52 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أثر الصلاة على الحياة فأولياءُ الله المكاشفون بملكوت السَّموات والأرض وأسرار الرُّبو بية، إنّما يُكاشفون في الصَّلاة لاسيما في السُّجود؛ إذ يتقرَّب العبدُ من ربِّه تعالى بالسُّجود. ولذلك قال تعالى: ﱡﭐ ﱠ ﱡ ﱢ ﱣ ﱤ ﱠ العلق: 19، وإنَّما تكون مكاشفةُ كلِّ مصلٍّ على قدر صفائه عن كدورات الدُّنيا، ويختلف ذلك بالقوَّة والضَّعف والقلّة والكث رة وبالجلاء والخفاء، حتى ينكشف لبعضهم الشيء بعينه، وينكشف لبعضِهم الشيَّء بمثالِه، كما كُشِف لبعضهم الدُّنيا في صورة جيفة، والشيطان في صورةِ كلب جاثم عليها يدعو إليها. ويختلف أيضاً بما فيه المكاشفة فبعضُهم ينكشف له من صفات الله تعالى وجلاله، ولبعضهم من أفعالِه، ولبعضهم من دقائقِ علوم المعاملة. ويكون لتعينّ تلك المعاني في كلِّ وقتٍ أَسباب خَفيّةٍ لا تحُصى وأَشدُّها مناسبةً الهِمّة، فإنهَّا إذا كانت مصروفةً إلى شيءٍ مُعينَّ كان ذلك أَولى بالانكشاف» 10.التّخلص من الصّ فات الذّ ميمة: إنَّ الصَّلاةَ تهيئ المسلم للنَّ جاح في الحياة، فتخلصه من الصَّفات القبيحة التي أساسها الكبر، حتى جعل مبنى الكراهات في الصلاة على
عدد الصفحات ٥١للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 53 ترك الكبر، قال السرخ(1) والبرها(2) والكاشغري(3)« :ويكره للمص ما هو من أخلاق الجبابرة»، قال عبد الغني النابل(4)« :أي كل ما كان من أفعال الجبابرة المتكبرين من الناس كرفع الثوب عند السجود؛ لئلا يتترب، ومن ذلك وضع المنديل للسجود عليه؛ لمجرد التكبر من غير عذر، والامتناع من السجود على الأرض بدون حائل »؛ لأنَّ الصلاة مقام التَّواضع والتذلل والخشوع فالتكبر والتجبر ينافيها (5)، فعن أ سعيد الخدري وأبي هريرة ، ق ال « :العزُّ إزاره، والكبرياءُ رداؤه، فمَن ينازعني عذبته »(6). ووصف الله المؤمنين بترك الكبر بينهم فقال تعا ﱡﭐﲙ ﲚ ﲛﱠ المائدة: 54: أي أرِقّاءَ رحماءَ متذللين ومتواضعين لهم، ووصف حالهم مع الكفار بقوله تعالى ﱡﭐ ﲜ ﲝ ﲞ ﱠ المائدة: 54: أي أشداء متغلبين عليهم من عزَّه إذا غلبَه، كما في قوله تعالى: ﱡﭐ ﱇ ﱈ ﱉ ﱊ ﱋﱌ ﱠ الفتح: 29(7). (1) في المبسوط1 :34. (2) في المحيط البرها1 :377. (3) في منية المصلي ص149. (4) في الجوهر الكلي ق23/أ (5) ينظر: حلبي صغير ص102. (6) في صحيح مسلم4 :2024، ومسند أبي حنيفة ر4. (7) ينظر: تفسير أبي السعود3 :51.
عدد الصفحات ٥٢54 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أثر الصلاة على الحياة والكبر أقبح صفة يصاب به المرء، وهي متأصلة في النفوس إلا التي تربت وتهذبت على تركه، وأعظم الوسائل في ذلك هي الصلاة، فكلها تذلل وتواضع وخشوع يكسر هذه النفس. وحبُّ الظهور والبروز داء عظيم تصاب به المرأة، تعالجه الصلاة في كل حركاتها وسكناتها، بحيث ترسخ لدى المرأة التستر؛ إذ مبنى أحكام الصلاة على الستر للمرأة، وهذا ما يقرِّره الفقهاء (1) لها، فعن يزيد بن أ حبيب « :إنَّ رسولَ الله مَرَّ على امرأتين تصليان، فقال: إذا سجدتما فضما بعض اللحم إلى الأرض، فإنّ المرأةَ ليست في ذلك كالرَّجل »(2)، وعن عليٍّ قال«إذا سجدت المرأةُ فلتحتفر ولتضمّ فخذيها »(3)، وعن ابن عبّاس : أنّه سئل عن صلاة المرأة: فقال«تجتمع وتحتفر»(4)، وعن ابن عمر : قال« :إذا سجدت المرأةُ أَلْصَقَت بطنَها بفخذها، كأس ما يكون لها»(5). (1) ينظر: المبسوط1 :198، والبحر الرائق1 :339، وغيرها (2) في مراسيل أبي داود ص118، وقال الأرنؤوط: رجاله ثقات. وسنن البيهقي الكب2 : 223، وغيرها (3) في مصنف ابن أبي شيبة 1 :241، وهو صحيح كما في صحيح صفة صلاة النبي ص182. (4) في مصنف ابن أبي شيبة1 :241، وغيره، ورجاله رجال البخاري ومسلم كما في صحيح صفة صلاة النبي ص182. (5) في سنن البيهقي الكب2 :222.
عدد الصفحات ٥٣للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 55 فالصلاة أساس في كسب مكارم الأخلاق، حتى قيل: كل المشاكل الأخلاقية والسّ لوكية سببها إهمال الصلاة والتفريط فيها: ﱡﭐ ﲝ ﲞ ﲟ ﲠ ﱠ مريم: 59(1)، وقيل: كيف يوجد فيهم الضعف ، وتعصف بهم الكثير من المشاكل وعندهم هذه الصلاة ، كيف تضعف أمة عندها هذا الكنز العظيم والسَّلاح المتين (2). 11.الطمأنية والترويح عن النفس الطمأنينة تكون بذكر الله (3)، قال تعا ﱡ ﳝ ﳞ ﳟ ﳠ ﳡ ﳢﱠﭐالرعد: 28،دون غيرِه من الأمور التي تميل إليها النفوس من الدنياويات(4)، فالمعنى: أَلا بِذكر الله تسكن الْقُلُوب، وطمأنينة الْقلب بِزَوَال الشَّك منه واستقرار الْيَقِين فيه، فإِن قال قائل: أَلَيْسَ الله تعالى قال ﭐ ﱡﭐ ﱝ ﱞ ﱠﭐالأنفال: 2، فكيف توجل وتطمئن فيِ حالة واحدة؟ والجَْوَاب: أَن الوجل بِذكر الْوَعيد والْعِقَاب، والطمأنينة بِذكر الْوَعْد وَالثَّوَاب، فَكَأَنهََّا توجل إِذا ذكر عدل الله وَشدَّة حسابه، وتطمئن إِذا ذكر فضل الله وكَرمه. (1) ينظرالصلاة سر النجاح ص12. (2) ينظرالصلاة سرح النجاح ص3. (3) ينظرالسراج ص72. (4) ينظر: تفسير أبي السعود5 :20.
عدد الصفحات ٥٤56 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أثر الصلاة على الحياة وقوله تعالى: ﱡﭐ ﳖ ﳗ ﳘ ﳙ ﳚ ﳛﳜﱠ الرعد: 28: أَي تسكن قُلُوبهم بِذكر الله، وقيل: تستأنس قُلُوبهم بِذكر الله، والسكون بِالْيَقِينِ، والاِضْطِرَاب بِالشَّكِّ، قال الله تعالى فيِ شَأْن المُْشرْكين: ﱡﭐ ﲒ ﲓ ﲔ ﲕ ﲖ ﲗ ﲘ ﲙ ﲚ ﲛﲜ ﱠ الزمر: 45: أَي اضْ طَرَبَتْ، وَقَالَ فيِ المؤمنين: ﱡﭐ ﳖ ﳗ ﳘ ﳙ ﳚ ﳛﳜ ﱠﭐالرعد: 28(1). وأيّ ذكر أعظم من الصلاة، المشتملة على عامة الأذكار وقراءة القرآن والخشوع والإخلاص، فالصَّلاةُ في الإسلام واحةٌ روحي ةٌ يفيء إليها المسلمُ ليتفيأ ظلالها الوارف، فيجد فيها علاجاً لمشكلاته النفسية، ويتخلى بها عن هموم الحياة, وقد كان النبيّ يعتبر الصّلاة قرّة للع (2)، فعن أنس قال« :حُبِّبَ إِليََّ من الدُّنْيا النِّساءُ والطِّيبُ، وجعل قُرَّةُ عَيْنِي في الصَّلاَة »(3). (1) ينظر: تفسير السمعا3 :92. (2) ينظر: آثار الخشوع في الصلاة (3) في سنن النسائي الكبرى 8 :149، وسنن النسائي 7 :61، ومسند أحمد 19 :305، والمستدرك2 :174، وصححه
عدد الصفحات ٥٥للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 57 وكان يعتبر الصلاة راحة للنفس، قال « :يا بِلاَلُ أَرِحْنَا بِالصَّلاَةِ »(1) :أي روحنا إليها ونعمنا بها من الرُّوح والرَّاحة إليها، ويُقال أرحنا بالشيَّء: أي روحنا وأرحنا منه: أي أسقطه عنا وخَفِّف عنّا منه، ولم يقل: أرحنا منها، كيف وقُرَّة عينه فيها (2). وتعالج الصلاة الفراغ النفسي: فمما لا شّكّ فيه ولا ريب أنَّ الصلاة هي العلاج الجذري والمنهجي لما يشكو منه كثير من المربين والمصلحين مما وقع في صفوف الشباب والفتيات وهو ما يعرف بالعشق أو التعلُّق(3)؛ لما فيها من كفاية حاجة القلب من المحبّة لله تعالى وال تعلّق به، وتحقّق الراحة بذلك، وإيراثِ المخافة والخشية المانعة عن المحرم، فالصلاة تخرج المسلم عن غفلة قلبه، الذي هو الداء العظيم، قال الغَزَاليُّ (4)« :الشقاوة علامته: اللسان المطلق بلا كفّ عن المحظورات، والقلب المطبق المملوء بالغفلة» (1) في سنن أبي داود 4 :296، ومسند أحمد28 :178، وشرح مشكل الآثار 14 :167، وغيرها. (2) ينظر: قوت القلوب ص86. (3) ينظر: الصلاة سر النجاح ص7. (4) في أيها الولد ص46.
عدد الصفحات ٥٦58 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أثر الصلاة على الحياة 12.تحصيل الصّفات الممدوحة: فكما أنَّ الصَّلاةَ تخُلص المسلم من الصِّفات الذَّميمة فلا شكّ أنها تكسبه مكارم الأخلاق كالتواضع والصَّبر والإخلاص وغيرها. ففي الصَّلاةِ أسرارٌ لأجلها كانت عماداً، ومن جملتها ما فيها من التواضع بالمثول قائماً وبالركَّوع وبالسُّجود، وقد كان العرب قديما يأنفون من الانحناء فكان يسقط من يد الواحد سوطه فلا ينحني لأخذه، وينقطع شراك نعله فلا ينكس رأسه لإصلاحه، فلما كان السجود عندهم هو منتهى الذلة والضعة أمروا به لتنكسر بذلك خيلاؤهم ويزول كبرهم ويستقر التواضع في قلوبهم. وبه أمر سائر الخلق(1) . قال الغزا (2) :«لما كان السجود عندهم هو منتهى الذلة والضعة أُمروا به؛ لتنكسر بذلك خيلاؤهم، ويزول كبرهم ويستقرّ التواضع في قلوبهم، وبه أمر سائر الخلق، فإن الركوع والسجود والمثول قائماً هو العمل الذي يقتضيه التواضع فكذلك مَن عرف نفسه فلينظر كلّ ما يتقاضاه الكبر من الأفعال فليواظب على نقيضه حتى يصير التواضع له (1) ينظر: موعظة المؤمنين ص250. (2) في الإحياء3 :360.
عدد الصفحات ٥٧للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 59 خلقاً، فإن القلوب لا تتخلق بالأخلاق المحمودة إلا بالعلم والعمل جميعاً، وذلك لخفاء العلاقة بين القلوب والجوارح» وقال ابنُ رجب «السُّجود أعظم ما يظهر فيه ذلُّ العبد لربِّه ، حيث جعل العبد أشرف ما له من الأعضاء وأعزّه ا عليه وأعلاها حقيقةً أوضع ما يُمكنه فيضعه في التراب معفراً، ويتبع ذلك انكسار القلب وتواضعه وخشوعه، ولذا كان جزاء العبد إذا فعل ذلك أن يقربه الله إليه، فإنَّ أقرب ما يكون العبد من ربِّه وهو ساجدٌ كما صحَّ ذلك عن النبي ، وقال تعاﱡﭐ ﱠ ﱡ ﱢ ﱣ ﱤ ﱠ العلق: 19... قال: ومَرَّ عصام بن يوسف بحاتم الأصم، وهو يتكلَّم في مجلسه، فقال: يا حاتم تحسن تصلي؟ قال: نعم، قال: كيف تصلي؟ قال حاتم: أقوم بالأمر، وأمشي بالخشية وأدخل بالنيّة، وأكبر بالعظمة، وأقرأ بالترسُّل والتَّفكُّر، وأركع بالخشوع، وأسجد بالتَّواضع، وأج لس للتشهُّد بالتَّمام، وأُسلم بالسَّبيل والسُّنّة، وأسلمها إلى الله ، وأرجع على نف بالخوف فأخاف أن لا تقبل منّي، وأحفظه بالجهد إلى الموت. فقال: تكلَّم فأنت تحُسن تُصليِّ.
عدد الصفحات ٥٨60 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أثر الصلاة على الحياة فالسُّجودُ من أعظم ما يظهر به التواضع والذلُّ للمعبود، وهو المقصود الأعظم من الصلاة، فلهذا لا يحل إلا لله ، فيحرم لأحد من الخلق»(1) . 13.القدرة على التركيز وتفريغ القلب الصَّلاةُ تعوِّدُ صاحبها على الترّكيز الكامل في أفعال الصَّلاة أثناء أدائها، وهو ما يُسمّى الخشوع، ومن أعظم أسرار النَّجاح في أيّ عمل هو الإخلاص له والتركيز الكلي فيه، فالمسلم يأخذ كلَّ يوم خمس دروس في ترسيخ هذا السلوك في شخصيته، بحيث يكون جزءاً من حياته وَيُمَكِّنُه من النجاح الكامل في كل أموره. ومفاتيح التدبر... تركيز القلب: أي منع الهواجيس في الصلاة كلها...(2)،قال الغزاليُّ (3)« :ومَن عَرَفَ سرَِّ الصَّلاة عَلِمَ أَ نَّ الْغَفْلَةَ تضادها، وحاصل الكلام أنَّ حضور القلب هو روحُ الصَّلاة، وأنَّ أقلّ ما يبقى به رمق الروح الحضور عند التَّكبير، فالنُّقصان منه هلاكٌ وبقدر الزِّيادة عليه تنبسط الرُّوح في أجزاء الصلاة » (1) ينظر: غذاء الألباب للسفاريني1 :332. (2) ينظرالصلاة سر النجاح ص50-52. (3) في الإحياء1 :161.
عدد الصفحات ٥٩للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 61 وقال ابن الجوزي«مَن أحبَّ المخدوم أحبَّ الخدمة له، لو ع رف العبد مَن يناجي لم يقبل على غيره، والصَّلاةُ صلةٌ بين العبد وبين ربِّه »(1)، فعن أبي ذر قال« :لا يزال الله عز وجل مقبلاً على العبد، وهو صلاته، ما لم يلتفت، فإذا التفت انصرف عنه»(2)، وعدم الالتفات محقِّق للخشوع، والخشوع يحقِّق التركيز وتفريغ القلب . فالصلاة للقلب مثل الماء للبدن يحتاجها على مدار الساعة ومتى توقفت عنه، فإنَّه يعطش وقد يشتدُّ عطشه فيصاب بالجفاف والقسوة، وربما صَعُبَت عليه الصلاة إلا بجهد كبير، فإن الصلاة تعين على الصلاة، فالله سبحانه وتعالى يقول: ﱡﭐ ﲤ ﲥ ﲦ ﲧ ﲨ ﲩ ﱠ البقرة: 45(3) . 14.تنظيم الوقت والحياة الصلاة تنظم الأوقات للمسلم وتعرِّفه أنَّ كلَّ وقت له عمل، وهذا سبيل النَّاجحين في حياتهم، فمَن كان أقدر على تنظيم وقته وترتيب حياته وجعل لكلِّ وقت عملاً كان أنجح في حياته، قال الخادمي (4) : «العمر جوهريعادله قيمة، بل كل نفس من أنفاسه لا يناله الإنسان (1) ينظر: مواعظ ابن الجوزي ص133. (2) في سنن أبي داود 1 :239، وسنن الترمذي 5 :148، وسنن النسائي الكبرى 1 :286، وصحيح ابن خزيمة1 :243، وغيرها (3) ينظرالصلاة سرح النجاح ص46. (4 في )السراج ص63.
عدد الصفحات ٦٠62 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أثر الصلاة على الحياة بخزائن الملوك... ولكل نفس وظيفة فهو رأس مال المؤمن لاكتساب سعادة الآخرة» والصلاة تخرج المسلم من كسل النَّفس وتحفزها على النَّشاط والهِمة، فعليه أن يستيقط من الفجر ويترك رغبة النفس بالنوم، ومطالب في كل وقت أن يتوضأ ويُصليِّ ويطرد وساوس نفسه وزخرفها، وهكذا، قال الغزاليّ (1) :«لا تكثروا النوم بالليل، فإن كثرة النَّوم بالليل يدع صاحبه فقيراً يوم القيامة» وقال أبو غدة(2) :((الصَّـلاة تتكـرَّر مـن المسـلم والمسـلمة في اليـوم واللَّيلة خمس مَرَّات، فإذا أدَّاهـا المسـلمُ في أول وقتهـا كـما طُلبَـت منـه، غَرَسَت في سلوكه خلُق الحفاظ على الوقت، والدقّة في المواعيد، والانتباه لتوقيت كلّ عملٍ بوقته المناسب له، الموصل إلى الغايـة منـه عـلى الوجـه الأتمّ الأكمل. ومن هذا تبدو لنا الحكمة البالغة: لماذا خـصَّ الله ثـم النبـي الصلاة بالذكر من بين سائر التكاليف الكثيرة المؤقتة؛ لأنهـا تتكـرَّر كـلَّ يوم خمس مرات، ففي زمـن يسـير ينطبـع سـلوك فاعلهـا بخُلـق ضـبط (1 في )أيها الولد ص38. (2) ينظر: قيمة الزمن عند العلماء ص10-11.
عدد الصفحات ٦١للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 63 الوقت، ودقّة الوَعد، وأداء كلّ عملٍ في ميقاته المخصَّص له عـلى الوجـه الأمثل، ويصير ذلك له عادةً وطبيعةً متبعةً في سلوكه وحياته. فيجب على المسلم أن ينتبَه إلى الوقت في حياته، وإلى تنفيذ كلّ عمل من أعماله في توقيته المناسب، فالوقتُ من حيث هـو معيـارٌ زمنـي: مـن أغلى ما وَهَبَ الله تعالى للإنسان، وهو في حياة العالمِ وطالبِ العلـم رأس المال والربح جميعاً، فلا يسوغ للعاقل أن يضيِّعه سدىً، ويعيش فيه همََـلاً سَبَهْلَلاً... )). 15.الترّبية على الصّ بر: الصلاة وسيلة فعَّالة في تحقيق الصبر، والصبر يمنع من فعل ما لا يحسن ولا يجمل، وهو قوّةٌ من قوى النَّفس التي بها صلاح شأنها، وقوام أمرها. وقال ابن جبير: «الصبر اعتراف العبد لله بما أصابه منه واحتسابه عند الله ورجاء ث وابه»وقال الجنيد : وقد سئل عن الص «هو تجرع المرارة من غير تعبس»(1). قيل لخلف بن أيوب: ألا يؤذيك الذباب في صلاتك فتطردها قال لا أعود نفسي شيئاً يفسد على صلاتي، قيل له: وكيف تصبر على ذلك؟ (1) ينظر: غذاء الألباب2 :523.
عدد الصفحات ٦٢64 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أثر الصلاة على الحياة قال: بلغني أنَّ الفُسَّاق يصبرون تحت أسواط السلطان ليقال: فلانٌ صبورٌ ويفتخرون بذلك، فأنا قائمٌ بين يدي ربيّ أفأتحرك لذبابة (1) . قالتعالى: ﱡﭐ ﱪ ﱫ ﱬ ﱭ ﱮ ﱯ ﱰ ﱱ ﱲ ﱳ ﱴ ﱵ ﱶ ﱷ ﱸ ﱹ ﱺ ﱻ ﱼ ﱽ ﱾ ﱿ ﲀ ﲁ ﲂ ﱠ المعارج: 19 - 23، فهذه الآيات تؤكِّد أن المصلين الذين هم على صلاتهم دائمون ليسوا من هذا النوع من الناس، بل هم على العكس من ذلك فهم إذا مسهم الشر صبورين، وإذا مسهم الخير شكورين، فمن مقاصد الصلاة المهمّة التي يجب أن تكون حاضرةً في قلب العبد أن مَن يُصلي فإنَّه يحصل على القوّة والثبات في هذه الحياة، ويسلم من نكدها وكدرها، فهو يعيشُ في واحة الإيمان وجنة الرضا في كل أحواله(2). ويتحقق أثرها في الصبر على الشدائد, فقد أمر الله تعالى نبيه بقيام الليل: ﱡﭐ ﱁ ﱂ ﱃ ﱄ ﱅ ﱆ ﱇ ﱈ ﱠ المزمل: 1 - 2، ثم اتبع ذلك بقوله: ﱡﭐ ﱖ ﱗ ﱘ ﱙ ﱚ ﱛ ﱠﭐ المزمل: 5، مما يدلُّ على مكانة الصلاة في الإعانة على تحمل الشدائد ومواجهة الصعاب, ولقد كان رسول الله يواجه عنتاً وشدّةً من الكفّار، ولقد كان في أمره بقيام الليل وم ا يتزود به (1) ينظر: الإحياء1 :151. (2) ينظرالصلاة سر النجاح ص21.
عدد الصفحات ٦٣للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 65 في مناجاة الله تعالى من زادٍ روحيٍّ كبيرٍ أكبر العون على مواجهة متاعب الحياة وقسوة المخالفين(1). والصَّلاةُ علاجٌ ناجع للغضب والتهوّر؛ تُعلّم الإنسان كيف يكون هادئًا، وخاضعًا لله (2). 16.تصلح دين المسلم وحياته كلّما صدق الإنسان مع الله تعالى في صلاته كان ذلك سبباً في إصلاح باقي عباداته، ومحفزاً عليها من صدقة وصيام وعمرة وحجّ، فعن أبي هريرة ، قال« :إن أوّل ما يحُاسب به العبد يوم القيامة من عمله صلاته، فإن صلحت فقد أفلح وأنجح، وإن فسدت فقد خاب وخسر»(3) . قال الحسن البصري«يا ابن آدم أي شيءيعجز عليك من دينك إذا هانت عليك صلاتك»(4) . (1) ينظر: آثار الخشوع في الصلاةhttp://www.alimam.ws/ref/677. (2) ينظر: أثر الصلاة في العلاج النف http://www.alukah.net/culture/1080/55573/. (3 في )سنن الترمذي2 :269، وحسنه، وسنن أبي داود1 :290. (4) في شعب الإيمان3 :153.
عدد الصفحات ٦٤66 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أثر الصلاة على الحياة والصلاة تحفظ حياة المسلم صحيحة كريمة، قال المروزي(1)« :فمَن حافظ على الصلاة حافظت عليه الصلاة، قال :ﭐﱡﭐﲲ ﲳ ﲴ ﲵ ﲶ ﲷﲸﱠ العنكبوت: 45»؛ لما فيها من«التربية وهي مجاهدة النفس وقطع شهوة النفس»(2)؛ إذ إن مجاهدة مستمرة لهذه النفس، وقطع لشهواتها من الكسل والنوم والغفلة وغيرها. وتصلح الحياة بالخروج من الظلمات إلى النور، بالنظرة السلمية لحقيقة الدنيا، فيتحقق بصلاته «التقوى التي فيها عزّة المرء وكرامته كثرة الأقوال والأنصار والعشائر والأموال والأولاد وإتلاف الأموال والإسراف والتبذير، قال تعالى: ﱡﭐ ﱱ ﱲ ﱳ ﱴ ﱵﱶ ﱠ الحجرات: 13»(3)، فكلُّ التعلقات للعزة بغير الله ظلمات من المال والبنين وغيرها 17. إخلاص العبودية الإخلاص: هو أن يكون أعمال لله تعا لى لا يرتاح قلبك بمحامد الناس ولا يتأسى بمذامهم(4) . والعبودية: محافظةُ أمر الشرع، والرضاء بالقضاء، ومخالفة النفس (5) . (1 في )تعظيم قدر الصلاة ص9. (2) ينظر: أيها الولد ص45. (3) ينظر: ينظر: أيها الولد ص58. (4) ينظر: السراج ص81. (5) ينظر: أيها الولد ص80.
عدد الصفحات ٦٥للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 67 وإخلاص العبودية لله وحده، هذا هو أساس مقاصد الصلاة وقاعدتها ومنه تتفرع بقية المقاصد(1) . وخشوع الصلاة هو كمال الإخلاص؛ لأنَّه «جعل القلب لله تعالى وعدم الانشغال بغيره ونسيانه»(2)، فعن عثمان بن أبي دهرش قال « : لا يقبل الله من عبدٍ عملاً حتى يشهد بقلبه مع بدنة »(3). ونجاح المرء في حياته مبني على شدّة إخلاصه في كل أمر يقوم به، فيتحقق تفوقه الوظيفي والمعيشي والاجتماعي والدراسي، والصلاة عامل رئيس في تحقيق الإخلاص في حياة المسلم. 18. الزُّهد بالدنيا حقيقة الدُّنيا حبُّ البقاء لطاعة الهوى وموافقة الهوى في حبّ العرض لأجل البقاء، فدخل أحد هذين في الآخر؛ لأنّ حُبّ البقاء (1) ينظر: الصلاة سر النجاح ص16. (2) ينظر: السراجص27. (3) فعن أبي بن كعب وعن رجل من آل الحكم بن أبي العاص: ((أنَّ النبي ص بالناس، فقرأ سورة فأغفل منها آية فسألهم هل تركت شيئاً؟ فسكتوا فقال: ما بال أقوام يقرأ عليهم كتاب الله لا يدرون ما قرئ عليهم فيه، ولا ما ترك، هكذا كانت بنو إسرائيل، خرجت خشية الله من قلوبهم، فغابت قلوبهم، وشهدت أبدانهم ألا وإن الله عز وجل لا يقبل من أحد عملا حتى يشهد بقلبه ما شهد ببدنه)) في تعظيم قدر الصلاة ص199، والفردوس بمأثور الخطاب للديلمي 4 :114، وجامع الأصول لابن الأث 5 :648، وجامع الأحاديث للسيوطي 32 :304، وينظر: كنز العل 8 :295.
عدد الصفحات ٦٦