للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 223 فتوى39) التكبر... وعلاجه ما حكم التك وكيف نعالجه؟ إن التك َُّ من أكثر الأمراض النفسية شيوعاً، فلا يكاد ينجو منه إلا مَن رحمه الله ، وحظّ الناس فيه متفـاوت، فمـنهم مـَن لـه النصـيب الـوافر، ومنهم مَن له أدنى نصيب، ولا بُدّ لكلّ منّا أن يبذلَ قصارى جهـده لتنقيـة نفسه منه، وتزكيتها بالتواضع، وهذا كلُّه سـنعرض لـه فـيما يـلي، وسـنهتمّ بالكلام على مَن جعلوا التك َُّ سبيل حياة يتربُّون عليه، ويظنُّون أنـه الـدين الحقّ. والك معدود من الكبائر كما ذكر ابن حجـر في الزواجـر(1 :169) ل يات الكثيرة الواردة في ذمّ الك ، والنهي عنه، ومنهـا قولـه :{إِنـَّهُ يحُِبُّ المُْسْتَكْ ِِينَ } النحل23، وقوله :{إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْ ُِونَ عَنْ عِبَادَتيِ سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ } غافر60: أي صاغرين والكِ اسـم مـن التَّكـ ّ، والتَّكـَ ُّ والاسـْتكْبار : الـتَّعَظُّم، قـال ابـن القُوطِيَّة: الكِ اسمٌ من كَ َْ الأمرُ والذنبُ كُ ْاً إذا عَظُمَ، والكـ ُْ العظمـةُ، والك ياء مثله، كما في المصباح( 523-524 .)
عدد الصفحات ٢٢٦224 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فتاوى يكثر السؤال عنها والك إما باطن: وهو خلق في النفس، واسم الك بهـذا أحـقّ، وإمـا ظاهر وهو أعمال تصدر مـن الجـوارح، وهـي ثمـرات ذلـفي الخلـق وعنـد ظهورها يقال له تَك ّ، وعند عدمها يقال في نفسه ك ، فالأصل هـو خلـق النفس الذي هو الاسترواح والركون إلى رؤية النفس فوق المُتَكَ َّ عليه، كما في الزواجر(1 :188 .) والمتك نُ مَن يرى نفسه فوق ذلفي الغير في صفات الكمال، فعند ذلـ يكون متك ّاً، ولا يكفي أن يستعظم نفسه ليكون متك ناً، فإنه قد ي سـتعظم نفسه ولكنّه يرى غيره أعظم من نفسه أو مثل نفسـه فـلا يتكـ ّ عليـه، ولا يكفي أن يستحقر غيره، فإنه مع ذلفي لو رأى نفسه أحقر يتك ّ، ولو رأى غيره مثل نفسه يتك ، بل ينبغي أن يرى لنفسه مرتبة ولغيره مرتبة، ثم يرى مرتبة نفسه فوق مرتبة غيره، فعند هذه الاعتقادات الثلاثة يحصل فيه خلـق الك ... وهذه العقيدة تنفخ فيه، فيحصل في قلبه اعتداد وهزة وفرح وركون إلى ما اعتقده وعزّ في نفسه بسبب ذلفي، فتلفي العزّة والهـزّة والركـون إلى هـذا الخلـق الكــ ... فـالك عبــارة عــن الحالـة الحاصــلة في الـنفس مــن هــذه الاعتقادات، وتُسمَّى أيضاً عزّة وتعظماً... وهذه العزّة تقتضي أعمالاً في الظاهر والباطن هي ثمرات ويسمّى ذلفي تك ّاً، فإنه مهما عظم عنده قدره بالإضافة إلى غيره حقَّرَ مَن دونـه وازدراه وأقصاه عن نفسه وأبعده، وترفَّعَ عن مجالسته ومؤاكلته... قال :« الك
عدد الصفحات ٢٢٧للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 225 من بطر الحق وازدرى الناس» في المستدرك1 :78)، وصححه، صحيح ابن حبان(12 :280 .) فهذا هو الك وآفته عظيمةوغائلته هائلة، وفيه يُّلـفي الخـوا مـن الخلق، وقلَّماَ ينففي عنه العباد والزهاد والعلماء فضلاً عن عوام الخلق، وكيف لا تعظم آفته وقد قال :« لا يدخل الجنة مَن كان في قلبه مثقال حبـَّة مـن خردل من ك ، ولا يدخل النار مَن كان في قلبه مثقال حبة من إيمان» في سنن الترمذي(4 :360)، وقال: حسن صحيح، وصحيح مسلم1 :93 .) وإنما صار حجاباً دون الجنة؛ لأنه يحول بين العبد وبين أخلاق المؤمن كلّها، وتلفي الأخلاق هي أبواب الجنة، والكـ وعـزّة الـنفس يغلـق تلـفي الأبواب كلّها؛ لأنه لا يقدر على أن يحبَّ للمؤمنين ما يحبّ لنفسه وفيه شيء من العزّ. ولا يقدر على التواضع وهو رأس أخلاق المتقين وفيه العزّ. ولا يقدر على ترك الحقد وفيه العز. ولا يقدر أن يدوم على الصدق وفيه العز. ولا يقدر على ترك الغضب وفيه العزّ. ولا يقدر على كظم الغيظ وفيه العزّ. ولا يقدر على ترك الحسد وفيه العزّ. ولا يقدر على النصح اللطيف وفيه العزّ.
عدد الصفحات ٢٢٨226 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فتاوى يكثر السؤال عنها ولا يقدر على قبول النصح وفيه العزّ. ولا يسلم من الازدراء بالناس ومن اغتيابهم وفيه العزّ. ولا معنى للتطويل فما من خلق ذميم إلا وصاحب العزّ والك مضطرٌ إليه ليحفظ عزّه، وما من خلق محمود إلا وهو عاجز عنه خوفاً من أن يفوته عزّه، فمن هذا يدخل الجنة مَن في قلبه مثقال حبّة منه، كما في الإحيـاء( 3 : 363 .) والكِ ْ والتَّكَ ُّ والاسْتكْبار متقاربـة؛ إذ الكـِ ُْ: حالـةٌ يتخصـّص بهـا الإنسان من إعجابه بنفسه وأن يرى نفسَه أَ كْ َ من غيره، وأعظم الكِ ْ التَّكَ ُّ على الله بالامتناع عن قَبول الحقّ والاسْتكْبارُ على وَجْهَينْ: أحدُهما: أن يَتَحَرَّى الإنسانُ ويَطْلُبُ أن يكونَ كبيراً، وذلفي متى كـان على ما يجَِب، وفي المكان الذي يجَِبْ، وفي الوقت الذي يجَِبْ فهو محمود. والثا : أن يَتَشَبَّعَ فيُظهِر من نَفْسِه ما ليس له، فهذا هو المَذْموم، وعليه وَرَدَ القرآن وهو قوله :{إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْ ََ } البقرة34 . وأما التَّكَ ُّ فعلى وَجْهَينْ أحدهما: أن تكونَ الأَفعالُ الحسَنةُ كبيرةً في الحقيقة وزائدةً على محاسن غيرِه، وعلى هذا قولُه :{الْعَزِيزُ الجَْبَّارُ المُْتَكَ نُ } ا23.
عدد الصفحات ٢٢٩للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 227 والثا : أن يكون مُتَكَلنفاً لذلفي مُتَشَبنعاً، وذلفي في عامـّة النـاس نحـو قوله :{كَذَلِفيَ يَطْبَعُ اللهُ عَلىَ كُلن قَلْبِ مُتَكَ نٍ جَبَّارٍ }غافر35. وكلّ مَن وُصِف بالتك على الوجه الأول فمحمود دون الثا ، ويدلُّ على صحّة وَصف الإنسان به قوله :{سَأََِّْفُ عَنْ آيَاتيَِ الَّذِينَ يَتَكَ َُّونَ فيِ الأَْرْضِ بِغَيرِْ الحَْقن } الأعراف146. والتَّكَ ُّ على المُتَكَ ن صدقة والكِ ِْياء: الترََّفُّع عن الانْقِياد ولا يَسْ تَحِقُّهُ إلاَّ اللهُ ، فعن أبي هريرة ، قال :« قال: الك ياء ردائي والعظمة إزاري فمَن نازعني واحداً منهما قذفتـه في النـار» في سـنن أبي داود2 :456)، وسـنن ابـن ماجـة2 : 1397)، وصحيح ابن حبان2 :36)،كما في تاج العروس ( 3439 .) سببالتكبر: مما سبق يتبين لنا الحامل على الك هو اعتقاد كمال يزه على الغير بعلم أو عمل أو نسب أو مـال أو جمـال أو جـاه أو قـوة أو كثـرة أتبـاع، كـما في الزواجر(1 :82)؛ لذلفي قال الغَزالي في الإحيـاء3 :367 :)اعلـم أنـه يتك إلا متى استعظم نفسه، ولا يستعظمها إلا وهو يعتقـد لهـا صـفة مـن صفات الكمال. وجماع ذلفي يرجع إلى كمال دينـي أو دنيـوي، فالـديني هـو العلم والعمل، والدنيوي هو النسب والجمال والقوة والمال وكثرة الأنصار. علاج الكبر:
عدد الصفحات ٢٣٠228 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فتاوى يكثر السؤال عنها ومن النظر في أسباب الك يظهر أنه خلق مكتسب، ويشهد لـه قولـه :« لايزال الرجل يتك ويذهب بنفسه حتى يكتب من الجبارينفيصيبه ما أصابهم» في سنن الترمذي4 :362)، وحسنه، والمعجم الكب7 :21 .) ولا بُدَّ للإنسان أن لا يكتسبه ويخلص منه إن ظهر فيه؛ لأن الك مـن المهلكات ولا يخلو أحد من الخلق عن شيء منه، وإزالتـه فـرض عـين، ولا يزول بمجرد التمنّي، بل بالمعالجة واستعمال الأدوية القامعة له، ومن ذلفي: 1.استئصال أصله وقلع شجرته من مغرسها في القلب، وله طريقان أ.نظري: بأن يعرف نفسه ويعرف ربّه تعالى، ويكفيـه ذلـفي في إزالـة الك ، فإنه مهما عرف نفسه حق المعرفة علم أنه أذلّ من كلّ ذليل وأقلّ من كلّ قليل، وأنه لا يليق به إلا التواضع والذلّة والم هانة، وإذا عرف ربّه علم أنه لا تليق العظمة والك ياء إلا بالله ... قال :« مـا تواضـع أحـد لله إ رفعه الله» في صحيح مسلم4 :2001)، وقال :« من يتواضع لله سبحانه درجة يرفعه الله به درجة، ومن يتك على الله درجة يضعه الله به درجة، حتى يجعله في أسفل السافلين » في سنن ابـن ماجـة2 :1398)، وصـحيح ابـن حبان(12 :491 .) بعملي: فهو التواضع لله بالفعل ولسائر الخلق بالمواظبة على أخلاق المتواضعين، كما كانت أحوال رسـول الله حتـى إنـه كـان يأكـل عـ الأرض، ويقول: « آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد» في مسند أبي يعلى(8 :318)، والمعجم الكب8 :200)، ومصنف ابن أبي شيبة7 :
عدد الصفحات ٢٣١للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 229 87)، وكما كانت أحوال الصالحين والزهاد... فيكثر من القراءة والاطـلاع عليها والتزامها في حياته. 2.دفع العارض منه بالأسباب التي بها يتك الإنسان على غـيره، كـ سبق ذكرها وليتذكر أن الكمال الحقيقي هو العلم والعمل، فأما ما عداه ممـا يفنى بالموت فكمال وهمي...، كما في الإحياء(3 :377-380)، قال :« إن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد ولا يبغـي أحـد على أحد» في صحيح مسلم4 :2198 .) وليعلم أن هذه الأسباب الداعية للك إنما هي من فضـل الله ونعمتـه عليه فلماذا يتك ؛ إذ التأثير لموجدها والمنعم بها، فينبغي أن لا يكون إعجابه إلا بما أسداه إليه الحقّ وأجراه عليه وآثره به دون غيره من مزايا جوده وكرمه مع عدم سابقة استحقاق منه لذلفي، كما في الزواجر(1 :188 .) وطالما أن الخير والفضل كله من ا يكـن لبشرـ أن يتكـ عـلى أحد، وهذا أكده القرآن فيما سبق، ونّى مرتكبه أشدّ النهي، وأرهبـه بأشـد العقوبات له، وبذلفي وردت الأحاديث المتعددة مما ذكر ومما يذكر، حتـى وصف رسول الله المتك ين يوم القيامة فقال :« يحشر المتك ون يـوم القيامة أمثال الذر في صورة الرجال، يغشاهم الذل من كل مكان، يسـاقون إلى سجن من جهنم يسمى: بولس، تعلوهم نار الأنيار، ويسقون من عصارة أهل النار، طينة الخبال» في سنن الترمذي4 :655)، وصـححه، والأدب المفرد(2 :328 .)
عدد الصفحات ٢٣٢230 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فتاوى يكثر السؤال عنها وفيما استخلصناه من كلام الأكابر كالغزالي وابن حجر والزبيدي عن الك وأحواله وأوصافه وأسبابه وعلاجه كفاية للمتبصر من أهـل زماننـا؛ لاسيما ممن يشتغلون في حقل الدعوة ويلتزمون أحزاباً وجماعات ينتسبون لها ويعلمون من خلالها، فإن أبرز ما يميزهم في سلوكهم تعاليهم على الآخرين، وتعظيم أنفسهم وأعمالهم وسلوكهم. فالعلم الذي لا يزيد صاحبه إلا تواضعاً لا خير فيه، والعمل الـذي لا يزيد صاحبه إلا تواضعاً لا خير فيه، فينبغي أن يكون حافظ القرآن من أكثر الناس تواضعاً لو كان عالماً وعاملاً بما حفظ، ولكـن لمـا يـتعلم معنـى مـا يحفظ، و يعمل به، زاده حفظه تك اً وعلواً على الآخرين. وكذلفي مَن عمل في الدعوة لله ، ينبغي لهأن يعلم حقيقة ديـن الله ؛ ليتمكن من الدعوة الصحيحة له، ولا يكـون ذلـفي إلا بدراسـته عـ العلماء الربانيين، لا من الكتيبـات والسـديات والمطويـات والمجـلات؛ لأن العلم إن خلا عن التربية فقد ثمرته وهي العمل، وطريق ذلفي هي المجالس والمدارسة مع أهل الخير وفضله ممن أفنوا أعمارهم في العلم. فهذا الخلق الذميم الذي ابتلي به المؤمنون لا سبيل لهم للتلخص منه إلا بملازمة طريقة أهل السنة من العلـم والعمـل، والدراسـة عـلى طـريقتهم المشهورة، والتزام مناهجهم، فما وسع أمتنا في تاريخ الحافل ينبغي أن يسعنا، وإن السير على خطاهم هو الخيار الوحيد؛ لأن طريقهم هي طريق النبي ، قال :« إن العلماء ورثة الأنبياء» في صحيح ابن حبان1 :289)، وسنن
عدد الصفحات ٢٣٣للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 231 الترمذي5 :48)، وسنن أبي داود3 :317)، وهذا ما أمرنا به ا:{لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فيِ رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لمَِنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الآْخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيراً } الأحزاب21.
عدد الصفحات ٢٣٤232 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فتاوى يكثر السؤال عنها فتوى (40) التبسّم... خلق المسلم ما حكم مقابلة المسلم للمسلم بالابتسامة؟ إن الحديث عن المشاعر ومراعاتهـا في التصرـفات والسـلوكيات طويـل ومتشعب لتعلّقه بكل أقوالنا وأفعالنـا، ونقتصرـ ههنـا عـلى الإشـارة إليهـا عموماً، وعلى واحدة منها خصوصـاً، تكـون عنـد اللقـاء والمقابلـة، وهـي الابتسامة؛ إذ اعت ها النبي من أبواب تحصيل الأجر والثواب، فقال : « تبسمفي في وجه أخيفي صدقة»، كما في سنن الترمذي6 :44)، وصحيح ابن حبان(2 :286.) ومعناه إظهارك له البشاشة والبشر إذا لقيته تؤجر عليه كما تؤجر عـلى الصدقة، كما في بريقة محمودية(5 :77 .) وما يثير الانتباه أن بعض المتدينين غفل عن هذا الحديث مع حرصهم الشديد في القول بالتزام سنّة رسول الله ، فهذه سنة عملية لا يستغني عنها مسلم قطّ، فلا ينبغي أن تهمل، ويستبدل محلها عبوس الوجه وقبضه، فـإن هذا ليس من الدين البتة؛ إذ من سيما الإيمان ملاقـاة النـاس بالوجـه الطلـق البشوش؛ لما لها من الأثر الطيب في النفـوس وارتياحهـا وتراضـيها وتحابهـا وتجانسها.
عدد الصفحات ٢٣٥للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 233 واسمع لنصيحة الحـافظ الكبـير ابـن عيينـة إذ يقـول: والبشاشـة مصيدة المودّة، وال ّ شيء هين: وجه طليق، وكلام لين، وفيه ردّ على العـا الذي يصعّر خدّه للناس كأنه معرض عنهم، وعلى العابد الذي يعبس وجهه كأنه منزه عن الناس مستقذر لهم أو غضبان عليهم، كما في فيض القدير(3 : 297 .) فهذا العا ُ والعابدُ ظنّوا ك اً أنّم أرفع حالاً من غيرهم وأرقى درجة بعلمهم وعبادتهم، فتعالوا وترفعوا وتنزهوا عن غيرهم على سبيل الاحتقار والاستقذار، حتى وصل بهم الحال إلى أن لا يبتسـموا لهـم، بـل يعبسـوا في وجوههم، وتعلوها كدرة وغضب صار جزءاً منها لا ينفصل عنها، وفي مثل هؤلاء يقول الإمام الغَزالي :« لا يعلم المسكين أن الورعَ ليس في الجبهـة حتى يغضب، ولا في الوجه حتى ينفـر، ولا في الخـدّ حتـى يصـعّر، ولا في الظهر حتى ينحني، ولا في الذلّ حتى ينضمّ، إنّما الورعُ في القلب آخر »، ك في بريقة محمودية(5 :77 .) وفقد هذه الميزة الطيبة من أخلاق المؤمنين راجعٌ إلى ظلمـة في القلـب ممَّن يتربَّى على أيدي العلماء الربانيين الذي سـلكوا مـنهج أهـل السـلوك والتربية عند أهل السُنّة، قال بعض العارفين: والتبسّ مُ والبشرُ من آثار أنوار القلب:{وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ، ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشرَِةٌ }عبس39. فالانحراف في السبيل هو الذي يولد هذا، وإلا فحاشا أن يمنع التدين والالتزام بطريق النبي من الابتسامة والبشاشة، فها هو خير الخلق سيدنا
عدد الصفحات ٢٣٦234 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فتاوى يكثر السؤال عنها محمد لا ينففي حاله عن البسمة لمَن يلقاه، قال جرير :« ما رآ رسول الله إلا تَبَسّم » في صحيح البخـاري3 :1104)، وصـحيح مسـلم4 : 1925)، بل يأمر به ويحثّ عليه فيقول :« لا تحقرن من المعروف شيئاً فإن تجد فلاين الناس ووجهفي إليهم منبسط » في صحيح ابن حبان2 :214 .) ومن هذه الأحاديث وغيرها فَهـِمَ العلـماءُ أن مـن أحاسـن الأخـلاق ادخال السرور إلى قلب الآخرين بمقابلته بوجه طلق، فقال ابن المبارك في وصف حسن الخلق« هو بسط الوجه وبذل المعروف وكفّ الأذى » في سنن الترمذي(4 :363 .) ويتعدَّى أثرُ هذا الخلق على نفس صاحبه بزيادة جماله وكمالـه بخـلاف الغضب والعبوس؛ إذ يزيده قبحاً وغ ة، فعن أبي زيد الأنصاري قال قال لي رسول الله :« أدن منّى، قال: فمسح بيده على رأسه ولحيته، قال: ثم قال: اللهمّ جمنله وأدم جماله، قال: فلقد بل لآ بضعاً ومئـة سـنة ومـا في رأسـه ولحيته بياض إلا نبذ يسير، ولقد كان منبسط الوجه و ينقبض وجهه حتى مات» في مسند أحمد35 :40)، وقال الأرنؤوط: إسناده قـوي عـلى شرط مسلم. وهنا فائدة لطيفة في الفرق بين التبسّم والضحفي والقهقهة: فحدُّ القهقهة: أن تكونَ مسموعةً لهُ ولج يرانِه، بدت أسنانه أو تبـد، وحكمها: أنه قبيحة وعمل شنيع.
عدد الصفحات ٢٣٧للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 235 وحدُّ الضَّحفي: أن يكونَ مسموعاً لهُ لا لجيرانِه، وحكمه: أنه مباح من غير عجب، أو أن يكثر، وقد ثبت ضحكه حتى بـدت نواجـذه في عـدّة مواضع، ينظر: صحيح البخاري(5 :2389)، وصحيح مسلم1 :173 .) وحدُّ الت بسُّم: أن لا يكونَ مسموعاً أصلاً، وحكمه: أنه مباح؛ لما روي عن جابر بن سمرة :« كان رسول ا لا يضحفي إلا تبسماً» في سـنن الترمـذي(5 :603)، وحســنه، والمســتدرك 1 :662)، كــما في الهسهســة ( 95-100 .) وعلَّق الحافظ الذهبي في سير أعلام النبلاء10 :140-141) على ما قاله ابن النعمان: أر أعبد من يحيى بن حماد، وأظنّه يضحفي: بأن الضحفي اليسير والتبسّم أفضل، وعدم ذلفي من مشايخ العلم على قسمين: أحدهما: يكون فاضلاً لمَن تركه أدباً وخوفاً مـن الله ، وحزنـاً عـ نفسه المسكينة. والثا : مذموم لمَن فعله حمقاً وك اً وتصنعاً، كما أن من أكثر الضحفي استخفّ به، ولا ريب أن الضحفي في الشـباب أخـفّ منـه وأعـذر منـه في الشيوخ. وأما التبسم وطلاقة الوجه فأرفع من ذلفي كله، قال النبي :« تبسم وجه أخيفي صدقة»، وقال جرير« ما رآ رسول ا إلا تبسم»
عدد الصفحات ٢٣٨236 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فتاوى يكثر السؤال عنها فهذا هو خلق الاسلام، فأعلى المقامات مَن كـان بكـاء بالليـل، بسـاماً بالنهار. وقال :« لن تسعوا الناس بأموالكم، فليسعهم منكم بسط الوجه» في المستدرك2 :212)، وصححه، ومسند أبي يع11 :428)، وشعب الإيمان(6 :254 .) بقي هنا شيء: ينبغي لمَن كان ضحوكاً بسّاماً أن يقصر من ذلفي، ويلوم نفسه حتى لا جّه الأنف س، وينبغي لمـَن كـان عبوسـاً منقبضـاً أن يتبسـّم، ويحسن خلقه، ويمقت نفسه على رداءة خلقه، وكلّ انحراف عن الاعتدال فمذموم، ولا بُدّ للنفس من مجاهدة وتأديب ». وهــذا الكــلام مــن الــذهبي في غايــة اللطــف والروعــة في الاعتــدال والاتزان لأهل الإسلام، وهـو َّيـحٌ واضـحٌ في ضرورة مج اهـدة الـنفس وتربيتها على ترك قبض الوجه وعبسه؛ لما في التبسم والبشاشـة مـن حسـن الخلق وطيبه، وإدخال السرور والسعادة عـلى قلـب صـاحبه، ويـدفع عنـه الهموم والأحزان. وفي مع المعلمين ( 97-100 :)« كان عمر بن عبد العزيز يتمثّل هذه الأبيات: القَ بالبشر من لقيت من النا س جميعًا ولاقِهِمْ بالطلاقهْ تجَْنِ منهم به جناءَ ثمارٍ طينبًا طعمه لذيذ المذاقهْ ودعِ التنيْهَ والعبوسَ عن النا س فإن العبوس رأس الحماقهْ
عدد الصفحات ٢٣٩للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 237 كلما شئتَ أن تعادي عاديـ ـت صديقًا وقد تعز الصداقهْ كما في الكتاب الجامع(2 :594.) وقال أبو جعفر المنصور: إن أحببت أن يكثر الثناء الجميل عليفي مـن النـــاس بغـــير نائـــل، فـــالقهم ببشرـــ حســـن، كـــما في عـــين الأدب والسياسة( 154 .) وقيل للعتا« إنفي تلقى الناس كلهم بالبشر! قال: دفع ضغينة بأي مؤونة، واكتساب إخوان بأيسر مبذول»، كما في بهجة المجالس2 :665 .) وقال محمد بن حازم : وما اكتسب المحامد حامدوها بمثل البشر والوجه الطليق كما في بهجة المجالس(2 :298) وقال آخر البشر يكسب أهله صدق المودة والمحبهْ والتيه يستدعي لصا حبه المذمة والمسبهْ كما في عين الأدب والسياسة( 153 ) وقال ابن عقيل الحنبلي: البشر مؤنس للعقول، ومن دواعـي القبـول، والعبوس ضده»، كما في الفنون لابن عقيل2 :635.) فالابتسامة إحدى لغات الجسـد التـي منحهـا ا لبنـي الإنسـان، وهي وسيلة من وسائل الاتصال غير اللفظي لدى الكائن البشري.. وهـي
عدد الصفحات ٢٤٠238 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فتاوى يكثر السؤال عنها طريق مختصر لكسب القلوب، ومفتاح لهداية الكثيرين، وبـاب يوصـل إلى النفوس، وهي وسيلة حية للتعبير عماَّ يجول في خـاطر الإنسـان تجـاه أخيـه المسلم... وهي سلاح قوي يُستخدم منذ الطفولة للاقتراب، وحسن التوجيه والتودد ل خرين، وهي تعبير صادق ورونقُ جمال وإشراقة أمل َيّز بها الإنسان عن باقي الكائنات الحية؛ لتضفي على وجهه قمة الراحة وذروة الانشراح ونّاية الانبساط ... وهي البلسمُ الناجعُ والدواء النافع في ترويح النفس وطرد الآلام وتخفيف الأحزان عن المسلم ...، كما في موسوعة الدفاع عن النبي (2 :201 ).
عدد الصفحات ٢٤١