهـا: {وَلا يُبـْدِينَ زِينـَتَهُنَّ إِ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ …} [النور31 .] 8. أنه حرم عليها القيام بأي فعل فيه إثارة لمن حولها ولفت لانتباههم وإن كان ذلفي بإخراج صوت عند المشي: {وَلا يَضرِْبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لـِيُعْلَمَ مـَا يخُْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلىَ الله جمَِيعاً أَيَُُّّا المُْؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } [ 31 .] 9.أنّه أمرها بعدم الخروج من بيتها إلا للضرورة والحاجة{وَقـَرْنَ فيِ بُيُوتِكُنَّ } [33.]

عدد الصفحات ١٢٠

118 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فتاوى يكثر السؤال عنها ففي ضوء هاتين الحقيقتين العظيمتين: ميل الجنسين، وطهارة المجتمع، يمكننا أن نخوض هذه المسألة الحسّاسة للغاية، وهي هل أجازت الشرـيعة تكوين علاقة بين الجنسين قبل الزواج؟ إن هـذه العلاقــة يمكـن أن يطلــق عليهـا الحــب أو التعـارف، فــإنّم يقولون: إنه ينبغي لكل مَن يتزوجا أن يكونا متحابين أو أن يقوم كل طرف منهما بدراسة عن الآخر، فيرى هل يناسبه في طبائعه وأحواله وصفاته أم لا؛ لأنّما إن يكن بينهما جسـور قويـة مـن المحبـة أو الانسـجام والتوافـق في الطبائع والصفات كيف يمكن لهما أن يتعايشا طـوال عمرهمـا مـع بعضـهما البعض، فإننا إن أردنا أُسراً متماسكة تنعم بالسعادة والهناء فلا بدّ من ذ لفي. إن هذا الكلام في ظاهره براقٌ وله قبـول، لكننـا إذا دقَّقنـا النظـر فيـه وجدنا به مسامحات لا تغتفر ومجانبة للحقّ والصواب، وبيان ذلفي فيما يأتي: أننا إذا رجعنا إلى معنى الحب في كتب اللغة فإنه نجده بمعنى: الـوداد ونقيض البغض كما في القاموس 1 :52، واللسـان1 :742 وإن أردنـا أن نخرج بمعنى عام للحبّ نتحاكم إليه، فيمكن القول أنه يدور بين: الاشتياق والميل والرغبة والأنس واللذة والإعجاب. وهذه الأمـور متـوفرة بـين الجنسـين بصـورة عامـة بطبيعـة فطـرتهما وخلقتهما، فهما يشتاقان لبعضهما البعض، ويميل كل منهما ل خر، ويرغب فيه، ويأنس به، ويتلذذ معه، ويعجب بهيئته.

عدد الصفحات ١٢١

للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 119 وللإمام الغـزالي تقسـيم لطيـف في المحبوبـات وغيرهـا؛ إذ يقـول الإحياء4 :313-314 :«المدركات في انقسامها تنقسم إلى ما يوافـق طبـع المدرك ويلائمه ويلذه، وإلى ما ينافيه وينافره ويؤلمه، وإلى ما لا يؤثر فيه بإيلام وإلذاذ، فكل ما في إدراكه لذة وراحة فهو محبوب عند المدرك، وما في إدراكه أ لهو مبغوض عند المدرك، وما يخلو عـن اسـتعقاب أ ولـذة لا يوصـف بكونه محبوباً ولا مكروهاً، فإذن كل لذيذ محبوب عند الملتذ به، ومعنى كونه محبوباً أن في الطبع ميلاً إليه. ومعنى كونه مبغوضاً أن في الطبع نفرة عنه، فالحـب عبـارة عـن ميـل الطبع إلى الشيء الملذ، فإن تأكد ذلفي الميل وقـوي سـمي عشـقاً، والـبغض عبارة عن نفرة الطبع عن المؤ المتعب، فإذا قوي سمي مقتاً، فهذا أصـل في حقيقة معنى الحبّ لا بد من معرفته فما يظهر على أحدنا من هذه الأحوال نحو الطرف الآخر هـو موافـق للفطرة، لا لأنه يتبادل معه شعوراً يفقده الآخرون، حتى لو ترك الخيـالات التي توحيها المسلسلات والأفلام والأغا وعاش على سجيته من تقرير لهذا الواقع، فإنه سيجد أن هذا الشعور متجدّدٌ لديه لـدى أطـرف كثـيرة يراهـا ويسمعها. وهذا لا يلغي تفاوت توفر هذه الأمور ما بين شـخص وآخـر، وإنـما أردنا تقرير أنّا موجودة بصورة عامة بين الجنسين، فإذا أعجب أحد الجنسين بالآخر ومال إليه بدرجة عالية، فهل يجوز له مصارحته بهذا الأمر؟

عدد الصفحات ١٢٢

120 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فتاوى يكثر السؤال عنها إننا لو طرحنا هذا التساؤل على مجموعة من أهل عصرنا لوجدنا بينهم اختلافاً عجيباً في الإجابة بين موافق ومعـارض، فكـل يجيـب عـلى حسـب ثقافته وبيئته وتربيته، لكن الشارع الكريم أراحنا من عبء هذا الاختلاف، ورجّح لنا أحد الجانبين، فقد ثبت عن رسول الله  أنـه قـال: (مـَن عَشـِقَ وكتم وعفّ ومات، فهو شهيد)، وقد أفـرد الحـافظ السـيد أحمـد الصـديق الغماري هذا الحديث بكتاب خا في إثباته سماّه: «درء الضعف عن حديث من عشق فعفّ ومعنى ذلفي إن حصل العشق فعلاً من طرف لآخر بغض النظر عـن سببه هل كان بسبب قرابة أو جوار أو دارسة أو عمل أو غيره فإنـه في هـذا الموضع لا يُّمنا تفحيص ذلفي؛ لأنه يحتاج إلى تفصيل وبيان خا ّ ليس هنا محله، وإنما الذي يُّمنا أنه لو حصل هذا، فإن الحـديث يرشـدنا أن عليـه أن يكتم ذلفي ويعفّ حتى لو مات كا اً عفيفاً فإنه شهيد بذلفي، فيا هل ترى ما هو السبب لهذا الكتمان وهذه العفة، و َِ نال بها درجة الشهادة؟ يبدو لي والله أعلم أن في الكتمان والعفة إشارة لما سبق أن ذكرنـاه مـن شوق وميل وإعجاب كل من الجنسـين ببعضـهما فـلا يعنـي حصـوله هـو المجاهرة به والسير في الطرق المحظورة بحجة حصوله، بل هو محض وهم وخيال ينبغي دفعه والابتعاد عنه. لكنه رغم هذه الإشارة فإنه يقرر جازماً أن من حصل منه هذا العشق فعلاً فإن عليه أن يكتم هذا؛ لأمور منها:

عدد الصفحات ١٢٣

للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 121 1.أنه أمر خفي لا يمكن لأحد أن يطلع عليه، فهو أمر قلبي، ولا يعلم ما في القلوب إلا الله تعالى، ففي إباحة الإخبار به لعبٌ بمشاعر الناس بما لا يستطيع أحد معرفة صدقه أو كذبه، ودخوله في متاهات لا أول لها من آخر. 2.أنه من باب سدّ الذريعة؛ إذ أن كثيراً من الناس سيستغلونه في تحقيق مآربهم وشهواتهم الشخصية؛ ويدرك حقيقة هذا مـن يتـابع الواقـع الـذي نعيشه، فإن من بين عشرات أو مئات قصص الحبّ التي ـارس يمكـن أن تصدق واحدة، والباقي هي مجرد تسلية أو لمصلحة شهوانية يقصد تحقيقها. 3.أن في إباحته تعريض لانتهاك أعراض الناس وسلب لشرفهم؛ إذ أن كثيراً من الفتيات تسلم نفسها بمجرد الثقة العمياء بمَن أمامها، ولا تـدرك أنّا أضحوكة بيد مَن تخصصوا بالاصطياد واللعب. 4.أن في إباحته تعليق لطرف بآخر، ممكن أن تكون هناك عوائق ـ ليس هنا محل ذكرها ـ تحول بين زواجهما، مما يجعل حسرة وندماً وفجعاً في القلب على ذلفي، يؤدّي إلى تعاسة وتنغيص في حياة كـل مـنهما مـع مـن كـان مـن نصيبه. 5.إن في إباحته َّف للخطّاب عن التقدم لهـذه الفتـاة، ويمكـن أن يكون بعضهم أفضل من هذا الشخص، ولديه رغبته بها أكثر منه؛ لأن معرفة الآخرين بعلاقة بين رجل وامرأة، فتح باب شر بالكلام في شرف هذه الفتاة وعفتها وغير ذلفي.

عدد الصفحات ١٢٤

122 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فتاوى يكثر السؤال عنها 6.أنه لا فائدة حقيقية من التصريح به سـواء للفتـاة أو لغيرهـا؛ لأنـه يفترض أن ينتهي بالزواج، والزواج مـا زال في علـم الغيـب لعـدم حدوثـه وعدم معرفة نصيب كل منهما، فلا أحد يعلم هذه الأقدار الآتية لهما. فلو أننا جدلاً قلنا أنه لو أخ هـا فإنّـا سـتنتظره، فـالأولى بـدل هـذا الإخبار أن يتقدم لخطبتها إن كان صادقاً، فيكـون انتظـار كـل مـنهما الآخـر شرعياً، أما أن تنتظره حتى يكمل دراسته أو يكونن نفسه فتمنع نفسـها عـن كل مَن يخطبها، فإن فيه ضرراً عظيماً؛ إذ أنه كما هو معلوم أن للفتاة مرحلـة زهو يرغب فيها الناس بها، فإن مضت هذه المدّة قلَّ خطا بها، حتـى أنّـا لـو رفضت الزواج بسببه دون أي روابط شرعية بينهما ولكن على أمل أن يخطبها فإنّا قد تتجاوز سن الزواج، وكثيراً ما يحصل عوارض نع من خطبتـه لهـا سواء من أهله أو أهلها أو منه كرؤيته غيرها وإعجابه بها كـما أعجـب بهـا، وهذا كثير الوقوع لمن يعاي الناس. وهذا شيء يسير من الحكم الكثيرة وراء هذا الكـتمان، وعليـه فيكـون معنى الحديث من أعجب أو مال أو اشتاق لطرف من الجنس الآخـر، فلـم يتحدث بذلفي وجعله سراً بينه وبين خالقه، وابتعـد عـن هـوى الـنفس في تحقيق رغبتها وشهوتها منه، فص واحتسب عند الله تعالى، ولو أوصله شدّة اشتياقه إلى الموت وهو على تلفي الحال، فإنه له منْزلة الشـهادة عنـد الله ؛ لأنه ابتلي فاحتمل وص ، و يجعل أعراض المسلمين عرضة للتفكه والتسلي،

عدد الصفحات ١٢٥

للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 123 و يجر وراء نزوات نفسه وطلباتها، فحق له أن يكون مـن الصـادقين عنـد ربهم. إذا اتّضح شرعاً وعقلاً عدم جواز فتح علاقة بين الجنسين بدون رابطة شرعية، فإننا نضيف إلى ما سبق أن هذا الحبّ حقيقية لا يكـون إلا بمعرفـة المحبوب، قال الإمام الغزالي في الإحياء (4 :213 :«إنه لا يتصوَّر محبـة إلا بعد معرفة وإدراك، إذ لا يحب الإنسان إلا ما يعرفه…» وهذه العلاقة مهما فتحت وطـورت، فإنّـا لا تبـينن حق يقـة كـلٍّ مـن الطرفين ل خر، حتى ولو كانت بينهما خطوبة؛ لأن كلَّ طرف منهما يسـعى لإظهار أفضل وأجمل ما عنده ل خر، ولا يتكلم إلا بألطف الكلام وأحلاه من الغزل والغرام معه، وهذا لا يصور ما عليه طبيعة كل مـنهما؛ إذ أنّـا لا تعرف إلا بالعشرة الزوجية التي تشتمل عـلى مصـاعب حياتيـة كثـيرة مـن الحمل، والولادة، والتربية، والتنظيف، والص على شـدّة الحـال وضـيقه، والشكر على فرج الله تعالى، وحسن التصرف في المواقف المختلفة، وصـيانة المال والنفس، وغيرها. وإدراك مثل هذه الأمور يحتاج أشهر من الزواج أو سنوات، فمَن كان معدنه طيب ومن أصل خير وربيّ تربية حسنة وعنده خلق ودين كان تـوفّر هذه الخصال لديه أكثر، وكانت قابليته للحياة مع شريكه أك . فالحياة الزوجية السعيدة لراغبها أحوج ما تكون للدين دون غيره كـما أرشد إليه المصطفى الحبيب : (إن المرأة تنكح عـلى دينهـا ومالهـا وجمالهـا

عدد الصفحات ١٢٦

124 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فتاوى يكثر السؤال عنها فعليفي بذات الدين تربت يداك) في صحيح مسلم: 2 :1087] عديدة، منها 1.أنه ينظم علاقة هذين المتزوجين، ويبينن ما لكل منهما وما عليه، حتى لو اختصما في أمر كان حكماً بينهما في إنصاف كل منهما. 2.أنه وضَّح طبيعة نظرة المرأة للرجـل، وهـي نظـرة إعظـام وإكبـار وإجلال حتى كره أن تنادي الزوجة زوجها باسـمه؛ لمـا فيـه مـن الإخـلال بذلفي، إذ عليها أن تناديه بكنيته توقيراً له، ووضح نظرة الرجل للمرأة وهي نظرة رحمة ومودة ورأفة قال  :{وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحمَْةً } [الروم21] وهذا يخالف نظرة الغرب التي تجعل كل منهما نداً ل خر 3.أنه جعل الرجل المسؤول الأول في الحياة الزوجية: {الرنجَالُ قَوَّامُونَ عَلىَ الننسَاءِ بِماَ فَضَّلَ اللهَُّ بَعْضَهُمْ عَلىَ بَعْضٍ وَبِماَ أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالهِِمْ } [ 34.] وأمر المرأة بطاعة زوجها والقيام على أمره حتى قال: (لو كان أحد ينبغي أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها لما عظم الله عليها من حقّه) في صحيح ابن حبان 9 :470، والمستدرك2 :206 . وقال: (ما من امرأة يطلب زوجها منها حاجة فتأبى فيبيـت وهـو عليها غضبان إلا باتت تلعنها الملائكة حتى يصبح) في مسند أحمد 2 :255،

عدد الصفحات ١٢٧

للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 125 والأوسط8 :94، قال الهيثمي في مجمع الزوائد 4 :296 :«رجاله ثقات ومن تدبّر في المشاكل وجد جلها راجع إلى عدم الطاعة والتعنت. ومَن تدبَّر في حديث الرسول : (أن المغيرة بن شعبة خطب امرأة فقال له النبي : اذهب فانظر إليها فإنه أجدر أن يؤدم بينكما) في صـحيح ابن حبان 9 :531 وسنن الترمذي 3 :397. عرف الهدي النبوي في هذه المسألة؛ إذ يقل له اذهب فتعرف عليهـا وادرس حالها وانسجام شخصيتها مع شخصيتفي وكونن علاقة مـن الحـب معها، حتى إنه يقل  له: اذهب فحدثها، بل اعت أن النظر يكفي لمن أراد أن يتزوَّج امرأة؛ لأن به يتحقق المقصود من القبول للصورة والهيئة الخارجية مع الألفة لها أو النفرة عنها في هذه النظرة؛ لأن في الحديث (الأرواح جنـود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف) في صحيح مسـلم: 4 : 2031، وصحيح البخاري3 :12313 . ومَن تأمل في حياة آبائنا وجد أنّا أمتع وأهنأ وأوفق بكثير من حياتنا؛ لأن مجتمعهم أقل فساداً، و تكن هذه الأفكار الغربيـة منتشرـة فيـه، فكـان أحدهم يتزوج بلا علاقة مسبقة مع زوجته، فكل علاقتهما تبنى بعد الزواج على الأسس التي سبق ذكرها، فكان الطلاق قليلاً بينهم جداً مقارنة مع ما في وقتنا رغم هذه العلاقة المفتوحة بين الرجال والنساء، والطلاق علامة عـلى فشل الزواج وقلة السعادة فيه، فماذا أفادتنا هذه العلاقات غير الشرعية بـين الجنسين إلا كثرة الفساد والزنا قبل الزواج، والتعاسة والطلاق بعد الزواج،

عدد الصفحات ١٢٨

126 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فتاوى يكثر السؤال عنها ومن يتابع إحصائيات الطلاق يجد أن أكثر حالاتها بين المتعارفين والمتحابين قبل الزواج. ونختم هذا المبحث بنصيحة للعلامة محمد رشيد رضا ـ صاحب تفسير «المنار» من الفوائد الجمّة بعد التجربة الطويلة له في ذلفي، وهـو مـن المختصـ ين في شؤون المرأة، إذ يقول في نداء للجنس اللطيف 138-139 :«إنني منذ ثلث قرن ونيف أدرس مسألة النساء والحياة الزوجيـة وأنـاق فيهـا أهـل العلم والرأي وأقرأ ما صننف فيها من الكتـب وأتتبـع مـا تنشرـه الصـحف وأتدبّر أخبار الإفرنج فيها. وكتبت فيها شيئاً كثيراً أهمه تفسير آيات القرآن الحكيم في موضـوعها ومقالات الحياة الزوجية التي نشرت في مجلد الرسالة، وناظرت الدعاة إلى المساواة بين النساء والرجال في الجامعة المصرية فحكمت لي الأكثرية الساحقة بالفلج ـ أي النصر والغلبة ـ وإصابة صـميم الحق. وإنني أعتقد بعد هذا الدرس الطويل العريض العميق، وما اقـترن بـه من الاختيار الدقيق أن ما يراه الكثيرون من أهل الغرب والشرق من نـوط السعادة الزوجية بتعارف الزوجين قبل الزواج وعشق كل منهما ل خر هـو رأي أفين ـ أي ناقص ـ أثبت الاختبار بطلانه وإن تحابّ الشبيبة فإنه لا ثب ات له بعد الزواج غالباً، بل كانت العرب تقول: إن الزواج يفسد الحبّ.

عدد الصفحات ١٢٩