للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 191 أمّا تقطيعه فلا يخرجه عن الكراهة، ففي حاشية أسنى المطالب للرَّم الشافعي 1 :62« : تعالى أو اسم رسوله لما فيه من تقطيع الحروف وتفريق الكلمة لما فيه من إزراء المكتوب وفي البحر الرائق1 :212 :«و «التجنيس» أي عتيقاً ـ وصار بحال لا يقرأ فيه، وخاف أن يضيع يجعل في خرقة طاهرة ويدفن؛ لأن المسلم إذا مات يدفن، فالمصحف إذا صار كذلفي كان دفنه أفضل من وضعه موضعاً يخاف أن تقع عليه النجاسة أو نحو ذل وفي بريقة محمدية4 :198 :«الكتب التي يستغنى عنها، وفيها اسم الله تعالى تلقى في الماء الكثير الجاري، أو تدفن في أرض طيبة ولا تحرق بالنار، و بخرقة طاهرة ويحفر حفيرة بلحد ...أو يوضع بمكان طاهر لا ي صل إليه الغبار والأقذار، وفي «السراجية» وحاصل الأمر أنه ينبغي تنزيه الحروف العربية وما تكتـب عليـه مـن الورق عن الإهانة لكراهة ذلفي، لا سيما إذا كان فيها اسم الله تعالى؛ لما يجب علينا من تعظيمه، أما مَن يلقي ما فيه ذكر الله على وجه الاستهزاء والسخرية فإنه يخشى عليه، قال :{أَبِاللهَِّ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ } [التوبة: من الآية65.]
عدد الصفحات ١٩٤192 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فتاوى يكثر السؤال عنها وعلى المسلم أن يصون ما كتب فيه اسم الله بأن يضع ما تلف منها بعيداً عن القاذورات كمغلف أو سلة خاصة يجمعها فيها، ثم يتلفها بطريقـة كـما سبق بحيث يحفظ قدر الإمكان عن الإهانة والنجاسة وما شابه ذلفي، وقـد أخ نا شيخنا العلامة قاسم الطائي الحنفي أن الشيخ أمجـد الزهـاوي مفتـي العراق كان يرفع كلَّ ورقة يجدها على الأرض مكتوب فيها بالحرف العربية؛ لما سبق. وينبغي أن يتنبه بعدم وضع الكتب عند الأرجل؛ لما فيه من الإهانة لها، ففي البحر الرائق1 :212 :«ومن التعظيم أن لا يمـدّ رجلـه إلى الكتـاب والله ولي التوفيق
عدد الصفحات ١٩٥للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 193 فتوى34) صحّة أحاديث الصح يحين والعمل بها هل يلزم العمل بكل حديث ورد في الصحيحين، وهل كـل مـا فـيهما صحيح؟ يكثــر النقــاش في المجــالس العامــّة والخاصــّة في صــحّة أحا ديــث الصحيحين وتلقي الأمة لها بالقبول، وهذا الكلام ليس وليد اليوم وإنما لـه جذور من زمن ابن الصلاح بعد تصريحه بتلقي الأمّة لما في الصـحيح من الأحاديث؛ إذ حصل جدال كبير في ذلفي لمَن جاء بعده، وليس هذا محل كلامنا. وإنّما أقصد ههنا الخروج من النزاع الحاصل بين المعـاَّين في ذلـفي، وأنه لا داعي له، والأولى السكوت عنه والاشتغال بغيره؛ لأن هناك مسلّمات في العلم لو استحضرناها لما اضطررنا إلى التنازع في هذا الأمر، ومنها: أولاً: إن صحّة الحديث عن رسول الله بطريق الآحاد لا تعني ثبوته القطعي؛ لأن الثبوتَ القطعي خا ّ بال قرآن الكريم، والأحاديث المتواترة، والمشهورة على قول، أما أحاديث الآحاد فهي ظنيّة وإن وصلت بظنيّتها أعلى
عدد الصفحات ١٩٦194 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فتاوى يكثر السؤال عنها المراتب؛ لأنّا لا تخلو عن احتمال سهو أو غلط أو نسيان الراوي الثقة أو مـا شابه ذلفي. قال الجلال السيوطي في التدريب1 :35)، والإمام اللكنوي في ظفر الأما ( 112 :)«اعلم أنه إذا قال أهـل الحـديث: هـذا حـديث صحيح، فمرادهم ما ظهر لنا بظاهر الإسناد، لا أنه مقطوع بصحته في نفس الأمر، خلافاً لمَن قال: إن خ الواحد يوجـب العلـم، كحسـين الكرابيسيـ وغيره، وحكاه ابن الصبّاغ في «العدة» عن قوم من أصحاب الحديث، قـال القاضي أبو بكر الباقلا : هو قول من لا يحَُصنلُ عِلمَ هذا الباب. وكذا قولهم: هذا حديث ضعيف، فمرادهم أنه يظهر لنا فيه شروط الصحّة، لا أنه كذب في نفس الأمر، لجواز صدق الكـاذب، وإصـابة كثـير الخطأ» ومثله في التقريرات السنية18 .) ثانياً: إن صحيحي البُخاري ومسلم أصحّ الكتب بعـد كتـاب الله كما في متون المصطلح مثل: مقدمة ابن الصلاح1)، ومختصر الجرجا ( 120)، والتقريب2)، ومقدمة عبد الحق الدهلوي85.) وقال الحافظ السخاوي في الغاية شرح الهداية25): صحيح البخاري وصحيح مسلم... أصحّ الكتب بعد كتاب الله ، وقال العلامـة الفتوحي في شرح الكوكب المن643 :)«إنّما أصـحّ الكتـب بعـد القرآن؛ لاتفاق الأمة على تلقيهما بالقبول»، وقـال العلامـة الأبنـا في الشذا الفياح82 :)« وكتاباهما أصح الكتب بعد كتاب الله العزيز».
عدد الصفحات ١٩٧للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 195 وقال الإمام اللكنوي في ظفر الأما120 :)« هذا ممّا اتفق عليـه المحدثون شرقاً وغرباً: أن « صحيح البخاري»، و« صحيح مسلم» لا نظيرَ لهما في الكتب»، وعبارات العلماء الشاهدة على ذلفي لا تحصىـ عـدداً، وفـي ذُكِرَ كفاية. ثالثاً: إن العملَ بالحديث مسألة أخـرى تخـالف الصـحّة؛ لأن بعـض أحاديث الصحيحين يعمل بها بعض المذاهب الفقهية عند أهل السنة مـن الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة، وهذا كثيرٌ مشهور لا يحتـاج مثلـه إلى استدلال و ثيل. وهناك أحاديث من الصحيحين ترك العمل بها جمهـور مـذاهب أهـل السنة المعتمدة، ومن أمثلة ذلـفي: حـديث: «أفطـر الحـاجم والمحجـوم» في صحيح البخاري2 :685 ) ، فقد ذهب الحنفية والمالكية والشافعية إلى عدم الإفطار بالحجامة، وخالف الحنابلة وقـالوا: بأنّـا تفطـر، كـما في الموسـوعة الفقهية الكويتية(17 :17 .) وذكروا للحديث تأويلات منها: أن الفطر يكن لأجل الحجامة، بل إنما ذلفي كان لمعنى آخر وهو أن الحاجمَ والمحجومَ كانا يغتاب ان رجلاً فلذلفي قال ما قال...، وليس إفطارهما ذلفي كالإفطار بالأكل والشرب والجماع، ولكن حبط أجرهما باغتيابهما فصارا بذلفي كالمفطرين لا أنه إفطـار يوجـب عليهما القضاء، كما في عمدة القاري(11 :38 .)
عدد الصفحات ١٩٨196 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فتاوى يكثر السؤال عنها وقليل من أحاديث الصحيحين اتفقت كلمة المذاهب السنية المعتمـدة على عدم العمل بها، مثل: حديث ابن عباس :«صلى رسول ا الظهر والعصر جميعاً بالمدينة بلا خوف ولا سفر، قال أبو الزبير: فسألت سعيداً فعل ذلفي؟ فقال: سألت ابن عباس كما سألتني فقال: أراد أن لا يحرج أحداً من أمته» في صحيح مسلم1 :490)؛ لمعارضة الآيات والأحاديثالمتواترة بأن لكلن صلاة ميقاتاً. قال الحافظ الترمذي :« جميع ما في هذا الكتاب من الحديث معمول به، وقد أخذ به بعض أهل العلم ما خلا حديثين: حديث ابن عبـاس إن النبي جمعَ بين الظهر والعصر بالمدينة ». وقال الإمام النووي الشافعي :« الجمع في الحضر بلا خـوف، ولا سـفر، ولا مطـر، ولا مـرض مــذهبنا ومـذهب أبي حنيفـة ومالـفي وأحمــد والجمهور: أنه لا يجوز». وكذا حديث« إنما الماء من الماء» في صـحيح مسـلم1 :269) فهـو منسـوخ بحــديث: « إذا التقـى الختانــان فقــد وجـب الغســل » في صــحيح البخاري(1 :110) ففي الموسوعة الكويتية17 :286 :)« أجمع الفقهـاء على أنه يجب الغسل بغيبوبة الحشفة... » . وعدم عمل الفقهاء بأحاديث ثبتت صـحّتها غـير صـادر عـن هـوى ومزاج وحاشاهم من ذلفي، بل لوقوفهم على قرائن نع من العمل بالحديث
عدد الصفحات ١٩٩للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 197 كمعارضته ما هو أقوى منه من الأدلة القرآنية أو الحديثية، أو ثبوت نسخه، أو ما شابه ذلفي. فبعدما نقل الحافظ ابن عبد ال في جامع بيان العلـم ( 148 :) كلام الليث بن سعد :«أحصيتُ على مال سبعين مسألة قـال فيهـا برأيه، وكلُّها مخالفةً لسنةِ رسول الله » تعقبه قائلاً«و نجد أحداً من علماء الأمة أثبت حديثاً عن رسول الله ثمّ ردَّه إلاَّ بحجّة ك ادنعاء نسخ أو بإجماع أو طعن في سنده، ولو ردَّه أحدٌ من غير حجّة لسقطت عدالته، فضـلاً عـن إمامته، ولزمه اسـمُ الفسـق، وعافـاهم الله عـن ذلـفي، وقـد جـاء عـن الصحابة اجتهادهم بالرأي والقول بالقياس على الأصـول مـا سـيطول ذكره، وكذلفي التابعون». فاستخراج الأحكام الفقهية من الأدلة الشرعية يحتاج إلى مجتهد مطلق، ولا يتأتى هذه لكلّ أحد؛ لأنه إخبار بحكم الله في المسألة، ولا يملكه إ مَن كان أهلاً له؛ لما يقع بين الأدلة من التعارض الظاهر الذي لا يملفي دفعه إلا المجتهد، ومن ثم التوفيق بين الأدلة وبيان الحكم الشرـعي، قـال الإمـام تقي الدين السُّبكي في معنى قول الإمام المطلبي إذا صـحّ الحـديث فهـو مذهبي( 18 :)« نسب قول: الحديث مضلَّة إلا للفقهاء؛ إلى كلّ من ابن وهب والليث بن سعد وابن عيينة ، ولا يخفى معناه على مَن له نوع اتّصال بكتب العلم وأهله، وروي قريب من معناه عن أئمة آخرين» .
عدد الصفحات ٢٠٠198 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فتاوى يكثر السؤال عنها ومن أفضل من بحث مسألة صحة الصحيحين والعمـل بهـما محـدّث العصر شبير العثما في مقدمة فتح الملهم شرح صـحيح مسـلم(1 :296- 300)، أذكر هاهنا شذرات منه لما فيه من النفع العظيم إذ قال« ولا يلـزم من إجماع الأمة على كونّا صحيحة حسب مصطلح المحـدثين الإجمـاع عـلى العمل بمضمونّا، كما قال الترمذي في حديث ابن عباس في الجمـع بـ الصلاتين بالمدينة، الذي أخرجه مسلم في « صحيحه» أنه غير معمول به ولا على كونّا مقطوعاً بأنّا من كلام النبي في الواقـع، فـإن الأمـة مأمورة بالعمل بالظنّ حيث لا يطلـب القطـع، والظـنّ قـد يخطـئ، وذلـفي كالقاضي، فإنه مأمور بالحكم بشهادة مَن كان عدلاً في الظاهر، وكونه مأموراً بذلفي لا يدلّ على أن شهادة العدل لا بُدّ أن تكون مطابقة للواقع، وثابتـة في نفس الأمر؛ لاحتمال أن يكون قد شهد بخلاف الواقع، إما لوهمٍ وقع له إذا كان عدلاً في نفس الأمر، أو للكذب، يتحرج منه إذا كان عدلاً فـيما يبـدو للناس فقط، والقاضي على كل حال قد قام بما وجب عليه. نعم إذا وقع الإجماع على العمل بمقتضى خـ بعينـه، أو تلقـي الأمـة لمضمونه بالقبول تعاملاً وتصديقاً، فحينئذٍ يفيد العلم بصـحة مضـمونه في الواقع، وكونه معمولاً به في نفس الأمر، ولو يكن الإسـناد صـحيحاً ... وهذا فرق دقيق يتنبه له ابن تيمية وغيره من أنصار ابن الصلاح . وأيضاً فوقوع الإجماع على أصحية الكتابين وعظم شأنّما وتقدمهما ع غيرهما ليس معناه أصحية كل حديث فيهما بالنسبة إلى ما سواهما، بل أصحية
عدد الصفحات ٢٠١للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 199 الجملة من الجملة، وتقدمها عليها... وعلى هـذا فـلا يسـتدلّ بمجـرد هـذا الإجماع الجملي على كون حديث معين من أحاديثهما أصحّ من صحاح سـائر الكتب، إلا بعد تبينّ وجوه الأصحيّة في ذلفي الحديث بعينه... وإن كلّ حديث حكـم بصـحّته المحـدثون إنـما حكمهـم فـيما يتعلـق بالإسناد حسب ما يقتضيه فنهم ووظيفتهم، وهذا القـدر لا يمنـع الفقهـاء وعلماء الأصول من عدم تصحيحه أحياناً من حيث المتن بحسب موضوعهم ووظيفتهم... فإجماع أهل العلم بالحديث على أصحية ما في الصحيحين غايـة مـا في الباب أنه يوجب القطع بالأصحية المعت ة عنـد المحـدثين، دون الأصـحية المعت ة عنـد الفقهـاء، فيقـال: إن أحاديـث الصـحيحين مقطـوع بصـحتها الإسنادية وثبوتها الحديثي عنـد جميـع العلـماء وسـائر الأمـة، دون صـحتها الفقهية وثبوتها الأصولي.... وليس غرضنا مما كتبنـا في هـذا المبحـث تهـوين أمـر الصـحيحين، أو غيرهما من كتب الحديث، معاذ الله، بل المقصود نفي التعمق والغلو، ووضع كلّ شيء في موضعه، وتنويه شأنه بما يستحقه...». إذا استبان لفي ما سبق علمت أنه لا داعي للافتراق والنزاع في صـحة أحاديـث الصـحيحين لاعتبارهمــا أصـحّ الكتــب بعـد كتــاب الله ، وأن صاحبيهما شدّدا ودقَّقا في شروط الصحّة أكثر من غيرهمـا كـما حقـق ذلـفي
عدد الصفحات ٢٠٢200 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فتاوى يكثر السؤال عنها الحفاظ، وهذه الصحة لا توصلهما إلى العلم القطعي، وإنما مبناهما على الظن والاجتهاد. وإن الجانبَ العلمي التطبيقي في هذه المسألة وهو العمل بأحاديثهما...، فيه تفصيل وتدليل يقوم به المجتهدون من الفقهاء، ورحم الله الأعم حين جلى هذا الأمر، فقال: معشر الفقهاء أنتم الأطباء ونحـن الصـيادلة، كـما في مقدمة نصب الراية( 287 .) وبعد هذه التجلية والتوضيح لمـا اعـترى هـذه المسـألة مـن التزييـف بالتهجم على أحاديث الصحيحين والطعنّ فيهما بظنّ أن لهما منزلة القرآن من العصمة في التحريف، وهذا ظنّ فاسد، وفعل كاسد، يقله الأئمـة، وإنـما محلّ كلامهم ما مرّ بيانه.
عدد الصفحات ٢٠٣للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 201 اطلب الرابع: المعاملات: فتوى (35) حكم العقود الفاسدة في دار الحرب سئلت عن الفتوى التي صدرت عن أحد المفتين بخصو جواز بيع المسلم الخمر في أوروبا وأمريكا مستنداً بذلفي إلى مذهب السادة الحنفية؟ فأقول وبالله التوفيق: إن العلامة مصطفى الزرقا سبق أن أفتى بذلفي كما في فتاواه 563 –564، وقريب من هذه الفتوى صدر عن المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث، إذ جوَّزوا شراء البيت بقرض ربوي في البلدان غير الإسلامية استناداً إلى القاعدة الفقهية الضرورات تبيح المحظورات، واستناداً إلى قول الأحناف بجواز التعامل بالربا بدار الحرابة. قال ملفي العلماء الكاسا في البدائع5 :192: أما شرائط جريان الربا، فمنها: أن يكون البدلان معصومين، فإن كان أحدهما غير معصوم لا يتحقق الربا عندنا، وعند أبي يوسف هذا ليس بشرط، ويتحقق الربا، وعلى هذا الأصل يخرج ما إذا دخل مسلمٌ دار الحرب تاجراً فباع حربياً درهماً بدرهمي، أو غير ذلفي من سا ئر البيوع الفاسدة في حكم الإسلام أنه يجوز عند أبي حنيفة ومحمد، وعند أبي يوسف لا يجوز.
عدد الصفحات ٢٠٤202 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فتاوى يكثر السؤال عنها وعلى هذا الخلاف المسلم الأسير في دار الحرب، أو الحربي الذي أسلم هناك و يُّاجر إلينا فبايع أحدا من الحرب. وجه قول أبي يوسف أن حرمة الربا كما هي ثابتة في حق المسلمين فهي ثابتة في حق الكفار؛ لأنّم مخاطبون بالحرمات في الصحيح من الأقوال، فاشتراطه في البيع يوجب فساده كما إذا بايع المسلم الحربي المستأمن في دار الإسلام. ولهما: أن مال الحربي ليس بمعصوم بل هو مباح في نفسه، إلا أن المسلم المستأمن منع من لكه من غير رضاه لما فيه م ن الغدر والخيانة، فإذا بدله باختياره ورضاه فقد زال هذا المعنى، فكان الأخذ استيلاء على مال مباح غير مملوك، وإنه مشروع مفيد للملفي كالاستيلاء على الحطب والحشي . وبه تبين أن العقد ههنا ليس بتملفي، بل هو تحصيل شرط التملفي وهو الرضا؛ لأن ملفي الحربي لا يزول بدونه، وما يزل ملكه لا يقع الأخذ لكا، لكنه إذا زال فالملفي للمسلم يثبت بالأخذ والاستيلاء لا بالعقد، فلا يتحقق الربا؛ لأن الربا اسم لفضل يستفاد بالعقد ، بخلاف المسلم إذا باع حربياً دخل دار الإسلام بأمان؛ لأنه استفاد العصمة بدخوله دار الإسلام بأمان، والمال المعصوم لا يكون محلاً للاستيلاء، فتعين التملفي فيه بالعقد. وشرط الربا في العقد مفسد14 :57. وبينَّ الإمام محمد عدم جواز الخيانة إن دخل المسلم دار الكفر بأمان، فقال في السير الكبير4 :1492 :«لو أن المشركين أسروا أمة مسلمة فأحرزوها، ثم قدر هذا المستأمن منهم على أن يسرقها فيخرجها إلى دار
عدد الصفحات ٢٠٥للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 203 الإسلام لا ينبغي له أن يفعل ذلفي؛ لأنّم ملكوها بالإحراز حتى لو أسلموا أو صاروا ذمة كانت مملوكة فهو في هذه السرقة يغدر بهم، الغدر حرام، ولو رغبوا في بيعها منه بخمر أو خنزير أو ميتة جاز له أن يفعل ذلفي ؛ لأنه يأخذها منهم بطيب أنفسهم، فلا يتمكن فيه معنى الغدر وذكر شمس الأئمة السرخسي في شرح السير الكبير 4 :1488 من صور جواز العقود الفاسدة فقال إليه، وقبض الثمن ، ثم أسلم أهل الدار فالثمن سا للمسلم؛ لأن حكم الإسلام ثبت في معاملاتهم بعد ما قبض الحرام وانتهى حكم العقد فيه وأما بالنسبة للتعامل في العقود الفاسدة بين المسلمين في دار الحرب، ففي المبسوط 14 :58« : وأما التاجران من المسلمين في دار الحرب، ف يجوز بينهما إلا ما يجوز في دار الإسلام؛ لأن مال كل واحد منهما معصوم متقوم، وأن ذلفي يثبت بالإحراز بدار الإسلام، ولا ينعدم معنى الإحراز بالاستئمان إليهم، ولهذا يضمن كل واحد منهما مال صاحبه إذا أتلفه، وإنما يتملفي كل واحد منهما على صاحبه بالعقد الذي باشره، ولا يجوز إثبات عقد يباشراه بينهما من هبة، أو غيرها، وإن كان أسلما، و يخرجا حتى تبايعا بالربا، كرهته لهما، و أرده له، وهو قول أبي حنيفة ، وقال أبو يوسف ومحمد يرده، والحكم فيها كالحكم في التاجرين 3 :248.
عدد الصفحات ٢٠٦204 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فتاوى يكثر السؤال عنها فسبب جواز العقود الفاسدة بين المسلم والحربي عدم وجود عقد بينهما في دار الحرب؛ لأن مال الحربي يملفي للمسلم بالإباحة الأصلية، ولا يجوز أخذ أموالهم بغير رضاهم لعقد الأمان الذي يمنعنا عن الخيانة والغ ، وبصور هذه العقود يتحقق رضاهم فتحل أموالهم. إذا هَّد لفي ما سبق فاعلم أن لكلن مذهبٍ علماءه الضابطين له العالمين بالمفتى به من أقواله دون ما سواها، وإ ن كبار علماء مذهب السادة الحنفية على عدم جواز العقود الفاسدة بين المسلم والحربي في دار الكفر؛ لكثرة ما يترتب عليها من الضرر الظاهر؛ لأن كثيراً من البلاد الكافرة يتوطَّن فيها آلاف، بل ملايين من المسلمين، ويقيمون فيها إقامة دائمة، ويلحقهم ضرر عظيم بالتعاملات الربوية وغيرها، كما أن أموال المسلمين صارت في بنوك الغربيين يتقوون بها عليهم. بسبب ذلفي وغيره تظافرت فتاوى كبار علماء المذهب بالفتوى على قول أبي يوسف ، قال العلامة المحقق ظفر أحمد التهانوي (ت1394هـ في إعلاء السنن 14 :414« : فلا شفي في كون التوقي عن الربا ولو مع الحربي في دار الحرب أحسن وأحوط وأزكى وأحرى خروجاً من الخلاف، وهو الذي ذهب إليه شيخنا حكيم الأمة، وأفتى به، واختاره ترجيحاً لقول أبي يوسف والجمهور وأجاب الشيخ العلامة محمد تقي العثما في بحوث في قضايا فقهية معاَّة 346 عن شراء منزل أو سيارة أو غها من البنوك الربوية في
عدد الصفحات ٢٠٧للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 205 أوروبا وأمريكا، فقال إن المعاملة المذكورة غير جائزة لاشتمالها على الربا الحرام شرعاً، وينبغي للمسلمين وعددهم غير قليل أن يجتهدوا لإيجاد بدائل هذه المعاملة الموافقة للشريعة الإسلامية، بأن يكون البنفي نفسه هو البائع بتقسيط، ويزيد في ثمن البيوت وغيرها عن الثمن المعروف، فيشتريُّا من الباعة، ويبيعها إلى زبائنها بربح مناسب، وينبغي أن تطرح هذه المسألة على لجنة مستقلة تكون لتخطيط نظام البنوك اللاربوية لتنظر في تفاصيلها وقال العلامة محمد سعيد ال ها في هام الدرر المباحة 73« : إن المقي مين اليوم من المسلمين في بلاد الحرب... لا يحل لهم التعامل مع الحربيين بأي شكل وقال الأخ الحبيب الشيخ فراز ربا الذي يفتى به المحققون من أهل المذهب منهم أكابر علماء ديوبند مثل العلامة المفتي محمد تقي العثما وشيخنا العلامة المفتي محمود أشرف العثما ، وكذلفي كبار علماء الشام منهم فضيلة الشيخ عبد الرزاق الحلبي وشيخنا العلامة أديب كلاس، والعلامة محمد سعيد ال ها ... أن تلفي البلاد تختلف حقيقتها عن تناولها الفقهاء فلا تطبق مثل الأحكام المسطورة في ال كتب على المسلمين في تلفي البلاد؛ لأسباب كثيرة، منها التج نس، وإقامة المسلمون فيها بكثرة، ومنها الضرر المتحقق العائد على المسلمين... وغيره. فالذي يفتي به من يعتدّ به من علماء المذهب أن جميع أحكام الربا يجري في بلاد الكفار، ولا يجوز للمسلم سواء أكان موطناً أم مقيماً أم زائراً أن يتعاقد بعقود ربوية مه أحكم.
عدد الصفحات ٢٠٨206 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فتاوى يكثر السؤال عنها فتوى (36) حكم الضمان في حوادث السير المختلفة يقع السؤال أحياناً بأنه متى يجب الضمان على السائق فيما يحصل منه حوادث بسيارته؟ أقول وبالله التوفيق: إن هذه المسألة استوفاهاً بحثاً فقيه العصر فضـيلة العلامة محمد تقـي العـثما في كتابـه النـافع المـاتع قضـايا فقهيـة معـاَّة 311، وإليفي خلاصة ما فيه الأصل: أن سائل السيارة مسؤول عـن كل ما يحدث بسيارته خلال تسييره إياها، وذلفي لأن السيارة آلة في يده، وهو يقدر على ضبطها، فكل ما ينشأ عن السيارة، فإنه مسؤول عنه، والذي يظهر لي أن هناك فرقاً كبيراً بين الدابة والسيارة من حيث إن الدابة متحركة بنفسها بخلاف السيارة، فإنّا لا تتحرك إلا بفعل من السائق. ومن هذه الجهة أرى أن ما ذكره الفقهاء من الفرق بين ما أصابته الدابة بفهما أو يدها، وبين ما نفحته برجلها أو بذنبها لا يتـأتى في السـيارة، فـإنّم ضمنوا الراكب في الحالة الأولى، و يضمنوه في الحالـة الثانيـة؛ لأن راكـب الدابة لا يمكنه التحرز عما تفعله الدابة برجلها أو بذنبها.
عدد الصفحات ٢٠٩