المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

رواية رمانة – موسى الحمامي

غير معروف

صفحة ٧ من ٨

رمانة 98 في الحقيقةِ كلّ ما أتمناه أن أبقى اليوم وحيداً، لكن لا يمكننك أن تضع صخرةً أمام سفينةِ مشاعرٍ أنتَ ربانها. انتهتْ المكالمة، وضعتُ الهاتفَ وأنا مرهقٌ منه كأنه يزن جبلين وما إن وضعته حتى رنَّ مرةً أخرى. رسالة... « « لا يعلم أحدٌ بكرهي لكلماتِ الأعيادِ، فهذا أمرٌ غريبٌ قد يمنحك سمعةَ الجنونِ ويمنح زميلاتِ الصفِ أياماً دافئةً في الحديثِ عن غرائبك، سيتهمنك بالتشاؤمِ، وكره الحياةِ وقد يتطور الأمرُ أكثر فتصبح معقداً ومنطوياً على نفسكَ ـ وأنا أتمنى الانطواءَ على نفسي ـ وبعد أن تفرغ ألسنتهنَّ يبدأنَّ بتفسيرِ أيِّ تصرفٍ مقصودٍ أو غير مقصود بإلصاقه بتلك الفكرة التي تكونت عنكَ مسبقاً. آه... كم هو ممل الحديث عن حديثِ الناسِ. كيف علمتْ بأمرٍ لا يعلم به أحدٌ غيري؟ هل أنا عميلٌ يفشي أسراره لخصمه؟ هل بعتني من اجلها؟ ما كلّ هذه الأسئلة التي ترتدي زياً موحداً؟ اتصل... كيف اتصل؟ ماذا أقول إذا سمعتُ صوتها؟ عن أيِّ شيءٍ أتحدث؟ من يضمن لي قدرتي على الصبرِّ وعدم مقاطعةِ الحان القدرِ بكلماتي الناشز؟ اتصلتُ... رنَّ الهاتفُ... الهاتفُ يرنُّ، وأنا أتوسلُ السماءَ أن لا تجيب، واتوسلها أن تجيب أيضاً، يا الله، لا أعرف ماذا أطلب منك! سمعتُ صوتاً... لا تخف ليستْ هي.

عدد الصفحات ٩٨

موسى الحمامي 99 موظفةُ الشركةِ تقول لاحقٍ لهذا اليوم، هربتُ من تفكيري إلى سوقٍ مزدحمٍ وقريبٍ. فكرةٌ رائعةٌ؛ فازدحامُ المارةِ يشغلك عن التفكيرِ قليلاً، وجوهُ العابرين قصائدٌ لم يقرأها أحدٌ. تصفحتُ أنفاسهم، التفاتاتهم نحو الأضواءِ والسلعِ، أمنيات النساء البسيطة، بدا الأمرُ ممتعاً إلى أن رأيتُ وجهها على كأسٍ بلوري لامعٍ فارتعبتُ وهربت من نظراتها فإذا بي أراها في جميعِ الأشياءِ! فكرتُ في الذهابِ إلى البيتِ ولكن ماذا إن وجدتها تنتظرني لتشرب معي كوناً من السهرِ المرِّ؟ لم لا أرسل لها رسالة؟ عندما لمعتْ هذه الفكرةُ في بالي فخرتُ بنفسي كأني اكتشفتُ اختراعاً عظيماً، شعرتُ بأنني عالمٌ عبقري فقط لأنني فكرتُ بإرسالِ رسالة لها؛ فبالنظرِ لاستعدادي العقلي في تلك اللحظة يعد هذا انجازاً هائلاً، إلا أنه لكلِّ اختراعٍ مشكلةٌ ومشكلتي الآن ماذا سأكتب فيها؟ وأي الحروف سأختار؟ وكيف أضع بساتين مشاعري في قشرِ عبارةٍ قصيرةٍ؟ تشجعتُ كجندي سمع أغنيةً وطنية فرضي بالموتِ على أنغامها. كتبتُ لها: ـ من أيِّ سماءٍ سقطتْ نجمتك علينا؟ كان يجب أن أقول لها: (فدوه أروحلك خلصيني من عذابي)، كان يجب أن أقول الحقيقةَ بدلاً من تكلّفِ عباراتٍ واصطناعِ ألفاظٍ ليستْ لي، ولا تعنيني، ولا تمسني، الآن في مثل هذا الوقت كان يجب أن أتوسل بشدة. ما إن أرسلتُ رسالتي حتى تضايقتُ من انتظارٍ قادمٍ توقعته

عدد الصفحات ٩٩

رمانة 100 ولكن الأمرَ لم يطلْ، لحظات وتجيب ـ إن لم تعجبك نجمتي فيمكنك إرجاعها وببساطة يا سيدتي، كيف تكفيك بضع ثوانٍ لتردي علي رداً صاعقاً مثل هذا؟ وأنا الذي كان يحسب الرسالةَ اختراعاً، وأن كتابةَ حرفين لكِ تعادل مشقة كتابة رواية، وما الذي لا يعجبني؟ وكيف أرجعه؟ وإذا أرجعته كيف يكون الأمر ببساطةٍ؟ استغرقتُ خمس دقائقٍ لأكتب رداً لها. خمس دقائق؟ اكتشفتُ أن الساعةَ آلةٌ سطحيةٌ؛ فهي لا تميز بين الأوقات، وتسير دائماً في حين إن الوقتَ يتوقف كثيراً، الساعة لا تعني الوقت، فليلة نائمة بين أحضانِ الحبيبِ ليست إلا ثانية، وثانية وأنت تقارع سيوف الانتظار قد تكون عمراً كاملاً وقد تهرم خلالها وقد تموت... كتبتُ لها: ـ لابد أن نعرف مكان الشيء لنعيده؛ فمن أيِّ كوكبٍ أنت يا سيدتي؟ مرةً أخرى وبسرعة أكبر ـ أنا من كوكبك. وتأخرتُ أنا حتى كتبتُ: ـ في أيِّ كتابٍ تختبئين؟ ـ ربما أكون الصفحةَ الأولى من حياتك وربما أكون الصفحةَ الأخيرة. ـ هل لي أن اقرأ صفحتي؟ ـ أنت تقرأها كلّ صباح.

عدد الصفحات ١٠٠

موسى الحمامي 101 ـ أتمنى أن تراعين فهمي وتوضحين أكثر ـ وبالفعل هذا ما تمنيته ـ ـ أنت لا تحتاج لشرحٍ، الأمرُ بسيطٌ، تقرأها بدونِ تمعنٍ. ما قرأتُ شيئاً إلا وتمعنتُ به، لا أترك حرفاً دون فهمه، على الأقل بطريقتي، فهل يعقل أن لا أتمعن بكتابِ حياتي. لا أعرف ماذا أكتب بعد، عن ماذا أتحدث، سكتُ قليلاً فأضرمتْ نارَ الوداعِ حينما قالت نتحدث كثيرا ـ انتظرك... أحياناً احتاج تنفسها بشدة، وأحياناً أقنع نفسي بأنني لا انتظرها فابذل كلّ جهدي في تقمصِ دورِ القطارِ إلا أن تصرفاتي تشي بذاك الراكب الذي لا يعرف موعد رحلته، ولا يعرف وجهتها، ولو كان مغفلاً مثل ما تصوره الأفلام، لتمكن من السؤالِ ببساطةٍ، ولكن الخوفَ من أن يحسبه الناسُ غبياً جعله غبياً دائماً، واضطر لمعانقةِ جميعِ المواعيدِ دون أن يعرف موعده. عندما يملأني الفراغُ وأنا في اشدِ انشغالي أتوق إلى معانٍ لست أعرفها، أحاول أن أرسم لها صورةً في مخيلتي علّي أطفئ لهيبَ أشواقي ولكنها تظهر بوجهٍ مختلفٍ في كلِّ محاولةٍ، حتى أنها ارتدتْ ملامحَ أمي في أحدى المرات... بات الإرهاقُ يهددني جدياً، وبدأت أعراضُ الشوقِ تظهر على وجهي وجسمي الذي نحل، فحين لا يجد الشوقُ من يرويه يتغذى على صاحبه ولأنني صديقه المقرب كان أكثر تمادياً على ملامحي وما كان لي إلا أن أكتب (أنا عطشانك) وأبعثها نبياً يهدي صوتها ليكسر كلّ أصنام البعد ويدخل في دينِ وصالي.

عدد الصفحات ١٠١

رمانة 102 وعدتُ اسأل: هل بلغ النبي رسالته بنجاحٍ ولما يدخل العشق في قلوبهم؟ أم أنه صلب في متاهاتِ النسيانِ؟ أم... لم أكمل تفكيري حتى أذن الهاتف معلنا صوتاً دائماً ما كنت انتظره ولكن ليس الآن، لم يكن هذا وقتها، أنا دائماً كنتُ لكِ فامنحيني بعض الوقت لأكون لي أو لها، اعذريني قليلاً، لن أرد... لن ارد... لن ارد... ـ حبيبي قلقت عليك ليش مترد؟ ـ لا داعي للقلقِ. ـ أنا بس ردت أكَلك أنا مشتاقتلك وراح اطلع للسوكَ لأن باجر دوام. كعادتها تطلب الإذنَ في كلِّ شيءٍ حتى في تقبيلي إذا خلونا في أحدى الحدائقِ. ـ ماشي براحتك. أحبك، وأموت عليك، وزر الإغلاق هكذا تنتهي المكالماتُ دائما. كان الجميعُ داخلَ القاعةِ يتلقى محاضرة في بحورِ الشعرِ العربي، لثلاثةِ أعوامٍ وهم يتلقون الدروس، لثلاثةِ أعوامٍ يقرأون تلك الكتب، وهم على هذه الحالة لو جئتهم بعد ثلاثةِ قرونٍ، وثلاثةِ آلافِ محاضرةٍ في الشعرِ لوجدتهم لا يعرفون عن الشاعرِ إلا قبيلته، واسم أبيه، ولا يعرفون عن الشعرِ إلا أن سطره ينقسم شطرين، وأما النثر فسطره لا ينقسم، هذا هو الأدب، انقسام السطرِ وعدمه! لذلك أنا لا احضر هذا الدرس فالفشل مرضٌ

عدد الصفحات ١٠٢

موسى الحمامي 103 خطيرٌ ومعدٍ، أنا لا احضر لأنني أكره الدرس، وهي لا تحضر لأنها تحبني. ماذا تغير فيها؟ ليست ملابسها؟ ليس في وجهها؟ ولا مشيتها؟ فماذا يمكن أن يتغير؟ ربما لم تتغير، ربما أصبحتُ أراها في حبيبتي وحينها سأكون خائناً جداً، ولكنني لم افعل. قالتْ: أنا اعتذر لأنني لم أكن معكَ في عيد ميلادك. ـ غير مهم. ـ تقبل هديتي البسيطة. الهدايا المغلفة دائماً ما تخبئ تحت غطائها الوردي الحيرة التي انتابت الشخص ليختار لك هديةً تمثل ذوقه، فالأشياء التي صادفته ولم يخترها تدخل ضمن هديتك. فتحتُ هديتها من دونِ إثارة أو خوف من مفاجأة، فتحتُ هديتها كما افتح محفظتي وأنا أعرف ما فيها، ما عساها أن تهديني غير خاتمٍ، أو ساعةٍ، أو قلادةٍ بحرفها؛ فشواطئ مدينتنا لا تزورها فرائدُ الأشياءِ وإن وجدتْ فلفرائدِ الناسِ فقط وليس لنا. أزلتُ الغلافَ، وفتحتُ العلبةَ، وجدتُ كتاباً صغيراً! من العجائبِ أن أجد كتاباً عند شهلاءَ؛ فهي بالكاد تتقبل كتبنا المنهجية، كان الكتابُ روايةً! زاد العجب أكثر... شهلاء، يا سيدة الفطرة يا عفوية التفكير، لماذا تزيديني إرهاقاً بهديتك المغلفة حتى بعد فتحها؟ وهل تستطيعين التفكير بشكلٍّ

عدد الصفحات ١٠٣

رمانة 104 معقدٍ وأنت تغزلين الصمتَ حين تمر كلماتي لتعري كلَّ مشاعرك فلا تعرفين الردَ لا بالمثلِ، ولا بالشبه، ولا بأيِّ كلمة. عندما تتغير الأشياءُ من حولك ترتبك تصرفاتك المعتادة؛ لذلك بدأتُ أفكر بكلماتي معها لأنها ربما لا تناسب مستوى التغيير. جلسنا نرتل آياتِ الصمتِ لبضعِ دقائقٍ، الكلّ ينظر لنا من زاويته الخاصة، زملائنا نضج في رأسهم استغراب ما لأننا لم نكن هكذا من قبل. ما تعدى من الساعةِ إلا ربعها حتى جاء أحد الأساتذة يحمل نتائجَ الامتحانِ، لم اهتم كعادتي لأنني متأكدٌ من النجاحِ؛ خاصة وأنا الطالبُ المفضلُ عند هذا الأستاذِ. وما أن أعلن النتائج حتى تدفق سيلُ الفشلِ في أرجاءِ القاعةِ فغرق الجميعُ إلا اثنين أنا وهي، نظرتُ لها متعجباً؛ فهي لم تذق طعمَ النجاحِ في هذه المادةِ التي تعتمد على الثقافةِ العامةِ في اللغةِ العربيةِ، كيف تأخذ درجةً كاملةً وقد كانت الأسئلةُ فوق مستوى الجميع؟ أثنى عليها الأستاذ بكلمات موسيقية أبهرت الطلاب وجعلتهم يتساءلون. أما أنا، قال ستحسب لك درجة الامتحان القادم عندما خرجتُ تبعني صوتُ الأستاذِ: موسى انتظرني في المكتبِ. الانتظارُ بحد ذاته يرهقني فكيف إذا كان انتظاراً بربطةِ عنقٍ! في مكتبٍ يضج بكآبة المثاليةِ والتقليدِ، وليت أنه يثمر عن عينيها لانتظرتُ العمرَ مستمتعاً، فثمار حصادِ الميلِ لنهاري سيكون طلبَ كتابةِ مقالٍ أو قراءةِ قصيدةٍ أعجبته. جاء معبراً عن انشغاله بكثرة النظر لساعته الرخيصةِ التي تباع على أرصفةِ

عدد الصفحات ١٠٤

موسى الحمامي 105 المدينةِ بمبلغٍ لا يأخذ إلا قشر من راتبه ـ ما بكَ؟ ـ لا شيء. ـ لولا علمي بحبك لشهلاءَ لقلتُ أنك وقعتَ في الحب. الحديثُ عن الحبِ وسط اللحايا المزورة يعني انتحارا، ولا أعرف كيف يتجرأ على فرضِ سيادةِ الحياةِ في مقبرةٍ ماتت فيها حتى رائحة البخورِ. سكتَ قليلاً ثم أكمل بحزنٍ تأخذ أيَّ درجةٍ في هذا الامتحانِ؟ ـ نعم، أنتَ أخبرتني أن إجابتي فُقدت. أخذ يبحث عن كلمةٍ مناسبةٍ، لم يجد، انزل نظره، فتح الجرارَ، أيعقل أنه يحتفظ بكلماته القاسيةِ بجرارِ المكتبِ؟ أخرج ورقةَ إجابتي، مكتوب أعلاها بالخطِ الأحمرَ (صفر) ماذا يعني صفر؟ أتخبرني هذه الورقة الخرقاء إنني فاشلٌ في اختصاصٍ اخترته منذ نعومة أظافري، لم تكن هناك أي درجة تكتب رقماً، أيعقل هذا؟ أخذت أتفحصها، إجابتي للسؤالِ كاملة لا ينقصها حرفٌ، كلمته بصوتٍ دامعٍ: ـ ولكن الإجابةَ صحيحةٌ؟ كاد أن يصرخ بي غضباً... تبسم ـ أتمنى أن تنتبه لنفسك؛ لأن الأساتذةَ اقترحوا فصلك، وعدوا فعلتك استهزاءً بالجامعةِ كلّها، إلا أنني رأيته إبداعاً من وجهٍ ما فلا تجبرني على تغييرِ رأيي، خذ الورقةَ واذهب أنت مجازٌ اليوم. هل أنا مصاب في جبهةِ الحربِ حتى يمنحني إجازةً جبريةً؟ ماذا فعلتُ؟ لا زلتُ أعتقد أن إجابتي صحيحةٌ، أمسكتُ الورقةَ

عدد الصفحات ١٠٥

رمانة 106 وتفحصتها كعجوزٍ تعد نقودها، ورحتُ ادقق ما قلته بما يقوله الكتابُ، السؤالُ الأولُ إجابة كاملة، السؤالُ الثاني قصيدةٌ لم أسمعها من قبل، راجعتُ منطوقَ السؤالِ مطلوب فيه كتابة قصيدة غزلٍ من العهدِ العباسي، فطفقتُ أركض بين أودية القصائد وشعرائها، لم أجد أيَّ مخيلة عباسية تنطق بهذه الألفاظ المرسومة في ورقةٍ يفترض أن أكون كاتبها، وكيف لشاعرٍ عباسي أن يكتب قصيدةَ شعرٍ عراقيةً شعبيةً؟ هل قفز هذا الشاعرُ حائطَ الزمنِ؛ ليتسلل إلى شعبيتنا ويعشقك في قصيدةٍ كادت أن تدمر مستقبلي؟ قرأت القصيدةَ، فقرأتها، ثم قرأتها؛ لاحظت أن لغتها واضحةٌ ولكن معانيها عميقةٌ، حتى وإن وصل بي الجنون إلى كتابةِ قصيدةٍ شعبيةٍ ليقرأها أساتذةٌ يكرهون الشعرَ الشعبي كما يكره الطفلُ قاتلَ أبيه فكيف استطعت تغيير لغتي الشعرية؟ أنا متأكد أنني لا أكتب بهذا الأسلوب ولكن الخط خطي، وتلك الورقة المقطوفة من أوراقها تفاؤلاً بأنها تجلب ألحظ ورقتي. مدري منّين... مدري من يا طير أسمعك وين حطيت عل يا مزنة غنتلك مطرها السمه الوردية ما تشرب كحلنا الظلمة مخلوقة عل كَدك... صدكَ وحدك... بس كَمرها...

عدد الصفحات ١٠٦

موسى الحمامي 107 ي بدأ يومٌ آخر، الجو حزينٌ وقلِقٌ، عيناي كشفاهِ عروسٍ من حمرةِ السهرِ، ارتعبتُ من منظري عندما أخبرتني به المرآةُ. وقفتُ أمامها في ذلك المكان الذي اعتاد علينا فقالتْ: ـ ما بكَ؟ تعابيرُ وجهها مرتبكة من مظهري ـ لا شيء، إنه السهرُ. ـ ولمَ؟ ـ قلتُ لكِ لا شيء. حاولتْ عيناي الهروبَ من نظرتها... نظرتُ إلى الحائطِ، وجدتُ قوسين بينهما (أنا أراك). كثيرةٌ هي العباراتُ التي تخط على الجدرانِ، اغلبها ذكرى سعيدة، أو بيت شعر، اعتدنا أن نراها أينما ذهبنا؛ كأنها جزءٌ من ثقافتنا لا يمكن الاستغناء عنه، لكن أحداً لم يكتب رسالةً مباشرةً! كيف علمتْ أنني سأقف هنا في هذا المكانِ دون المساحاتِ الأخرى بالضبطِ مجاوراً لعبارتها؟ وكيف عرفتْ أنني سألتفتُ واقرأ ما كتبته؟ ازدحامُ الطلبةِ، والتفاتاتهم يجعلك تشك في الجميعِ، من يا ترى؟

عدد الصفحات ١٠٧

رمانة 108 إلى أي ملامحٍ تنتمي هذه المرأة الأثيرية؟ تحت أيِّ وجهٍ تتلبد؟ لو عرفتها لصرختُ فيها كفاكِ ظلماً فأنا أحبكِ، أو أكرهكِ! غير مهم، المهم أن أصرخ في وجهها فقط. تركتُ حبيبتي تتكلم وسرتُ على عيني أبحث عنها، أخرجتُ قلمي وكتبتُ على الحائطِ (أنا أيضاً) انطلقتْ شفتي تجاه ابتسامةٍ غريبةٍ؛ عندما خلتُ أن رسالتي ستربكها قليلاً لكنها سرعان ما عادتْ لمكانها مدركةً أن كذبتي مفضوحةٌ مع كلِّ هذه الحيرةِ البينةِ في خطاي ونظراتي، وعندما رجعتُ لوعيي وجدتُ شهلاءَ تنتظرني مبتسمةً، لم اسألها عن السببِ! ولمَ اسألها؟ فالابتسامة لا تحتاج سؤالاً، بل تحتاج لألفِ سؤالٍ ولكنني لم اسألها... ولمَ اسألها؟ كان ذلك اليومُ مختصراً جداً إذ لا ظهيرة فيه، فبعد شروقِ الشمسِ بساعاتٍ جاء الظلامُ كزوجٍ راجعٍ من سفرٍ بعيدٍ، غطى المدينةَ أو غطى غرفتي، لا فرق فأنا لم أخرج منذ رجوعي. عيناي تحدقان في زرقةِ الشاشةِ كظمآن يستسقي سماءً الكترونيةً هي ربها الأرحم، ثم وبعد أن سيطر اليأسُ عليّ أغلقتُ العالمَ الذي التقيتها فيه، وذهبتُ لارتاح قليلاً من وجعِ الانتظارِ، ثم استعد ليومٍ آخرَ. ساعاتٌ وأنا أحاول النومَ دون جدوى، رن الهاتفُ معلناً رسالتها: « عندما تعجز تماماً تولد على شفاهك كلماتٍ بسيطةٍ إلى حدِ السذاجةِ، فأعظمُ ما أنتجته قريحتي في تلك اللحظة نعم، وأنا أكثر هذه هي الكلمةُ الوحيدةُ التي أنا متأكدٌ منها...

عدد الصفحات ١٠٨

موسى الحمامي 109 صرخاتُ الأرضِ من ضربةِ عصاها توقظني قبل أن تحاول هي ذلك نومٌ؛ فليس الأمرُ كذلك، ليس الأمرُ كذلك يا سيدتي ولكن من سيخبرك؟ لم اكلمها، قبلتُ رأسها، ارتديتُ ملابسي، حاولتُ أن أكل شيئاً، مسكتُ خبزةً منسيةً من يومِ أمس، قضمتها بهدوءٍ واحترامٍ، شربتُ بعضَ الشاي دون أن اصدر ذلك الصوتَ الذي تعزفه شفاه السمارِ إذا اجتمعوا لشربِ الشاي وتفاصيل حياةِ الآخرين، ذلك الصوتُ الذي يجسد اللذةَ والمتعةَ، ذلك الصوتُ الذي تكرهه الفتياتُ ويعشقه رجالُ مدينتي. شربته بهدوءٍ واحترامٍ، بدأتُ احترم نفسي، لا أعرف ما السبب؛ ربما لأنني أشعر أنها تراقبني، كلماتي مع زملائي محسوبةٌ ودقيقةٌ، ابتسامتي ثمينةٌ، بدأتُ أتصرف كسجينٍ أطلقوا سراحه؛ ليدلهم على جريمته وشركائه فتصرف بالعكسِ. انتهتْ المحاضراتُ، وعزمتُ الذهابَ للبيتِ، وفي الطريقِ صادفني أحدُ الأساتذةِ الذين أحترمهم بشدة ـوهم نوعٌ مهددٌ بالانقراضِـ سلمتُ عليه، سألني عن أحوالي، عن دراستي عن... لا أتذكر عن ماذا سألني بعد؛ فكلّ ما أتذكره أن قلمه سقط من يده التي كان يلوح بها، وعندما انحنيتُ لأجلبه احتراماً أذهلني حذاءٌ ورديُ اللونِ، حذاءٌ فنيٌ جداً، كلوحةٍ، كقصيدةٍ، كطفولةٍ، رفعتُ عيني؛ لأتعرف على صاحبةِ هذا الفن فقبض عليها انزعاجُ الأستاذِ، قال: بالتوفيق... وذهب. ركضتُ خلف ذلك الحذاءَ، تعثرتُ بكثيرٍ من الأحذيةِ فمنهم من ابتسم، ومنهم من انزعج، لا يهم. وفي الوقت الذي كدتُ

عدد الصفحات ١٠٩

رمانة 110 أن أصل إليه سمعتُ صوتاً « ألتفتُ فإذا بشهلاءَ مستغربةٍ من تصر ـ وين رايح؟ قلبتُ الأعذارَ فوجدتُ أسهلها ـ للمغاسل راسي يوجعني كلش. ـ بس المغاسل مو منا ـ مع ابتسامةٍ تقتلني ـ تعال لأدلك عليها الظاهر أنت تعبان هواي. هي تأخذني إلى طريقٍ، والحذاءُ يناديني إلى طريقٍ آخرَ. افلتُ يدي منها وركضتُ خلفه فوجدتها مرة أخرى! ـ موسى هاي شبيك؟ ـ لا شيء. استسلمتُ... أخذتني وجلستْ بي على إحدى المصاطب... صمتٌ مزقته بقولها: « هو نفسه، كيف ذلك، هو نفسه، الحذاءُ الذي رأيته قبل قليل، رفعتُ رأسي، أمسكتُ وجهها، هي نفسها شهلاء! وهو نفسه! ربما أنا مختلف؟ ربما أنا لست أنا... وقفتُ... تنفستُ... ذهبتُ... خطوات لذتُ بها خوفَ الموتِ على طريقِ الاستفهامِ غير أنني نسيتُ التنفسَ اليوم فوصلتُ إلى البيتِ مختنقاً، كلمتني شهلاء، لم أجب، وصلتني رسالة ظننتها منها فلم افتحها إلا بعد ساعةٍ تقريبا.

عدد الصفحات ١١٠

موسى الحمامي 111 لم تكن من حبيبتي بل كانت من حبيبتي! مكتوبٌ فيها (أعلم جيداً ما معنى أن تحمر عيونُ الرجلِ) تساقطتْ قطراتٌ من الدمعِ كاعترافٍ بالهزيمةِ، ككلماتِ ما بعد الخسارةِ (إذا كنتِ تعلمين فلماذا كلّ هذا العذاب؟) ما زلتُ أكتب هذه العبارةَ حتى جاءتْ رسالتها الثانية ـ تكدر تطير؟ تسألني وتبكيني مرةً أخرى، تسأل جبلاً مربوطاً بتاريخ حجريٍّ، وعلاقاتِ جاذبيةٍ لا تنتهي عن قدرته على الطيرانِ! تسأل فراشةً معاقةً عن مغامراتها مع الأزهارِ! تقص حكايةَ سليمانَ لهددٍ مشلولٍ! و بماذا أجيب؟ دائماً ما كانت أسئلتها لا تجُاب، ولكنَّني الطالبُ المجتهدُ لا يحق لي أن افشل في أيِّ امتحانٍ، وأن كنتُ فعلتُ ذلك فلن افعله مرةً أخرى. ـ بالتأكيد فأنا طائرٌ الآن. تبرق بسرعةٍ: ـ لمَ لا تهبط في مملكتي؟ ـربما لأنني لا أعرف العنوانَ. ـ أنت تعرفه، وستأتي... أرسلتُ بعدها الكثيرَ ولم ترد؛ ربما لأنها أحستْ بقلة شجاعتي، ربما لأنها تبحث عن ذلك الطائرِ المغامرِ الذي يرقص بين طلقاتِ الصيادِ وشبكته، ربما لم تجد ما تبحث عنه هنا فقررتْ الرحيل. هل يحق لها أن ترحل قبل أن تأتي؟ هل يحق للوطنِ أن يهاجر؟ هل يحق للشمسِ أن تجافي سنبلةً تتنفسها؟

عدد الصفحات ١١١

رمانة 112 هل يحق للنهرِ أن يهرب بحجةِ التغيير؟ جاء ذلك النبيُّ على هيأةِ رسالةٍ الكترونيةٍ ليكتبها بالخطِ العريضِ وبتكرارِ حرفِ الباءِ، ورشاقةِ حرفِ الكافِ بكلِّ ما تحمله الكافُ من شموخٍ، ليكتبها كما تكتب الأقدارُ على جبيننا (أحببببببببك) هكذا جاءتني (أحببببببببك) جعلتْ من خمسةِ حروفٍ أحد عشر حرفاً (ميييييييييت) وهكذا كنتُ ميتاً لا يتحرك إلا قلبه وبسرعة شديدة كأنه في مضمارٍ يحاول أن يحصل على مركزه الأول، انتظرتُ تحول هذه الكلمةِ إلى مشنقةٍ، أو تفاحةٍ، أو إي خدعة كنا نراها في الصغرِ، قلبي لا يصدق وعيني تحاول إجباره، وفي داخلي ما ينقصني، ما يخبرني أن هذه الكلمةَ ينقصها حرفٌ ما في حين هي تزيد بستةِ حروفٍ! عجيبٌ ما يحدث الآن، آلاف المشاعر تخالجني في نفس اللحظةِ، جلدي يكاد يحترق من قشعريرته، وصوتي يكاد يصهل من استغرابه، وأنا ممتدٌ على فراشي لا يتحرك لي طرفٌ. أأرد؟ ذلك يحتاج لقوةٍ إلهيةٍ، يحتاج إلى وحي، ماذا سأكتب؟ ماذا سأقول؟ كيف أجيب شخصاً قال أنه يحبني؟ هذا ليس بالأمرِ العسيرِ لأن صيغةَ سؤالي خاطئةٌ والأصح: كيف أجيب حلماً قال أنه يحبني...؟ أجبتها ـ وأنا أكثر أنا الدغ من جحرِ السذاجةِ مرتين، أنا اعترف بأن هذا جوابٌ

عدد الصفحات ١١٢

موسى الحمامي 113 متوقعٌ من طفلٍ، أو من عجوزٍ، أعرف أنه ليس كافياً ولكن هذا كلّ ما امتلكه. جاء الصباحُ يجر أذيالَ الخيبةِ على طريقٍ بللته دموعُ العشاقِ ولما يجيء ردٌّ على رسالتي... تقبلتُ الأمرَ معترفاً بأنني لا أستحق أيَّ ردٍّ، لم اذهب للدوامِ صباحاً؛ فقد كان لدي موعدٌ في ذلك المتنزه الذي يعتني بأشجاره، ويمد الظلَ؛ ليستر الأحضانَ، والقبلات. قالتْ: ـ شكراً لأنك تحبني أكثر. ـ بالتأكيد، لكن من أخبرك بذلك. ـ ادري بيك تستحي بس مو لهاي الدرجة يعني مشاعرك ما تطلع إلا بحروف ما يصير تلفظها كدامي ـ يا مشاعر؟ شهلاء شبيج؟ قدمتْ لي الهاتفَ كما تقدم القهوةُ لصباحٍ كسولٍ فأمسكته بيدي ثم ساعدتها على حمله بيدي الأخرى، قرأتُ رسالتي مكتوب فيها (وأنا أكثر) صعقتُ ولكن لا وقت للاستغرابِ فالمسألة مسألة حبٍّ أو حياة، مسألة موت أو حب. ـاها... أتذكرت هذا شي بسيط. يا رب الرسائلِ، يا اله الحبِ، أيعقل إن تخطأ بالعنوانِ، أيعقل إن ترسل رسالتي إلى غير من أردت، أتتصرف من تلقاءِ نفسك، أيها القدر الغريب من قال إنيّ أحبها أكثر؟ من قال إنيّ أحبها؟ من أرسل لها رسالتي؟ أخرجتُ هاتفي، تأكدتُ، هي شهلاء من أرسلتْ لي، هي شهلاء من أرسلتُ لها، إذن القدر لم يخطئ

عدد الصفحات ١١٣