رمانة 82 إذ كان قصرا! وهل يمكن لله أن يسكن في قصرٍ تطل نوافذه على مجاعة لا تنتهي؟ دخلته ومعي تساؤلات كثيرة فحتى مظهر المصلين لا ينبأ بأنهم يستمتعون بصلاتهم، كأنهم مجبورون على ذلك يشبهون الباعة في الخارج! وأنا في المدرسةِ اعتدتُ الجلوسَ في الصفِ الأخيرِ؛ لأن الجالس هناك لا يفكر فيما يحدث خلفه ويعرف ما يحدث أمامه، الجدار ينظر إلي بعينيه الملتهبتين، المراوح السقفية بدتْ غريبة عندما أشارتْ إلي بأصابعها الثلاث، لحية طويلة تجلس إلى جانبي وتسرق النظر كما يفعل رجلٌ متزوجٌ يمشي مع زوجته إذا مرتْ بجانبه فتاةٌ جميلةٌ، بعضهم استغل الفتحة بين رجليه في وضعية الركوع ليزعجني بنظرةٍ إضافيةٍ، من المضحكِ أن تكون سبباً في تمزيقِ صلاةِ مسجدٍ كاملٍ، ما أن انتهتْ الصلاة حتى أعلن المنبر أنني كافرٌ، تعجبتُ كيف يمكن أن أكون كافرا وقد عبدتُ الله مرتين في ظهيرةٍ واحدةٍ؟ كيف يمكن أن أكون كافرا وأنا أصلي معكم الآن؟ إذن لابد أن تكونوا كفاراً أيضاً! رجعتُ إلى البيتِ مستقلاً حافلة ليس فيها راكب إلا أنا، وسائق يضحك ضحكات خفيفة كأنه يعيش في بقايا ذكرى سعيدة، كنت منتبهاً إليه فأبتعد كثيراً عن مكانِ نزولي « ضحك ضحكة قوية وقال « واستمر في ضحكه لم اسأله ولم ألتفت إليه، أخذتُ الشارعَ
عدد الصفحات ٨٢موسى الحمامي 83 وذهبتُ إلى غرفتي، أخرجتُ سيجارةً من جيبي فخرجتْ معها نقودٌ كنتُ أظنني أعطيتها أجرة للسائقِ، فرحتُ عندما عرفتُ سرَ التفاتاته وكلمته الأخيرة؛ فجميل أن تكون الأسبابُ بسيطةً، وجميل أن تجد التفسيرَ بعد وقتٍ قليلٍ من الحيرةِ. مارست انتظاري نهاراً كاملاً، والشمس رافضة الغروب كأنها تنتظر شمساً أخرى تنوب عنها، هذا ما عرفته عندما أشرقت شمسي قائلة: « بدأتُ أشعر أنها تراقبني، جلستُ باحترامٍ، كما يجلس الرجالُ على طرفِ طاولةِ الموعدِ منتظرين، متهيئين، مضطرين، أن يختنقوا ببدلاتهم الأنيقة، واستقامة ظهورهم لساعاتٍ؛ حتى يحصلوا على تلك النظرة الأولى التي يطمحون لها أكملتْ: ـ اعتذر لأنني قطعت المحادثة فجأة أجبتها ـ أسألك سؤالا ـ ج ـ أيهما أسهل القتل فجأة أم التحذير قبل القتل؟ رتبتُ الكلام في مخيلتي اعتماداً على جوابٍ لابد أن يأتي، فمن الطبيعي أن تجيب بأن الموت فجأة أسهل وحينها أقول: إذن يجب أن تُشكرين على قطعك المحادثة، وبالتالي سوف أحصل على إعجاب لابد منه، وسيكون أول انتصارٍ لي بهذه المعركة الكلامية.
عدد الصفحات ٨٣رمانة 84 ولكن ولأنها هي، ولأنها لا تتكلم كلاماً متوقعاً، قطعتْ الطريق علي وقالت: ـ أن لا تموت أسهل بكثير. ـ هذا ليس أحد الخيارين! ـ نعم أعرف. ـ ولماذا اخترتِه؟ ـ لأن الأول والثاني كانا من اختيارك فلم يتبقَ لي إلا هو. امرأةٌ ليس كمثلها امرأة، ما تذوقت طعمَ الصمتِ خوفاً إلا معها، كنتُ خائفاً من كلمةٍ تجبرها على وداعٍ آخر ما عدتُ أطيقه، أنا كمن عشق الذئاب، إن أشعل النار عليه تحمل مرارة الفراق، وإن أطفأها سيكون وجبةً سهلةً، أكلتني كلماتها، مزقنني حروفها، وليس باستطاعتي إشعال فصاحة اكتسبتها فطرة وعاشرتها دراسة. ـ من أنتِ؟ ـ أنا التي جعلتك تنتظر. ـ وهل أعرفك؟ ـ بعضكَ يعرفني جيدا. ـ هل تعرفيني؟ ـ أكثرُ من نفسكَ. ـ اسمكِ؟ ـ كان جدي يسميني ياقوت، وكانت جدتي تسميني نوارة، فماذا تسميني أنت؟ ـ رمانة
عدد الصفحات ٨٤موسى الحمامي 85 ـ رمانة؟ لماذا ـ لأنك... لم أجب... تاهٌ أنا في سمواتها، أتوسل نجوم الكلمات أن تدلني على طريقِ العودةِ؛ فلم تعد لي القدرة على الاستمرار، لم تعد لي القدرة على المسيرِ في دربٍ لا أعرف بدايته فكيف أعرف نهايته، صرختُ بأعلى صو فضول المصابيح، أو تعودوا من حيث ولدتم، فلا يمكن للحبِ أن يعيش في الظلام قالت وكأنها سمعتني: « ودعتها كما تودع السنابل أحلامها بالخلودِ، على يد منجلٍ تحمله نفس اليد التي دعتها للحياةِ وللحلمِ، فكثير من الأشياءِ تستدعينا لتقتلنا، كذلك هو الحب في كلّ العصور، ولكن غالباً ما تجد خلودها في خدِ تنورٍ طيني، وكف مبللة بالنقاءِ حيث لا تتوقع، ودعتها واشتقتُ إليها، ودعتها وركضتُ لاهثاً خلف أصوات الحروف الهاربة، ولكنني لم امسك إلا صدري الذي صرح بألمٍ معهودٍ...
عدد الصفحات ٨٥رمانة 86 ر لم أصادف إلهاً يسلط نوره علي فتلتئم الجروح، ويزول الألم، ولكنني صادفتُ طفلاً إلهياً، كان مبتسماً بجانبي، هيأته تدل على ثراءِ عائلته ووجهه يدل على اسمه. اتكأتُ عليه فاستحييتُ من إتلاف قميصه الثمين، ولم يستحِ من حمل حذائي بيده الأخرى بعدما خلعه ليبلل أصابعي بماءٍ جلبه من محل قريبٍ، أخذني لمكانٍ لو لم يكتب صاحبه عليه (صيدلية) لما صدقتُ، ورغم الجهد الذي بذله المضمد إلا أنني لم أرَ العالم كما ينبغي منذ ذلك الحين. طلب المضمد نقلي للمستشفى بأقربِ وقت فانقدنا لطلبه وذهبنا لنرى ما يمكن عمله مع ملامحي الممزقة. كان جمال محترما رغم صغر سنه فانعكس هذا الاحترام على عملِ الأطباءِ واهتموا بي كثيرا... بعد مرورِ سنة كاملة أخبرني بما أخبره الطبيب عن عملِ قلبي المتلكئ وضرباته غير المنتظمة، حاول يومها أن يخفف علي صعوبة تقبل وجود فتحة في قلبي، لم أحزن، بل زاد شوقي لتلك الفتاة التي ستملؤها. ما زال جمال ساكتاً وكأنه يستنطق جراحي، كأنه يعرف اللوحة من إطارها.
عدد الصفحات ٨٦موسى الحمامي 87 ـ أنا لا اعرف كيف أشكرك ـ لا داعي. ـ سأذهب الآن. ـ إلى أين؟ ـ لأقاربي. ـ طيب لنذهب... ـ لا، سأذهب وحدي. ـ مو بكيفك. أشر لسيارةٍ قريبةٍ وهو يسأل السائقَ: « « سأله السائق أخرجتُ الورقة من جيبي وأعطيتها للسائقِ، استغرب الرجل فنادرا ما يفعل الركاب هذا في مدينتنا الصغيرة. وصلنا لشارعٍ مكحلٍ بخطٍ من النخلِ على امتداد البيوتِ، نظر السائق للخلف وقال: اسأل عن بيتِ أبو كمال. سأله جمال من جديدٍ لم يجبه، سكتَ منتظراً إغلاق الباب فأجبته أنا ـ موسى، أنت تعرف أبو كمال؟ ـ لا ـ شلون! ـ انا اعرف كمال فقط. كان البيت الذي وصلنا له يعلو جميع البيوت في هذا الشارع ويبزها في الأناقة والجمال، فتح جمال الباب بصعوبةٍ، ثم فتح باب
عدد الصفحات ٨٧رمانة 88 الاستقبال ودعاني للدخول، سألته ـ أتعرفهم؟ ـ نعم اعرف كمال أيضاً. تفضل... دخلتُ وجلستُ على كرسي ضخمٍ كان مواجهاً للبابِ في حين انشغل جمال بإشعالِ الأضواءِ، والمراوحِ، ثم جلس أمامي وكان الصمت ثالثنا. طرق سكوتنا رجلٌ عجوزٌ بملابس شابةٍ، قميصه المزخرف بعبارات أجنبية وبنطاله القصير يعد بكثيرٍ من المرحِ « « لم يسألني أي سؤالٍ، بل أخذ يقص علينا النكت، والحكايا، والمواقف المضحكة التي تعرض لها أثناء عمله كمندوبٍ لوزارةِ الثقافةِ في أحدى الدول الآسيوية. قاوم فضوله لوقتٍ غير قصير، وبعدها طلب معرفة كلِّ شيءٍ، فرحتُ أصرخ له وضعي، وأسكتُ أحياناً، وأصرخ ساكتاً في أحايين أخرى. كبرتُ في هذا البيت مع جمال ووالده وصورة كمال المعلقة في الاستقبال، وجود تلك التي كانت كأخينا الثالث أو كأخيه الثاني أو... يا الله لا يمكن أن أتم جملة عنها مع كومة الأحلام التي لا تمحى من ذاكرتي...في كلِّ صباحٍ أشكرُ الله لأنه لا يحاسب على الأحلام. لم يتأخر والدهم عن إرسال الطعام وكل ما يحتاجه كمال وأصدقاؤه طول مدة الحبس، هو لا يذهب لهم بنفسه لكنه يتأكد من وصولِ كلِّ شيءٍ عن طريق الهاتف. وقبل أن نجلس للغداءِ اتصل بصديقه ليطمأن على كمال فطمأنه وأخبره بأنه
عدد الصفحات ٨٨موسى الحمامي 89 يراه مصلياً الآن، دعانا للأكل مبسملاً، شكلتْ جلستنا مربعا غير متساوي الأضلاع، جود تقابل والدها دائما وأنا وجمال نأكل بصحنٍ واحدٍ. فُتح الباب فألتفت الجميع إليه « غريبٌ هو الإنسان الذي يغيب عن أحبائه في السجن، والتعذيب فيشتاق لكلّ تفاصيل بيته، ولكلّ كلمة من أهله، وعندما يطلق سراحه يأتي ليرسم تلك الصورة الرجولية ويقول: « تسابقوا إليه فهذا يقبله، وتلك تشمه، وما أن جلس ليرتاح قليلاً حتى راح الأب يؤنب ابنه على انتمائه لذلك الحزب قائلا: « مراح يترددون بأكل لحمك ولحم الناس كلها إذا زاحمتهم على لكمتهم ولكنه صامتٌ، لا يرد! يبتسم فقط، وكأنه لا يسمع، أو لا يفهم! الوالد يتكلّم بلغة العارف، والمجرب، والخائف في نفسِ الوقتِ، ولا أعرف على أي شيءٍ يخاف؟ على ابنه البكر؟ على نفسه؟ على وظيفته المحترمة؟ وظيفته المحترمة... وظيفته المحترمة... كسروا الباب... بحثوا عن كمال فلم يجدوه، أخذوا والده وهو يصرخ:
عدد الصفحات ٨٩رمانة 90 « ولكن الواضح أنهم لا يسمعون الهويات، وبعد أن يأس منهم تحول صراخه: « خوش الثقبُ الموجودُ في البابِ صغيرٌ جداً، إضافة إلى تبادلنا المكان بخوفٍ، وصمتٍ، ودموعٍ، بقينا وحدنا في هذا البيتِ الواسع، خائفون ولكن فرحين، أول ما فكرنا به هو الذهاب لغرفةِ أبي كمال وأخذ علبةَ السجائر، جلسنا هناك ندخن بمتعةٍ وخوفٍ. غفونا على حزنِ فقدانِ الأبِ، وفرح اكتسابِ الحريةِ، وفي الصباحِ قررنا عدم الذهاب للمدرسةِ بل خرجنا ومعنا ما وجدناه من نقودٍ؛ لنشتري علبة سيجار أخرى... ما أن فتحنا الباب حتى سمعنا صوتاً خافتاً من خلفنا: « كان كمال مختبئاً في تنورٍ قديمٍ لم يستخدمه أحدٌ منذ موت والدتهم، انتفض كديكٍ، هز رأسه ليسقط ما علق به من التراب والخوف ـ وين رايحين؟ ـ ماكو شي. ـ موسى، جمال الوضع خطر لا تطلعون أنا رح أروح لمكان بعيد إذا رجعوا أبوي طمنوا عليه. خوش؟ تلثم بذلك الشماغ المنسدل على كتفه، فتح الباب بهدوء، نظر يميناً وشمالاً، انطلق بعدها راكضا...
عدد الصفحات ٩٠موسى الحمامي 91 رجعنا خائبين لم تتحقق رغبتنا ففي الزمان والمكان الذي يمكننا أن نفعل به ما نشاء من غير حساب تأتينا هذه التعاليم الجادة بعدم الخروج! استيقظتْ جود للتو وبقايا حلمٍ ممتعٍ تلتصق بملامحها استحييتُ من النظرِ لها؛ لأن علامات الطفولة اختفتْ وبدأ جسمها ينضج، تغيرتْ أفكارها ولم تعد تستلقي بين أحضاني وتقبلني من حيث تشاء، هي ذكيةٌ جداً وجميلةٌ جداً، عيناها السوداوان، وشعرها الأسود، ووجهها المدور كقرصِ شمسٍ يجبرني على النظر لها بتأمل سبق وأن أنتبه له جمال وتظاهر بلا مبالاته. جاءتْ وهي ترتدي ملابسَ الأولادِ كما تحب أن تفعل، كان البنطلون لأخيها والقميص قميصي القديم، لا أعرف لماذا تحب ارتداء ملابس غيرها؟ ربما تريد أن تكونهم، تجربهم، تختبر حياتهم، تتمايل بمشيتها فتجعلني أفكر أحياناً ثم وبكل إخلاص أتجنب أفكاري العارية. ـ أكلكم: بابا وين؟ سكتَ جمال فأخبرتها: ـ سافر اليوم من الفجر. وجهتْ عينها وكأنها تريد أن تقول ـ تريكَتوا؟ سكتُ؛ فقد يكون السؤال له حصراً، قد تكون صيغة الجمع للاحترام فقط أجابها: ـ لا، يا ريت تسويلنه ريوكَ.
عدد الصفحات ٩١رمانة 92 وقبل أن تذهب رميتُ لها مفتاح الغرفة لأنها المعنى البشري للثقة بالنسبة لوالدها، أمسكته بحركة شريرة، نظرتْ لكلينا وذهبت، من الصعب جداً تفسير نظراتها، فعيونها الواسعة تمزج بين الغضب، والارتياح، والمزاح، والجد، والحب، والكره، والكثير... والكثير... قام جمال وأغلق الباب وبدأ يبحث عن سيجارةٍ شاردةٍ هنا أو هناك ولكن سرعان ما أتت وبدل أن تحمل (جبن العرب) الذي اعتدنا أكله صباحاً جاءتْ تحمل (تكة) السجائر التي كانت بمثابة كنز لنا، لم نحاول إفساد متعة إيجاده بسؤالها من أين أتت به؟ دخنّا ثلاثتنا، ملأ الدخان صدورنا والغرفةً، وللحظة شعرنا بالحاجةِ لشخصٍ ينهرنا ويمنعنا من التدخينِ، لم يكن هنالك سوى حشرجة الصدور، وعيوننا الدامعة... طلب مني جمال أن أذهب معه لشراءِ الخبزِ ـ موسى فدوة أمشي وياي ـ لا، روح انت انا راح اسبح ـ طيب انطيني بنطلونك اروح بيه ـ يعني بس أريد افهم، اذا ملابسنه نفس اللون، ونفس الحجم، ونفس السعر، ونفس الموديل، ليش تلبس بنطلوني؟ كان تساؤلي بعصبيةٍ مضحكةٍ ـ لأن اختنا العزيزة ما خلتلي شي البسه أعطيته البنطلون وبقيتُ بسروالي القصير فقط، خرج وأغلق الباب خلفه، ركضتُ للغرفة وقبل أن أصل وصلتْ لي. ـ جود!
عدد الصفحات ٩٢موسى الحمامي 93 ـ موسى تعال وياي بساع ـ شكو ـ المفتاح ما يطلع من باب غرفة بابا وخاف يجي ويشوفها مفتوحة ويزعل ـ بسيطة لتخافين كنتُ أظنها حجةً للحديثِ معي لكن عندما وصلنا للغرفةِ كان المفتاحُ عالقاً فعلاً. حاولتُ جاهداً إخراجه ولم استطع، حركته يميناً ويساراً، أغلقته وفتحته أكثر من مرة وما زال عالقاً، كنتُ حذراً معه خوف أن ينكسر داخل الباب، وما زلنا نحاول حتى سمعنا صوت والدها: « قلتُ بنفسي: أعرف هذا جيدا « يضع الشتائم كفواصل بين الكلمات « الصوتُ يقترب من الغرفةِ والمفتاح ما زال مصراً على كشف سهرتنا مع الدخان ـ جود، خلينا نطلع... ـ لا موسى، رح يزعل بابا إذا عرفنه داخلين للغرفة ـ جود خل نطلع بساع أفضل ما يشوفنا هنا ـ ماشي يلا فتحتُ البابَ، لم ينفتح، يبدو أننا علقنا مع المفتاح هنا، حاولتُ معه بعنفٍ أكثر ولم ينجح الأمر، دعوتُ الله بكل ما أملك من
عدد الصفحات ٩٣رمانة 94 أسماء فأنفتح بسرعة. نظر لي متأملاً قطرات العرقِ على جبيني، نظر لها بوجهها المصفر، أرجع نظره لسروالي القصير ثم تحول إلى بنطلونها الجينز الذي ظنه بنطالي لا شك... ـ ماذا تفعلون؟ ـ المف... المفتاح ـ أي مفتاح؟ ـ لم نفعل أي شيء ـ ماذا؟ موسى... لبستُ سروالاً قديماً ثم وضعتُ ما وجدته أمامي من الملابس في حقيبةٍ صغيرةٍ وخرجتُ بدموعي وقبل أن أفتح البابَ فتحه جمال ليراني بهذا المنظر، ألقى كيس الخبز من يده ـ شبيك؟ ـ ماكو شي، أنا رايح أبعدته عن طريقي بقوة وذهبتُ راكضاً للنهرِ... كلمته كثيرا، أفهمته كل شيء، ساعدته بدموعي على النمو أكثر لكنه لم يصدقني أيضا. ـ أنا أصدقك ـ من أنتِ؟ رفعتْ السؤال عن وجهها فكانتْ هي... تلك الجميلة التي أخرجتني من السجن ـ عرفتني؟ ـ عرفتُ أنك أنقذتي حياتي لكني لم أعرفك. ـ أنوسه.
عدد الصفحات ٩٤موسى الحمامي 95 ـ وماذا تريدين ـ لا شيء غيرك ـ لم أفهم ـ ستفهم لكن دعنا اولاً نجد لك مكاناً تنام فيه جلستْ بقربي، أخذتْ يدي، شابكتْ أصابعنا، هي ناعمةٌ جداً حتى شعرتُ أن أصابعي تخترقها، لحظات من الصمت، قامتْ مبتسمة ـ يلاّ امشي... ـ وين؟ لم تكن الأين مهمة بالنسبةِ لي لكني سألتها لأن المشي أصبح صعب بعد أن لمستُ يدها. ـ إلى بيتك... ألبيت كئيب من الخارج وعجوز من الداخلِ! فتحتْ الباب على مهلها... كان الكرسي فارغاً لولا أن تلك العجوز ترتدي كثيرا من الملابسِ ـ ها أم انتصار، خير؟ ـ شونج خالة؟ ـ كويويجة، شجابج بهالليل؟ ـ جيتج وما اريدج ترجعيني... ـ كَولي؟ ـ نريد الغرفة الفوكَ لموسى. نظرتْ العجوز إلي كأنها تقيس الغرفة على جسمي
عدد الصفحات ٩٥رمانة 96 ـ ميخالف قدمتْ مفتاحاً معلقاً بخيط اخضر فأخذتُه وصعدتُ للغرفةِ وحدي، وأنا على الدرجِ صاحتْ أنوسة خلفي اليوم وباجر أجيبلك كل التحتاجه
عدد الصفحات ٩٦موسى الحمامي 97 ت سيجارةٌ كئيبةٌ، وأغنيةٌ رتلتها السنينُ، ونهرٌ؛ هكذا احتفل بعيدِ ميلادي محاولاً حبسَ الدخانِ لأطولِ فترةٍ ممكنةٍ في رئتي فيطاوع القيدَ قليلاً ثم يهرب مؤمناً برحيلٍ لابد منه. لا أحب المجاملاتِ الفارغة، والكلماتِ المتوقعة؛ فكلّ ما يدور في ذهنِ أصدقائك « أو يتلكأ؛ لذلك أنا في مكاني المعتادِ بين جناحي نصبِ الأماني، هناك مكانٌ يكفي لي مهما كبرتُ، وأكفي له مهما صغر، يعرفني مهما تغيرتُ، وأتلمس ملامحه في عتمةِ الهروبِ، وسرعةِ الجريانِ، واختباءِ ظله بين سعفِ النخيلِ، ومسحاة الفلاحين. أتوسل أمنيتي أن لا تفضحني. صوتٌ يشير إلى متصلٍ يردد معايدته قبل أن أرد؛ حتى تبدو أكثر مهارة وهي تركض لمسامعي ـ عيدك مبارك يا أغلى واعز وارق و... و... صفاتٌ لا امتلكها. ـ شكراً على اهتمامكِ. بدأتْ حفلةُ التعبيرِ عن المشاعرِ دون أيِّ توريةٍ وبكلِّ بساطةٍ: ـ أنا كلّ إلي أتمناه أكون وياك بهذا اليوم. ـ وأنا كذلك.
عدد الصفحات ٩٧