رمانة 66 أمزق ماذا؟ ولا يوجد في الغرفةِ إلا أنا وأنت، أتطلب منيّ أن الحق بكَ؟ لا يا سيدي فقد حاولتُ ذلك من قبل ولم انجح! أصابني رعبٌ سمرني في مكاني، البردُ ما زال مستمتعاً برقصِ فرائصي، لا أعرف ماذا افعل؟ وما الغريب؟ الأطفالُ عادة لا يعرفون ماذا يفعلون، ما الغريب؟ لماذا استغرب خوفي؟ أنا ما أزال طفلاً، طفل يقف وحيدا أمام جنازةِ عجوزٍ، عجوزٌ تخافه الأطفالُ وهو حيٌّ فكيف وهو ميت؟ حاولتُ أن أنفذ وصيته، لكن يا ربي لا يوجد في الغرفةِ ما يقبل التمزيق، هل كانت هذه نكتتك الأخيرة؟ الجدران لا تمزق... والسقف... والأرض... وأنت... والساعة، الساعة... لم يتبقَ إلا عشر دقائقٍ وما أزال واقفاً، يجب تنفيذ وصيته، أي وصيةٍ هذه؟ مزق...؟ فراشه... نعم كان دائمَ الحرصِ عليه حتى أنه لا يغسله أبداً، ومن سيقلبه؟ من سيقلب ميتاً عن فراشه ويبحث فيه؟ أنا؟ تشجعتُ... خفتُ... تشجعتُ... ترددتُ... قلبته... أرتطم رأسه في الأرضِ وبدأ الدمُ يفيض منه، يا الهي لا يوجد أرعب من ذلك، باشرتُ بتقطيعِ قماش فراشه البالي، لم أجد شيئاً، أخذتني سكرةُ جنونٍ، أمسكتُ الفراشَ وأخذتُ اضربه بالحائطِ وعندما فتحتُ عيني وجدتُ الغرفةَ ممتلئةً بالنقودِ. نقود؟ وهل من يملك هذا المبلغ يقضي العمر متشرداً في الشوارعِ، يبيع حبَ الشمسِ، ويأكل خبزاً يابساً، أهذا يعقل؟ أتقول لي عيناي أني عثرتُ على كنزٍ؟ بل عثرتُ على كنزٍ وجثةٍ! علي أن أتخلص من أحدهما، جمعتُ النقودَ... وقبل أن أضع آخرَ ورقةٍ في الكيسِ، دخل رجل لم أميز وجهه أول الأمرِ وما أن عرفته حتى
عدد الصفحات ٦٦موسى الحمامي 67 بدأ رأسي يؤلمني، كان ذلك القصاب البدين، دخل وأمسك بيدٍ وامسك الكيسَ بيده الأخرى، نظر ملياً بالنقودِ وكأنه يعدها بعينه ـ هاك ـ شنو؟ ـ اخذ، هاي الفلوس كَدامك اخذ التريده... مو كتلت الرجال علمود جم فلس... هاك اخذ ـ بس... بس انا ما كتلته ـ أدري... أخرج سكينا ذا حلقةٍ فضية اللونِ، غرسها بصدرِ العجوز فانتفض الدمُ صارخاً ملطخاً يده ووجهي، فتح كفي، ووضع قبضةَ السكينِ داخلها ثم أغلق أصابعي بقوةٍ، قال: « ضحك بجنونٍ مرعبٍ، وأنا ما أزال امسك السكين بيدي المرتجفة حتى أخرج مبلغاً من الكيسِ، وضعه بجيبي، ثم امسكني من يدي الثانية وأخرجني من الغرفة وهو يمثل صراخاً وحزناً لا يمكن لأحد أن يشك به. « زال يصرخ طلقة للأعلى كفيلةٌ لفتح الطريق أمام مصيري، ألقي القبض علي متلبساً بكلِّ شيءٍ: النقود، والسكين، والجثة، وأنا... ما أبشع أن تكون متهماً وأنت متأكد من براءتك إلا أن القانون يصر على أنه يعرفك أكثر، هنا ستشك بأنك لا تعرف
عدد الصفحات ٦٧رمانة 68 من أنت، هنا ستتهم نفسك، وأحياناً تعترف إذا ما زادتْ فولتية الأسلاك المعلقة في ذكورتك، وحلمات صدرك. أنا متهمٌ بقتلِ الرجل الذي أنقذ حياتي، النقود التي فكر إنها ستجعلني سعيداً جعلتني سجيناً، سجينٌ متهمٌ بالقتل. زنزانةُ السجنِ صورة مصغرةٌ عن بلدي، أفعل ما تشاء وكلّ ما تشاءه ممنوع، كنا أربعة أشخاصٍ موزعين على ثلاثةِ جدران، أما الجدار الرابع فقد كان بمثابةِ حمامٍ للجدرانِ الثلاثة، لا تميز شاربيه من لحيته إلا أن الثانية أطول بكثير، ساكتٌ كما أنا، يسبح كما هو، هذا أحدهم أما ثانيهم فهو نقيض الأول، وأما ثالثهم فهو نقيض الاثنين معاً ونقيض نفسه. يد وضعتْ على كتفي لتقول: « بعد قليل يدٌ وضعتْ على كتفي: « اليدُ الأولى لم تحرك ساكناً وأنا أيضاً، نصفُ قالبٍ من الشوكلاتة المحلية كل ما بقي بعد أن اخذ الشرطي النقود التي أرسلها القصاب بجيبي لتكون دليلاً إضافيا. أخرجته ووضعته على الأرض. « أخذها وأنا انظر إلى تلك اللحيةِ التي أنبأتني منذ قليلٍ بأن ا موجود وكأني أريد اختبارَ صحة كلامه! رابعنا لم يتحرك؟ غارقٌ في عالمه الخاص، فاتح عينيه، وواضعٌ تلك القبعة الفرنسية التي يرتديها الرسامون، والشعراء الذين
عدد الصفحات ٦٨موسى الحمامي 69 يحبون التميزَ حتى وإن كان ذلك بوساطةِ قبعةٍ مستوردةٍ لا يهتم... لا يرانا... قال لي كمال، والذي عرفتُ اسمه عندما طلب منه السجانُ أن لا يتدخل وإلا... لفظة احذفها ليس لأنني محترمٌ أو مؤدبٌ ولكن لأن ذلك الرجل لا يستحقها ـ خلينا نصلي ـ نصلي؟ كيف؟ ولماذا؟ كتابُ الدين الذي يُدرس في مدرستنا أحفظه عن ظهرِ قلبٍ، أحفظ خطوات الوضوءِ، أحفظ الأذان، والإقامة، والسورتين، أنا حافظٌ لكلِّ شيءٍ... حافظٌ فقط؛ فما توضأتُ من قبل، وما صليتُ، ناولني بعض الماء بإناء حديدي صدى، أغفل عينيه عني متوجها بهما للقبلةِ؛ فغسلتُ وجهي، ويدي، وثبّتُ قدمي، ثم رأسي، كان خطأ، أوه... لن تُقبل أفضل صلاةٍ لي، لمَِ بدأتُ بالقدمِ؟ ألأنني بحاجةٍ للوقوفِ أولاً! من المخجل أن تحفظ عشرات السورِ ولا تجيد الوضوء إلا على ورقةِ الامتحانِ، وقفتُ وراءه متذكراً صورة ذلك الطفل الذي يرتدي زياً عربياً ابيضَ، ويقف لجنب والده في الصفِ الأول من المسجدِ، كم تمنيتُ أن أكونه ولو لصلاةٍ واحدةٍ. أخذتُ أقلد حركاته واستغرب عندما يسكت فأبقى اهمس أشياءً أتذكرها وأخرى لا أتذكرها، يركع وأركع معه، ويسجد واسجد معه، إلى أن انتهتْ صلاته فأنهيتُ صلاتي... كأنني أصلي من أجله! «
عدد الصفحات ٦٩رمانة 70 حتى هذه لا أعرف كيف أرد عليها، فلم احظ بمن يقولها لي، و احظ بفرصةِ الردِ عليها إلى الآن، سكتُ وانتظرتُ صلاةً أخرى حتى أقول له الغداءُ يقدم في جميعِ الأماكنِ إلا في السجنِ فهو يلقى، غداءٌ يلقى؟ والكارثة إننا بشرٌ، لحظة؛ لم أعد متأكدا من كوني بشرياً؛ فالشرطة تمارس كثيراً من العاداتِ التي تقربنا من أجناس الحيوانات الأخرى.أو لعلهم يخجلون من تقديمِ خبز الشعيرِ على مرأى من بطوننا الجائعة، آه... نسيتُ أن الشرطةَ في ذاك العصر لا تخجل، فهم الذين جعلوا زجاجةَ الخمرِ كرسياً لذلك العجوز، كان يتذكر ألمه كلّما امسك زجاجته وأتذكر قوله أن يضعوا الخمر بأكياسٍ مراعاة لمشاعرِ المساجين وحفاظاً على كرامةِ تاريخهم وقبل أن تبتعد الشمس اقترب كمال مني ـ ما اعرف إشلون أفهمك بالوضع ولكن الليل هنا ما يسمح بالنوم ـ ما فهمت ـطبعا ما تفهم... شوف انا راح اكَعد بعيد عنك واسألك بصوت عا محد يأذيك. ماشي؟ ـ ماشي وقبل أن تبتعد الشمس ابتعد كمال عني ـ بالله خوية أنت شنو تهمتك؟ ـ قتل
عدد الصفحات ٧٠موسى الحمامي 71 قلتها وكأنني أفتخر بانجازٍ عظيمٍ فرد الثلاثة علي بصوتٍ كان صوتُ الأولِ منهم بارزاً « ما مبين عليك لم أجبهم... كما أفعل مع زملائي عندما يسألوني عن درجةِ الامتحانِ وهم يعلمون أنني أعلاهم درجةً، قاموا جميعهم واقتربوا مني، قال كمال: « بإتقانٍ أرعبهم وأعجب كمال وجاء الليل... أنا اختبر الليل داخل الزنزانة، أحاول النوم واقفاً لأن الحذاء يحرسني من بردِ الأرضيةِ بينما أتلاشى أنا تحت معطفِ كمال الذي يجلس أمامي كدرويش لا تهمه سهام البرد، وظلام الليل. الخوف... والصمت... والبرد... وطيف أمي... وطيف والدتي... وطيف ذلك العجوز الذي أراه متكئا على عصاه، وذاكرتي ذاكرتي تطوقني، أنا سجينٌ في الزنزانةِ، وسجينُ الذاكرةِ، مر جميل بصوته الفظـ بقربي حاملاً عصا كهربائية مثل التي يحملها شرطةُ الشغبِ محدثاً برقاً قوياً وهو يضرب أبناءه، حاولتْ أمي إبعاده عنهم؛ فضربها أيضاً، ركضتُ نحوها بجسمٍ مشلولٍ وصلتُ
عدد الصفحات ٧١رمانة 72 متأخراً، قالت « ثم قامتْ ضاحكة وهي ترقص (الجوبي) جاء رجلٌ عجوزٌ يرتدي ملابسَ طبيبٍ، يبدو أنه مديرُ المستشفى، امسكها من خصرها، استمرا في الرقصِ، ثم حاول تقبيلها فصفعته، صرخ وهو ينظر للسماءِ صفعته مرة أخرى دون أن أسمع صوتاً، ضحك ضحكةَ خشنة « بصوتٍ متقطعٍ وما زال يتكلّم حتى امسكه القصابُ من رقبته؛ فسمعتُ طقطقة عظامه وهي تتكسر، مر وجهها كمزنةٍ مثقلةٍ بالحياةِ على ارضٍ جدباءٍ فأينع الحلمُ بقلبي، لم يكن وجهها واضحاً، تمنّيتُ أن أراه مرة أخرى، صرختْ بوجهي: كفاك أمنيات... كانت تلك العجوز النصف غريقة، يا الله... سأموت... وجاء الصباحُ... الهدوءُ يجعل من صراخِ المعذبين مشنقة للحياةِ، بعضهم يتلفظ أنفاسه الأخيرة، وبعضهم يتمنى أن يتلفظها من هولِ الألمِ، عويلهم يهز جذعَ الشمسِ فتتساقط دموع الكواكبِ ويلتاذ الضوء خائفاً منكسراً خلف غيومِ الجبنِ والتقيةِ. الشمس ليست من حقِ المساجين لذلك لم أذق شروقها إلا حين أصابنا خيطٌ من الدفءِ، عندما علمتُ أن الليلةَ انقضتْ، تساءلتُ عن صمودي ليلة أخرى، لكن سرعان ما دخل مأمورُ السجنِ، وأمرني بالذهابِ معه، وقبل أن أذهب امسكني كمال
عدد الصفحات ٧٢موسى الحمامي 73 من يساري وسأل ـ موسى انت شنو تهمتك؟ ـ القتل تعجب مما قلته ثم ضحك معتقدا أنني أمازحه، وضع ورقةً في يميني ممرراً لي عبارته كما يمرر الطلابُ الغش لزميلاتهم: « جرني المأمورُ كما يجر خروفُ العيدِ على ارضٍ تختلط فيها لعب الأطفالِ بلحظاته الأخيرةِ، كنتُ خروفاً مطيعاً ومقتنعاً بالموتِ من اجل أحياءِ شعائرهم فلماذا جعل ركبتي تشتعل دماً بعد احتكاكها بأرضيةِ السجنِ الخشنةِ. وصلتُ مكتبَ الضابطِ، كان وجهه برونزياً بعينين غائرتين، وأنف بابلي جعله يبدو كصورةٍ في غرفةِ ضابطٍ أحيل على التقاعدِ، يشكل شاربه نصفَ دائرةٍ رأسها للأسفلِ ليمنحه وجه عسكرياً شديداً، أنتفض قائما: ـ لم قتلتَ العجوز؟ أنا أعلم أنك قتلته... قسماً بشرفي أنت قتلته. تتمايل مشنقتي من سقفِ الغرفةِ كراقصةٍ عاريةٍ تبحث عن شريكٍ جامحٍ، كرسي خشبي بثلاثةِ أرجلٍ ورابعة معاقة لابد أنهم سيحتاجون له حتى يصلوا رقبتي بشفاه قاتلتي، فكرتُ في أخباره بأمرِ الرجلِ الذي أخذ ما كُنز لي، تراجعتُ عن تفكيري بأن لا فائدة من ذلك فأنا ميتٌ في كلِّ الأحوال. ـ نعم سيدي أنا قتلته. اطرق رأسه مصغياً فسكتُ. ـ أنت تعترف الآن. قهقه بصوتٍ مرتفعٍ
عدد الصفحات ٧٣رمانة 74 متأكد أنك قتلته رجع لكرسيه وكأنه تذكر شيئاً مهماً، أخرج تقريراً مختوماً باللونِ الأحمرَ أن الطعنة جاءت بعد الوفاة بعدة دقائق كما أنها قويةٌ ولا يمكن أن تكون لطفلٍ ـ بالطبع ـ بالطبع ماذا؟ ألم تعترف منذ قليل أنك قتلته؟ ـ بالطبع اعترفتُ ـ أنت تضحك علي ولك، افرغ المسدس براسك إذا ما تحجي. ـ لقد أقسمتَ بشرفك أنا قتلته فاعترفتُ لكي اثبت أن لك شرفاً فقط، سيدي... يزعجني أن لا يكون للشرطةِ شرفٌ في بلدي. ـ أتعلم شيئاً أخرج سيجارة لم أرَ مثلها، بحث عن ولاعته في جرار المكتب، كانت الولاعة أمامه، أخبرته بذلك فابتسم وأكمل « وأهم ما في الأمر أنني سأكون سعيداً جدا بنهايتك طُرق البابُ ـ ادخل ـ سيدي هاي ابنية تريد تقابلك ـ لك ما تشوفني مشغول بهالكفرة، أمشي ولي ومن اخلص دخلها ـ أمرك سيدي بس هي تكَول انا اقاربه والموضوع مستعجل ـ اقاربي؟ شو خليها تدخل
عدد الصفحات ٧٤موسى الحمامي 75 دخلتْ وخرج كل شيء من المكتب ليمتلئ بأنوثتها فقط « اقتربتْ من كرسيه وانحنتْ قليلاً همستْ بأذنه ـ كلشي تريده يصير... ـ كلشي؟ ـ كلشي وزيادة، بس عندي طلب ـ وشنو طلبك؟ ـ هذا المسكين يطلع ـ هذا مسكين! هذا قاتل. هدأ وكأنه تذكر عرضها قبل قليل ـ طلع هالطفل هذا وأنا القي القبض على الأكبر منه. ارتسم الفراش بعينيه فابتسم بوجهها: ـ استريحي صاح على الحرسِ أمرهم بتشغيل السيارة، توسعتْ عيناه وهي مثبتة نحوي، قام ووجهه يحمل تلك الابتسامة البغيضة، تلك الابتسامة المرسومة على وجوه المصارعين إذا اسقطوا خصومهم، تلك الابتسامة المرسومة على اللحايا والسكاكين! اقترب منيّ، وضعتُ يدي على رأسي فليس لهما فائدة أخرى، بدأتْ الأرضُ تدور بي، والدم يرسم أبشع لوحةٍ على ملامح وجهي الخائف، تعبتْ يداه فركلني على صدري شعرتُ أن أضلاعي تتكسر، محاولة التنفس تؤلمني كمحاولةِ إعادة العظام لمكانها، ثم صرخ بشيءٍ لم أسمعه ولكنني سمعتُ أصوات السياراتِ عندما حملني الشرطي والقاني في الشارعِ كما تلقي العجائزُ
عدد الصفحات ٧٥رمانة 76 أكياسَ القمامةِ في الأماكنِ غير المخصصة لها ـ الحمد لله ـ أنماز عن القمامة بأن الشارعَ مخصصٌ لي. شعرتُ بالعطشِ فجأة اشتهيتُ الخبزَ الحار اشتهيتُ ذلك الحضن الأسمر استسلمتُ... سقطتُ... تؤلمني ضرباتها القوية عل خدي، أسمعها تدعي بدموعها ويتصاعد نشيجها، فتحتُ عيني فرحتْ كثيرا، أصرت على إنزالي معها، طمأنها المضمد بأن ليس هنالك ما يدعو للخوف لا أكثر ولا أقل بس الظاهر جان واكف يمشط وما يدري بروحه من وكَع على المراية طبختْ لي فخذَ دجاجٍ كانت تحتفظ به لضيفٍ محتملٍ، أطعمتني بيدها المرتجفة، كان الطعامُ ألذ بكثير، لا أشعر بيدي مطلقا؛ ربما بسبب التخدير الموضعي، قضيتُ النهارَ معها وفي الليل ساعدتني على الوصولِ إلى غرفتي التي بدأتُ أخاف منها ومن رسائلها.
عدد الصفحات ٧٦موسى الحمامي 77 ر ـ هلوووو إذا كان لملكِ الموتِ جناحٌ فلابد أن تكون هذه الرسالة ريشة سقطتْ منه، رسالةٌ بذرتْ الحيرةَ في قلبي فأنبتتْ سبعين ألف سؤالٍ في كلِّ سؤالٍ ألف سؤال، كان أولها بماذا أجيب؟ فكلماتُ الترحيب كثيرة ومعانيها أكثر، أردتُ أن أكون أكثر اتزاناً فكتبتُ (السلام عليكم) لكن أصابعي ركضتْ لتمزق معاهدةَ سلامٍ موقعةً من طرفٍ واحدٍ؛ فعن أيِّ سلامٍ أتحدث والخطر يحدق لي بألفِ عينٍ، لا أريد أن أكون كاذباً من البداية، أخذتُ رأيي في (مرحبا) فوجدتُ استعمالَ هكذا كلمة بعد منتصفِ الليلِ قد يدل على كوني عربياً جداً، كما أنني ومذ أول لحظةٍ استبعدتُ الكلمات التي تقال في اللقاءِ وفي الوداع. ـ هلو إذن هذا ما كتبته بضع ثوانٍ ثم تجيب ـ هذا ما اخترته ههههههههاي أردت الارتماءَ بحضنِ كلماتها والتوسلَ لها أن لا تزيدني حيرةً،
عدد الصفحات ٧٧رمانة 78 فمن أين لها أن تعرف بأني فكرتُ كثيراً قبل أن أجيب، هل هي فراسةٌ ورثتها عن عروبتها؟ أتومئ الحروفُ فينكشف ما خلفها؟ هل تغيرتْ ملامح رسالتي؟ هل خجلتْ أمامها؟ هل بان ترددها؟ ـ بل هذا ما اختارني. ـ أنت اختيارٌ جيدٌ. تصحب كلماتها موسيقى تمنحها شبهاً بما يخرج من بين شفتي السماء وهي ترشد أنصاف الآلهةِ لكن الفرق بينهما أنها لا ترشدني، حاولتُ تلمسَ طرفٍ لبدايةٍ فقلتُ: ـ الجيد هو ذوق من اختارني. ضحكةٌ الكترونيةٌ قصيرةٌ أرفقتها: ـ لا تحاول، فأعلى مرتبة في الذكاءِ هي نفسها أعلى مرتبة في الألمِ. متى سأتكلم؟ متى أخبرها من أنا؟ لدي الكثير عني لأحكيه... استمرتْ: « وهنا فز العرق الرجولي وجزم بمقاطعتها، لا يحق لها أن تمنعي من الكلامِ، ماذا لو ذهبتْ دون سماعي؟ ـ شكراً هذا كلّ ما كتبته؟ هذا ما أردتَ قوله؟ قاطعتَ القدر وهو يتلو صحيفةَ حياتك لتقول كلمةً بائسةً فقيرةً مثل شكراً، وما قصتك مع هذه الكلمة التي ترتدي
عدد الصفحات ٧٨موسى الحمامي 79 احتراماً فاجراً؟ ماذا تنتظر؟ أنت أنهيتَ اللقاء، أحرقتَ كلَّ كلمةٍ نضجتْ في مخيلتها، لم يعد هنالك مجال إلا إذا أرادتْ رد الشكر إليك مثلك مثل أي عابر سألته عن الوقت، مثلك مثل أي متطفل نبهها بأن ذرةَ ترابٍ التصقتْ بقميصها فشكرته، أردتُ الاعتذار عن هذه الكلمة! وهل هنالك مجنون يعتذر عن شكره؟ سكتُ كمن غص بروحه، سكتُ وانتظرتُ... انتظرتُ وقتاً أطول ولا شيء، بقيتُ منتظرا رغم علمي بأن لا مجال للعودةِ؛ فمن يستطيع كسر حاجز الشكر، والتكلم بمواضيعٍ أكثر تفصيلاً؟ بدأتْ الشمسُ تعزف على ناي طلوعها؛ فاقشعرتْ العصافير، وابتسم الندى مغرداً على خدودِ بلورة شباكٍ عاجزٍ صفق لذهاب الليلِ وبدأ يتناول خيوطَ الشمسِ المحببة إليه والمتسربة من خلالِ كسوره التي لا تشفى، مسكينة هي نوافذنا؛ جروحها هويتها كما نحن. ارتديتُ بعض النشاط، وشربتُ فنجاناً من الرغبةِ الدافئةِ، وخرجتُ كما تخرج العقارب من ظهور أمهاتها، ذهبتُ دون أن أفكر أين اذهب، الشوارع فارغة والناس، أسمع خطاي وهذا يعجبني، لما وصلتُ... علمتُ أنني أتيتُ النهرَ، فهو الوحيد الذي ينتظرك في مثل هذا الوقت، نظرتُ إليه بعمقٍ؛ فأمطر حزناً في مخيلتي. آه... آه... كأن دجلة أخلفتْ موعدها للمرة الألف.
عدد الصفحات ٧٩رمانة 80 خامل يسير في بطءٍ بينه وبين التوقفِ فقدانِ موعدِ آخرَ، حاولتُ أن ابدأ حديثاً معه، لم يلتفت لي مطلقاً، يبدو في مزاجٍ سيءٍ، تركته وسقتُ قدمي إلى الرصيفِ؛ فما زلتُ أعتقد أنه ملهى الفضاء، هو الفنان الأوحد ومنه سرق الرسامون قصائدهم الملونة والشعراء لوحاتهم المكتوبة. وصلتْ الشمسُ إلى منتصفِ طريقها وأنا اسرح النظرَ في الفراغِ الكائن بين الأرضِ والسماءِ، أنرتُ شعلةَ البنفسجِ لملءِ هذا الفراغ ولتكون صباحاً إضافياً، سكرتُ مع الكلمات... « « « « بدأتْ أصابعُ الشمسِ تدلكنني بخشونتها الريفيةِ؛ فاستيقظتُ مترنحاً من خمرةِ البنفسجِ، ما أن فتحتُ مسامعي حتى استقبلتْ: « إنّه الأذان، أذان يوم الجمعة وما زالت البنفسج تكرر نفسها « وهناك « للحظة أدركتُ بأنها حرب الاختيار، بعد تلك اللحظة اتضح أن إدراكي خاطئ وأن البنفسج أذان للعاشقين أيضاً. استسلمتُ لرائحة السجودِ، وسرتُ مسرمداً بين الناس، مظهر جميل، كلهم يرتدون البياض ويسيرون كسربٍ من الغيومِ إلا أنا؛ فقد
عدد الصفحات ٨٠موسى الحمامي 81 غردتْ خطاي بعيداً عنهم؛ لأن الغيوم البيضاء إذا اجتمعتْ، والتقتْ في مكانٍ واحد، تحولتْ إلى سحابة سوداء تتلفظ اخشن الحروف، وتقتل أجمل الأزهار، وهذا ما حصل حينما اعتلى أحدهم المنبر، وأخذ يسقيهم الرعب؛ لينبت الخوف في قلوبهم، ومع ذلك كانت نواياهم مبعثرة، بين ضجيجِ الدنيا وسكونِ الآخرةِ، وقفتُ للصلاةِ دون وضوءٍ، ليس لأنني طاهرٌ إلى هذا الحد، بل لأنني متأكد أن صلاة خلف شيخٍ رأيته يضرب أمه بمسبحته الطويلة لا يمكن أن يتقبلها الله. انتهتْ صلاتهم ولم تبدأ صلاتي! كلّ طوى سجادته المعطرة وامسكها بإحكام كأنها معاملةٌ لطلب وضيفةٍ، ذهبوا وبقيتُ جالساً محدقاً إلى السماءِ سائلاً ا « إن كان هذا طلبك؟ هذا ديننا؟ ألقيتُ أسئلتي كصنارةٍ في شارعٍ معبدٍ ولم احصل على جوابٍ لذلك نهضتُ منزعجاً وبقيتُ واقفاً في مسيري... هل ارتد لدينِ البنفسجِ؟ أم أرتد عنه؟ الوقت يمر بسرعةٍ ولا تشعر حتى يفاجئك أذانٌ آخر، لم ارغب بالذهابِ حتى خطر في بالي أنني سأجد الإجابة هناك. كان الصوت ينبع من بين محلاتٍ صغيرةٍ ونساء يجلسن على الرصيفِ وأمامهن بعض الخردواتِ المنزليةِ وملابس مستعملة، أيعقل أن يختار الله بيته في منطقة صاخبة مثل هذه؟ شارعٌ يسوده الفقر، الجميع يحمل شيئاً يريد بيعه، لا يهتمون لنداءِ الصلاةِ وكأنهم لا يسمعون، كأنهم يكرهونها. لم أتوقع ما سأجده
عدد الصفحات ٨١