رمانة 114 بشيءٍ، أنا من ظنَّ أن الحلمَ يمكن أن يعترف بحبه، أنا من تصور أن القاضي ممكن أن يحكم على نفسه بالسجنِ، أنا من أخطأ، أنا من لم يقرأ اسمَ المُرسلِ وقرأ الرسالةَ فقط، أنا من رد على شخصٍ لم يطرق البابَ، أنا من فتح السجنَ ليوسفَ...
عدد الصفحات ١١٤موسى الحمامي 115 ن ـ سأذهب الآن وغداً... ـ إلى أين؟ ـ الآن إلى البيتِ، وغداً إلى بغدادَ. ـ بس بغداد خطرة! ـ مو أخطر منك. مع غمزةٍ واضحةٍ لو مرَّ بجانبي موظفُ الأمنِ لطردني بسببها، ولاحتاجتْ أن تغمز له كي لا يطردها أيضاً. ـ ألا تريدين إكمالَ المحاضراتِ؟ ـ لا، سأذهب وأتحضر للسفر... ذهبتْ هي وبقيتُ أنا أتتبع خطواتِ المارةِ بحثاً عن قاتلتي، أستنشق عطرها، أتخيل ماذا سترتدي اليوم وكيف سيكون شكلها بالأسودَ؟ كيف تبدو إذا تحنكتْ؟ كيف تبدو إذا أفلتتْ صهيلَ شعرها؟ سعدتُ لفكرةِ غيابِ شهلاء؛ فهذا يمُكنني من التنقلِ بحريةٍ أكبر. وبالفعلِ بدأتْ رحلتي لاكتشافِ العالمِ الذي طالما تعثرتُ به دون أن أعلم أنه المقصودُ، ومن أول كرسي في الحديقةِ إلى آخر سبورةٍ في أحدى القاعاتِ المغلقةِ، ومن آخر قاعةٍ مغلقةٍ إلى الكتبِ المتروكةِ بقرب النوافذِ، ومن أولَ نافذةٍ إلى آخرَ خيطِ شمسٍ، تفحصتُ كلّ شيءٍ ولم أجد لعطرها طلل. بعدما كانت
عدد الصفحات ١١٥رمانة 116 الجملُ المكتوبةُ على الجدرانِ تجدني أصبحتُ أبحث عنها و أجدها. تصفحتُ تاريخ الحبِ في هذا المكانِ، فمنهم من يرسم قلباً يخترقه سهمُ الحبِ، ومنهم من يكتب حرفين يحبان بعضهما. كانت تلك الجدران بمثابةِ نقوشٍ تعود إلى عصورٍ عشقيةٍ معاصرةٍ ولكن الأغبياءَ ما زالوا يستمتعون بتدميرِ الجمال؛ فعندما أمر أحدهم بطلاءِ الكليةِ بلونٍ يثير الاشمئزازَ دمروا حضارةً كبيرةً، وإرثاً عظيماً، كان من الممكنِ أن تكتب له آلاف الأشعارِ، والروايات. كان تصرفهم مغولياً مع ذاكرة الحب. صعوبةُ البحثِ متوقعةٌ منيّ فليس من الممكنِ أن تتبع آثارَ نسمةٍ حتى وإنْ كانتْ الأرضُ مبللةً بدموعك، وليس من الممكنِ أن تضعَ إصبعك على مكانِ النجمةِ قبل أن تختاره هي. بدا الأمر عسيراً، ورغم مضايقة شهلاء لأحلامي إلا أنها كانت تساعدني دون أن تعرف، كانت تدلني على الطريقِ وتمنعني من الذهاب إليه، بوجودها أكون سجيناً تطل نافذته على عالمٍ ورديٍ، وبغيابها ينفتح باب الزنزانةِ ويختفي ذلك العالمُ، فمعها لا تحصل على الحريةِ إلا حينما تكون أعمى، ومتى ما طاوعتْ قيدها تبجستْ لك ينابيعُ الجمالِ. قلبتُ وجوه الطلابِ وجه فوجه، بحثتُ في ملامحِ النساءِ والرجالِ؛ ربما لأنها تحمل إصراراً رجولياً على تدميري. اقرأ تعابيرَ المارةِ، حياتهم، مشاكلهم، من مجردِ نظرة واحدة أعرف أن هذين العينين ليس لها، وهذه الابتسامة لا تليق بقداسةِ وجهها، خطوةٌ واحدةٌ في الطريقِ الصحيح وأعرفها، لكن من أين
عدد الصفحات ١١٦موسى الحمامي 117 لي الحظ فما عشتُ إلا بدونه، لم يتبقَ إلا القليل وأصل اليأس فذهبتُ لأغسل وجهي، أضرب عيني بالماءِ كأنني أريد تنظيفها من الوجوه، والأقنعة، ومساحيق التبرج العالقة بها. بعضُ الأشخاصِ رؤيتهم عبادة ومن الواجبِ تطهير عيوننا قبل الوقوفِ في محرابِ جمالهم، عندما خرجتُ للشمسِ التقيتها... عيناها ذائبتان في هدوءٍ عميقٍ، يمتد فوقهما خنجرٌ يمني، يتأرجح العالمُ بمشيتها، سترةٌ ورديةٌ فاتحةُ اللونِ كأنها حيكت من صباحٍ نديٍّ، وتنورةٌ تحتضن الربيعَ. ألتفتتْ؛ فأنتشر الوردُ والريحانُ، وقفتْ؛ فخجل النخلُ، ضحكتْ؛ فأستيقظ الرمانُ، غردتْ؛ فملتُ طرباً، ولهاً، مجنوناً، حالماً، سلمتْ على صديقتها: ـ مرحبا ريتا كيف يمكن لريتا أن تصادق الجميعَ بهذه السرعةِ، تمنيتُ لو أنني تحدثت معها كثيراً في ذلك اللقاءِ العابرِ لكنتُ الآن ثالث ثلاثة، أسمعها، وأكلمها، وأتنفسها عن قربٍ. ـ هلو رمانة رمانة! كيف علمتْ؟ من أخبرها؟ كانت ملامحُ ريتا لا تزيد في ارتباكها عن ملامحِ رمانة عندما رأتني وأدركتْ أنني سمعتها، وأنا لم اعد أفهم شيئاً... عندما ودعتْ ريتا بسرعةٍ حاولتُ اللحاقَ بها فشعرتُ أنني ألاحق منيتي، راقبتها من بعيدٍ، ماذا تفعل؟ أين تذهب؟ كيف تجلس؟ مع من تتحدث؟ هذه أسئلةٌ بسيطةٌ يجاب عليها بعد ساعة، أو ساعتين، والساعة انقضتْ، وانقضى اليوم ولم أعرف لها جواباً؛ فقد كانتْ لا تفعل شيئاً سوى إمساك قلمِ الرصاصِ
عدد الصفحات ١١٧رمانة 118 وذلك الدفتر الذي حاولتُ مراراً سرقته ومن دون جدوى فيداها لا تفلتانه، كما أنها لا تتحدث مع أحدٍ في الوقتِ الذي كانتْ تتحدث فيه مع الجميعِ! مراقبتي إياها جعلتني لا أعرفها أكثر، خرجتْ فخرجتُ معها واضطررتُ لدفعِ كلّ ما يحمله جيبي للسائقِ حتى يوافق على ملاحقتها، فقد تصورني أخطط لسرقةٍ ما، وبالفعلِ كنتُ اخطط لسرقةِ حقيقةٍ ما. البيتُ الذي دخلته مخيفٌ لفخامته، اتجهتُ لمحلٍ قريبٍ، اخترعتُ سؤالاً: ـ السلامُ عليكم. ـ وعليكم. تفضل أمر خدمة؟ رده يبشر بجوابٍ أبحث عنه ـ ما تعرف بيت ابو طالب وين؟ ـ وين وصفولك؟ ـ ما اذكر بس كَالوا يم هذا البيت العالي ـ العالي وجه الله ـ قالها بحسدٍ وكره ـ هذا بيت الدكتور محمد بس ماكو بيت أبو طالب يمهم. وما زلتُ واقفاً استجوب الرجلَ حتى فُتح بابُ البيتِ، تركته غير شاكرٍ وتبعتُ تلك المرأةَ المبرقعةَ، هي تمشي بسرعةٍ وأنا اتبعها تاركاً مسافة تبعد الشكَ عنها، اجتازتْ ثلاثَ شوارعٍ ثم وقفتْ أمام بيتٍ لا يليق بوقفتها، لم تطرق الباب، واضحٌ أن هذه المرأة على موعدٍ مع أحدهم، لحظاتٌ وخرج شابٌ طويلٌ ببنطلون عريضٍ، وقميصٍ أزرقَ بخطوطٍ بيضاءَ، وقف منحني الظهرِ كأنه متهيئ لاستقبالِ قبلةٍ على جبينه، أبتسم وهو يفتح لها المجالَ للدخولِ، كان نبيلاً بحركته رغم مظهره المتواضع، انتظرتُ
عدد الصفحات ١١٨موسى الحمامي 119 ربعَ ساعةٍ، خرجتْ بعدها وهي تمشي مسرعة، دخلتْ للبيتِ وأغلقتْ البابَ بقوةٍ كأنها تحذره من إفشاءِ سرَ خروجها. ترى من تلك المرأة؟ ماذا تفعل في بيتِ ذلك الشاب؟ كان يومُ غدٍ يوم عطلة وعندما استيقظتُ متأخراً؛ لأنني نمتُ صباحاً ما أضعتُ إلا الوقت الذي صرفته بارتداءِ ملابسي، وقبل أن أخرج كلفتني العجوزُ بشراءِ موادٍ غذائيةٍ لشهرٍ كاملٍ ولأولَ مرةٍ تسعدني طلباتها وتساعدني. ذهبتُ بشموخٍ إلى صاحبِ ذلك المحلِ، اشتريتُ منه رغم أن السعرَ كان مرتفعاً، لكن لا بأس؛ فقد وطدتُ علاقتي معه وأصبح صديقي تقريباً، حزمتُ أمتعتي وقررتُ الرجوعَ. سائقُ التكسي الأول رفض إيصالي شاكياً من الزحامِ، انتظرتُ سيارةً أخرى فجاءتْ بسائقها العجوزِ الذي توجع وهو يمتد؛ ليفتح البابَ الأمامي لي، أغلقتُ بابَ السيارة، وتركتُ مشترياتي راكضاً خلف المرأة الذاهبة حتماً للبيتِ نفسه، يفتح البابَ الشابُ نفسه، بالابتسامةِ نفسها، ولكن بانحناءٍ أقل هذه المرة، يفسح لها المجالَ كما في المرة الماضيةِ، وقبل أن تدخل زرعتْ قبلةً على خده دون أن ترفع النقابَ! ربعُ ساعةٍ وخرجتْ، للحظة شككتُ بأنها نور، نور تخونني مع هذا الرجلِ الطويلِ، في هذا البيتِ العفنِ، تخونني قبل أن تعرفني، فماذا لو عرفتني؟ ولمَ الانزعاج؟ ألم أخن شهلاء معها؟ ألم أتمنى زوالها من الوجودِ بعدما كنتُ أتمنى زوالَ الوجودِ من دونها، الخيانةُ دينٌ لابد من وفائه عاجلاً أو عاجلاً فلا تأجيل بوفاءِ الدينِ؛ من يخن يخُان. رجعتُ لأرى ما حل بمشترياتي، وجدتها مبعثرة لا ينقصها شيءٌ،
عدد الصفحات ١١٩رمانة 120 هذا ليس لأنني أعيش في بلدٍ لا يعرف السرقةَ بل لأن السلعَ المرميةَ في الطرقاتِ كانت سبباً في قتلِ الكثير، حملتها قافلاً شاكراً الموت؛ لأنه يعلم الناس أن لا يقتربوا من ممتلكاتِ الآخرين. لم أتحمل يوماً آخر لأتأكد من هذه المرأة؛ فذهبت لصاحبِ المحلِ مرة أخرى، استقبلني بحرارةٍ وجيبٍ مفتوحٍ، جر كرسي لي، جلستُ معه، أحدثه عن وجودِ بيتٍ فارغٍ للإيجارِ. كنتُ أخلق الأسئلةَ لأحوم من خلالها على ما أريد معرفته، قال: « « حقدٍ دفينٍ، حافظتُ على سكوتي لمنحه راحة أكبر في الحديثِ؛ فكل ما يقوله يهمني، أستمر... أستمر فأنا كالمركبة الفارغةِ من الوقودِ، كان كلامه يملأني شيئاً فشيئاً. « وهو يبني بهذا البيت، تاليتها يشمرهم بره ويبقى هو وحضرة زوجته الدكتورة وجدت عندي الجرأة لأسأله عن تلك المرأة ولكن تفاعله مع الموضوعِ لم يدع حاجةً لأي سؤالٍ. « هنا... مع أسمها لا بد أن يكون لي كلام ـ وشبيها نور؟ ـ تعرفها؟ ـ لا، منين أعرفها. نظر إلي بشكٍ واضحٍ ثم أكمل غير مبالٍ: ـ نور إبنية طاهرة حتى لو والدها نتن، تدري هاي الابنية تروح
عدد الصفحات ١٢٠موسى الحمامي 121 لجدتها بسكتة بسكتة ومن دون ما يدري تنطيها فلوس من مصروفها الخاص، وتأخذ علاج لعمها المكَرود، ومن يكون والدها بالبيت تكلفني أنا أروح بدلها. نفختُ صدري متفاخراً وكأن نور من صنعي، وكأني أنا الذي أمرتها بفعل ذلك، لم أستطع إخفاءَ فرحتي؛ فأستغرب الرجلُ، أبعدتُ الاستغرابَ عنه بقولي: ـ والله نعمة من الله اكو هيج بنات. ـ إي كَتلك هاي أبنية طاهرة. فرحتُ من جديدٍ بكلامه، استأذنتُ منه للأبد فقد عرفتُ كلّ ما احتاجه. نور طاهرة... ملأت الشارع فرحاً... رمانتي طاهرة... * * * حفلةُ موتٍ لم تتحقق، دعوةٌ لرحلةٍ أبديةٍ لم تُلبَ، السائقُ ذكيٌ جداً، تجنب تلك السيارةَ الغاليةَ الثمنِ، وارتطم بعمودِ كهرباءٍ رخيصٍ، تجنبها تماماً وارتطم بعمودِ الكهرباءِ تماماً، مات هو، وكُسرت ذراعي أنا، غريب أن تكون مع شخصٍ في مركبةٍ واحدةٍ، وعلى طريقٍ واحدٍ، ثم تتعرضان لحادثٍ واحدٍ، فيموت هو وتكسر ذراعك أنت، هذه سخرية الأقدار. ليس ذكرُ الحادثةِ مهماً بالنسبةِ لي، ليس كسرُ ذراعي التي لم ينشف جرحها بعد مهماً بالنسبةِ لي، وليس موتُ ذلك الرجل الذي تجنب سيارةً واقفةً؛ كي لا يدفع مبلغَ صيانتها فدفع حياته
عدد الصفحات ١٢١رمانة 122 ثمناً لفعلته، كلّ هذا لا يعني لي سوى كآبة يومٍ أو أقل؛ فسرعان ما يعود العقلُ للتفكيرِ بها متناسيا كلّ ما تعرضتُ له. الألمُ الذي يبثه جرحُ يدي وكسرها، يروقني جداً، يمنحني بضعَ لحظاتٍ ارتاح فيها من ألمِ الشوقِ، ولكن سرعان ما يزول تاركي وحيداً. كم تمنّيتُ أن يبقى ألمي إلى جانبي، كم تمنّيتُ أن يساعدني بمواجهةِ ألمٍ اكبر. الإذاعة تفرش الطريق بأخبارٍ لا تطاق، انفجارِ سيارةٍ مفخخةٍ... عمليةٌ انتحارية راح ضحيتها... أغتيل النائب الأسبق في... ـ النواب الحاليون لا يغتالونـ عثر على جثةِ طفلٍ محروقة أمام أرهقني كثيراً. « استشهد بانفجار واحد ببغداد؟ ربي؛ لأنني وصلتُ قبل أن يعلن هذا الرجلُ استشهادَ الوطنِ! قميصي لا يسع يدي الضخمةَ بفعلِ جبيرةِ الجبسِ؛ لذلك اضطررتُ لاستعارةِ قميصٍ يسعها، كان لونه أحمرَ وهذا اللونُ من اشدِّ أعداءِ أصحابِ السلطةِ ومنهم حكام كليتنا، لكنهم تعاطفوا معي هذه المرة، قد يكون السببُ راجعاً إلى القميصِ؛ لكونه قديماً جداً ولا يظهر بهرجةَ الأحمرِ وجماله، أو يكون عائداً على يدي المعلقةِ برقبتي. رأتني... بكتْ... هل وصل الحبُ بها إلى هذا الحدِ؟ تنظر إلي وتبكي، ينظرون إلي ويبكون، هل أصبح الجميع يحبني؟ هل أنا اله الحبِ الذي
عدد الصفحات ١٢٢موسى الحمامي 123 ينتظرونه ليذرفوا دموعهم الطاهرةَ أمامه. أنا انظر إليها وهي تسرق النظرَ إلي، أنا انظر إليهم وهم يتهامسون بحسراتهم، أنا لا أفهم وهم يفهمون. هل قرأ أحدهم ما كتبته وعمل نسخةً مجانيةً للجميعِ فتأثروا بكلماتي؟ هل كانتْ كلماتي حزينةَ إلى الحدِ الذي يجعل شخصاً لا أعرفه يربت على كتفي؟ هل كانتْ كلماتي تبين فضائلَ اللونِ الأسودَ لتسود شالات الفتياتِ؟ أخرجتُ هاتفي متظاهراً بانشغالي، وجدتُ رسالةً وصلتني قبل يومين من شهلاء، كنتُ أتوقع أنها تطمئنني بوصولها فلم افتحها، والآن وجدتُ فيها مخبأ أمينا من التفاتاتِ الطلابِ ففتحتها: (موسى كَلي أحبك) ضحكتُ، وتجاوزتُ نظراتَ الجميعِ داخلاً لنادي الكليةِ، جلستُ على الكرسي واشتريتُ كوباً من الشاي. فتاةٌ قريبةُ منيّ تقول لصاحبتها تأملتُ كلماتها وتأملتُ قميصي، لا شيء يدعوها لإنكارِ ما أرتدي؛ فالحراسُ قد سمحوا لي بالدخولِ، كما سمحوا لكثيرٍ من الطالباتِ بارتداءِ ما يعجبهن مقابل زيارةٍ بسيطةٍ لذلك المكتب، لم أكمل الشاي، انزعجتُ منها فخرجتُ أتمشى للحديقةِ، يا الهي ما زال الجميع ينظر لي، جاء أحد أصدقائي، احتضنني بقوةٍ، شعرتُ بحرارةِ دموعه التي بللتْ قميصي، هل يكره الناس هذا القميص؟ ـ شبيك؟ تراجع عني
عدد الصفحات ١٢٣رمانة 124 ـ شنو شبيك؟ ـ شبيك تبجي؟ ارتعب من فكرةِ عدم علمي بسببِ بكائه، تركني وهرب، ابتسامةٌ واحدةٌ كانت تومض من بعيدٍ، ريتا التي لا أحبذها لكنني مضطرٌ لسؤالها الآن، اتجهتُ نحوها فأقبلتْ بسرعةٍ، أردتها أن تتكلم عسى أن يوضح تبغددها الأمرَ، وبنبرةٍ ضاحكةٍ دامعةٍ قالتْ: « ما أن أكملتْ عبارتها حتى كلمها أحدهم يرديك أن يخطأ أحدٌ باسمها. تركتها وكلي خيبة... سأذهب للشجرة علها تعرفني... وقفتُ متعجباً تحت ظلها الذي يقصر يوماً بعد يوم، كالعادةِ يزعجني ذلك اللون الذي طليتْ به الجدرانُ والسقوفُ. مهلاً... تلك اللوحة وحيدة هناك... ادلهمتْ الدنيا بعيني، ضاق الكونُ حتى صار أقل من المساحةِ التي تشغلهما قدمي الواقفة، وقعتُ على الأرضِ ووقعتْ دموعي معي. ما هذا ؟ ما الذي تقوله؟ من كتبها؟ من زخرفها؟ لا شك أنكم تكذبون؟ لا شك إن هذه الحروفَ تكذب؛ لذلك تستحق التمزيقَ، ركضتُ لها، أنزلتها، مزقتها، تكاد الأرضُ تنشق من صراخي، الجدرانُ تصرخ معي، السقفُ، الشجرةُ التي كنا نلتقي تحتها، التقينا الآن تحتها ولكن
عدد الصفحات ١٢٤موسى الحمامي 125 هي لم تأتي بل أرسلتْ اسمها مكتوباً على لوحةٍ كاذبةٍ أعلمتْ أنني أحببتُ تلك الواقفة أمامي متأملة جنوني الأسودَ؟ ولماذا لم تنزعج؟ لماذا لم تتركني كما تفعل الفتيات؟ لماذا لم تصفعني لأصحو من هذا الكابوس الوردي. ربما لأنها تعرف أنني أحببتها كثيراً للحدِ الذي يجعلني انظر لها وأنا في هذه الحالة لأرى حذاءها الفضي، ربما علمتْ أنني أعشقها منذ أن ولدنا فقررتْ الرحيلَ، ولكن كيف ترحلين قبل أن أجيب على رسالتك؟ يا الله! هل كان هذا آخر ما تمنّيتي سماعه فلم أحقق لك ذلك، أهملتك، أهنتك، وما زلت أصرخ وأصرخ ثم أصرخ من جديد... أدركتُ ما علي فعله، تجشمتُ الصبرَ، مسحتُ دموعي، ربما ستكون أعظمَ خيانةٍ في التاريخ، لتكن، سأعترف الآن، فليس هنالك وقتٌ. اقتربتُ منها والعيون تحيط بي من كلِّ زاويةٍ، بذلتُ جهداً في قطفِ وردة مميزة رغم كونها اصطناعيةً، أمسكتها بيدي كما يمسك الجندي سلاحه، اقتربتُ بحذرٍ شديدٍ، عيونها تتقلب خوفاً، أم حباً لست ادري فالدمع لم يترك لي مجالاً واضحاً للرؤيةِ، وصلتُ لها... ـ مرحبا قالتْ ـ نور ـ نعم ـ رسائلك لم تترك لي روحاً وأخشى أنها لا تترك لي جسداً أيضاً ساكتة هي فأكملتُ أنا:
عدد الصفحات ١٢٥رمانة 126 نور... أنا استسلم الآن، لم أعد أملك أي قوى، أنت ذكية جداً، وأنا... أنا... أنا أحبكِ جداً ـ موسى... كان صوتها ناعماً بالكادِ أسمعه ـ نعم حبيبتي ـ أنا لا أعرفك! ـ ومن...؟ من...؟ من كان... شعرتُ بأن عقلي ينفذ منيّ فجاهدتُ للوصولِ للبيتِ... أخرجتُ الجرارَ، حزمتُ أوراقي وكتبتُ فوقها بخطٍ طفولي (رمانة) وخرجتُ أركض لاهثاً، وصلتُ إلى بيتها أجمعتُ قواي ورميتُ حزمةَ الورقِ كما يرمى الحب و... * * * هذا ما وجدته مرمياً أمام باب غرفتي ملطخاً بالترابِ، وبالدموعِ، وبالألمِ، والجنونِ، والصراخِ، لا أنكر أنني لم أفهم بعض الجمل؛ فأنا امرأة لم تقرأ الكثير، ولم تكتب، كلّ ما أريد قوله تظهره فرشاتي على أتم ما يكون، أنا امرأة تستخدم الألوان حروفاً، ورغم ذلك بكيتُ كثيراً لأنني فقدتُ اعز شخصٍ لا أعرفه! لم التقِ به يوماً! لو عرفته لأحببته بكلّ ما أملك... كم يرهقني التفكير به الآن، المشكلة أنني أريد معاتبته بشده لكنه فعل كلّ ما يمكن من أجلي. أنا ذلك الراكب الذي لا يعرف موعد رحلته وليس هو...
عدد الصفحات ١٢٦موسى الحمامي 127 قضيتُ ليالٍ مظلمةٍ منفردةً بذاكرتي لأخرج ومعي موقفين: أولهما أتذكره جيدا عندما زارتني تلك الفتاةُ مع صديقتها التي تدعى ريتا ويسميها الجميع هند! وأعطتني رسالةً. قالتْ: ـ عندما أغيب تسلميها لموسى ـ لكني لا أعرفه! ـ هو يعرفك. ـ ولماذا أنا؟ ـ لأنني أثق بكِ. وثانيهما عندما سلمتْ عليّ ريتا بقولها أحداً يناديني بهذا الاسم أو حتى ينادي غيري به، أتذكر كيف ارتبكتْ وقفتي معها وأنا اشعر أنني أقف مع شخصٍ لا يعرفني. هذا كل ما املكه، موقفان ورسالة... ليس لي أملٌ إلا برسالتها، ربما ستفسر شيئاً ما، ولكنها طلبتْ منيّ تسليمها لموسى؟ موسى لم يعد له وجود؛ فأنا أسمع أخباره بين الفينةِ والأخرى وأسمع شكاوى الناس من صراخه، سأفتحها وما الضرر؟ موسى الآن حبيبي ومن حقي أن افتح رسالةً موجهةً له... غلافٌ ورديُّ اللونِ مزخرفُ الحواشي بورودٍ حمراءَ مكتوبٌ في وسطه (كن متأكداً من حبي لك حتى تقرأ بوضوحٍ) مزقته؛ ليس لقراءةِ الرسالةِ فقط بل لأن الغيرةَ اجتاحتني بالكاملِ... أتذكر ريتا؟ تلك التي كتب الدرويش لها: « جسمُ ريتا كان عرساً في دمي
عدد الصفحات ١٢٧رمانة 128 وأنا ضعتُ بريتا سنت وهي نامت فوق زندي سنت أتذكر قوله تعرف أن اسم ريتا لا يلائم صديقتي هند وإن افتعلتْ الرقة؟ كل هذا وتتهمني بالغباءِ مازحاً أو جاداً، حبيبي النساءُ ذكياتٍ متى ما أردن، أشك بأنك ما زلت تجهل القصة؛ سأوضح لك كل شيءٍ بكلمتين، حبيبي لقد أحببتني مرتين وخنتني مرتين، خنتني معي وهذا لا يخفف ذنبك بل يضاعفه فقد جعلتني القاتلة والمقتولة في اللحظة نفسها، ولا تفكر بأني أسامحك حين أقول « موتي وتتمنى لو أنني ما زلت على قيد الحياةِ أنا على قيد الحياة الآن... وأغلب الظن أنك تقرأ رسالتي وأنا بين أحضان رجلٍ آخرَ، سائق التكسي، أتذكره؟ ذلك الرجلُ الذي تذوق كل النساء واختارني أنا، المشكلة أنني سأعود بعد سبعة أيام، حينها لن تستطيع الاقتراب مني، لا لشيءٍ فقط لأنك تكره النساء المتزوجات. . . التوقيع حبيبتك شهلاء أو نور الهدى أو رمانة كما سميتها...
عدد الصفحات ١٢٨