للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 159 الحبشة، فدعت بجرائد رطبة فحنتها، ثمّ طرحت عليها ثوباً، فقالت فاطمة رضي الله عنها: ما أحسن هذا وأجمله يعرف به الرَّجل من المرأة، فإذا أنا مت فاغسليني أنت وعلي ، ولا تدخلي علي أحداً، فلماّ توفيت رضي الله عنها جاءت عائشة رضي الله عنها تدخل، فقالت أسماء: لا تدخلي، فشكت أبا بكر، فقالت: إنَّ هذه الخثعمية تحول بيني وبين ابنة رسول الله ، وقد جعلت لها مثل هودج العروس، فجاء أبو بكر فوقف على الباب، وقال يا أسماء، ما حملفي أن منعت أزواج النبي يدخلن على ابنة النبي ، وجعلت لها مثل هودج العروس؟ فقالت: أمرتني أن لا تدخلي عليَّ أحداً وأريتها هذا الذي صنعت وهي حيّة فأمرتني أن أصنع ذلفي لها، فقال أبو بكر : فاصنعي ما أَمَرَتْ 4 :56. والثا : التَّشبُّه المذموم: وهو قصدُ مماثلتهم فيما هو من شعارهم ابتداءً وكان مستقبحاً في غير الأمور المدنية، وله الضوابط الآتية: 1.التَّشبُّه بما هو شعارٌ لهم ومختصٌّ بهم، بحيث يتميَّزون به عن غيرهم قال العيني في عمدة القاري13 :47 في شرح «المعنى فيه ألا يتشبَّه بهم؛ لأنَّّم كفّار، وهو شعار لهم المبحث الثا . 2.أ يكون المتشبه به مما فيه صلاح العباد والخير لهم: كركوب السيارات والطائرات، فهذه من الأمور المدنية لكل البشرية، ولا يختص بها قوم عن قوم، بل ترجع منفتعها لهم جميعاً.
عدد الصفحات ١٦٢160 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فتاوى يكثر السؤال عنها قال ابنُ مازه في المحيط ال ها 5 :403« : قال هشام: رأيت على أ يوسف نعلين مخسوفين بمسامير، فقلت: أترى بهذا الحديد بأساً؟ قال: لا، فقلت: إنَّ سفيان وثور بن يزيد كرها ذلفي؛ لأنَّ فيه تشبهاً ب الرُّهبان، فقال كان رسول الله يلبس الننعال التي لها شعر، وأنَّّا من لباس الرُّهبان ابن عمر رضي الله عنهما، قال إ رأيت رسول الله يلبس النعال التي ليس فيها شعر، ويتوضأ فيها، فأنا أحب أنَّ ألبسه 5 : 2199، وصحيح مسلم2 :844، فقد أشار إلى أنَّ صورة المشابهة فيما تعلَّق به صلاح العباد لا يضرّ، وقد تعلَّق بهذا النَّوع من الأحكام صلاح العباد، فإنَّ الأرض ممَّا لا يمكن قطع المسافة البعيدة فيها إلا بهذا النَّوع من الإحكام1 :624، ومنحة الخالق 2 :11، والفتاوى الهندية5 :333 . 3.أن يقصد التَّشبُّه بهم، فلا يكفي مجرد صورة المشابهة بالفعل؛ لما له من تأثير على اعتقادِه و يزه وشعوره بالعزّة، فيفقد حلاوة الإيمان، قال ابن نجيم في البحر الرائق2 :11« : اعلم أنَّ التَّشبُّه بأهل الكتاب لا يُكره في كلن شيءٍ، فإنَّنا نأكل ونشرب كما يفعلون، إنَّما الحرام هو التَّشبُّه فيما كان مذموماً وفيما يقصد به التَّشبُّه. 4.أن يكون التَّشبُّه بغير المسلمين ابتداءً قبل أن يصبح عرفاً وعادةً ب المسلمين: كما حصل في لباس البنطال والقميص والبدلة والقرافة وغيرها في هذا الزمان، فمَن لبسها ابتداءً تشبهاً بغير المسلمين، كان واقعاً في التَّشبُّه
عدد الصفحات ١٦٣للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 161 المنهيّ عنه، لكن فيما بعد أصبحت هي العرف الشَّائع في بلاد العرب عموماً، و يَعُد يخطر بالبال عند لبسها التَّشبُّه بالغرب، وإنَّما أصبحت زِيّ المجتمع، قال ابنُ حجر في فتح الباري 10 :275« : وإنَّما يصلح الاستد ل بقصّة اليهود في الوقت الذي تكون الطيالسة من شعارهم، وقد ارتفع ذلفي فيما بعد، فصار داخلاً في عموم المباح قال« : يتبع الدجال من يُّود أصبهان، سبعون ألفاً عليهم الطيالسة4 : 2266 . 5.أ يكون التَّشبُّه بهم بالفجور والفحشاء و التَّصرُّفات القبيحة: كشرب وأكل المحرمات، وكشف العورات، وإشاعة الفاحشة، قال ابن عابدين في رد ال محتار 1 :648 :«ويكره التشبه بهم ـ أي النصارى ـ في المذموم وإن يقصده وأحكام التَّشبُّه كالآتي: 1.يَكفرُ بالتَّشبُّه بقصد التَّعظيم للفعل والاستخفاف في الدني ن، وسببُ هذا الكفر أنَّ الاستخفافَ بالدنين ه و استهزاءٌ بالدنين، وهذا كفر، قال الجصا : «الاستهزاء لشيء من الشرائع كفر في البناية9 :156؛ لقوله تعالى: {قُلْ أَبِاللهِّ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُون } [65 .] 2.يجب ترك قصد التشبه بما هومن شعارهم: فيما تحقّقت فيه ضوابط التَّشبُّه المذموم من القصد للتشبه فيما هو من شعار غير المسلمين، وفعله ابتداءً قبل أن يصبح عادة للمجتمع، و يكن مما فيه صلاح العباد، حتى لا
عدد الصفحات ١٦٤162 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فتاوى يكثر السؤال عنها يقع في الإثم، قال المهدي الحنفي في الفتاوى المهدية 5 :309 :«ومعنى فهو منهم: أنَّه كافر مثلهم إن تشبّه بهم فيما هو كفرٌ، كأن عظَّم يوم عيدهم تبجيلاً لدينهم أو لبس زنارهم أو ما هو من شعارهم قاصداً بذلفي التشبه استخفافاً بالإسلام، وإلا فهو مثلهم في الإثم لا الكفر 3.يُستحبُّ ترك المشابهة في حالات أ.ترك عادة غير المسلمين في يوم أعيادهم ومناسباتهم المشهورة وإن اعتاده المسلمون؛ لما فيه من الشبهة، فلا يماثل النصارى في أعياد رأس السنة في عاداتهم وأفعالهم تنزهاً عن التُهم والشبهات. ب.ترك التَّقرُّب بعبادة في أيام أعيادهم كالصنيام، خشية مشابهتهم في تعظيم ذلفي اليوم، قال ابنُ مازه في المحيط ال ه ا 2 :394، وتبي الحقائق6 :228 :«ويُكره صوم النَّيروز والمهرجان إذا تعمّده، و يوافق يوماً كان يصومه قبل ذل ج. عدم إجابتهم دعواهم في مناسباتهم الخاصة إن كان فيها شيء من شعائر دينهم؛ لما فيه من الموافقة على فعلهم، قال قاضي خان في الخانية 3 : 578 :«وإذا اتخذ مجوسيّ دعوة لحلق رأس ولده وجز ناصيته فأجاب مسلم وحضر دعوته لا يكون كفراً، والأولى ألا يفعل ولا يوافقهم على مثل ذل وأمّا التهنئة لغير المسلمين بمناسباتهم الدينية، فمن المباحات ما يشتمل على ألفاظ متعلقة بالموافقة على اعتقادهم، ويُستحبُّ أن لا يحضر في
عدد الصفحات ١٦٥للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 163 مكان يظهرون فيها شيئاً من شعائرهم المخالفة لديننا، قال الزرقا في فتاويه 355-356« : إنَّ تهنئةَ الشَّخص المسلم لمعارفه النصارى بعيد ميلاد السيد المسيح ، هي في نظري من قبيل المجاملة لهم والمحاسنة معاشرتهم، وإنَّ الإسلامَ لا ينهانا عن مثل هذه المجام لة أو المحاسنة لهم...ومَن يتوهم أنَّ هذه المعايدة لهم في يوم ميلاده حرام؛ لأنَّه ذات علاقة بعقيدتهم في ألوهيته فهو مخطئ، فليس في هذه المجالة أي صلة بتفاصيل عقيدتهم فيه وغلوهم فيها... وإذا عرفنا الرأي الشرَّعي في التهنئة يعرف حكم طباعة البطاقات والمتاجرة بها؛ لأنَّ ما كان من وسائل المباح فهو مباح د. ترك ما أَمر النَّبيُّ بمخالفتهم فيه إن بقيت العلّة من النَّهي، وهو التَّشبُّه بهم، بخلاف ما لو أصبح شائعاً معتاداً بين المسلمين دون التفات للتَّشبُّه بهم، كأمر النبي بمخالفة أهل الكتاب في كيفية حفر الق باللحد لا بالشق تفيد السنية، فعن جرير بن عبد الله قال« : اللحدُ لنا، والشق لأهل الكتاب 31 :545، وشرح مشكل الآثار 7 :259، وشعب الإيمان6 :163، قال الموصلي في الاختيار 1 :96« : ولأنَّه صنيع اليهود، والسنة مخالفتهم 4.يُباح التَّشبُّه إن ي توفر فيه أحد الضَّوابط السَّابقة في التَّشبُّه بغير المسلمين، فإن يكن الفعل المتشبه به شعاراً لهم: كاستخدام الكمبيوتر والهاتف، فإنَّه من المباحات إن يقصد التشبه بغير المسلمين.
عدد الصفحات ١٦٦164 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فتاوى يكثر السؤال عنها فتوى (26) حكم حلق اللحية وقصها يكثر السؤال عن حكم حلق اللحية وقصها وتحديدها، فما حكم ذلفي؟ إن مسألة حلق اللحية مسألة فقهية خلافية، فأمر اللحية متسع، وليست هي قضية المسلمين التي تحتاج منا أن نوجه كلّ اهتمامنا لها، وأنَّ الدَّعوى إلى الاقتداءِ بحضرة النَّبيّ في هيئتِه يرغب فيها؛ لتحقيق الكمال البشري، وليبقى تعاملنا فيما يتعلَّق باللحية على ترغيبِ المسلمين وتحبيبهم بها تأسياً بالنبي ، لا أنه من إنكار المنكر؛ لأنّا مختلف فيها قال في فتاوى الزرقا 272 :«مَن قال لكم: إن من شرائط الإسلام إطلاق اللحية، وارتداء الجلابية في الشَّارع، إن عدم اللحية منافٍ لسنة الإسلام للرجال، و لكنه ليس شرطاً لصيرورة الإنسان مسلماً، فمعظم المسلمين اليوم يحلقون لحاهم، وإن إطلاق اللحية ليس خاصاً بالمسلمين، بل يفعله الأجانب شباباً وشيوخاً بكثرة، بل أصبح هو «موضة الشباب العصري اللحية ونعرض لبعض ما يتعلق بحلق اللحية وقصها فيما يلي: 1.إنَّ أصول الاستنباط عند الحنفية لا يستفاد منها وجوب اللحية،
عدد الصفحات ١٦٧للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 165 وإنَّما تجعلها في دائرة السنية والاستحباب، قال السرََّخْسيّ في المبسوط 4 :74 : «السُّنّةُ قَصُّ الشَّارب وإعفاء اللحى 2.تعت اللحية من سنن الزوائد عند الحنفية فتأخذ حكم الاستحباب على هذا الأصل؛ لأنَّّا من العادات لا العبادات. قال عبد العزيز الغماري في إفادة ذوي الأفهام 26-27 :«ومن قال من الفقهاء بوجوب اللحية وتحريم حلقها، إنَّما حكم بذلفي كما قلنا لأجل العادة، التي تربّى فيها، ونشأ عليها، وألفها في حيا ته الاجتماعية، كما كان الحال عندنا في المغرب قبل انتشار حلق اللحية، كنا نرى حلقها السوءة الك ى، والموبقة العظمى؛ لكون ذلفي مخالفاً لحالة مجتمعنا الملتحي، والدليل على هذا أنَّ الفقهاء يقولوا بتحريم كل ما ورد النهي عنه لأجل التشبه 3.الفطرة معناها السنةفي عبارة عامة الحنفية، فالأحاديث التي ذكرت اللحية من الفطرة تفيد على قولهم: أنَّّا سنة لا واجبة. فعن أبي هريرة قال« :من فطرة الإسلام الغسل يوم الجمعة، والاستنان، وأخذ الشارب وإعفاء اللحى، فإنَّ المجوس تعفي شواربها وتحفي لحاها فخالفوهم، حفوا شواربكم وأ عفوا لحاكم حبان3 :24. 4.لا تعدُّ اللحية من التشبه المذموم عند الحنفية ما يقصد حالقها أو قاصها التشبه أو تكون شعاراً لغير المسلمين أو يكون فعل الحلق أو القص
عدد الصفحات ١٦٨166 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فتاوى يكثر السؤال عنها ليس عرفاً شائعاً في المجتمع المسلم، لكن إن قصها أو حلقها مستخفاً أو مستهزئاً بسنة الإسلام فيخشى عليه الكفر، وفي هذا لا تنطبع هذه الضوابط على اللحية بحيث يكون حلقها أو قصها من التشبه المذموم. فعن أبي حنيفة عن حماد عن إبراهيم أنَّه قال: «لا بأس أن يأخذ الرَّجل من لحيته ما يتشبه بأهل الشرك1 :234. فعن ابن عمر قال :«خالفوا المشركين أحفوا الشوارب وأوفوا اللحى1 :222، وعن أبي هريرة ، قال « : الشوارب وأرخوا اللحى خالفوا المجوس1 :222، قال ابن الهمام في فتح القدير2 :348 :«فهذه الجملة واقعة موقع التعليل أي جملة: «خالفوا المشرك أو «خالفوا المجوس الصنائع2 :141 :«ولأن ذلفي تشبه بالنصارى فيكره 5.إنَّ المروءة هي العرف الممدوح في المجتمع، فإن كانت حلقُ اللحية أو قصُّها في عرف مجتمع مذموماً وخارماً للمروءة كان حلق اللحية أو قصُّها مكروهاً، وإن كان الحلقُ والقصُّ ه و الشائع في المجتمع ولا يعت معيباً فلا يكون الحلق أو القص مذموماً، ولا يعت من خوارم المروءة، وهذا هو الحال في المجتمعات المسلمة الآن أن الحلق أو التقصير ليس من خوارم المروءة، فعلى هذا الأصل لا يكون حلقُ اللحية وقصُّها مكروهاً، وهذا لا يمنع الترغيب فيها اتباعاً لسنة النبي .
عدد الصفحات ١٦٩للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 167 قال العمادي في تنقيح الفتاوى العمادية1 :429 :«فإن كان حلق اللحية يخل بالمروءة يمنع القبول ـ أي الشهادة ـ وإلا ف فقال في تنقيح الفتاوى العمادية 1 :429 :«فع هذا فإن كان ممن يعتادون الحلق ولا يعدونه رذيلة بينهم لا يخل بمروءته فتقبل شهادته».... 6.إنَّ التشبه بالننساء مسألة عرفية، فالذي يحدد هذا التصرف والمظهر خا بالرَّجل أو المرأة هو العرف، فكل تصرف في العرف يعدّ تشبهاً بالنساء يكون مذموماً ومكروهاً، وحلق اللحية لا يعت في المجتمعات المسلمة من التشبه بالنساء، ولا يظنّ من يفعل بذلفي أنَّه يرغب التشبه بالنساء، وبناء على ذلفي لا يعت الحلق من التشبه بالنساء، فلا يكره من هذا الوجه. فعن ابن عبَّاس ، قال «لعن النَّبيُّ المخنثين من الرنجال، والمترجلات من الننساء، وقال: أخرجوهم من بيوتكم البخاري7 :159. قالالعيني في عمدة القاري 24 :14 :«والمترجلات أي: النساء الشبيهات بالرنجال المتكلفات في الرُّجولة وهو بالحقيقة ضد المخنثين؛ لأنَّّم المتشبهون بالنساء22 :42. 7.تعت عموم البلوى من أفراد الضرورة وإن كانت مختلفة عنها ، بحيث تشمل كلَّ ما يش يع وينتشر في المجتمع وإن يكن فيه ضرورة، فإن
عدد الصفحات ١٧٠168 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فتاوى يكثر السؤال عنها وجدنا أصلاً أو قولاً لمجتهدٍ معت في رفع الإثم عن النَّاس فعلنا تحقيقاً لمفهوم عموم البلوى. وفي مسألةِ اللحية وجدنا الشَّافعية قالوا: بسُنيّة اللنحية، وفي قول قويٍّ عند المالكية بجواز التَّقصير ما يكن مثلةً، وعامّة كتب الحنفيّة تدلُّ على سنيّة اللحيّة، فلا حاجة لنا حينئذٍ للالتفات لبعض العبارات الموهمة عند الحنفيةِ للحرمةِ والتَّمسُّفي بها عملاً بهذا الأصل. قال في شرح النفرواوي2 :307 :«يحرم حلقها إذا كانت لرجل، وأما قصها فإن تكن طالت فكذلفي، وأما لو طالت كثيرا فأشار إلى حكمه بقوله: قال مالفي: ولا بأس بالأخذ من طولها إذا طالت طولاً كثيراً. بحيث خرجت عن المعتاد لغالب الناس فيقص الزائد؛ لأنَّ بقاءه يقبح به المنظر، وحكم الأخذ الندب فلا بأس هنا لما هو خير من غيره، والمعروف لا حد للمأخوذ، وينبغي الاقتصار على ما تحسن به الهيئة قال الخير الرمليُ الشافعيّ في فتاويه 4 :69 :«حلقَ لحية الرجل ونتفَها مكروهٌ لا حرام، وقولُ الحَلِيمي: «لا يحل لأحد أن يحلق لحيتَه ولا حاجبيه ضعيفٌ
عدد الصفحات ١٧١للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 169 فتوى27) الاحتفال بالمولد النبوي ما حكم الاحتفال بالمولد النبوي؟ المولد النبوي: اجتماع الناس لقراءة القرآن ورواية الأخبار الواردة في ولاده والمدائح وتقديم الطعام وغيرها من الخيرات، كما في اعانة الطالب 3 :361. فالمقصود من الاحتفال بالمولد النبوي هو التذكرة بمحبة نبيهم الكريم وسيرته العطرة وصفاته الحميدة وتعظيم شأنه بين الناس؛ لقوله تعالى: {ذَلِفيَ وَمَن يُعَظنمْ شَعَائِرَ اللهَِّ فَإِنََّّا مِن تَقْوَى الْقُلُوب} [الحج32]، ون الخيرات والصالحات من إطعام الطعام وذكر الأحكام وزيادة البهجة بين المسلمين بالاتقاء على محبته ، وذكر مولده ومعجزاته وسيرته والتعريف به ، وإطعام الفقراء والمساكين. قال السيوطي في الحاوي للفتاوي 2528 :«إن أصل عمل المولد الذي هو اجتماع الناس، وقراءة ما تيسر من القران الكريم، ورواية الأخبار الواردة في مبدأ النبي ، وما وقع في مولده من الآيات ... هو من البدع التي يُثاب عليها صاحبها؛ لما فيه من تعظيم قدر النبي ، وإظهار الفرح والاستبشار بمولده الشريف
عدد الصفحات ١٧٢170 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فتاوى يكثر السؤال عنها ومن الأدلة على استحسان الاحتفال بالمولد: 1. قال :{قُلْ بِفَضْلِ اللهِّ وَبِرَحمَْتِهِ فَبِذَلِفيَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيرٌْ ممنَّا يجَْمَعُون }] :58] طلب منا أن نفرح بالرَّحمة، والنَّبي رحمة الأمة، فعن ابن عباس ، قال فضل الله العلم، ورحمة النبي ، قال ا :{وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحمَْةً لنلْعَالمَِين } [الأنبياء107 ] .»الدر المنثور4 :367، قال الألوسي روح المعا 10 :141« : بالرحمة 2. قال :{وَكُـلاًّ ن قُصُّ عَلَيْفيَ مِنْ أَنبَاء الرُّسُلِ مَا نُثَبنتُ بِهِ فُؤَادَكَ } [هود:120[ في الآية طلب قصّ أنباء الرسل لما في ذلفي من تثبيت لأفئدة المؤمنين، فهو حثٌّ على تكرار ذكر المولد والعناية به. 3. قال على لسان سيدنا عيسى :{وَالسَّلاَمُ عَليََّ يَوْمَ وُلِدت وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا } [مريم33[ هذه الآية والتي قبلها وغيرهما من آيات حافلة بالإشارات الى ميلاد المسيح ، ومدحه وذكر مزاياه التي مَن الله بها عليه، وهي بجموعها شاهدة وداعية الى الاحتفال بهذا الحدث العظيم، وما كان ميلاد محمد بأقل شأنا من ميلاد عيسى ، بل ميلاد الرسول أعظم منه؛ لأنه أك نعمة، فيكون ميلاده أيضا أك وأعظم 4. قال:{وَذَكنرْهُمْ بِأَيَّامِ اللهِّ }]ابراهيم5]:{وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيم } ]الشعراء69[، والمراد هو ذكرهم، واذكر ما أنعم الله به عليهم ؛ لأنّ في ذكر ما جاؤوا به من الهدى، مما يلفت القلوب والعقول إلى فضل الله
عدد الصفحات ١٧٣للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 171 على عباده؛ ليلتفتوا بذلفي إلى حق الله عليهم، لعلهم يرجون رحمته ويخافون عذابه، ويدعونه رغباً ورهباً، وذلفي من أنباء الرسل منذ ولادتهم إلى أن يتوفاهم الله في جميع أحوالهم، ويسمو بالأرواح، و يصقل البصائر، ويزكي المشاعر، ويسلس قيادة الأنفس الجامحة، فترد إلى طاعة الله وإلى الوله بحبه، والعكوف عليه والتمسفي به، والتعلق بمرضاته، والنفرة من غضبة، وكل ذلفي وأكثر منه مما تقيده الذكرى والتذكير بنعم الله، والاحتفال بها. 5. قال:{إِنَّ اللهََّ وَمَلاَئِكَ تَهُ يُصَلُّونَ عَلىَ النَّبِين يَاأَيَُُّّا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلنمُوا تَسْلِيماً } [الاحزاب56] وتعظيمه في كلن وقت وحين؛ لأنّ حبَّه وولائه أصل الدين وأساسه، فكل العبادات تسوق إليه وتطبع القلوب على حبّه، وهذا مقام شريف، واحتفاء عزيز، وما الاحتفال بالمولد إلا تطبيع النفس على كثرة الصَّلاة عليه ؛ رجاء أن ينطبع حبّه وحب آله في القلوب ليؤسس ذلفي الحب ركن الإيمان ويشيد ََّّح اليقين. 6. عن أبي قتادة أن رسول ا سئل عن صوم يوم الاثنين فقال: « ذاك يوم ولدت فيه، وفيه أنزل ع2 :819، وهذا نص في الاحتفال بيوم مولده لا يحتمل غيره، قال ابن رجب في لطائف المعارف 98: « فيه إشارة إلى استحباب صيام الأيام التي تتجدد فيها نعم الله ع عباده، فإنّ أعظم نعم الله على هذه الأمة إظهار محمد وبعثته وإرساله إليهم، كما قال :{لَقَدْ مَنَّ اللهُّ عَلىَ المُْؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مننْ
عدد الصفحات ١٧٤172 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فتاوى يكثر السؤال عنها أَنفُسِهِمْ }]ال عمران [164، فصيام يوم تجددت فيه هذه النعمة من ا على عباده المؤمنين حسن جميل، وهو من باب مقابلة النعم في أوقات تجددها بالشكرقصود الوصول بهذه الطاعة إلى محبة الله ورسوله ، وقد يتحقق هذا المقصود بأي وسيلة مشروعة، فالوسائل لها حكم المقاصد إذا كان المقصد شرعياً. 7. عن ابن عباس ، قال لما قدم النبي المدينة وجد اليهود يصومون يوم عاشوراء فسئلوا عن ذلفي فقالوا: هو اليوم الذي أظفر الله فيه موسى وبني اسرائيل على فرعون، ونحن نصوم تعظيماً له، فقال : نحن أولى بموسى، وأمر بصومه في صحيح البخاري7 :215، وفي هذا الحديث تأصيل لملاحظة الزمان والعناية به. واستدل بهذا الحديث ابن حجر العسقلا على مشروعية الاحتفال بالمولد النبوي الشريف، كما في فتوى له نقلها السيوطي في الحاوي للفتاوي1 :196، فقال ما نصه«فيستفاد منه الشكر لله على ما مَنّ به في يوم معين من إسداء نعمة أو دفع نقمة، ويعد ذلفي في نظير ذلفي اليوم من كل سنة، والشكر لله يحصل بأنواع العبادة كالسجود والصيام والصدفة والتلاوة، وأي نعمة أعظم من النعمة ب وز هذا النبي نبي الرحمة في ذل اليوم 8. عقَّ رسول ا عن نفسه بعد نبوته، قال السيوطي في حسن المقصد1 :196« : وقد ظهر تخريجه على أصل آخر وهو ما أخرجه البيهقي
عدد الصفحات ١٧٥للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 173 عن أنس أن النبي عقَّ عن نفسه بعد النبوة، مع أنه قد ورد أن جدّه عبد المطلب عقَ عنه في سابع ولادته، والعقيقة لا تعاد مرّة ثانية، فيحمل ذلفي على أن الذي فعله النبي إظهار الشكر على إيجاد الله إياه رحمة للعالمين، وتشريع لأمته كما كان يُصلي على نفسه لذلفي، فيستحب لنا أيضاً إظهار الشكر بمولده بالاجتماع وإطعام الطعام ونحو ذلفي من وجوه القرب ات وإظهار المسراتـ وأما الاجتماع على الخير فهو مشروع بدليل قوله « : يقعد قوم يذكرون الله إلا حفتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينة، وذكرهم الله فيمن عنده في صحيح مسلم ر2700. قال ابن حجر ايتمي في الفتاوى الحديثية 150: «وفيه أوضح دليل على فضل الاجتماع على الخير، والجلوس له، وأن الحالتين على خ 9. إن النّبيّ قال في فضل الجمعة«فيه خلق آدم1 :108، وسنن الترمذي ر 419، وصححه، فقد تشرف يوم الجمعة بخلق آدم، فبدلالة النص وفحوى الخطاب وقياس الأولى ثبت فضل اليوم الذي ولد فيه رسول الله ، بل يكون له نفس الفضل كلما تكرّر، كما هو الفضل بيوم الجمعة. من اقوال العلماء في استحسان الاحتفال بالمولد: انعقد الإجماع على استحسان الاحتفال بالمولد، فقد ذكر العلماء أوّل مَن فعل المولد هو الملفي المظفر صاحب إربل، وكان يحضر المولد الأكابر من العلماء وغيرهم، وقد استحسنه غيرُ واحد من الأئمة المجتهدين، ومنهم:
عدد الصفحات ١٧٦174 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فتاوى يكثر السؤال عنها قال أبو شامة المقدسي (ت 665هـ«الباعث على إنكار البدع والحوادث مولده من الصدقات والمعروف واظهار الزينة والسرور، فإن نفي ذل– مع ما فيه من الإحسان للفقراء- إشعار بمحبته .» قال السيوطي حسن المقصد في عمل المولد استحباب الاحتفال بالمولد النبوي الشريف، قال بعد سؤال رفع إليه عن عمل المولد النبوي في شهر ربيع الأول ما حكمه من حيث الشرع، وهل هو محمود أو مذموم، وهل يُثاب فاعله؟ قال: والجواب عندي أن اصل عمل المولد الذي هو اجتماع الناس وقراءة ما تيسر من القران ورواية الأخبار الواردة في مبدأ أمر النبي وما وقع في مولده من الآيات، ثم يمد لهم سماط يأكلونه وينصرفون من غير زيادة على ذلفي، وهو من البدع الحسنة التي يثاب عليها صاحبه ا؛ لما فيه من تعظيم قدر النبي وإظهار الفرح والاستبشار بمولده الشريف قال ابن الجزري في «عرف التعريف بالمولد الشريف«إنّه صحّ أنّ أبا لهب يخفف عنه العذاب في النار كل ليلة اثنين لإعتاقه ثويبة عندما بشرته بولادة النبي ، فإذا كان أبو لهب الكافر الذي نزلالقرآن بذمه جوزي في النار بفرحه ليلة مولد النبي ، فما حال المسلم الموحد من أمّة النبي ي بمولده ويبذل ما تصل إليه قدرته في محبته، لعمري إنما يكون جزاؤه من الله الكريم أن يدخله بفضله جنة النعيم.
عدد الصفحات ١٧٧