رمانة 50 وجهه ابتسامة مرعبة، تزيدها رعباً أسنانه البيضاء الحادة كان أحد الأطباءِ المقيمين في ردهةِ الطوارئ ـ من هم اهلك؟ ـ هي أهلي. ـ وما اسمك؟ اسمي...؟ كانتْ دائماً تدعوني حبيبي. لمعتْ عيناه، تركني وذهب ليتفقد جيوبها، وجد صورتي ومبلغاً بسيطاً، سلمني الصورةَ والمبلغَ وقال مرت وما زلتُ جالساً على الكرسي لا أعرف ماذا انتظر؟ شعرتُ بالبردِ؛ فقميصي مبللٌ بالدموعِ، خطواتُ الطبيبِ تشفقُ علي اقتراباً حتى وصلتْ إلي « تعودتُ أن لا أرد على الأسئلةِ الغبيةِ؛ لكي لا يولد جوابٌ غبيٌ بسببي فسكتُ. « بما أن الشمسَ ألقتْ مفاتيحَ العملِ لأصحابِ المطاعمِ، فقد كان ينوي الخروج من المشفى؛ ليتصدق علي ببعضِ الخبزِ، وصلنا إلى البابِ، دائماً كنت أخشى الأبوابَ؛ فهي أخطر المخلوقات وأكثرها افتراساً، فبين الحبِ والكرهِ باب، وبين الموتِ والحياةِ باب، وبيني وبينها ألف بابٍ مغلق. أردنا الخروج، وأراد الدخول فاصطدمتْ عيناه بي وكما تصرخ الذكريات في وجه سجينٍ صرخ في وجهي: ـ شجابك اهنا؟
عدد الصفحات ٥٠موسى الحمامي 51 سؤالٌ غبيٌ آخر أحجي ولك شجابك إهنا...وين حنان؟ ـ ماتتْ أمي. ـ ماتتْ... وكيف ماتتْ؟ من قتلها؟ ـ ماتتْ أخذ يصرخ ويضرب نفسه، وبعدها ركض وضرب الحائطَ برأسه فنزل الدمُ وتجمع بين حاجبيه، دخل صارخاً يرمي الشتائم في وجه من يلاقيه، دخل وأزال الغطاءَ عن وجه الحقيقة، نظرةٌ واحدةٌ ثم هدأ البحر... كلّمها بهدوءٍ: « سكت قليلاً ثم صرخ بصوتٍ أرقص الجدران من يعتني بهم؟ هل خططتِ للهربِ لتتركيني وحيداً مع أربعة أطفالٍ وخامسٍ لا أعرفه؟ لم أرَ في وجهه أي عزاء! كان غاضباً منشغلاً بعتابه المرير ليترك الطبيب رسالته هامساً في أذ المزيد من هذه الإبر في حال فكرتَ بإخباره ـ ما الذي حدث؟ ـ لا اعرف؟ كنت مشغولاً بتصليحِ سيارتي وعندما رجعتُ للبيتِ أخبرني جارنا أنها سقطت من السلمِ وهي تحمل موسى. ـعلى العموم البقية بحياتك... ـ البقاء لله فز سؤالٌ في رأسي، لماذا؟!
عدد الصفحات ٥١رمانة 52 وبينما كان الطبيبُ يشرح له بعض الأمورِ أقترب مني وقال بخفوتٍ: « الطبيبُ يهددني، وأنت أيضاً، لا تخافوا فلم اعد اعرف من القاتل حقاً، ربما أنا الذي قتلها! يمنح الأمواتُ شهادةً تدل على وفاتهم؛ لأن الكثيرَ من الناسِ انتحلوا شخصيةَ الموتى فقط ليهربوا من حياتهم. غريبٌ عالمُ البشرِ، ورقةٌ موقعةٌ بحبرٍ رخيصٍ تثبت وفاةَ أحدهم وقلبٌ ميتٌ لا يثبت شيئاً! اكتملتْ الإجراءات، أخذها وذهب... وأنا؟ من سيأخذني؟ من يشتريني بنصفِ رغيفٍ وكوبِ ماءٍ؟ الجوعُ فتت أضلاعي والحزنُ يجعلني لا أشعرُ بالجوعِ! غريبٌ في عالمِ البياض مرةً أخرى. في كلِّ حينٍ يأخذوا جزءاً منيّ إلا أن هذه المرة أخذوني وتركوا جزءاً، أخذوا الكثيرَ منيّ ودفنوه معها وتركوا القليل لأتكفل أنا بدفنه. تتساقط دموعي مع كلِّ خطوةٍ كجندي شطرنج، أتقدم خطوة أخرى لأحافظ على جنودي ولكنهم يسقطون ببساطةٍ لأنني ما زلتُ اجهل قواعد اللعبةِ، ما زلتُ اجهل أن الأرضَ تستمد قوتها من دماءِ أحبائنا، وأن الشمسَ تشرق لتنير قبورهم فقط، ترى أي بقعةٍ من الأرضِ ستكون قبراً لكِ، وكيف يستوعب حنانك قبر؟ أظننتِ أن مخلوقات المقابرِ تحتاجكِ أكثر منيّ؟ أم عندما لم يتبقَ عندكِ ما تقدميه قدمتِ نفسكِ هديةً أخيرة، ترى من المُهدى إليه؟
عدد الصفحات ٥٢موسى الحمامي 53 تبرجٌ صارخٌ، وصدرٌ مرتفعٌ يكاد يحجب نظرها، ونظارةٌ ورديةٌ صغيرةٌ مغريةٌ إلى حدِ الخيالِ، انثنتْ علي، قبلتني ثم قالتْ: ـ أنا عرفتْ الصاير ولا تخاف امشي وياي أوصلك للبيت ـ يا بيت؟ سألتها بنبرةٍ تقطر يقيناً بالزوالِ، لم يعد هنالك بيت، لكن لا بأس سأذهب معها علها تعرف أكثر منيّ! صعدنا السيارةَ، رن هاتفها، قالتْ منزعجةً بس مظاهر وسِبح وصلنا للبيتِ فنزلتْ معي لتطمأن علي ولكنها تفاجأتْ عندما وجدتْ البيتَ مغلقاً ولا أحد فيه، بدأتُ أرى نظرات الانزعاجِ، ألتفتتْ إلي وقالتْ: ـ أين اهلك؟ ـ دفنوا. ـ سأخذك معي الليلة أخذتني... فتحتْ بابَ شقتها، فانفتح عالمٌ آخر، نقيض ما كنتُ أعرفه، صرخاتٌ، وتأوهاتٌ، وضحكٌ، ورقصٌ، ووجوهٌ تلفزيونيةٌ، وبدلاتٌ رسميةٌ تتعرى. انشغلتْ عيونهم محدقة بنا؛ ما عدا ذلك النحيف الذي لم يفارق نظره التلفاز، سألت نفسي: أيمكن أن تكون النشرةُ الجويةُ مهمةً إلى هذا الحدِ الذي يجعله في عزلةٍ عن الجميع؟ قال أحدهم وهو يمزح معها؟ « فأجابته بضحكتها الغجرية
عدد الصفحات ٥٣رمانة 54 هز يده مترنحا، جردها من ثيابها بنظرته التي ابتدأتْ من قدمها ولا اعرف أين توقفتْ بالضبط، قال شريفة براكينُ الكونِ ليست إلا حبةَ ثلجٍ أمام نار غضبي في هذه اللحظة، شعرتُ أن خلايا عيني بدأتْ تنفجر حتى أنها لبست اللونَ الأحمرَ إلى هذا اليوم، تدمرتْ أشياءٌ كثيرةٌ بداخلي، فالغضب قتالٌ إذا لم تعبر عنه، أصر على تحطيمي وزاد ضغطه على أنفاسي « ذهبتُ نحوه، حملتُ زجاجة الخمر، قدمتها وأنا أشعر بتنازلٍ كبيرٍ ولأنه شرب حقولاً من الكرْمِ؛ وقعتْ من يده وانكسرتْ. صرخ بوجهي « ورغم ضخامة جثته، وقوته، وأمواله، وسلطته إلا أنني رأيتُ الخوفَ في عينيه فشعرتُ بانتصارٍ عظيمٍ، تماديتُ بانتصاري عندما أمسكتُ رأس الزجاجة وكتبتُ أولَ قصيدةٍ لي على وجه ذلك الرجل الجسيم، رأى دمه فارتهب وارتهبتُ أكثر منه والغريب أن أصدقاءه لم يهتموا لمنظرِ الدمِ بل استمروا بمداعبة فتياتهم، وفتيانهم، ربما لأنهم اعتادوا رؤية دماءِ الآخرين وهي تسيل، إلى أنْ أخرج أحدهم مسدسه ببرودٍ شديدٍ ووجهه نحوي، نظرتُ إلى فوهته مباشرةٍ، رأيتُ مراسمَ جنازتي، حيث لا يمشي خلفها إلا قطعة بسكويتٍ قدمتها لطفلةٍ؛ فكانتْ منديلاً لدموعها، وقبلةٌ زرعتها على كفِ أمي قبل أن يزرع الموتُ قبلته الأولى في حياتي.
عدد الصفحات ٥٤موسى الحمامي 55 أطلق رصاصته الأولى، لم يكن ثابتا بما يكفي لإصابة طفلٍ فأصاب شاشةَ التلفازِ التي خلفي، أغمضتُ عيني وانتظرتُ الرصاصةَ الثانية، وأخيرا... سأرى أمي... سأشكو لها... تأخر الموتُ... صوتٌ لثلاثةِ رصاصاتٍ تأخرن أيضاً... « صديقه! قتله وابتسم بوجهه المحمر وعينيه البارزتين ليلتفتْ بعدها ما أخشاه الآن هو أن يخطئ هدفه ولا يصيبني أيضاً؛ فالموتُ لا يجب أن يكون مغفلاً إلى هذه الدرجة... ركضتْ إليه، قبلتْ حذاءه متوسلةً يطرق رأسه للأرضِ في لحظة ذكرى دموعها أكسبتْ حذاءه بريقَ الكبرياءِ فأنزل مسدسه، تركته وركضتْ نحوي، خائفة علي أم خائفة من وجودِ جثةِ طفلٍ في شقتها؟ المهم أنها ألقتني خارجاً. ابتسمتُ في وجه الهواء... وما الجديد؟
عدد الصفحات ٥٥رمانة 56 أ ما الجديد؟ ها أنا أدور مثل كوكبٍ أعمى يتكئ على نوره، كضوءٍ شاردٍ من ظلماتِ الناسِ، أتلمس ملامحَ وحدتي، أحتضنُ الرصيفَ وأستلقي، وحيدٌ حيث يسلط القمرُ ضوءه على الشارعِ فيكسر أجزاءً من ظلمته، آه أيها القمر... ما زلتَ موعداً للعشاقِ وعشقاً للغرباءِ، ما زلتَ ذلك الصديق الذي لا يُعرف وفاؤه من خيانته، تراك تبلغ رسائلي لتلك النورِ أم أنك تتجاهلها مثل آلافِ الرسائلِ الأخرى. أتعرف؟ أنا احبك لسببٍ واحدٍ؛ أنت تشبهها يا حبيبي، متجددٌ دائماً، تطل وفي كلِّ يومٍ يزيدك شيءٌ أو ينقصك، لا يهم، المهم أن لا تشبه الأمس... آه يا حبيبي لو تعلم كم اشتاقها عندما أراك... نمتُ فاستيقظتُ وكأنها لحظةٌ واحدةٌ، قلتُ منزعجاً خلق الله الشمسَ لتوقظني فقط فركتهما وانتظرتُ... ما زلتُ نصفَ يقظٍ حتى جاء رجلٌ وجلس بقربي، لم تكن ملامحه واضحةً؛ فوجهه عبارة عن لحيةٍ، وعينين غارقتين في تاريخ من الفوضى والبشر، ضحك... وضحك... ولا أعرف لماذا؟ أمجنون هذا؟ من يضحك في بلدٍ ترقص على دفِ الرعبِ
عدد الصفحات ٥٦موسى الحمامي 57 لابد أن يكون مجنوناً، من يكاسر عويلَ نساءِ إخوته بضحكته الكاذبةِ لابد أن يكون مجنوناً، لم اسأله، وهل يسأل مجنوناً إلا مثله؟ لكنه كلّمني: ـ أنت تشبهني. بدا الأمرُ مضحكاً؛ أنا أشبه هذه اللحية، وهذا الصوت الخشن، وحبيبتي يشبهها القمرُ، هذا يزيد الطريقَ مسافةً ويجعل اللقاءَ محالاً. نظرتُ له بهدوء مبالغٌ فيه، فعرف أن لا صحة لكلامه - قصتك تشبهني بقيتُ ساكتاً أتريد أن أقصها لك من حقي أن أحب القصص؛ فأخبرته وبكلِّ شوقٍ: لا أريد! ـ لماذا؟ ـ لأنني لا أملك ما يُدفع. ـ بل تملك وقتك. ـ الوقت ملك الجميع، اليوم لي وغداً... غداً... مع هذا التعب البين على وجهكَ اشك أن يكون لكَ. أعذرني ـ الشاعر يولد شيخ. قالها بفخرٍ ـ إذن، أنت شاعر. ـ كدتُ. قام فاتح عينيه بشكلٍ مخيفٍ، اقترب مني مستغرباً وهو ينظر ليدي، سألني: ـ كيف تقول أنك لا تملك ما يدفع وهذه النقود بيدك؟ ـ هذه؟ هذه لا شيء، اعتقدتُ أنك تطلب شيئاً ذا قيمة، خذها
عدد الصفحات ٥٧رمانة 58 وهات قصتك. عاد لمكانه وعدل من جلسته، خُيل لي أنه يفتح ستارةَ المسرحِ عندما أشار بيديه المنفرجتين، فتح فمه واسعاً ولم ينطق بشيءٍ! سألني: استمتعتَ؟ ـ إذن سرقتني. ـ أنت من لم يسمعني جيدا. غادر ممتطياً ضحكاته، صرخت وراءه لتأخذني معكَ فأنا لا أعرف أحداً أقل غرابة منك، أنا لا أعرف أحداً أكثر غرابة منيّ إلا أنت، تعال لنتسلق القمرَ، تعال فمن يلوم المجانين، علمني كيف أكون مجنوناً فعقلي يرهق وحين جف نهرُ الناسِ، وبدأتْ الشمسُ تجمع ضوءها؛ لتعطي المجالَ للمتسكعين، والهاربين سمعتُ ضحكاته؛ فركضتُ وراءه وهو يركض نحوي، كيف ذلك؟ أهو هاربٌ منيّ؟ أم أنا هارب منه؟ وكلانا يركض نحو الآخرَ، لابد أن نكون هاربين من غيرنا، جلستُ فوصل إلي وجلس بالقرب منيّ. غريب هذا العالم؛ لا يؤنسه نديم غير محاربة إرادتنا، فمتى ما قررتَ قرر أن لا تنجح بقرارك، جلس وصوت ضحكاته يتعالى ولا أعرف كيف للإنسان أن يضحك من دون سببٍ؟ أو في الحقيقية لا أعرف لماذا لا يضحك الإنسان مع كلّ هذه الأسباب؟ ضحكتُ معه ولكن بتأدبٍ أكثر، مد لي يده مقدماً علبةَ حلوى ـ هذه لكَ ولكن لا تأكلها. ـ ولماذا؟
عدد الصفحات ٥٨موسى الحمامي 59 ـ لأنك إن أكلتها ستزداد جوعاً وتركني وذهب، لم أفكر بما قال، بدأتُ أكل وكلّ ما أكلتُ قطعةً ازداد جوعي، قررتُ أن أحافظ على ما تبقى فما زالت مخيلتي تزخر بقصصِ التجارِ الكاذبةِ، الذين يروون بدايةَ ثروتهم من أنهم بدؤوا من تفاحةٍ، أو علبة مناشفٍ ورقية. خجول أدور في الأسواقِ، أتكئ على بقايا كرامتي المنتهكةِ، بعضهم يترحم علي فيشتري، وبعضهم يترحم على طفله فيشتري، وبعضهم يترحم علي وعلى طفله وعلى جيبه الذي لا داعي لوجوده. وحين شارف الليلُ على إكمالِ النصف الأول من مسيرته الأزلية، لم يتبقَ لدي سوى قطعة صغيرة من الحلوى الشعبية، وأصغر منها من الصبرِ على التعبِ، قضمتها بلهفةٍ ثم تمددتُ على اقرب رصيفٍ وقمر... يستخدم عصاه في إيقاظي من النومِ، نظرتُ إليه أردتُ أن أشتمه... شتمتُ نفسي: ـ لعنة الله على ذاك اليوم. ـ شبيك؟ ـ نعسان وتعبان. ـ إكَعد؛ حتى أسمعك قصتي الجديدة... قالها وهو يسرق النظرَ للنقودِ التي كانتْ داخل قبضتي، رمقته باشمئزازٍ، ألقيتها في وجهه، لم ينزعج، أخذها وركض هارباً كعادته، جميل أن تدور النهار والليل من اجلِ مبلغٍ بسيطٍ وحينما تحصل عليه، تلقيه في وجه أحدهم؛ كي تشعر ببعضِ الكرامةِ، أو الغرورِ، كان ذلك الإحساس يعجبني جداً...
عدد الصفحات ٥٩رمانة 60 ـ حبي ـ نعم حبيبتي ـ لمَِ تأخرتَ؟ ـ المستقبلُ بعيدٌ وأنتِ... أنتِ جميلةٌ جداً. ـ حبيبي... إنْ تأخرتَ أكثر فلن أعرفك وسأكون زوجةً لذلك الطبيبِ حفاظاً على مهنةِ العائلةِ. ـ ماذا افعل وأنتِ أجمل في كلِّ مرةٍ؟ ـ تعال... ـ أنتِ عمري... ـ أنتَ عمري... ـ أنتِ عمري... « شتمته أكثر ولم أكلّف عيني عناء نظرةٍ حتى شعرتُ بأن السماءَ سقطتْ على رأسي؛ عندما ضربني بقدمه الكبيرة، حملني بعدها من ياقةِ قميصي، وأخذ يجر بي منهالاً علي بلكماتٍ كأنه تدرب عليها لعدةِ سنوات من أجلي، وقبل أن يرميني وسط ذلك المجرى القذر الذي يشطر السوقَ لنصفينِ؛ فيكون الخط الفاصل بين محلاتِ القصابةِ، ومحلاتِ الخضارِ، أمسك شعري فشعرتُ بأنه اقتلع نصف رأسي الأعلى، بعدها حملني والقاني حيث تلقى الفضلات... كنتُ أسمع ضحكات المارةِ وأصواتَ بائعاتِ السمكِ وهنَّ يشيدنَّ بقوته، لم أكن أعلم أنهم يطردون الأطفالَ من أمام محالهم بهذه الطريقة، كان البعض يقف حزيناً من أجلي، لكن لا
عدد الصفحات ٦٠موسى الحمامي 61 أحد يجرؤ على إبداء غير الحزن كالعادةِ... حاولتُ الخروجَ من هذا النهرِ الأسودَ فلم أستطع ذلك إلى أن جاء مجنوني ليساعدني بعد أن أغلق ذلك القصابُ محله ذاهباً لتناول الغداءِ... * * * لا أملك حذاءً لذلك لا أملك هوية؛ لأن الفقراءَ يعرفون بأحذيتهم الممزقةِ، ولأنه قرر أن ادخل المدرسةَ كان لزاماً أن ادخل إلى محلِ الأحذيةِ أولاً، فعقل المدرسة في عينها؛ حيث يدعى الطالب الذي لا يمتلك حذاءً (حافي) ويدعى الطالبُ الذي لا يملك عقلاً(مرتب) ولا يسمحون للأول أن يستعمل عقله، ويسمحون للثاني أن يستعمل حذاءه، لم افرح بشرائه؛ لأنني ومنذ البدء كنتُ أعتقد إن هذا حق وليس أمنية، الحذاء من حقي، ولكن عندما تصبح الحقوقُ أمنيات يصبح الحذاءُ أهم من العقلِ، دخلنا للمدرسة مديرها حذاءٌ قديمٌ، رفضني وأصر على حضور ولي أمري فهو لا يدرك أن الله حاضرٌ في كلّ مكانٍ، سارع مجنوني ووضع مبلغاً بيده عوضه عن المستمسكات، وعن الله فوافق وقُبلت تلميذاً في الصفِ الأولِ. أنا في المدرسةِ الآن، بين أضغاثِ الحروفِ وبقايا الكلماتِ، أتعلمها بسرعةٍ فائقةٍ، عندما ينتهي الدوامُ، أركض للسوقِ لأوفر عشاءً، وعندما ينتهي العشاءُ أركض لكتابي لأوفر صباحاً خالياً من ضرباتِ الجلادِ، كانوا جلادين في مدرستنا، من لا يحفظ الدرسَ يضرب بعصا لو ضُرب بها قديساً لكفر.
عدد الصفحات ٦١رمانة 62 سوزان... امرأةٌ منحرفةٌ تعلمنا الدينَ والأخلاقَ وحميد... رجلٌ بدينٌ يعلمنا كيف نحافظ على رشاقتنا وابتهال... معلمةُ الفنونِ تعلمنا الكرمَ؛ فقد منحت كلَّ حصصها لبقيةِ المعلمين؛ لأن الأطفالَ هنا لا يحتاجون للفنِ، فلا يمكن إصلاح لوحة مشوهة إلا بتمزيقها، بالفعل؛ كنّا نمُزق هناك، كنّا نُضرب، كنّا نهُان، بل كان أحدهم يكفر بمقدساتنا، حتى الله الذي كنتُ أتصور أن لا أحدا يجرؤ عليه لأنه القوي وجدته ساكتاً عن شتائمِ هذا العجوزِ لأنه الرحيمُ، لم أتعلم من تلك المدرسةِ سوى كيف أتقبل الظروفَ، تقبلتُ كلَّ ما لا يتقبله بشرٌ... عندما أكملتُ الابتدائيةَ كان يصر بقوله وكنتُ اعترض صارخاً « حتى انقضتْ العطلة وبدأ التسجيلُ في المدارسِ الثانويةِ، جلس معي، وبدأ يظهر عقلاً لم أره منذ أن عرفته، قال لي بهدوءٍ تامٍ: ـ حبيبي موسى أسمعني جيداً (يجب أن تستمر) هو يحترق مع كلماته وأنا أرد بسذاجةٍ ـ ليش؟ ـ لتخط قصيدتك. ـ يا قصيدة؟ هو أنا أعرف شنو القصيدة! عندما تكبر ستعرفها وستعرفني لكن عدني بأنك ستستمر. برقتْ عيناه ولأنني خفتُ أن يمطر وينتهي؛ وعدته ولكني ما زلتُ اجهل عن أيِّ قصيدةٍ يتحدث؟
عدد الصفحات ٦٢موسى الحمامي 63 « عندما كنتُ أسير وأردد هذه العبارة التي لا أعلم من أين التقطتُ حروفها، امسكني وقال عقلَ هذا الرجل انتهتْ صلاحيته تماماً، إلا أنني ماشيتُ وضعه سائلا: أي نبوءةٍ؟ ـ لا عليك استمر... ـ وما الضير... « « جاء يومُ ذهابنا إلى المدرسةِ للتسجيلِ، الحكومة تصر على تعيين أجساماً كبيرةً تشغل الكراسي الكبيرة، لا بأس، اعتدتُ على تصرفاتهم فما عساهم أن يفعلوا غير الضربِ والشتمِ؟ مسامعي ممتلئةٌ، وجسمي ما عاد يتألم، أكملنا تسجيلنا بالطريقةِ المعهودة، كم هي بطيئةٌ أمتي في مسيرها، تسجيلي في المدرسةِ الابتدائيةِ كان برشوةٍ، وتسجيلي بالثانويةِ كان برشوةٍ أيضاً، إلا أن الثانيةَ أبهظ من الأولى تقريباً، رائعٌ... الأمةُ تسير إلى الوراءِ والمدرسةُ اسمها (أبطال الغد)! اذهب إلى المدرسة راكضاً وأرجع من المدرسةِ راكضاً، أجول المحلات والأسواق، أحصل على ما يكفي لعشاءِ اليومِ، وغداءِ غد ثم أركض إلى تلك الغرفةِ المظلمةِ الباردةِ التي منحها أحدهم لنا مقابل تنظيفِ جميعِ المحلاتِ التي يمتلكها، أشعل فانوساً قديماً، وافتح كتابي، اقرأ حتى أغفو عليه لأستيقظ راكضاً إلى
عدد الصفحات ٦٣رمانة 64 المدرسةِ. وهكذا كنتُ أسابق الوقتَ، خاصةً وأن المجنونَ بدأ يمرض، ويهرم، وأصيب بداءِ النسيانِ، ورغم قبعة السلحفاة التي وضعتْ فوق ظهري إلا أنني ما زلت الغزال الأول على المدرسةِ، وحين وصلتُ الصف الثالث، كنت أستطيع أن اجتاز أي امتحانٍ في أي مادةٍ ومن دونِ أن أرهق نفسي بالقراءةِ كما يفعل الآخرون...
عدد الصفحات ٦٤موسى الحمامي 65 م السماءُ تمطر بجديةٍ تتجه نحو العذاب، والأرضُ تحتاج لقدمٍ كبيرةٍ؛ حتى تحافظ على كرامةِ خطواتها، هو يسعل بشدة، وأنا ارتجف بشدة، الوقتُ يركض، ماذا أفعل؟ اختباري بعد ربعِ ساعةٍ، مصيري بعد ربعِ ساعةٍ، وعيناه تحدقان بي، لا يملك أيَّ علاجٍ، ولا أملك أيَّ نقودٍ، قميصي الصيفي في وقتٍ كهذا يزيدني برداً وتصطك أسناني عازفة بقضقضتها أنشودةَ الانكسارِ، ارغب بالبكاءِ ولكن الوقتَ ليس وقت بكاءٍ، ومن يراضي كرامةَ طفولتي إن بكيت؟ من يحضنني؟ من يصنع الابتسامةَ من دمعي وينثر الحبَ على ملامحي المقفرة؟ رأيتُ شفتيه تتحركان، اقتربتُ منه، أراد أن يقول شيئاً... قاطعته نوبة سعالٍ، أخافني كثيراً، عيناه تكاد تفلت من زمامِ أحداقها، وعظامه تقترب من صورةِ الموميا في كتابِ التاريخ الذي أحمله، هدأ، سيطر على نفسه لوهلةٍ وقال استجمع قواه وأعاد كلمته الأخيرة انطفأ أيضاً، ما بالكم يا أحبائي تنطفئون وأنا في اشدِّ حاجتي لنوركم؟ ما بالكم تهمسون بجملٍ غير مفيدةٍ ثم تموتون؟ أحقا؟ أهذا كلّ ما تستطيع قوله؟ أهذا ما ادخرته ليومِ الرحيلِ؟ أمزق!
عدد الصفحات ٦٥