للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 79 وقال خا ة المحقنقين ابن عابدين الحنفي في رد ا حتـار(2 :375). و منحة الخالق(2 :278)« : يكره تعمد صومه ـ أي السبت والأحـد ـ إلا إذا وافق يوماً كان يصومه قبل: كما لو كان يصوم يومـاً ويفطـر يومـاً، أو كـان يصوم أول الشهر مثلاً فوافق يوماً من هذه الأيام وعليه فلا محلّ لإنكار منكر بصيام السبت أو الجمعة إن وافق يوم عرفة أو عاشوراء لعادة الناس بصيام هذه الأيام المباركة. ثانياً: إن يوم عرفة وعاشوراء من الأيام الفاضلة التي ثبت فيها الجزاء العظيم لمَن صامها في الأحاديث الصحيحة الكثيرة، كحديث صيام يـوم عاشوراء احتسب على الله أن يكفر السنة التي قبلـه2 : 818.) فلو سلَّمنا بوجود نّي عن صيامها، فأين ثبوت هذا النهي من ثبـوت هذا الأجر الكبير لمَن صامها، فهيهات هيهات كما يأتي. ثالثاً: إنه يحرم إفراد صيام يوم السـبت أو الجمعـة أحـد معتـ مـن الفقهاء، كما نقل ذلفي العلامة ابن مفلح الحنبلي في الفروع 03 :125): فقال بعد ذكر الأيام المكروهة ولا يحرم صوم ما سـبق مـن الأيـام نـص عليـه الشــافعي وأحمــد في الجمعــة، قــال صــاحب المحــرر بخلافه
عدد الصفحات ٨٢80 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فتاوى يكثر السؤال عنها فالسادة الحنفية قالوا بالكراهة التنزيُّية في إفراد يوم السبت بالصيام؛ لما فيه من التشبه باليهود، كما في البـدائع(2 :79)،البحـر الرائـق(2 :278)، ومجمع الأنّر(1 :254)، ولما سيأتي من حديث في النهي عن صيامه، وذكر شمس الأئمة الحَلْوا ّ لا بأس بصيام يوم السبت إذا كـان لا يعتقـد تعظـيم ذلفي اليوم، كما في الفتاوى الهندية(1 :201.) ومعلوم أن الكراهة التنزيه هي خـلاف الأولى فقـط، فيكـون عنـدهم الأولى عدم إفراد يوم السبت بصيام، ولو صامه فلا إثم عليه، بل هو مأجورٌ؛ لما ورد فيه من الأحاديث في فضيلة صومه، ومنها: 1.عن أم سلمة رضي الله عنها قالت أكثر ما كان يصوم من الأيام يوم السبت والأحد، وكـان يقـول: إنّـما عيـدان للمشرـكين وأنـا أريـد أن أخالفهم8 :381،407)، وصحيح ابن خزيمة3 : 318)، والمستدرك1 :602)، وسنن البيهقي الكب4 :303 .) 2.عن ابن عباس بعث إلى أم سـلمة وإلى عائشـة يسـألهما مـا كـان رسول الله يحب أن يصوم من الأيام فقالتا ما مات رسول الله حتى كان أكثر صومه يوم السبت والأحد ويقول: هما عيدان لأهل الكتاب فنحن نحب أن نخالفهم2 :146)، وغيره. قال ابن مفلـح الفروع( 3 :124)« : وصححه جماعة، وإسناده جيد» وأما يوم الجمعة فلا كراهة فيه عندهم، وإنما قالوا: باستحباب صومه وإن يصم يوماً قبله أو بعـده، كـما في بـدائع الصـنائع(2 :79)، والبحـر
عدد الصفحات ٨٣للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 81 الرائق2 :278)، ومجمع الأنّر1 :254)؛ للأحاديث الـواردة في فضـل الصيام، وبعض الأحاديث المشيرة لاستحباب صيامه، ومنها: 1.حديث صيام الدهر، فعن عبد الله بن عمرو، قال أخ رسول الله أ أقول: والله لأصومن النهار ولأقومن الليل ما عشـت، فقـال لـه رسول الله : أنت الذي تقول: والله لأصومن النهار ولأقـومن الليـل مـا عشت، قلت: قد قلته، قال: إنفي لا تستطيع ذلفي فصـم وأفطـر وقـم ونـم وصم من الشهر ثلاثة أيام، فإن الحسنة بعشر أمثالها وذلفي مثل صيام الدهر، فقلت: إ أطيق أفضل من ذلفي يـا رسـول الله، قـال: فصـم يومـاً وأفطـر يومين، قال قلت: إ أطيق أفضل من ذلفي قال: فصـم يومـاً وأفطـر يومـاً وذلفي صيام داود، وهو عدل الصيام، قلت: إ أطيق أفضل منه يا رسـول الله قال: لا أفضل من ذل3 :1256)، فلـم يحـدد النبي يوماً قبل الجمعة أو بعده. 2.حديث ابن مسعود« : كان رسول ا يصوم من غرّة كلّ شهر ثلاثة أيام، وقلَّما كان يفطر يوم الجمعـة8 :406، وسنن الترمذي(3 :118)، وحسنه، وسنن النسـائي الكـ ى2 :122)، والمجتبى(4 :204)، ومسند الشا2 :112)، ومسند أحمد1 :406)، ومسند أبي يعلى(9 :206.)
عدد الصفحات ٨٤82 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فتاوى يكثر السؤال عنها قال بدر الدين العَيْنيّ في عمدة القاري شرح صحيح البخـاري ( 11 : 105« :) والحديث على ظاهره، ولا تدفع حجيته بالاحتمال الناشئ عن غ دليل من كونه يحتمل عدم تعمد فطره إذا وقع في الأيام التي كان يصومها وعند السادة المالكية، فعن الإمام مالفي قال في الموطأ(1 :311« :) أسمع أحداً من أهل العلم والفقه ومَن يقتدى به نّى عن صيام يوم الجمعة وصيامه حسن، وقد رأيت بعض أهل العلم يصومه وأراه كان يتحراه وعلَّق عليه الفقيه أبو الوليد الباجي المالكي في المنتقى شرح الموطأ(2 : 76« :) هذا مذهب مال أن صيام يوم الجمعة ليس بممنوع، وأنه يجوز صومه لمَن أرادَ صيامه، وكذلفي سائرُ أيام الأسبوع مفرداً ومتصلاً بغيره إلا أنه يكره أن يتحرَّى هذا وغيره بغير صيام، والأصلُ في ذلفي مـا روي عـن علقمة قال قلت لعائشة رضي الله عنها يخـتصّ من الأيام شيئاً، قالت: لا، كان عمله ديمة2 :701) . وظاهر الكلام يفيد أنه لا كراهة في صيام يوم السبت أو الجمعة، وإنّ الكراهة في تخصيصها بالصيام دون غيرهما، كما أن حكمَهما حكم صيام باقي أيام الأسبوع. وََّّحَ العلامةُ الدرديرُ المالكيُّ في الشرح الكبير( 1 :535) والعلامـة علي المالكيّ في منح الجليل شرح مختصر خليل( 2 :148« :) بندب صوم يوم الجمعة وحده فقط ، وإن يصم قبله ولا بعده، فإن ضمَّ إليه آخـر فـلا خلاف في ندبه... وحمل النهي عن الوارد في قوله « : لا يصومن أحدكم
عدد الصفحات ٨٥للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 83 يوم الجمعة إلا أن يصوم قبله يوماً أو بعدهمسلم(2 :801 ) ع التَّقيَّة من فرضه كما اتقى قيام رمضان، وقد أمنا من هذه العلـّة بوفاتـه ؛ ولذا يذكر أن ابن رشد كان يصومه إلى أن مات وعند السادة الشافعية يكره إفراد يوم السبت أو الجمعة بالصيام مـا يوافق عادته؛ لقوله « : لا يصم أحدكم يوم الجمعة إلا أن يصوم يوماً قبله أو يوماً بعده خصّ الكراهة فيه البَيْهَقيّ والمـاوردي وابـن الصـبّاغ والعمـرا نقـلاً عـن مذهب الشافعيّ بمَن يضعف به عن الوظائف، وإلا فلا يكره له صيامه، كما في أسنى المطالب(1 :432)، ومغني المحتاج(2 :185 .) وظاهر كلام الحافظ ابن حَجَر العسقلا ّ الشافعيّ عـلى عـدم كراهـة إفراد السبت بالصيام؛ إذ قال في فتح الباري(17 :8« :) إن الذي قاله بعض الشافعية من كراهة إفراد السـبت وكـذا الأحـد لـيس جيـداً، بـل الأولى في المحافظة على ذلفي يوم الجمعة كما ورد الحديث الصحيح فيه، وأمـا السـبت والأحد فالأولى أن يصاما معاً وفرادى امتثالاً لعموم الأمـر بمخالفـة أهـل الكتاب ففيما سبق تخصيص من بعض الشـافعية كراهـة صـيام الجمعـة بمـَن ضعف عن أداء وظائفها، وردّ من ابن حجر العسقلا على مَن قال بكراهة إفراد يوم السبت بالصيام.
عدد الصفحات ٨٦84 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فتاوى يكثر السؤال عنها وعند السادة الحنابلة يكره إفراد صيام يوم الجمعة أو يوم السبت، كما في الإنصاف(3 :347)، والفروع3 :122)، ودقائق أولي النهى1 :494)، وكشاف القناع(2 :340)، ومطالب أولي النهى2 :219)، وغيرها، ولكن قال الأثرم: وحجّة الإمام أحمـد في الرخصـة في صـوم يـوم السـبت أن الأحاديث كلها مخالفة لحديث عبد الله بن بشر الآتي ذكره، وقـد سـبق ذكـر بعض هذه الأحاديث المخالفة له. قال العلامة ابن مفلح الحنبلي في الفروع(3 :124« :) واختار شـيخنا أنه لا يكره، وأنه قول أكثر العلماء، وأنه الذي فهمه الأثرم من روايته، وأنه لو أريد إفراده لمََا دخل الصوم المفروض ليستثنى، فالحديث شـاذٌ أو منسـوخٌ، وأن هذه طريقة قدماء أصحاب أحمد الذين صحبوه، كالأثرم وأبي داود، وأن أكثر أصحابنا فهم من كلام أحمد الأخذ بالحديث، و يـذكر الآجـري غـير صوم يوم الجمعة، فظاهره لا يكره غيره» فبهذا يتضح أنه لا وجه لإنكار صوم يوم السبت أوالجمعة في عرفة أو عاشوراء طالما أن إفرادهما بالصيام من سبب ليس بمحرم، بل نصَّ الحنفيـة والمالكية على استحباب صيام يوم الجمعة بمفرده، وعدم الكراهة في صـيام السبت عند المالكية والكراهة التنزيُّية فيه لا غير عند الحنفية. وكره الشافعية والحنابلة إفراد يوم الجمعة أو السبت وخالف جمع من فقهاء الشافعية المعت ين أن الكراهةَ خاصّة في يوم الجُمُعة فيمن يضعف عن وظائفها، وردَّ ابنُ حَجَر قولَ بعض الشافعية بكراهية إفراد يوم السبت بأنه
عدد الصفحات ٨٧للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 85 لا كراهة فيه، وقال بعض الحنابلة أن المعتمد عن الإمام أحمد عدم كراهة إفراد يوم السبت، وقالوا: أن هذا قول أكثر العلـماء، وقـد مـرَّ دلائـل كـل طرف. رابعاً: إن الحديثَ الوارد في النهي عن صيام يوم السبت عـن عبـد الله بن بسر عن أخته، وهي الصماء، قالت: قال رسول الله « : لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم وإن يجد أحدكم إلا عود عنبة أو لحاء شجرة فليمضغها3 :317)، والمستدرك1 :601)، وقال « هــذا حــديث صــحيح عــلى شرط البخــاري و يخرجــاه الترمذي(3 :120)، وحسنه، وسنن الـدارمي2 :62)، وسـنن البيهقـي الكبير(4 :302)، وسنن أبي داود2 :320)، وسنن النسائي2 :144)، وسنن ابن ماجة(1 :550)، وغيرها، فإنه محلّ نظر عنـد كثـير مـن الأئمـة وفقهاء الأمة، ولهم محامل وتوجيهات ومسالفي عديدة في ردّه، نـذكر لـفي بعضها ليتبينَّ لفي حاله ومقاله، ومنها: 1.أنه حديثٌ ضعيفٌ مردود، يقبل كبار الحفـاظ والمحـدثين؛ قـال الإمام مال هذا الحديث كذب2 :320 .) وعن ابن شهاب أنه كان إذا ذكر له أنه نّى عن صيام يوم السبت، قال « هذا حديث1 :601)، وقال الإمام الطحاوي شرح معا الآثار(3 :80« :) ولقد أنكر الزهري حديث الصماء في كراهـة صوم يوم السبت، و يعده من حديث أهل العلم، بعد معرفته به.
عدد الصفحات ٨٨86 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فتاوى يكثر السؤال عنها وقال الإمام النسائي هذه أحاديث مضطربة وقال الأثرم وكان يحيى بن سعيد يتقيه وأبى أن يحدثني به الفروع(3 :124 .) وقال الإمام الأوزاعي ما زلت له كا ا حتى رأيته قد اشتهر وقال الحافظ ابن حجـر في تلخـيص الحبـير(2 :413« :) لكـن هـذا التلون في الحديث الواحد بالإسناد الواحد مع اتحاد المخـرج، يـوهن راويـه وينبئ بقلة ضبطه، إلا أن يكون من الحفاظ المكثرين المعروفين بجمع طرق الحديث، فلا يكون ذلفي دالاً على قلّة ضـبطه، ولـيس الأمـر هنـا كـذا، بـل اختلف فيه أيضا على الراوي عن عبد الله بن بسر أيضاً وقال صاحب عون المعبود(2 :294« :) وقد طعن في هـذا الحـديث جماعة من الأئمة: مالفي ابـن أنـس، وابـن شـهاب الزهـري، والأوزاعـي، والنسائي، فلا تغتر بتحسين الترمذي وتصحيح الحاكم، وإن ثبت تحسينه فلا يعارض حديث جويرية بنت الحارث الذي اتفق عليه الشيخان 2.أنه حديثٌ منسوخٌ بحديث ا لجويرية أن النبي دخل عليها يوم الجمعة وهي صـائمة، فقـال: صـمت أمـس قالـت: لا، قـال: فتريـدين أن تصومي غداً1 :601)، وحديث أم سلمة رضي الله عنها أنه كان يصوم يوم السبت والأحد يتحرى ذلفي ويقول إنّـما يومـا عبـد
عدد الصفحات ٨٩للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 87 الكفار وأنا أحب أن أخالفهملفظ ما مات رسول الله حتى كان أكثر صيامه السبت والأحد وأشار بقوله « : يوما عيـد والأحد عيد عند النصارى وأيام العيد لا تصام فخالفهم بصيامها، وممن قال بالنسخ الإمام أبو داود في سننه(2 :320 ) ، والحافظ ابن حجر العَسْق في فتح الباري(17 :8)، والإمام علي القاري في مرقـاة المفـاتيح13 :141)، وغيرهم. 3.أنه حديث شاذ خالف الأحاديث المشهورة بجواز صيام يوم السبت تطوعاً كما سبق، قال الإمام الطحاوي في شرح معا الآثار(2 :80 « :) ففي هذه الآثار المروية في هذا، إباحة صوم يوم السبت تطوعاً، وهي أشهر وأظهر في أيدي العلماء من هذا الحديث الشاذ، الذي قد خالفها»... 4.أن هذا الحديث إن صـحَّ فمحـلّ الكراهـة هـو تعظـيم هـذا اليـوم بالصيام، فإن يكن تعظيم له فلا كراهـة، قـال الإمـام الطحـاوي في شرح معا الآثار(2 :81« :) وقد يجوز عندنا، والله أعلم، إن كان ثابتاً أن يكون إنما نّي عن صومه؛ لئلا يعظم بذلفي، فيمسفي عن الطعام والشراب والجماع فيه، كما يفعل اليهود. فأمّا مَن صامه لا لإرادة تعظيمه، ولا لما تريـد اليهـود بتركها السعي فيه، فإن ذلفي غير مكروه وقال شيخنا العلامة الدكتور هاشم جميل: « أجمع و أخصر ما قرأته في حديث الصماء كلام الترمذي، حيث قال بعد روايته لهذا الحديث في سننه(3 :
عدد الصفحات ٩٠88 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فتاوى يكثر السؤال عنها 120« :) هذا حديث حسن، ومعنى كراهته في هذا: أن يخصّ الرجل يـوم السبت بصيام؛ لأن اليهود تعظّم يوم السبت السبت بصوم التطوع، فمن صام يوما قبله أو يوما بعده فهو يتحر صومه، ومَن صامه لأنه وافق عادته في الصوم فهو يتحر صومه، ومن صامه؛ لأنه وافق صوماً مشروعاً كصوم عرفة أو عاشوراء فهو غير متحرّ له علل الحديث في اختلاف الفقهاء( 133 .) وبهذا يتبينَّ أنه يسنّ ويستحبّ صيام يوم السبت والجمعة إذا كانا يوم عرفة أو عاشوراء بلا خلاف عند الفقهاء المعت ين، وأن الحديث الـوارد في يوم السبت ليس على إطلاقه، بل ضعفه جلّ الحفاظ، وقال بنسخه آخرون، وأول معناه البعض الآخر، والله الموافق.
عدد الصفحات ٩١للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 89 فتوى14 ) وجوب الاستئناف إن تخلل العيد صيام الكفارة للصوم والقتل سئلت ع مَّن شرع في صيام كفارة الإفطار عامداً بالجماع أو غيره في رمضان، فهل يصوم عيد الأضحى لوقوعه قبل ام الشهرين أم لا؟ فأقول وبالله التوفيق: إن سادتنا الفقهاء نصّوا على الكراهة التحريميـة في صيام يوم العيد؛ لنهي رسول الله الأكيد عن الصيام في أحاديث كثيرة منها: (لا صوم في يومين: الفطر والأضحى) في صحيح البخاري 1 :400، و(لا يصلح الصيام في يومين: يوم الأضحى ويوم الفطر مـن رمضـان) في صحيح مسلم: 2 :799. ولذلفي فإنه لا يجزئ صيام يوم العيد من الشهرين في الكفارة؛ لأن هذا اليوم نّي عن الصيام فيه، فلو صام فيه لأدى الصيام ناقصـاً لمكـان النهـي، والصيام وجب عليه كاملاً، فلا يصلح أداء الصيام الكامل بأداء ناقص. ولو يصم يوم العيد لأخل بالتتابع الذي اشترط في قوله :{فَمَنْ َْ يجَِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَينِْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَماَسَّا فَمَنْ َْ يَسْتَطِعْ فَإِطْ عَامُ سـِتنينَ مِسْكِيناً ذَلِفيَ لِتُؤْمِنُوا بـِاللهَِّ وَرَسـُولِهِ وَتِلـْفيَ حـُدُودُ اللهَِّ وَلِلْكـَافِرِينَ عـَذَابٌ أَلِيمٌ }[4.]
عدد الصفحات ٩٢90 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فتاوى يكثر السؤال عنها ولما روي أن رجلاً جاء إلى النبي ، فقال: هلكت يا رسول الله، قال وما أهلكفي، قال: وقعت على امرأتي في رمضان، قال: هل تجد ما قوما رقبة؟ قال: لا. قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا. قال: فهل تجد ما تطعم ستين مسكيناً؟ قال: لا؟ قال: ثم جلس فأتي النبي بعرق فيه ر، فقال: تصدق بهذا، قال: أفقر منا فما بين لابتيها أهل بيت أحوج إليه منا فضحفي النبي حتى بدت أنيابـه،ثـم قـال: اذهـب فأطعمـه أهلـفي) في صحيح مسلم 2 :781، وصحيح البخاري2 :684 . ولصراحة القرآن والسنة في اشتراط التتابع في صيام الكفارة فلا بد لمن تخلل صيام يوم عيد أن يستأنف سواء صام أو أفطر؛ لعدم إجزاء ذلفي، ومثل ذلفي لمن قتل خطأً فإنه لا بد من التتابع أيضاً؛ لقوله :{وَمَا كَانَ لمُِؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلىَ أَهْلِهِ إِلاَّ أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهـُوَ مـُؤْمِنٌ فَتَحْرِيـرُ رَقَبـَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلىَ أَهْلِهِ وَتحَْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ َْ يجَِدْ فَصـِيَامُ شـَهْرَيْنِ مُتَتـَابِعَينِْ تَوْبـَةً مـِنَ اللهَِّ وَكـَانَ اللهَُّ عَلـِيماً حَكِيماً }[92.] واستثني الفقهاء سقوط التتابع فيما لا بد منه كالحيض أو مرض مبيح للفطر في يوم الإفساد، فلو كان المرض بفعل نفسه كأن يجرح نفسـه فإنـه لا يسقطها، قال الكاسا في البدائع5 :111« : يشترط التتابع في غير موضـع
عدد الصفحات ٩٣للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 91 الضرورة في صوم كفارة الظهار والإفطـار والقتـل بـلا خـلاف المبسوط3 :81 . قال العلامة البابرتي في العناية4 :66« : عليه أن يستقبل إن أدخل صيامه شهر رمضان أو يوم الفطر أو يوم النحر أو أيام التشريق وفي الجوهرة النيرة شرح القدوري 2 :67 « فكفارته صـوم شـهرين متتابعين ليس فيهما شهر رمضان ولا يـوم الفطـر ولا يـوم النحـر ولا أيـام التشريق؛ لأن التتابع منصو عليه وصوم هذه الأيام منهي عنه فلا ينوب عن الواجب1 :512، والهداية4 :66 . وفي الفتاوى الهندية1 :512« : إذا كفَّر بالصـيام وأفطـر يومـا بعـذر مرض أو سفر فإنه يستأنف الصوم، وكذا لو جاء يوم الفطر أو يوم النحر أو أيام التشريق فإنه يستأنف الصوم فإن صام هذه الأيام و يفطر فإنه يستأنف أيضاً وما نصَّ عليه السادة الحنفية من وجوب الاستئناف فـيما سـبق ذكـره السادة المالكية، ففي المدونة 2 :330« : الرجل يكونعليه صيام شهرين في تظاهر أو قتـل نفـس خطـأ، فيصـوم ذا القعدة وذا الحجة. فقال لي: لا أرى ذلفي يجزئ عنه، وليبتدئ الصيام شهرين متتابعين أحب إ
عدد الصفحات ٩٤92 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فتاوى يكثر السؤال عنها ومثله عند السادة الشافعية ففي حاشية الغرر البهية 4 :319 : «قال في الروض ويقطعه أي: التتابع عيد النحر ورمضان وفي الروضة البهية 2 :131-132 :«يجب تتابع الصوم ... وكل من أخل بالمتابعة حيث تجب لعذر كحيض ومرض وسـفر ضروري بنـى عنـد زواله، إلا أن يكون الصوم ثلاثة أيام فيجب استئنافها مطلقاً ، كصوم كفارة اليم
عدد الصفحات ٩٥للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 93 فتوى25 ) حكم أكل الناذر من نذره سئلت مراراً عن حكم الناذر شاة هل يجوز له أن يأكل منها، أو أن يطعم منها أبناءه؟ فأقول وبالله التوفيق: إن محلّ النذر هو التصدق في سبيل الله، فمصرفها هم الفقراء لا غير، ولا يجوز للناذر الأكل من نذره سواء كان غنياً أو فقيراً، ولا إطعام مَن لا يجوز له إعطاءهم الزكاة وصدقة الفطر كفروعه وأصـوله وزوجته، فإن أكل منها أو أطعم هؤلاء ضمن ما أكل للفقراء. قال شيخنا العلامة الأستاذ الدكتور عبد الملفي السعدي في فقه الأيمان والنذور 27 :«أما لو ذبح الشاة فلربما يدفع منه لغني أو يأكل منه، وذلفي لا يجوز. وإذا أكل من المنذور هو، أو من تلزمه نفقته، أو أطعم منه مَن ليس مصرفاً له ضمن بقدره وفي البحر الرائق 2 :319 :«مصرف النذر: الفقراء ... ولا يجـوز أن يصرف ذلفي لغني غير محتاج، ولا لشريف منصب؛ لأنه لا يحل له الأخذ ما يكن محتاجاً أو فقيراً، ولا لذي النسب لأجل نسبه مـا يكـن فقـيراً، ولا لذي علم لأجل علمه ما يكن فقيراً، و يثبـت في الشرـع جـواز الصرـف للأغنياء للإجماع على حرمة النذر للمخلوق، ولا ينعقد ولا تشتغل الذمة به؛ ولأنه حرام، بل سحت1 :216.
عدد الصفحات ٩٦94 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فتاوى يكثر السؤال عنها وهذا الحكم أيضاً في الأضحية المنذورة بخلاف غيرها من الأضاحي، قال الإمام الزيلعي في تبيين الحقائق 6 :8 :«هذا في الأضحية الواجبة والسنة سواء إذا تكن واجبة بالنذر، وإن وجبت به فلا يأكل منها شيئاً ولا يطعم غنياً سواء كان الناذر غنياً أو فقيراً؛ لأن سبيلها التصدق وليس للمتصدق ذلفي، ولو أكل فعليه قيمة ما أكل6 :327، والعناية 9 :518، والبحر8 :199، ومجمع الأنّر2 :520، والدر المختار6 :320 . وفي لباب المناس431 :«فلو تصدق بالهدي على أصله، أو فرعه، أو مملوكه، أو زوجته، أو تصدقت به على زوجها لا يجوز». وسئل الشيخ عطية صقر كما في فتاوى الأزهر10 :241 :«نذرت لله إن شفانى أن أذبح شاة، فهل يجوز أن آكل منها؟ فأجاب: إذا نذر الإنسـان شيئاً خرج عن ملكه فيجـب أن يوجهـه إلى مـا نـُذر إليـه، كـما قـال تعـالى: {وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ } [الحج 29 .] فمَن نذر التصدق بشاة أو توزيع طعام وجـب أن يكـون التنسـيق أو التوزيع على الفقراء والمساكين، ولا يجوز للناذر أن يأخذ شيئاً من النـذر، لا للأكل ولا لغيره كجلد الشاة للفراش، أو الصلاة عليه، أو صوفها للانتفاع به، بل يخرج كل ما فيها لله سبحانه... وقال: يؤخذ من هذا العرض أن الطعامَ المنذور لا يجوز للناذر أن يأكل منه باتفاق الفقهاء سواء كان النذر هدياً في الحج والعمرة، أو كان غير ذلفي
عدد الصفحات ٩٧