رمانة 34 دبيبَ الفرحِ، قالتْ وهي تقترب من جديد إنسانية منه هذه اللبؤة الجائعةِ؛ قمتُ متظاهراً بإشعالِ المدفأةِ، فزادت الأمر أثارة بقولها: ـ استخدامُ المدفأةِ في حضرتي إهانةٌ كبيرة. غيرتُ الموضوع من جديد ـ إيناس تعرفين حنان؟ غرقتْ في حزن عميق، وكأنني ضربتُ على وترٍ حساسٍ، لم أرها متأثرة إلى هذا الحدِ منذ أن عرفتها. تنفستْ سيجارتها بقوة؛ لتنفث دخاناً كثيفاً محاولةً أن تستر معاني حزنها خلفه ـ نعم أعرفها... الله يلعن مدير المستشفى جان راتبي ما مخليني محتاجة. ـ وليش انطردتي؟ ـكنت أمارس طقوساً يمارسها الجميع، إلا أن الفرق بيننا هو أنهم يمارسونها سراً وأنا أمارسها علناً، بربك شنو الفرق؟ أليس كلانا آثمين؟ على الأقل أنا أعترف بذنبي وأستمتع به، كان المفترض أن يطرد نفسه؛ فلطالما أطفأ ضوءَ مكتبه معي شخصياً، ومع الجميع تقريبا ما عدا تلك القديسة السوداء، التي تعرف الكثير عن أجرامه الطبي، ثم عادتْ لتحزن من جديد...
عدد الصفحات ٣٤موسى الحمامي 35 ب فتحتُ عيني... أين أنا...؟ طبعاً في الجنةِ؛ لأنّني لم افعل ما يغضب الربَ. طبعاً في النارِ؛ لأنني لم افعل ما يسعده. أهناك مكانٌ لأمثالي الذين ماتوا قبل ولادتهم؟ في أحدى ليالي رمضان، سمعتُ ذلك الشيخَ الذي كانتْ والدتي حريصةً على متابعةِ برنامجه يقول الجنةِ لطفولتي، لكنه صور الأمرَ ممتعاً، أنا أتذكر كلماته: خمرٌ، وريحانٌ، وحورُ عينٍ، ومصباحٌ بضوءٍ خافتٍ، وسريرٌ خشبيٌ و... لا... لا... لا يمكن للجنةِ أن تكون بهذه الرتابة، فهم لا يضحون بالكثيرِ حتى يحصلوا على غرفةٍ ساذجةٍ بأثاثٍ تقليدي، لابد أن يكون هذا المكانُ جهنمَ... جهنم؟ شعرتُ بشيءٍ يتحركُ فوقي، أفعى! أفعى مرقطةٌ، لا تتسع لرؤيتها عيناي الصغيرتان، بدأتْ تتحرك بسرعةٍ، تلوي عنقها، تمتد على السقفِ، تختفي لثانيةٍ، تنتصب واقفةً من جديدٍ، ليس لنظرها اتجاهٌ محددٌ؛ فلها خمسةُ رؤوسٍ، حركتُ يدي الثانية محاولاً تغطية عيني؛ فظهرت
عدد الصفحات ٣٥رمانة 36 أفعى أخرى، بالحجمِ نفسه، وبخمسةِ رؤوسٍ أيضاً، أرجعتُ يدي لمكانها فرجعتْ معها بحركةٍ انسيابيةٍ، كدتُ أغص من الفزعِ، وللحظةٍ أدركتُ أنني أسيطر عليها بالكاملِ! هي تنفذ أوامري بدقةٍ، رهن إشارتي. بدا الأمر ممتعاً، أخذتُ ألهو معها، أحرك أصبعي فيتحرك رأسها، أهز يدي فترقص بشكلٍّ مضحكٍ، لا ليستْ هذه الأفعى التي تكلّم عنها ذلك الشيخُ... ليست جهنمَ، هولُ الاسمِ لا يليق بواقعِ المكانِ، وإذا كان اللهُ يتوعد أعداءه بالسكنِ هنا فأنا متأكدٌ أن الطريقَ للمسجدِ سيكون عبر حدائقِ الكروم! أنا لا اسكن الجنةَ، ولا اسكن النارَ، ولم يذكر الله مكاناً وسطاً بينهما، فأين أنا؟ وأين والدتي؟ وأين صراخه، ودخان سيجارته الذي أدمنته؟ لو لم أسمع شكرها للربِ الذي ساعدها على نجاحِ العملية لشككتُ أنني ما زلت على قيدِ الحياةِ، ولكنني كنتُ شاهداً على مراسمِ القتلِ، إضافة إلى أنْ الأشياء الماكثة حولي لا تتفق مع ما أعرفه عن الدنيا، فسماؤهم زرقاءٌ وعاليةٌ جداً ـ حتى أنها أعلى من عمود الكهرباء الذي ليس من الممكن أن يكون هنالك شيءٌ أعلى منه وفق كلام أحد أخوتي ـ وسمائي بيضاء بثقوبٍ واضحةٍ لو طالت يدي قليلاً لرسمتُ عليها ما أردتُ من النجومِ! وأين الأشجار؟ أنا لا أرى أي شجرة هنا، غير شماعة الملابسِ، ومعطف تفوح منه رائحة السلطة، ينتمي لرجلٍ آخرَ بصراخٍ أقل وسيجارٍ أغلى.
عدد الصفحات ٣٦موسى الحمامي 37 رفع غشاءَ سماواتي ونظر بعدم مبالاة، همس « هل كان ينظر لخروفِ العيدِ فيزنه بعينه لتنطلق هذه اللابأس من فمه؟ أهذا هو منكر...؟ وأين صديقه...؟ هل سيبدآن بضربي، بدأتُ اشك بكلّ ما قاله ذلك الرجل الذي صدقته من اجلِ والدتي فقط، لم يفعل أي شيء، أرجع السماء لمكانها وذهب ماسكاً معطفه، رجعتُ العب مع تلك الأفعى الراقصة رغم أنها لم تكن واضحةً هذه المرة؛ فقد أغلق السماءَ تماماً وبقيتْ الثقوبُ الصغيرةُ توفرُ مشهداً غير متكاملٍ... معطفٌ... سيجارٌ... رجلٌ... الآن أدركتُ سرَ تأجيلها موعد العمليةِ لثلاثةِ أشهرٍ، وأدركتُ سرَ حذائها الطبي، كانتْ متفقةً على ولادتي، وكان متفقاً على موتي، فمنحته ما يريد، ومنحتْ صاحبَ هذا المعطف ما يريد، ومنحتْ الله ما يريد. ذكية جداً، من الصعب أن ترضي ثلاثةَ أطرافٍ بفعلٍ واحد، خاصة إذا كان أحدهم رباً غالباً ما يعارض أفعالنا التي ترضي طرفاً بشرياً. لم انم حتى استيقظ بل انتظرتُ الوجه الآخرَ للكونِ، الصباح، علّه يختلف عن الليلِ الذي عشته وحيداً فجاء كغيمةٍ تترنح من كثرِ ما احتستْ من الظلامِ الشتوي... ترى هل كان صباحاً؟ ولماذا يتعبون أنفسهم بحروفٍ جديدةٍ؟ كان من الممكنِ أن يجعلوه ليلاً، لا أعرف ما الفرق بينهما، أفي اللون فقط؟ أنانيون بنو البشرِ؛ يميزون الأشياءَ حسب ألوانها
عدد الصفحات ٣٧رمانة 38 ولا يعلمون أن هنالك رجلاً أعمى، ورجلاً ليس أعمى ولكنه لا يرى سوى لونِ عينيها، أم أنهم فرقوا بينهما للنومِ؟ فزادوا أنفسهم أنانيةً؛ فهناك من لم تسمح له الفرصةً بالتعرفِ على غفوةٍ شاردةٍ. ارتديا كلَّ ما يمكنهما ارتداءه وذهبا مرةً أخرى، على الشارعِ نفسه، تقع خطوات أشخاصٍ جددٍ يحملوني، والفرقُ أنني الآن محمولٌ بأيديهم وسابقاً برحمهم. لا أحد يجرؤ على سؤالهم وهم يفتحون بابَ المشفى، في حينِ يقف عشرات الناس منتظرين قرارا عطوفاً يسمح لهم بزيارةِ مرضاهم، وأقربائهم الذين ملئوا شظايا نتيجة القصف الهاطلِ كلّ مساءٍ. فحوصاتٌ وفحوصات، ومشاوراتٌ، وارتباكٌ، ونظراتٌ قاتلةٌ أخرى، يا رب السماءِ، ما الذي يحدث؟ هل ولدت كي أعذب قليلاً ثم ارحل؟ جاء طبيبٌ تبدو عليه علاماتُ الهدهدِ، أنبأهم بخبرٍ جعلهم يستغربون، ينزعجون، يتذمرون، ثم يذهبون... ابكي فأمد يدي واحتضنني محاولاً إقناعي بالسكوتِ ومن دون جدوى؛ فالصراخُ هويتي دائماً أين انتم...؟ أين انتم...؟ أين السماء التي كنتُ أنتظر؟ أين الأرض؟ أين الله؟ أين عشائي المعتاد؟ بدأتْ أسئلتي تتواضع أكثر وتتكبر الردود عن إسعافي. هل مات الصوتُ قبل وصوله؟ أم أن لغتي لا يفهمها أحدٌ غيري؟ أين أنتم...؟
عدد الصفحات ٣٨موسى الحمامي 39 غبيٌ من ينتظر إجابةً من أحدٍ وبإمكانهِ إجابة نفسه حاولتُ إجابتي فجاء الجوابُ بسؤالٍ آخرَ! وهل تعرف أحداً حتى تناديه؟ أجبتني: لا، ولكن لابد أن يعرفني أحدٌ. فأجبتني: لكي يعرفك الناسُ عليك أن تصرخَ بصوتٍ أعلى... وتركتني وذهبتُ. بقيتُ محتاراً كنخلةٍ غرستْ في ارضٍ لا تعرف الماءَ، فلا تستطيع الاستلقاءَ للموتِ بهدوءٍ، ويمنعها دمها العربي من التنازلِ واستجداءِ السماءِ. تذكرتُ ما كانتْ تردده حين تجلس ذلك الطفلَ في حضنها حيث يضايقني لتتمتم حاولتُ تقليدها ولكن صوتي لم يكن شجياً ولغتي لم تكن مفهومةً؛ فلم اقتنع بالأمرِ، وعدتُ باكياً مرةً أخرى إلى أن رأيتها، كانتْ كما أردتها، بيضاء كحبةِ ثلجٍ، هادئة كما النسيم، شربتها عيناي كما تشرب النساءُ أخبارَ الجيرانِ، حاولتُ أن استوعبها فأدركتُ أن محاولتي فاشلةٌ، وأن الإنسانَ الذي يحاول فهم كلّ ما يحيط به سيفقد لذة الغموض. واضحة كما السماء، غامضةٌ كما الظلام، ترتدي ابتسامةً باردةً، دافئةً، غريبةً، مألوفةً، عيناها كما الليل، ووجهها كما الصباح، أردتُ أن اكلمها! لم أعرف لغتها وحتى إنْ عرفتها كيف اكلّمها وما زلت اجهل لغتي؟ الصمتُ لغةٌ يتكلّمها الجميع ويفهما العشاق، سألتها عن اسمها، فأجابتني شمسٌ تتأرجح بين حاجبيها بأنها نورٌ وأكملتْ عيناها التي مزقتْ الليلَ بأنها هدىً للعاشقين. إنها نور الهدى، يبدو أن كلمةً واحدةً لا تكفي لتكون اسماً لها، وإذا كان والداها
عدد الصفحات ٣٩رمانة 40 يفكران بهذه الطريقة فهما مخطئان لا شك؛ لأن اللغةَ بأكملها لا تكفيها اسماً، نور وهدى أما نور فهو اسمها وإنْ لم يطلقوه عليها لكن هدى إلى ماذا تهدي؟ تركتُ مكانَ الإجابةِ فارغاً إلى وقتٍ آخرَ وسألتها: من أين أنتِ؟ بحثتُ عن إجابةٍ فلم أجد، علمتُ أنها من كلِّ مكانٍ! كان هذا هو اللقاءُ الأولُ بيننا، لقاءٌ حافلٌ بثرثرةِ الهدوءِ، وغموضِ البياضِ، ونصاعةِ الليلِ. بقيتُ أترقبها لمدةِ ساعةٍ، أو ساعتين، أو لمدةِ ليلٍ؛ فما كنتُ أعرف ما الوقت أمام ميدوزا عينيها، أحفظ تفاصيلها، أتخيل كم ستتغير عندما تكبر، أين يمكن أن التقي بها مرةً أخرى؟ جاءتْ رائحةُ السجائرِ الغاليةِ، رائحةُ الضحكِ المحترمِ، ومن دون أي اهتمامٍ سرقوا معناي فبقيتُ مجهولاً، سرقوا ضيائي فتحولت تلك الإضاءاتُ إلى شموعٍ تبث الظلامَ وامتلأ الجو بركامِ الوحدةِ
عدد الصفحات ٤٠موسى الحمامي 41 ت أنا المسافرُ عبر الزمنِ، متنقلاً بين أساطيرِ العشقِ تبعاً لرغباتك، مرة أكون قيساً إذا وجدتك ليلى، ومرة أستعد لغزو العالمِ، وأحطم كلّ قوانينِ الطبقيةِ وأذكركِ وعلامات الاستفهامِ نواهلٌ منيّ، وميل الساعة يقطر من دمي، وأنساب مذاباً كسيابِ القصيدِ من فرطِ شوقي ل (غابتا نخيل ساعة السحر). أنتِ يا تاريخ العشقِ وحضارته، جعلتِني أسكن أناساً عشقوا بعضاً منكِ ولربما أنتِ هي المعشوقةُ الواحدةُ في جميعِ العصورِ، أنا شريكُ قيسٍ في حبه، أنا الذي تجرد عن لونه وجنسه ومال عن بني جلدته، أنا من أسماك عراق ونادى بكِ في ظلماتِ الخليجِ، ألا أستحق رسالةً تطرد الفراغَ الذي ملأني حزناً؟ ماذا ستخسر أناملكِ لو رقصتْ قليلاً من أجلي، لا أطلب كلاماً شاعرياً يرهق مخيلتكِ، لا أطلب أكثر من (السلام عليكم) وإنْ كانتْ حروفها كثيرة (مرحباً) تكفي، أو حتى ثلاثة أحرف (هلا) بل قولي أيَّ كلمة وإنْ كانت شتيمةً، اشتميني وأنا أتكفل بتأويلها قصيدة حبٍ، اضغطي على أيِّ حرفٍ وأرسليه وأنا أتخيله رسالةَ شوقٍ تنتمي للقرون الوسطى. لا أطلب سوى فرصة ثانية للحديثِ، لا أطلب سوى فرصة ثانية للحياةِ.
عدد الصفحات ٤١رمانة 42 لا انزعج من الانتظارِ الذي يذبحني باسترخاءٍ تام، لكن ما يزعجني عدم علمها بانتظاري، كيف لها أن تعلم؟ وأنا لم أقلْ غير تلك الكلمة التي يقولها مَن كان مهتماً ومَن لم يكن، مَن كان مميزاً ومَن لم يكن، من كان أنا ومن لم يكن. أسمع صوتي يرتفع كأنه خارجٌ من مذياعٍ قديمٍ: أنينٌ يرقص في أعماقي... وحزنٌ يشربني طرِباً ثم يغني... طيفكِ ما زال يراودني... طيفكِ مازال يراودني... ما عرفتُ هذه الأغنيةَ من قبل؛ لأنني أومن بشعبيتي وأثمل لسماعي ألحانها، فيرتعش القلبُ خوفاً من وداعٍ مستقبلي إذا فاض حنين فؤاد سالم لتجسده: مو بدينه أنودع عيون الحبايب مو بدينه... والعشكَ لحظة عمر وتمر علينه... وأرضخ متوسلاً مع حسراتِ المنصور وحنجرته الصادحة: بس تعالو... لو أجيتوا جفوفنه انحنيها... إذا كان تاريخي مملوءاً بآياتِ الألمِ العراقي الأصيل، فمن أين جاءتْ هذه الترنيمة الفصيحة؟ كثيرةٌ هي الأشياءُ التي لا نعرف مصدرها وبمجرد أن تأتي تغمرنا المشاعر كلّها: الخوفُ، واللذةُ، والفضولُ، والحزنُ، والفرحُ، وحتى الموت أحياناً، وأشياءٌ أخرى، وأشياءٌ تناقض هذه الأشياءَ، وسلسلةٌ من التناقضات التي لا يمكن أن نقول عنها ممتعة لأنها مؤلمةٌ كثيراً، ولا يمكن أن نقول عنها مؤلمة لأنها ممتعةٌ كثيراً، وبين ما يمكن وما لا يمكن، تذكرتُ أنّني نسيتُ عيدَ حبي الأول، لم أتذكره حتى ذكرتني عيناها، كيف
عدد الصفحات ٤٢موسى الحمامي 43 يمكن للإنسان أن ينسى حبّه؟ أليس الحبُ خارجاً عن نطاقِ الذاكرةِ والنسيان؟ ألم أقل ذلك بعشراتِ القصائدِ التي كحلتْ عينيها؟ كيف نسيتُ أنه في مثل هذا اليوم وقفتُ أتصفحها لأربعِ ساعات، اقرأها من الألفِ إلى الألفِ من جديدٍ ومن جديد، فلم ألحظ فيها كلمة غير الله، ولم أشتم فيها غير رائحة الخبز الممزوج ببعضِ الأفكارِ الفطريةِ كحبِّ الأم، وفعلِ الخيرِ، أشياء يتمرن عليها الإنسان طول طفولته ويتركها عندما يكبر. طلبتْ منيّ أن أوعدها بأن أحفظ كرامتها، وفي تلك اللحظة كنتُ أنا الباحث عن كرامتي؛ فوعدتها بكلمتها الغريبة « فكأنها تدل على موافقةٍ سطحيةٍ أو موافقةٍ حسب شروطٍ اتُفق عليها دونما اتفاق، يا الله! معقدة في بساطتها! تضحك إذا أضحكتها، وتبكي إذا أبكيتها، مفعمةٌ بالصدقِ مفرطةٌ بالغيرةِ. ترى هل نقضتُ وعدي؟ وهل تنقض الرجالُ وعودها؟ وجدتُ ثغرةً أقنع بها نفسي. أنا وعدتها حد الموت، وها أنا ميت الآن، فكيف يكون الموتُ إذا لم يكن هكذا؟ لم أثر أيَّ تساؤلٍ، لم أبحث عن أيِّ شكٍ، اقتنعتُ بأنني غير مقتنعٍ، أنا لم انقض وعدي، أنا ميتٌ الآن وليس على الأمواتِ وعود، ومنذ هذه اللحظة أصبحتُ خارجَ قوسين الحياة. إذا سمعتُ تغريدَ البلابلِ على أشجارِ بيتِ أبي وليد أقارب أحد أعضاء مجلس محافظتنا لا أطرب لها، وإذا سمعت تأوه جارتنا التي فقدتْ كلّ أقاربها وبعضا من أجزاء جسمها الهزيل لا أدمع
عدد الصفحات ٤٣رمانة 44 ولا أحزن؛ فإن كان هنالك ما تحزن الأمواتُ عليه فلتحزن على نفوسها التائهة. كم كنتُ هادئً قبل المجيءِ، كان قلبي طفلاً مطيعاً، ونفسي عجوزاً راقدة على فراشِ السكون، أنام كثيراً وأحلم قليلاً، مجتهدٌ في كلِّ شيءٍ، مبتسمٌ لكلِّ شيءٍ. جئتِ بفرشاتكِ الناعمةِ تمارسين مواهبكِ الغريبة في رسمِ الألمِ، وابتكارِ طرقٍ أخرى له. من ينظر إلي يستشف ملامح الوجع الحقيقي ويتعرف على تفاصيله الحادة. هجمتْ على ذاكرتي أحداثُ صباحٍ لا يشبه تسميته، سائقٌ بلّله الجنون فتناولني إسفنجة تمتص ما بقي من عقله، بحثتُ كما تبحث الأمُ عن جثةِ ولدها بين أكوام العظام، وأصواتِ الموتى، أبحث عن بدايةٍ عن نهايةٍ، لا أعرف بالضبط؛ فلم أحدد الإيعاز العقلي المطلوب لذلك بدأ عقلي ببحثٍ تلقائي، لم يصلْ بي إلى أيِّ عنوانٍ، أو محطةٍ، أو بقايا لعبتي المفضلة، فكرتُ في أن لا أفكر إلى إشعارٍ آخر... أسمع صوته الخشن وهو يزعج مسامعَ الجدرانِ، وكراسي غرفةِ الاستقبال النائمةِ مرة كلّ عام أو أكثر؛ فبعد سقوطِ النظام الحاكمِ تحول الجنديُ المطوعُ إلى رائدٍ في الجيش العراقي بقدرةِ عامر ـ صديقه القديم ـ الذي كان ينتمي لأحد الأحزابِ البارعة في ارتداءِ الملابس الدينية. ولأن الرتبة العسكرية تحتاج إلى من يضعها لكَ باعتناءٍ؛ تزوج من تلك الشابة البصرية، المعجونة بماءِ شطِ العربِ، والمصقولة بشمسِ العشارِ، كان دائماً يريد أن يكلمني، وكعادتي لا أحب الحديث مع أشخاصٍ لا أعرفهم. المرأةُ الراقدةُ كجزءٍ من أثاثِ البيتِ تتقبل مزاحه البارد، وتتجرعه
عدد الصفحات ٤٤موسى الحمامي 45 على مضضٍ كعلاجٍ مرٍّ لا بد منه ـ انهضي فما زلتِ في ريعانِ الشبابِ. ضحكتْ... فركضتُ إليها محاولاً الإمساكَ بضحكتها الهاربة، لم أصل في الوقتِ المناسبِ، أردتُ أن أقول فوافقا على قولي الذي أردتُ قوله ـ سبعة أولادٍ، وبنتان، وستون سنة، وثلاثة حروب، وزوج مثلك؛ فعن أي شبابٍ تتحدث؟ وأوصلتْ الحرفَ الأخير بضحكةٍ حزينةٍ، التزما الضحك... ـ أنا أتكلّم عن شبابي أيتها العجوز لم أسمع أيَّ كلمةٍ بعد أن قال لها عجوز، لم يسمح لي الخوف بذلك، فذاكرتي تركض خلفي، وما حدث معي أصبحتُ أعيشه في جميع الأوقات، فكرتُ بالارتماءِ على صدرها والبكاءِ حد النومِ، تذكرتُ أن ذلك ليس من حقِ النزلاءِ، كما أنها عجوزٌ أيضاً، تداركتُ تفكيري كسائقِ شاحنةٍ أراد أن يصطدم ببحرٍ، ولأنني أجيد قيادة مراكب الهروب؛ استطعتُ النجاة من حادث جنوني المؤجل.
عدد الصفحات ٤٥رمانة 46 هـ ماءُ الأرزِ حليبٌ كاذبٌ؛ لذلك نشأتُ هزيلاً ضعيفاً، دائماً ما أبتعد عن طريقِ الأشياءِ؛ لأنني لا أستطيع تحريكها من مكانها. كنتُ المثلَ الأعلى في البيتِ على الأقلِ في عدمِ تبليلِ الفراشِ، الجميعُ ينظر إلي من زاويةٍ مختلفةٍ، حتى أنا! لا أعرف إنْ كانوا يحبوني جداً، أو يكرهوني جداً؛ لأنهم لم يفعلوا ما يغضبني، ولم يفعلوا ما يسعدني، كأنني غير موجود، كأنني حدثٌ طارئ بالنسبةِ لهم، كأنهم ينتظرون زوالي ليمارسوا لعبتهم، ورقصتهم، وضحكتهم التي يجيدونها ويخجلون من تأديتها أمامي، أو يخشون أن العب معهم فتمسني ذرةُ سعادةٍ ومن ثم تتغير موازينُ القدرِ ومشيئته. ما فرحتُ إلا في ذلك اليوم الذي سألتها فيه على أيِّ طعامٍ عندما تتأخرين في العملِ؟ فقالتْ « « فرحتُ جداً... ولم يرني أحدٌ تردد ذلك الصراخُ الذي كنتُ أسمعه وأنا داخل أحشاء المرأة التي
عدد الصفحات ٤٦موسى الحمامي 47 ولدتني، صوتٌ رجولي آخر يطالب بإقصائي مرة أخرى لو كنتُ أعرف معنى الذنبِ لارتكبته؛ حتى أوفر عذراً لذلك العقاب المطالبين به، ولكنني لا أجيد غير الصمتِ، وبعض الدموعِ الصامتة أيضاً. قاومتْ رافضةً حتى جاء اليومُ الذي خيرها فيه سعيد معنى المشارِ إليه؛ بحثتُ عن يده إلى أيِّ شيءٍ تشير؟ عن عينيه المشتعلتين إلى ماذا يحدقان؟ إلى أيِّ جهازٍ مزعجٍ، أو كرسي يشغر مكاناً واسعاً، أو آلةٍ عاطلةٍ؟ جميع الأشياء اختفتْ بهدوءٍ، جلبتُ علبةَ سجائره الفارغة ووضعتها أمام يده محاولاً إقناع نفسي بأنها المقصودة بهذا، ابتسمتْ متأكدةً من عدمِ استغنائه عنها؛ لأنه سيجمعها مع غيرها محاولاً الحصول على جائزةٍ بسيطةٍ من الشركةِ المنتجةِ. إذن أنا النذرُ الدائمُ وأنا القربانُ الأفضلُ والمتوفرُ أبداً، أنا العنصرُ الممكن إقصائه من جميعِ المعادلاتِ، أنا الضائعُ في الوجودِ، أنا إلهُ الانكسارِ... منظرُ وجهه الملطخ بدهانِ السيارةِ العاطلةِ أمامَ البيتِ ويده السوداء التي تحمل مفتاحَ ربطِ الصواميلِ الكبيرةِ جعلاه يبدو كأنه مقاتلٌ من الهنودِ الحمرِ، كان مظهره قاسياً جداً ولا أعرف من أين أتتْ بكلِّ هذه الشجاعة لتقف بوجهه وتصرخ كما اللبؤة غير خائفة منه. أشتد الصراخ بينهما؛ فشدني من يدي نحوه، دفعته بكل قوتها لتعيدني لأحضانها، تمسكني بيدٍ وتقاتلُ بيدها الأخرى، راح يضعف أمام موقفها؛ فرفع يده اليمنى وأنزل تلك الآلةَ الصلدةَ على رأسها مباشرة، ثم ركلني بكلِّ ما يملك من قوةٍ؛ ارتطم رأسي بالحائطِ وفاض الدمُ مني ومنها... لم يلتفت،
عدد الصفحات ٤٧رمانة 48 حمله غضبه كما تحمل الأمواجُ راكبها، خرج تاركاً عيوننا محدقةً إلى شمسِ ظلمته حتى ذاب وعيها. لا أعرف ما الذي حصل بعد ذلك فعندما فتحتُ عيني، ألتفتُ إليها، فتحتْ عينيها، كأن عيوننا تؤدي رقصةً مشتركةً، تذوب في زجاجةِ المرارِ سوياً، وتولد أمام مصباحِ الطبيبِ سوياً، دائماً التقي بمن أحبهم حينما لا أستطيع الكلامَ إلا بواسطة نظراتٍ تنضوي تحتها ملايين المعاني. وخزاتُ إبرةِ الطبيبِ لا توجعني بقدرِ ما توجعني نظراتها المتقلبةُ وهم يعقمون جرحَ رأسها، هي تحتاج لعلاجٍ ما، كنتُ دائما أشاهدها حين تأخذه بعد كلِّ معركةٍ تخسر فيها أمام حدة صوتِ زوجها وقوة كفه. الطبيب يتحدث مع طلابه بلغة لا اعرفها، هو يفعل ذلك وهم يتحملون حتى لا نفهم ما يقولوه. وجد الطبُ ليفهم الناسَ سببَ ألآمهم، ووجد هذا الطبيبُ ليزيد الألمَ بتركه مجهولاً. توجه أحدُ الطلابِ لحبيبتي، حاملاً جهازاً طبياً، واضعاً السماعات في أذنيه بارتباكٍ شديدٍ، ربما كان الدرسُ الأولُ له في المشفى، تركها وذهب مسرعاً؛ ليعود بعد لحظاتٍ وهو يحمل زجاجةً صغيرةً جلبها من غرفةٍ تقع أمامَ بابِ الصالةِ التي كنا فيها، معلق على بابها لوحٌ مستطيلٌ أزرقُ اللونِ مكتوبٌ عليه بالخطِ الأبيضَ (الصيدلية). كانت يداه ترتجف بشدةٍ، الطبيبُ مشغولٌ بملامحِ حسناءٍ تلتصق به، أنا أقلب بصري بين الطبيب والممرض، وقبل أن يزرقها الإبرةَ لمحتْ لي بعينيها وكأنها تريدني أن اقترب، اقتربتُ وأمسكتُ يدها همستْ لي: « ألتفتُ فلم أرَ المضمدَ، أرجعتُ بصري لها فلم ترني، هذا آخر
عدد الصفحات ٤٨موسى الحمامي 49 ما قالته وانطفأتْ انطفأتْ...كشمعةٍ لم توقد بعد! ما زال وقتُ الغروبِ بعيداً فلم الاستعجال يا حبيبتي؟ ما زلتُ محتاجاً إلى ضوئكِ في عتمةِ البشرِ. أماه... سيدتي... مصباحي... عالمي... الأمواتُ يمتلكون جواباً واحداً لجميعِ الأسئلةِ وهو الصمت! لا بأس؛ فهو جوابٌ أيضاً، سكتُ لم ابكِ، لم اقتنع بالفكرةِ؛ فمثلها لا يجب أن يموت، لم أخبر الطبيبَ ولم أخبر نفسي، رجعتُ لها علها تغير رأيها، أماه حبيبتي... ومن سيراني بعدكِ؟ صمتٌ آخر... يوم ليش عفتيني؟ لم تجب، الله وحده يعلم، ولماذا لا يجيبني؟ « حاول أحدهم حملي فتثبتُ كشجرةٍ معمرةٍ، أفلتُ يداه واحتضنتها... عيني نافورةٌ مجتهدةٌ، وملامحي قصائدٌ ضائعةٌ بين الخوفِ والحرمان، إن كانت على موعدٍ بالموتِ فلماذا تدعوني للحياة؟ كان بإمكانك أن تعلميني كيفية الموتِ بدل تعليمي كيفية الأكلِ فأنا جائع له، أنا محتاجه أكثر من تلك اللغة النابتة على شفاهي، أكثر من المشي دون الإمساكِ بكفيك، لم أركِ! كيف استطعتِ النجاة من هذه الدنيا! كلّ ما فعلته هو أنّكِ أغمضتِ عينيكِ قليلاً وسكتِ. حاولتُ أن افعل مثلها، أغمضتُ عيني... لم أمتْ... أغمضتهما بقوة؛ فرأيتُ شخصاً طويلاً يتنازع بياضُ وجهه مع بياضِ ردائه، لحيته الشقراء تكسبه وقاراً غريباً، على
عدد الصفحات ٤٩