المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

رواية رمانة – موسى الحمامي

غير معروف

صفحة ٢ من ٨

رمانة 18 ح أغلبُ الناسِ يعتقدون أن الأجنةَ ببطونِ أمهاتها تسمع ما يحدث في عالمها المنتظر؛ لذلك يرفع بعضهم صوتَ الموسيقى؛ ليمنح مولوده رقصاً مستقبلياً ويعهد به إلى ذلك العالم، باذر فيه تاريخ الحاضرِ وملامحَ المستقبلِ، وبعضهم يغرد تلفازه بعبدِ الباسطِ وهو يتلو القرآنَ أو يجوده محاولاً مزج كلام الربِ بخلايا مولوده. ترى ماذا كان يقصد والدي حين يرفع صوته مطالباً والدتي بقتلي؟ ترى كم علامة استفهامٍ يجب أن أضع بعد هذه العبارة؟ أأراد إخباري بما سيحدث كي لا أتفاجأ حين تطأ عيناي النور؟ أم أراد تنبيهي على صعوبةِ عالمه حتى أتدرب على الظلمِ وأنا داخل بيتِ رحمٍ! هل كان يريد المزاحَ معي؟ فجعله طابعه العسكري يمزح بالقتل الذي لا يملك سواه، تأكدتُ أن لا مزاح بالأمرِ عندما اضطر لدفعِ نصف راتبه الشهري لإجراء فحص طبي أو غير طبي؛ فأي طب هذا الذي يحدد يوماً لسرقةِ أنفاسِ طفلٍ ليس له ذنب إلا

عدد الصفحات ١٨

موسى الحمامي 19 أنه تقبل حياةً منحها الله إياه بالمجان ثلاث محاولات... ثلاثة رواتب... بثلاثة أشهر... أثبتتْ أن البشر ما زالوا عاجزين أمام الله، وأن الله ما زال مصراً على إبقائي داخلَ أحشاءٍ اضطرتْ للاكتفاءِ برغيفِ خبزٍ واحدٍ يومياً؛ حتى توفر مبلغا يكفي لنجاح عملية إزالتي من الوجود. ليتها نجحتْ... عندما تعلمتُ كيف أتمنى، كانتْ أولَ أمنيةٍ لي (ليتها نجحتْ)؛ فأن تموت كصفحةٍ بيضاء خير من أن تعيشَ وفوقك فرشاة رسامٍ فاشلٍ، ما أجمل أن تموت بلحظةِ ولادتك، على الأقل لا تضطر للاحتفالِ بعيدِ ميلادك الذي لا يحضره إلا أنت والمساء، على الأقل لا تشغل حياتك من صفحةِ التقويمِ إلا يوماً واحداً يمكنك خطه على أحدى الزوايا الفارغة في ذاكرتك، فلا تولد حين تراها لأولَ مرةٍ، ولا تولد حين تكلّمها لأولَ مرةٍ، ولا تموت حين تبتسم بوجهك لآخرَ مرةٍ، ولا تضطر للموتِ بعد كلّ مكالمة وللبعث من جديدٍ عندما ترن الذاكرة، أو عندما يرن الهاتف. ارتدتْ مشاعرها الشتوية الباردة، وأمسكتْ بوالدي كمعطفٍ صوفي، تمشيا في ظلمةِ الليل تتهامس أعمدةُ الكهرباءِ مستغربة من نواياهما المفضوحةِ، مدد الشارعُ قامته محاولاً تأخيرهما قليلاً؛ لمنحي بعض الوقتِ؛ كأنه ينتظر معجزة لن تأتي. من الصعب أن ترافق شخصاً لقتلك! وأنت لا تستطيع فعل أي شيءٍ إلا أن تتنفس بأسرع ما يمكن؛ حتى ترفع من رصيد

عدد الصفحات ١٩

رمانة 20 أنفاسك التي جمعتها بالحياة ماذا لو علمت أنه يتنفس لك؟ يأكل لك. لا يأكل لك! يصلي لك، ويكفر لك أيضاً! القبرُ يقترب وأنا أشعر بدنو ولادتي! ساعةُ انتظارٍ منحها اللهُ لهما ليفكرا قليلاً فقضياها في الإنصاتِ إلى الأخبارِ التي تتكلم عن الموتِ. أي عالم هذا؟ عالمٌ يضع جميع ألفاظه تحت جذرٍ واحدٍ هو (موت)، معجمُ حياتنا لا يحتوي غير هذه اللفظة، قصائد شعرائنا تزخر بالموتِ، خطب أئمةِ المساجد ترهق نفسها في تفسيرِ الموتِ، تعشق إنساناً فتقول: (أموت عليك) وتكره إنساناً فتقول: (أموت منه) وفي كلّ الأحوال أنت ميتٌ، هذا ما أكدته السكرتيرة التي رفعت صوتها قائلةً: « قامتْ فقمتُ معها... خمس خطوات، ممرٌ تبلغ مساحته ما يقارب المترين، قستُ المسافة بمعرفة عدد ضرباتِ الحذاءِ على أرضيةِ العيادةِ. مهلا... مهلا... ما الذي أراه! أنكتة هذه؟ وقعُ الخطى على الأرضيةِ يرسمُ في مخيلتي شوارب كارتونيةً مضحكةً، وجورباً يتقن الفقرُ تمزيقها؛ لتكن لمسته التي يعرف من خلالها في كلّ المجالس التي تقتضي خلع الحقيقةِ والحذاءِ، كان صوتُ حذائه، أنا امتلك حساً رائعاً في تمييز كلّ ما هو حذاء. ليس لخطى والدتي صوتٌ!

عدد الصفحات ٢٠

موسى الحمامي 21 يبدو أنها ترتدي حذاءً طبياً بسيطاً كما هو معروف عند النساءِ المتشبثات بحلمِ الأمومةِ، والمحافظةِ على الجنين. على ماذا أرادت أن تحافظ؟ مضحكةٌ والدتي، تخاف علي من حذاءٍ بكعبٍ عالٍ ثم تهديني إلى عزرائيل كدميةٍ خشبيةٍ! فكرةٌ أخرى، جوابٌ آخر، محتمل أنها أرادتْ الحفاظ على حذائها الوحيد فتركته ينعم بالدفءِ، من المضحك أن تكون أحد خيارين: أنتَ؟ أم حذاء؟ والأكثر سخرية عندما يفضل الحذاءُ عليك. سيرةُ حياتي ممرٌ تستطيع الأطفالُ القفز فوقه دون مس أرضيته القذرة، تمددتْ على السرير فاسترخيتُ معها على مقصلتي منتظراً موعدَ الرحيل، صرختْ الطبيبة القاتلة بابي: « « « خرج ينتظر الأخبارَ من خلفِ البابِ كسجينٍ جائعٍ ينتظر غداءه المعهود. الآباء عندما ينتظرون من خلف البابِ، ويتنقلون بخطاهم الخائفة والمستعجلة، ذهاباً وإياباً غالباً ما يسمعون زغاريد، وممرضة تسارع إلى جيوبهم لتحصل على ما تيسر بعد أن تخبره بإحدى الكلمتين: «

عدد الصفحات ٢١

رمانة 22 أو إلا هو، كان غريباً، كان مختلفاً، كان يريد سماع صوت غراب اسود؛ لأنه يعتقد أن البلابل الجائعة صوتها أسود بكثير. سألتْ القاتلة والدتي: ـ كيف أقتنع؟ يبدو صعباً. ـ هو من أقنعني. ـ أيعرف ما سيحدث؟ ـ لا، هو لا يجيد التقويم. ـ آه... فهمت فهمتْ الطبيبة شيئا لم يفهمه والدي الذي كان يتحرك مع تحركِ ميلِ الساعةِ، بل كان يتحرك مع تحركِ ميلي الساعةِ؛ لشدة ارتباكه، حتى أنني شككتُ بشجاعته المرسومة على بذلته العسكرية، توقف الوقتُ عندما فُتح الباب فوقف معه، قالتْ له الممرضة ومن دون أدنى تردد: « لا يعرف بماذا يجب أن يشعر؛ لذلك اختار الجلوسَ وتغطية وجهه بيديه الكبيرتين، اللتين خلقهما الله للرجل حتى يحمل بهما طفله في هذا الموقف، لكنه حمل دمعه الذي فاض من بين أصابعه. غريبٌ أنت يا والدي، أتبكي من موقف أنت صنعته؟ أنت الذي حددتْ كلّ تفاصيله، أنت الذي دفعت لعزرائيل أجرته... يدفعني الفضول كبحرٍ هاربٍ من عصا موسى، أو كموسى هاربٍ من فرعونٍ ما، أتمنى أن أعرف بماذا كنتَ تفكر؟ عندما

عدد الصفحات ٢٢

موسى الحمامي 23 حاولتَ أن تكون رباً، وأمسكتَ القدر بيدك الخشنة لترميه بأحضاني، بماذا فكرتَ؟ وأنت تقدم نهايتي إلى درجة أنها كانتْ البداية نفسها؟ من الممكن أن اسمح لكلّ الأماكن والجمادات حولي بالبكاء إلا أنت؛ فكلّ شيء يجب أن يبكي بسببك. إنها حياة، إنها حياتي، لكن مع ذلك لا اعتب عليك فلم يترك لكَ الزمن فرصة لتعرف معنى هذه الكلمة، أنت عبارة عن زيّ عسكري، وأوامر بالقتلِ، ومجموعة شظايا. « ألقتها في وجهي فاعتبرتُ موقفها شكراً على طريقتها الخاصة، قامتْ نافضة ثوب وحدتها على مسامعي المشوشة، قامتْ خفيفة ومن دون أن تتكئ على عصاها بعدما أثقلتني بماضيها، وقبل أن توصد الباب تفحصتْ الغرفة من جديد وكأنها تتوقع حصول حادثة كبرى كردةِ فعلٍ! لم أشغل نفسي بما قالته لأنني مشغول بما يكفي؛ فبمجرد ذوبان صوت خطاها على آخرَ درجةٍ في الدركِ جاءتْ لتملأني من جديد...

عدد الصفحات ٢٣

رمانة 24 ب لم اندم على أي تصرفٍ، أو أي كلمةٍ صدرتْ منيّ بقدر ندمي على كلمةِ (شكراً)، عاتبتني كيف اعتقدتُ أن كلمةً هزيلةً تستطيع أن تثير جوابها؟ كيف يمكن ل(شكراً) التي فقدتْ معناها من كثرةِ الاستعمالِ أن تقيد جموحها؟ كيف انتظر ردها بعد قولي (شكراً) التي نقولها لسائقِ التكسي ولبائعِ الخضرواتِ؟ حقدتُ على كلّ شخصٍ قالها لي؛ فلو لم أسمع بها من قبل لما نطقتُ بها الآن، ولما ذهبتْ دون جوابٍ، أطفأتُ عالمي، وأطفأتُ الضوءَ، وتمددتُ كقصيدةٍ اكتملتْ للتوِ. رنَّ الهاتفُ... لم أجب... رنَّ ثانية... لم أجب ثانية... حاولتُ النوم فاستيقظت من محاولتي، أدركتُ بأني سأغير مواعيد النوم، أو بالأحرى ستغيرني. تناولتُ كتاباً من تحتِ سريري، تظاهرتُ بقراءته لكن شيئاً ما دفعني لرميه، تناولتُ كتاباً آخر فرميته مرة أخرى، أخذتُ أرمي الكتبَ كمجنونٍ يبحثُ عن عقله، شعرتُ بكرهٍ شديدٍ لكلِّ كلمةٍ لم تكتبها هي، تمكنتْ الوحدة مني؛ فرحتُ أقلب توابيت الأغاني التي قتلتها الذاكرة، بحثاً عن صوتٍ يفسرني، لا شيء

عدد الصفحات ٢٤

موسى الحمامي 25 يتكلّم عنيّ حتى أقرب الأغاني إلي لا يهمها أمري، آه... كم كنتُ مخدوعاً بالإنصاتِ إليها. بزغتْ الشمسُ كرغيفٍ مخبوزٍ في تنورٍ طيني؛ فسلمها القمرُ آمالَ العشاقِ ولم تسلم عيناي للنومِ بعد، صوتُ المنبهِ ديكٌ الكتروني صاح ليوقظني من يقظتي، ابتسمتُ وتناولتُ كوباً من الشاي، أردفته بسيجارةٍ رخيصةٍ، ثم ارتديتُ ذلك القميصَ الأبيضَ الذي فقد أحد أزراره؛ بسبب العجوز الواقف أمام باب الجامعة، متشبثاً بطلابها، طالباً منهم مالاً لا يملكونه، وكنتُ كريماً حين أعطيته زرَ القميص، ومنحته فرصة رائعة ليضحك ويشتمني. النعاس يجعلني أواجه صعوبةً في المشي بالاتزانِ الذي اعتدتُ عليه، ابتسمتُ كطفلٍ غبي لاطفته معلمته الناضجة عندما تذكرتُ جوابَ مجنوني وأنا أسأله عن سبب انتهاء علاقته بكل النساءِ فقال كنت امشي مثل الماء بال (صينية) ورغم محاولاتي الجاهدة للحفاظ على استقامة الخطوات ولكن (ما رهمت) عرفتُ ذلك بعدما ارتطمتُ بعامل النظافة، وبائع الشاي، والحارس الليلي! كلّ هؤلاء كانت تمثلهم أم علي (الفراشة)، عندما كنتُ صغيرا كنتُ أعتقد أن فراشةَ المدرسةِ لديها جناحان تخفيهما عن ناظري، ودائما ما كنتُ أراقبها متشوقاً لرؤيتهما إلى أن أدركتُ أن البشرَ يحبون الألقابَ أكثر من أسمائهم. فراشةُ المدرسةِ كانتْ عقرباً وكان اسمها تورية لحقيقتها؛ فكلّ صرخةٍ هزتْ شبابيكَ المدرسةِ بسببها، وكل دمعةٍ كحلتْ جفونَ

عدد الصفحات ٢٥

رمانة 26 الأطفالِ كانتْ بتخطيطٍ منها، فهي آتيةٌ كلّ صباح، حاملة حزمةَ العصي لتوزعها على المعلمين كسلاحٍ إضافي إذا ما نسي أحد سلاحه، أو إذا اشتدّ مرحُ التلاميذِ فأحتاج سلاحاً متطوراً تمده بخرطومِ مياهٍ رفيعٍ ومملوءٍ بحصى ناعمةٍ. قابلتني عيناها فاستفقتُ كلّياً، نظرتُ إليها وجدتها أجمل من المعتادِ، ابتسامةٌ خفيفةٌ توحي بأنه يومُ فرحٍ، فزعتُ فزعاً شديداً، استأذنتُ من نظراتها وخرجتُ مسرعاً، أخذتُ سيارةَ أجرةٍ سائقها يتكلّم عن مغامراته النسائيةِ الفاشلةِ، وأنا أفكر بذاكرتي الفاشلةِ، وصلتُ البيتَ، فتحتُ البابَ، نزلتُ وقبل أن تمس قدمي الأرضَ سألني السائق: « عن تدخلهِ بما لا يعنيهِ بصوت لا اعرف إنْ كان خافتاً أو مرتفعاً إلا أنه كان صوتاً غريباً وضبابياً بعض الشيء كلامه مخيفٌ، الحقيقةُ مخيفةٌ دائماً... دخلتُ البيتَ، صعدتُ السلمَ راكضاً، أخذتُ الهديةَ، نظرتُ إليها، شعرتُ بأنها تعاتبني، خرجتُ فإذا بسائق السيارةِ ينتظرني، دهشتُ لأمره فسألته الغريبة نفسها طويلاً؛ صعدتُ معه محاولاً إنقاذ يومي، سألته مرة ثانية: « لم يجبني، سكت قليلاً ثم باشر بحديثه النسائي المعهود كأ اسأله

عدد الصفحات ٢٦

موسى الحمامي 27 كان الزحامُ سبباً في وقوفنا وسطاً، على يسارنا سيارة ممتلئة بجموح فتيات المدرسة المقابلة لكليتنا، وعلى اليمين... على اليمينِ فتاةٌ لابد أن تكون هي... رفعتُ يدي فوق عيني محاولاً التمعن أكثر، لمحني سائقها، أدار وجهه نحوي محدقاً بعينيه الكبيرتين كأنه أحد الشخصيات الكارتونية التي تصدر من عينها شعاعاً يدمر كل شيء، نظرتُ خلفي خائفاً، لا شيء، أعدتُ النظر لها، أنطلق هارباً بعد أن سمح المرور لخطهم بالمسير، نزلتُ من السيارة لإيقاف واحدة أخرى، كاد احدهم يدهسني، امتلأ الشارعُ بالصخبِ بعد صفارةِ المرورِ التي فتحتْ الشارع للسيارات، نزل بعضهم ليشتم سائق التكسي الذي ما زال ينتظرني، جاء أحد رجال الشرطة راكضاً وهو يصرخ: أطلع أبو البيجو... اطلع ابو البيجو... لم يتحرك من مكانه، تجمع الشرطة حوله، رفض المسير، أنزلوه عنوة، ثم أبعدو سيارته عن الشارعِ، كان يقاتل بصراخه نحوي... أخذتُ سيارةً ثانية، لم اخبره أين أذهب بل انتظرته يسألني، لم ينطق ببنت شفة، اضطررت لإخباره: « إنعطف بسرعة لندخل شارعها المملوء بالشرطة والحرس الخاص ببيت قائد الشرطة، وصلنا فأردت شكره لكني تذكرتُ كرهي لتلك الكلمة القاطعة. خطوات قليلة وتبعني صوت أحدهم: «

عدد الصفحات ٢٧

رمانة 28 كان السائقُ الذي أعتقلته الشرطة قبل قليل، لابد أنه يعا مشكلة نفسية، لم أرد عليه، قال بصوتٍ مرتفعٍ: « حرام عليك تركتُ صراخه خلف ظهري ودخلتُ فإذا عيناها تراقبني، وتزداد جمالاً بمراقبتي. تكلمتْ بصوتٍ منخفضِ النبرةِ مرتفعِ المشاعرِ: ـ حبيبي، أين كنتَ؟ ـ نسيتُ كتاباً، فذهبت لأجلبه. تضحك ضحكتها الطفولية. ـ ما يضحكك؟ ـ يبدو أن هذا الكتابَ غريبٌ فعلاً ـ لماذا؟ ـ لأنّني لا أستطيع رؤيته بين يديك! كيف لم ألحظ أنّني لا أحمل غير هديتها المغلفة بغطاءٍ يشبه اللونَ المرتسمَ على خدها إذا خجلتْ من مغازلاتي المستمرة؟ ضحكتُ، فقبلتْ بضحكتي رداً عليها، أعطيتها هديتي المتواضعة. قالتْ وكأنها تريد أن أكون أكثر رومانسية: ـ وما المناسبة؟ ـ في مثل هذا اليوم ولدتُ على يديك. شعرتُ بالكذب؛ صححتُ قولي: في مثل هذا اليوم أصبح قلبي ملكك. شعرتُ بالكذبِ مرةً أخرى، أدركتُ أنه لا سبيلَ للخلاص من كذبي سوى الصمت، سكتُ فجاءت يدها لتكلمني، ارتحتُ

عدد الصفحات ٢٨

موسى الحمامي 29 قليلاً من حقيقتي الكاذبة، تكلّمنا كثيراً بأيدينا كان الممرُ الذي نقف فيه ضيقاً حين مرت بنا فتاة ملابسها أكثر ضيقاً، ولا أعرف كيف اتسع قميصها لهذا النضوج الواضح. « نادتها شهلاء فتوقفتْ ونظرتْ لي كأني من ناديتها ـ مرحبا. ـ مراحب. بادرتْ شهلاء: موسى هذه صديقتي ريتا، استضافةٌ من بغدادِ شدّدت على كلمةِ صديقتي كأنها تحذرني من الإعجابِ بها فتبسمتُ وضحكتْ، لم يكن هنالك داعٍ للتحذيرِ؛ فريتا من النوع الذي لا يجذبني. ـ تشرفنا أختي. رغم أن كلمات الأخوة محرمةٌ جامعياً ألا أنني تقصدتُ استخدامها مع ريتا التي ردتْ بالمثل. ـ إلنا الشرف أخويه استأذنت قائلة جعل شفتيها ترسمان قبلة في الهواء ثم مشت متبغددة تؤكد هويتها وانتسابها للعاصمةِ. انتهتْ المحاضرات وكأنها لم تبدأ، رجعتُ للبيت مشياً على الأحلام حتى لا ابتلي بسائقٍ آخر، كان الطريق يتخذ من نهرِ الفراتِ رفيقاً له، أسمع عزفَ الشمسِ تارةً على أوتاره اللامعة، وتارةَ على وجوه العابرين المتعبة، ارتديتُ لا مبالاتي وأكملتُ مسيري، جرني صوتٌ مبحوحٌ لعجوزٍ تلوح بيديها من بعيدٍ، اقتربتُ منها

عدد الصفحات ٢٩

رمانة 30 ـ ما بكِ؟ ـ لا يهم ما بي، المهم ما بكَ أنت؟ تلافيتُ كلاهما بابتسامة حذرة قاطعتها بسؤالٍ مخيفٍ ـ أتريد المستقبلَ؟ كيف أخبر عجوزاً بأنّني أكره العجائز؟ كيف أخبرها أنّني ما زلتُ أبحث عن حاضري فمن أين لي القدرة على المستقبلِ؟ صرختْ رامية نفسها في النهر، هي تغرق أمامي ولا أعرف ماذا أفعل؛ فأنا ومنذ خُلقت أكره الماءَ ولا أعرف سبيلاً لإنقاذِ شخصٍ يغرق غير الصراخِ! بدأتُ أصرخ... وأصرخ ولا أحد يسمعني غير الله والنهر، حاولتُ أن اقترب لمحتُ في عينيها رغبة في إغراقي معها، هربتْ عيناي فأمسكها شرطي يصر على مشيته الأنيقة ويرفض الاستعجال، ركضتُ إليه، أخبرته، لم يطرأ أي تغيير على ملامحه كأن الله أخبره قبلي، اقترب الرجل من النهر وأنا أصرخ تموت... أتوسل إليك أن تنقذها مسح شاربيه كأنه سيلقي خطبة في مناسبة رسمية، قال وبكلّ هدوء: ـ يعني أنت تضحك عليه؟ ـ شنو! لم يلتفت، تسرب لي شكٌ بأني غير موجود وإن هذا حلم، لحظات وانتصبتْ مبللة الثيابِ كأنها خارجةٌ من حمامها اليومي، صُعقتُ لمنظرها، وتجمدتْ كلماتي قبل النطق بها، نظر الشرطي لي قائلاً وهو يتحسر على عرش ضائع:

عدد الصفحات ٣٠

موسى الحمامي 31 « وبينها فراغا برحيله أنزلتْ نظرها للأرض، قالتْ بنبرةٍ فيها من الأسف ما يقنعني: « الرياحُ تجر بها بعيدا. لا أعرف أبقيتُ واقفاً عند النهرِ؟ أم أن الكون توقف عندي، عيناي تتبعها كمقبرة تودع أمواتها بصمت مفجع حد الضحك، تأخر الوقت، وأنا وردةٌ مقطوعةٌ لا تحركها غير أقدام العابرين، أو أنا قدم مقطوعة؛ فالتشبه بالورود حرام ومنهي عنه في وطني. مضتْ كما تمضي سحابةٌ سوداء أمطرتْ تاريخا من الحيرة لتغرقني في عالم عجائزٍ مخيفٍ. ـ الووووو... الووووو... موسى تسمعني، تعال بساع أنا جايتك... الوووو هربتُ منيّ! ورحتُ أركض خلفي! فلا أعرف الآن من أنا؟ أنا الهاربُ من سماوات الحزن؟ أم أنا الداعي إلى كوخِ الصبر؟ وصلنا إلى البيت كلانا واجتمعنا قبل عتبة الباب، دخلنا كشخصٍ واحدٍ كي لا تسألني تلك العجوز عن موسى الآخرَ الذي رافقني؟ وسيكون الموقف مضحكاً فهي بالكاد تعرفني أنا! سمعتُ صوتها الذي تنبعث منه رائحةُ الشاي، سألتني كلماتها المملوحة: « سكتُ؛ لأن الجوابَ مكتوبٌ على وجهي المصفر، وشفاهي البيضاء، ولماذا تسألني؟ وهي تعرف أن السؤالَ لابد أن يكون

عدد الصفحات ٣١

رمانة 32 له جوابٌ، وبالتالي عملية تفكير تتعبني تعباً إضافياً، أنا الذي أعد أملك مساحةً فارغةً لحبةِ استفهامٍ. نظرتُ لعينيها فتوقف الزمنُ برهةً ثم مضى مستمراً في توقفه، دخلتُ الغرفة... ألقيتُ القبض على الحاسوب... فتحتُ حسابي... الرسائل، وجدتُ رسالةً جديدةً، احتضنني الخوفُ كشخصٍ يبحث عن جثته بين الأمواتِ؛ لينصب عزاءً لنفسه ويودع من أحب ويستلقي للزوالِ، لم افتحها، تركتها مجهولة إذ ما زلتُ صغيراً على رؤية جثتي بعيني، سمعتُ صوتاً ظننته منبعثاً من رسالتي المختنقة، تردد الصوت فعرفتُ أنها تدعوني للغداءِ معها، استسلمتُ لطلبها وضعتُ شيئا في فمي، سألتني أكان طيباً؟ منحتها الإيجابَ، لم أكن لأعرف نوعه فكيف لي أن أعرفه طيباً أم لا؟ فمذ كلمتها الأولى لم أعد أميز بين طعمٍ وآخرَ، كلّ شيءٍ أخذ طعمها، كلّ الألوان ترسمها، كلّ اللوحات المزروعة على الطريقِ تشير إليها، لكن من دون إشارة للمسافة المتبقية؛ فأنا أعلم مدى قربها منيّ ولكن لا أعلم مدى بعدي عنها. ارتديتُ الشجاعةَ زياً ورقياً كاذباً، وفتحتُ رسالتي الجديدة، ترى هل كانت هي؟ وماذا كتبتْ؟ وماذا سأكتب لها؟ سأكتب لكن ليس لها بل له فقد كانت الرسالة نبياً مرسلاً من صديقٍ يسأل عن أخباري ولا يعلم أنا الآن من يجب أن يسأل عني! شعرتُ برغبةٍ شديدةٍ في البكاءِ، قمعتُ رغبتي بقولٍ مشهورٍ على مستوى بيوتكم أنتم العرب (البكاء ليس للرجلِ) لكنني بأمس الحاجةِ إليه، وإذا لم يكن للرجل فلمن البكاء؟ أهو للنساءِ حقاً؟ وإذا كان كذلك، لمَ لا أسمعها تبكي؟ ألأنهّا ليست

عدد الصفحات ٣٢

موسى الحمامي 33 ككلّ النساء؟ هي امرأةٌ من كلمات، خدها كلمةٌ وشعرها كلمةٌ وعيناها قصيدتان. دخلتْ وأفلتتْ الخمار بخبرة طويلة... اقتربتْ... تركتها تقترب أكثر... أخبرتها: ـ اليوم ما بيه حيل، تعالي كَعدي أريد أسألك. كادتْ تبكي من الغضبِ ـ يعني أنا جايه أكَعد؟ ما تسوى صعدة الدرج. هذه المرأة مستودع لأسرار المدينةِ برمتها، كلّ ما يخص الناس تعرفه، في حين لا تعرف عن نفسها إلا القليل، تتغذى على أخبارِ الآخرين وأسرارهم، وتنتعش لما يحل بهم من مصائب وأحزان. أستدرجها للحديث فتستدرجني للنوم، حاولتُ أن أكسر رغبتها فقلتُ: ـ أنوسه إذا رجع أحمد شسوين؟ ـ أحمد ما يجي... أحمد مات، كنتُ أحلم به كلّ يومٍ وهو عائدٌ ليكلّلني بابتساماته وقبلاته، لكن بعد أن جرني ذلك الرفيقُ النتنُ وأخذ ما حاولتُ الاحتفاظ به لأحمد وحده، أدركتُ أن زوجي باعني لهم، أليس هو واحد منهم؟ بربك مواس تتكلم عن ماضٍ مغبرٍ وهذا الشعرُ الأحمرُ يهدي أمواجه ليديك ـ قالتْ هذا وهي تسرحُ شعرها بأطرافِ الأناملِ فأمتد كنهرٍ من الخمرِ يفصل بين قمتين ـ وأكملتْ: أنت مو طبيعي اليوم! ـ طيب وعملك؟ ـ عملي؟ سألتني وهي تضحك بصوتٍ مرتفعٍ، حذرتها أن العجوز تسمع

عدد الصفحات ٣٣