36 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أثر الصلاة على الحياة فاشتغاله بها ابتداءً يمنعه من إتيان الفواحش والمنكرات، وهي سببٌ للانتهاءِ عنهما؛ لأنهَّا مناجاةٌ لله تعالى فلا بدَّ أنْ تكونَ مع إ قبالٍ تامٍّ على طاعتِه وإعراضِ كليّ عن معاصيِه(1)، فمَن كان مراعياً للص ة جره ذلك إلى أن ينتهي عن السّ يئات يوماً ما (2)، قال أبو العالية: «إنَّ الصَّلاةَ فيها ثلاث خلال، فكلُّ صلاةٍ لا يكون فيها شيءٌ من هذه الخلال فليست بصلاة: الإخلاصُ والخشيةُ وذكرُ الله، فالإخلاصُ يأمره بالمعروف، والخشيةُ تنهاه عن المنكر، وذكرُ الله القرآن يأمره وينهاه »(3) . وعلى كلٍّ حال إنَّ المراعي للص ةِ لا بُدّ أن يكون أبعد من الفحشاء والمنكر ممَّن لا يراعيها، وأيضاً فكم من مصلّين لا تنهاهم الصلاة عن الفحشاء والمنكر، واللفظ لا يقتضى أن لا يخرج واحد من المصلّين عن قضيتها(4) . وهذا بسبب أنَّه لم يقم بها على الهيئة المأمور بها، قال ابنُ مسعود : «مَن لم ت أمره صلاته بالمعروف وتنهه عن المنكر لم يزدد من الله إلا (1) ينظر: تفسير أبي السعود7 :42. (2) ينظر: تفسير النسفي2 :678. (3) ينظر: تفسير ابن أبي حاتم9 :3099. (4) ينظر: تفسير الزمخشري3 :456.
عدد الصفحات ٣٥للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 37 بعداً»(1)، وذلك أن أمر الصلاة له إقامته إياها بحدودها، وفي طاعته لها مزدجر عن الفحشاء والمنكر(2) . فالحاصل أنَّ الصَّلاة أفضلُ وسيلةٍ للاستقامة بترك الفواحش والمنكرات لمن يؤدِّها بحقِّها ويجُاهد نفسَه في التزام أوامرها، لا مَن تكون وسيلةً له للرِّياء والنِّفاق في الدُّنيا، فستكون حجةً عليه لا له، وتزيده معصيةً ووزراً وإثماً وبعداً عن الله بأن جعلها وسيلة للدنيا لا للآخرة، فعن ابن عَبَّاس قال« :من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر، يزدد من الله إلا بعداً »(3). وإنَّ مَن يفقد التربية من صلاته يصعب ملاحقة مفردات سلوكه وتعديل أخلاقه وتصرُّفاته؛ لأنَّه الصَّلاة تزرع في النَّفس القوَّة الموجهة للذَّات التي تقودها إلى المكرمات وتذودها عن السَّفاسف والدَّناءات (4) . 2.الإعانة على تحمَّل أعباء الحياة سبق تق رير أنَّ مبنى الحياة على الشِّدَّةِ والصُّعوبة والابتلاءِ والامتحان، ومبنى حال الإنسان على الضَّعف، فلا بُدَّ له من معين على (1) في المعجم الكب 9 :103، والزهد لأبي داود ص 135، وشعب ا يمان4 :456، وغيرها. (2) ينظر: تفسير الطبري20 :42. (3) في المعجم الكب11 :150، ومسند الشهاب1 :305. (4) ينظر: الصلاة سر النجاح ص12.
عدد الصفحات ٣٦38 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أثر الصلاة على الحياة عبء الدُّنيا، وإلاّ لهلك وسقط وفشل في حياته، ومن عظيم نعم الله علينا أن أمدنا بهذه الصَّلاة العظيمة المعينة على الحياة، قال تعالى: ﱡﭐﲠ ﲡ ﲢﲣﱠ البقرة: 45. وأصل الصبر: الإمساك، وهو ضربان: صبر عن المشتهى، وهو العفة، وصبر على المكروه وهو الشجاعة، والصلاةُ أرفع منزلة من الصَّبر؛ لأنها تجمع ضروباً من الصَّبر؛ إذ هي حبسُ الحواس على العبادة، وحبس الخواطر والإفكار على الطاعة، ولهذا قال: ﱡﲤ ﲥ ﲦ ﲧ ﲨ ﲩﱠ البقرة: 45، وخصها برد الضمير إليها دون الص (1)؛ بأن تصلوا صابرين على تكاليف الصلاة، محتملين لمشاقها وما يجب فيها من إخلاص القلب، وحفظ النيات، ودفع الوساوس، ومراعاة الآداب، والاحتراس من المكاره مع الخشية والخشوع، واستحضار العلم بأنه انتصاب بين يدي ج بار السموات؛ ليسأل فكّ الرقاب عن سخطه وعذابه، ومنه قوله تعالى: ﭐﱡﭐ ﲠ ﲡ ﲢ ﲣ ﲤﲥﱠ طه: 132 (2). فالمعنيان للآية ـ كما يقول الزمحشري(3)« :وَاسْتَعِينُوا على حوائجكم (1) ينظر: تفسير الراغب1 :177. (2) ينظر: تفسير الكشاف1 :133. (3) في تفسيره1 :133.
عدد الصفحات ٣٧للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 39 إلى اللهَّ بِالصَّبرِْ وَالصَّلاةِ أى بالجمع بينهما، ... أو: واستعينوا على البلايا والنوائب بالصبر عليها والالتجاء إلى الصلاة عند وقوعها »ـ ، مآ واحدٌ، فإنَّ الطريق إلى الله تعالى بأداء واجباتكم وطلب حوائجكم موصلةٌ إلى القدرة على تحملّ المشاق والصِّعاب والبلايا. قال أبو السُّعود: (1)« :استعينوا على حوائجكم بانتظار النُّجْحِ والفرَج توكلاً على الله تعالى أو بالصَّوم الذي هو الصبرُ عن المفطِرات لما فيه من كسر الشهوةِ وتصفيةِ النفس والتوسُّل في الصَّلاة والالتجاء إليها، فإنها جامعةٌ لأنواع العبادات النفسانية والبدنية من الطَّهارة وسترِ العورة وصرفِ المال فيهما، والتَّوجهِ إلى الكعبة، والعكوفِ على العبادة، وإظهارِ الخشوعِ بالجوارحِ، وإخلاصِ النيّة بالقلب ومجاهدةِ الشيطان، ومناجاة الحقِّ، وقراءةِ القرآنِ، والتَّكلُّمِ بالشهادة، وكفِّ النفسِ عن الأطيبَينِْ حتى تجابوا إلى تحصيل المآرب وجبر المصائب» وقال القشيري (2)« :الصَّبرُ فطم النَّفس عن المألوف ات، والصَّلاة التَّعرُّض لحصول المواصلات، فالصُّبرُ يشير إلى هجران الغير، والصَّلاة تشير إلى دوام الوقوف بحضرة الغيب، وإن الاستعانة بهما لخصلة شديدة إلاّ على مَن تجلىّ الحقّ لسرّه » (1) في تفسيره1 :98. (2) في تفسيره1 :87.
عدد الصفحات ٣٨40 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أثر الصلاة على الحياة فالله تعالى خلق الإنسان في عناءٍ وابتلاء، وجعل له سلاحاً وهو الصَّ بر والصَّ لاة، فكأنَّه في معركة، فليحذر أن ينسى ذلك ويضع سلاحه ويترك الجهاد فيهزم ويخسر(1) في دُنياه وعُقباه 3.الرَّاحة النَّفسية وعدم ضيق الصَّدر ومبنى هذه الرَّاحة على الفكر والقلب، فمَن كانت نظرته صحيحة للحياة نال هذه الراحة، ومَن أخطأ في فهمه لها عاش حياةً ض نكاً، والصلاة هي رأسُ المناجاة والذِّكر وحسن الفهم للدنيا؛ لما تشتمل عليه من تربية ومعاني لا تدرك في غيرها، فمَن حرم الصلاة والخشوع فيها لم يكن من حَزِرَ الحياة الدُّنيا وفهمها، ولا أحرزَ الصِّفات الأصيلة التي يسعد بها الإنسان في حياته، قال القشيري :(2)« :مَن أعرض عن استدامة ذكره سبحانه بالقلب توالت عليه من تفرقةِ القلب ما يسلب عنه كلّ روح، ومن أعرض عن الاستئناس بذكره انفتحت عليه وساوس الشَّيطان، وهواجس النّفس بما يوجب له وحشة الضَّمير، وانسداد أبواب الرَّاحة والبسط » قال تعاﱡﭐﳆ ﳇﳈ ﳉﱠ طه: 124، ومعنى ذلك: أنَّ مع الدين التسليم والقناعة والتوكل على الله، وعلى قسمته، فصاحبه يُنفق ما (1) ينظر: الصلاة سر النجاح ص5. (2 في )تفسيره2 :486.
عدد الصفحات ٣٩للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 41 رزقِه بسماح وسهولةٍ، فيعيش عيشاً رافعًاً كما قال تعا ﱡﭐﲀﲁ ﲂﲃﱠ النحل: 97، والمعرضُ عن الدين، مستول عليه الحرص الذي يزال يطمح به إلى الازدياد من الدنيا، مسلطٌ عليه الشحُّ ال ذي يقبض يده عن الإنفاق، فعيشُه ضنكٌ وحالٌه مظلمةٌ، كما قال بعض المتصوّفة: لا يعرض أحد عن ذكر ربه إلاّ أظلم عليه وقته وتشوَّش عليه رزقه (1). وذلك لأنَّ مجامعَ همتِه ومطامحَ نظرِه مقصورةٌ على أعراض الدُّنيا، وهو مُتهالكٌ على ازديادها وخائفٌ من انتقاصِها بخلاف المؤمنِ الطَّالبِ للآخرة مع أنّه قد يضيق اللهُ بشؤم الكفر ويوسع ببركة الإيمان، كما قال تعالى: ﱡﭐﱁ ﱂ ﱃ ﱄ ﱅ ﱆ ﱇ ﱈ ﱉ ﱊ ﱋ ﱌﱠ الأعراف: 96 (2). فمَن يعرض عن ذكر الله تعالى يكون له معيشةً ضيقةً، والضنكُ من المنازلِ والأماكن والمعايش: الشَّديد، يُقال: هذا منزلٌ ض نكٌ: إذا كان ضيقاً (3)، فكلُّ مال أَعطيته عبداً من عبادي قلَّ أو كَثُر، لا يتقيني فيه، خير فيه، وهو الضَّنك في المعيشة...، فإذا كان العبدُ يكذّب بالله تعالى، ويُسيء الظنَّ به، اشتدّت عليه معيشتُه، فذلك الضَّنك (4). (1) ينظر: تفسير الكشاف3 :95، وتفسير النسفي2 :388. (2) ينظر: تفسير أبي السعود6 :48. (3) ينظر: تفسير الطبري18 :39. (4) ينظر: تفسير الطبري18 :329.
عدد الصفحات ٤٠42 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أثر الصلاة على الحياة ويكون الضَّنكُ بالمعاصي بما أُعطوا من الم ال وأُنعموا فيه؛ لأنّ توسعَهم يكون في معصية، فنفى عنهم الانتفاع به كما نفى عنهم السَّمع والبصر واللِّسان باستعمالهم هذه الجوارح في المعصية على قيامها؛ لما ذهبت منافعها في الطَّاعة(1). فحاصل الأمر أنَّ هذا الضِّيقَ كان بالإعراض عن ذكر الله تعالى، الذي روحُ ه الصَّلاة، وبإساءة الظَّنِّ بالله تعالى، وفقدان أسبابِ الرَّاحةِ النَّفسيّةِ المتحقّقةِ في الصلاة الخاشعة. 4.وضوحُ الطَّريق ومعرفةُ الهدف من الحياة تؤثر الصَّلاة في بيانِ غايةِ الإنسانِ من الحياةِ، وهو رضاءُ الله والعيشُ له وحده، وتوضح له الطَّريق الذي يُ سلك في تحقيقِها، بأن يلتزمَ أوامر الله تعالى ونواهيه ويراعي حدوده، ففي كلِّ صلاةٍ تذكرةٌ لغايته من الحياةِ، وبكلِّ قراءةٍ وخشوعٍ يعرفُ الطَّريق الموصل له، قال تعالى: ﱡﭐﲸ ﲹ ﲺ ﲻ ﲼ ﲽﱠ الملك: 22: أي ما ظهرَ من سوءِ حالهِِم وخرورِهِم في مهاوِي الغرورِ وركوبهِِ م متنَ عشواءِ العتوِّ والنفورِ وعدمِ اهتدائِهِم في مسلكِ المُحاجَّةِ إلى جهةٍ يتوهمُ فيها رشدٌ في الجملة، ﱡﭐﲾ (1) ينظر: تفسير الماتريدي7 :317.
عدد الصفحات ٤١للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 43 ﲿ ﳀﱠ الملك: 22: أي قائماً سالماً من الخبطِ والعثارِ ﱡﭐﳁ ﳂ ﳃ ﳄ ﱠ الملك: 22: مستوِي الأجزاءِ لا عِوَجَ فيهِ ولا انحرافَ (1) . فالمهتدي المصلي هو العارفُ بما له وعليه، السَّائر في طريقِه بلا عوج وانحرافٍ، والمتبصرُِّ بالحياة وحالها، والمطبقُ لمرادها ومقصدها، بخلاف المعرض عن الصَّلاة، فهو المتخبطُ الضَّائع التَّائه في ضلالات الدُّنيا، وانحرافات الهوى، الغارقُ في شهوات النفس ورغباتها. 5.تحقيق التَّوكل التام: والتوكل: هو تفويضُ المسلم أمره إليه تعالى، طالباً عرفانه وقربه، ورضاءه مُنقاداً لحكمِه من النَّفع والضرَّر والمحنةِ والضر، راضياً بقضائه وشاكراً لنعمائه، وصابراً لبلائه(2). ومعلوم أنَّ الأمورَ كلَّها بيد الله من خير ورزق وعلم ونفع، ونحن مطالبون بالاعتماد عليه، والصَّلاة هي المعينُ الأكبر في تحقيق هذا، بحيث ترتفع بالمرء بعدم قبول إلا الحقّ، وهو أن لا ترضى ولا تقنع بشيء دون الحق؛ لأنَّه مَن رضي من الدُّنيا بالدُّنيا فهو ملعونٌ، ومَن رضي من الزُّهد بالثَّناء فهو محجوبٌ، ومَن رضي من الحقِّ بشيء مما دون الح قِّ كائناً ما كان فهو طاغ، فالحذر الحذر عمَّ سوى الحق، قال تعالى: ﱡﭐ ﲣ ﲤ ﲥ (1) ينظر: تفسير أبي السعود9: 9. (2) ينظر: السراج ص80.
عدد الصفحات ٤٢44 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أثر الصلاة على الحياة ﲦ ﲧ ﲨ ﲩ ﲪﲫﱠ الأنعام: 162، فالسَّالك لا يرغب إ شيء سوى الله تعالى، ويطهر قلبه عن كلِّ شيء غير الله تعالى، ويزين جميع أركانه وجوارحه بحدود الله تعالى بأن يكون صادقاً في طلب الله تعالى(1). ويفيد التَّوكل الثقةُ باللهِ والاعتماد عليه بأن يرزقه ولو بسبب نحو الكسب بلا ثقة واعتماد على نفس الكسب(2)، قال تعاﱡﭐﳉ ﳊ ﳋ ﳌ ﳍ ﳎ ﳏ ﳐﳑﱠ آل عمران: 37، فانظر كيف ربط سبحانه ما بين الرزق وبين التقرب له. وعن عمر قال« :لو أنكم تتوكَّلون على ا حَقَّ توكله لرزقكم كما يرزق الطَّير تغدو خماصاً وتروح بطاناً »(3)، وهذا تأكيد آخر لكفالة الرزق، أننا مطالبون بالتوكل لا به، قال تعالى: ﱡﭐ ﲠ ﲡ ﲢ ﲣ ﲤﲥ ﲦ ﲧ ﲨﲩ ﲪ ﲫﲬ ﲭ ﲮ ﲯ ﱠ طه: 132: أي جاهد نفسك على فعلها وإتقانها وإحسانها وكثرتها ولا تضع وقتك وحياتك في البحث عن الرزق وتأمين المستقبل، فالله لم يخلقك لتتعب وتشقى في (1) ينظر: السراج ص65. (2) ينظر: السراج ص81. (3) في مسند أحمد 1 :323، وسنن الترمذي 4 :572، وقال: حسن صحيح، وسنن ابن ماجة2 :1394، وصحيح ابن حبان2 :509، ومسند أبي داود الطيال1 :55.
عدد الصفحات ٤٣للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 45 طلب رزقك فقد كفله لك حين تصطبر على الصلاة، فمتى رعيت هذه الصَّلاة وقمت بها كما يجب فإن رزقك مكفول (1) . فالمتوكل يستغني عن الاعتماد على غير الله تعالى من المخلوقات والدراهم والملك، قال تعالى: ﱡﭐ ﲗ ﲘ ﲙ ﲚ ﲛ ﲜﲝ ﲞ ﲟ ﲠ ﲡﱠ الطلاق: 3 (2)، فكم هذه من نعمة هنيئاً لمَن رزقها، وتعساً لمَن سلبها، وشكراً لله على صلاة بخشوع توصل إليها. 6.تربيةٌ متواصلة للنَّجاح في الحياة النجاح في الحياة بالقرب من الرَّحمن، والبُعد عن الشَّيطان، وترك هوى النَّفس ورغباتها، وبمقدار تعلُّقك بربِّك واستحضارُه في لحظاتِ حياتِك تحقِّق نجاحك وفلاحِك في دنياك وأُخراك، وبقدرِ بُعدك عن شيطانك وأوهام نفسك ونزواتها وشهواتها فشلُك وضلالُك وضياعُك وسقوطُك. قال الخادميُّ (3)« :الرَّاحةُ هو الخلاص من أماني النفس »أي هواها ورغباتها. وقال أيضاً (1)« :اللِّذةُ والرَّاحةُ ليس إلاّ بالعبادة والذِكر » (1) ينظر: الصلاة سر النجاح ص10. (2) ينظر: أيها الولد 63. (3) في السراج ص56.
عدد الصفحات ٤٤46 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أثر الصلاة على الحياة وما الصلاة إلا مناجاة للخالق فيها إعدادٌ مستمرٌ للنجاح في حياته والسَّ عادة بها، فهي أشبه ما يكون بدوراتٍ متعاقبة، وتربيةٍ متواصلة على مدار اليوم من أجل استعدادٍ أكبر للمسلم للتفوُّق في حياته؛ لما تشتمل عليه من الأوصاف العديدة المهيئة للإنسان في النجاح. فالفوز والنجاح والسعادة في الدنيا والآخرة للخاشعين في صلاتهم(2)، قال الله تعا ﱡﭐﱁ ﱂ ﱃ ﱄ ﱅ ﱆ ﱇ ﱈ ﱉ ﱊ ﱠ المؤمنون: 1-2، فالفلاح: الفوزُ بالمرام والنَّجاةُ من المكروه: أي فازوا بكلِّ خيرٍ ونجوا من كلِّ ضيرٍ حسبما كان ذلك مُتوقعاً من حالهِم فإنَّ إيمانهَم وما تفرَّعَ عليه من أعمالهِم الصَّالحةِ من دواعي الفّلاحِ بموجب الوعدِ الكريمِ (3). 7.تقوية للمسلم على شيطانه للمؤمن عدوان، وهما: الشَّيطان والنَّفس، إن انتصر عليهما سَعِد ونَجَح، وإن انتصرا عليه خاب وخسر، ولا بُدّ له من معينٍ عظيم عليهما، ولا معين له عليهما إلا الله تعالى، وأقوى صلة له بربِّه سبحانه هي (1) في السراج ص57. (2) ينظر: الخشوع للقحطاني ص20. (3) ينظر: تفسير أبي السعود6 :123.
عدد الصفحات ٤٥للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 47 الصَّلاة، فهي المناجاةُ مع الله والالتجاء والتوكُّل عليه، قال سهل التستري: «من خشع قلبه لم يقرب منه الشيطان»(1.) قال ابن الجوزي (2)« :اعلم أنَّ الآدميَّ لما خُلِق رُكِب فيه الهوى والشهوة؛ ليجتلب بذلك مَا ينفعه، ووضع فيه الغضب ليدفع به مَا يؤذيه، وأُعطى العقل كالمؤدب يأمره بالعدل فيما يجتلب ويجتنب، وخُلِق الشَّيْطَان محرضا لَ هُ عَلىَ الإسراف فيِ اجتلابه واجتنابه، فالواجب عَلىَ العاقل أن يأخذ حذره من هَذَا العدو الذي قد أبان عداوته من زمن آدم عليه السلام، وَقَدْ بذل عمره ونفسه فيِ فساد أحوال بني آدم، وقد أمر اللهَّ تعالى بالحذر منه فقال تعالى: ﭐﱡ ﲾ ﲿ ﳀ ﳁﳂ ﳃ ﳄ ﳅ ﳆ ﳇﱠ البقرة: 168، وقال تعالى: ﱡﭐﲣ ﲤ ﲥ ﲦ ﲧﲨﱠ البقرة: 268، وقال تعا ﱡﭐ ﱚ ﱛ ﱜ ﱝ ﱞ ﱟ ﱠ ﱠ النساء: 60 وفي القرآن من هَذَا كث » فحين طُرد الشَّيطانُ من الجنّةِ أقسم بعِزّةِ اللهِ تعا ﱡﭐﳤ ﳥ ﳦ ﳧ ﳨ ﳩ ﳪ ﳫ ﳬ ﳭ ﱠ ص: 82 - 83، استثنى المخلصين؛ لأنَّه لا يقدر عليهم، وليس له عليهم سلطانٌ كما أَخبر الله (1) ذكره الثعالبي في تفسيره، 3 :64 وعزاه لسهل التستري أيضاً، ومثله الفيروزأبادي بصائر ذوي التمييز، 1 :722. (2) في تلبيس إبليس ص23.
عدد الصفحات ٤٦48 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أثر الصلاة على الحياة تعالى بذلك ﭐﱡﭐ ﲊ ﲋ ﲌ ﲍ ﲎ ﲏ ﱠ الحجر: 42، والصَّلاةُ القائمةُ تحُقِّقُ الإخلاصَ الذي يحفظُ ويحُصنُ العبدَ من الشَّيطان؛ لأنهّا تحُقِّق إخلاص العبوديّة لله رَبّ العالمين، إذ الصَّلاة حرزٌ وسياجٌ قويٌّ يحفظ ويحمي العبد من كيدِ الشَّ يطان، هذا هو التَّشخيص، وهذه هي المعادلةُ في هذه القضية (1) . وقد حذرنا الله تعالى من عدواة الشيطان، وأنَّه العدو الحقيقي لنا، فقال تعالى: ﱡﭐ ﱞ ﱟ ﱠ ﱡ ﱢ ﱣﱤ ﱠ فاطر: 6: قال الغزا(2) : «اعاداة للشَّيطان لا للمسلم لأيِّ غرض كان من رئاسةٍ وجاهٍ وغيرها»، فالتَّنبيه على عداوةِ الشَّيطانِ بيانٌ لخطرها وضرورةِ الترَّكيز عليها، والإعراضُ عن غيرها من العدواةِ المصطنعة في الدُّنيا مع المسلمين. 8.تقويةٌ للمسلم على نفسِهِ يجب أن يكون علمُ وعملُ المسلم لإرضاء الله تعالى وتهذيب أخلاقِهِ وكسرِ النَّفسِ الأَمارة (3)، قال تعالى: ﱡﭐ ﱂ ﱃ ﱄﱅ ﱆ ﱇ ﱈ ﱉ ﱊ ﱋ ﱌ ﱍﱎ ﱏ ﱐ ﱑ ﱒ ﱓ ﱠ يوسف: 53 :أي: ما عصم ربي؛ لأنَّ النَّفسَ جُبِلَت وطُبِعَت على الميلِ إلى الشَّهواتِ واللَّذاتِ والهوى (1) ينظر: الصة سر النجاح ص8. (2) في أيها الولد ص60. (3) ينظر: أيها الولد ص24.
عدد الصفحات ٤٧للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 49 فيها، والرَّغبةُ والتَّوقي عن المكروهاتِ والشَّدائد؛ ألا ترى أنَّه قال: ﱡﭐﲥ ﲦ ﲧ ﲨ ﲩ ﲪ ﲫ ﲬ ﲭ ﲮ ﲯ ﲰ ﲱ ﲲ ﲳ ﲴ ﲵ ﲶ ﲷ ﲸ ﲹ ﲺ ﲻ ﲼ ﲽ ﲾ ﲿ ﳀ ﱠ النازعات: 37 - 41: أثبت للنَّفس الهوى وإيثار الحياة الدُّنيا وشهواتها (1). فالكيّسُ مَن دان نفسه، وعَمِل لما بعد الموت، والأحمقُ مَن أتبع نفسَه هواها، وتمنَّى على الله المغفرة(2). قال العز بن عبد السلام (3)« :النُّفُوس مجبولة على طلب مَا يلائمها من شهواتها ولذاتها وَمن أعظم شهواتها التَّعْزِير والتَّوقير وَدفع مَا يؤلمها وجلب مَا يلذ لهََا » وقال الغزاليّ(4)« :اجعل الهمّة في الرُّوح، والهزيمة في النَّفس، والموت في البدن؛ لأن منزلك القبر»، وهذه الهمة للروح تحصل بكثرة القرب إ الله تعالى، والصلاة أكبر القرب في تحقيق ذلك، فتنكسر النفس وتبعد عن الشَّهوات، «فمع كل انتقال في الصلاة تعلن أن الله أكبر، وح (1) ينظر: تفسير الماتريدي6 :254. (2) ينظر: السراج ص23. (3) في مقاصد الرعاية1 :56. (4 في )أيها الولد ص33.
عدد الصفحات ٤٨50 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أثر الصلاة على الحياة تقولها وأنت مدرك لمعانيها فإن هذا التِّكرار لهذه الكلمة كفيلٌ بتعميق الإيمان في القلب وحفظه من كلِّ شرٍّ وطرد كل شيطان »(1) . وقال الخادمي (2)« :مخالفة النفس أساس ا لأمر بين العبد وبين الله تعالى، فلا تغفل عن الله تعالى بالاشتغال على حظّ النفس والاتباع على هواها»، والانشغال بالله بالإقبال على طاعته بالصلاة وغيرها، فكم يكون في الصلاة مخالفة للنفس من الاستيقاظ مبكراً، وحبسها في العبادة، وترك كسلها بتلبية أوامر الله تعالى؟. فالصلاة عامل رئيس في الإعانة على مخالفة عادات النفس وكشف عوارها وترك هواها، وبمقدار تحقيق هذا في حياة المسلم يكون نجاحه، قال القشيري: «أصل المجاهدة فطم النفس عن المؤلوفات وحملها ع خلاف هواها في عموم الأوقات»(3) . 9.التفكُّر والتَّدبُّر في ملكوتِ الس موات والأرض بقلوب صافية: يحيى الإنسان في عوالم من الخيالات والأوهام اكتسبها من لغطِ النَّاس وجهالاتهم وعاداتهم، وبمقدار هدايته من الله تعالى ترتفع عنه (1) ينظر: الصلاة سر النجاح ص35. (2 في )السراج ص80. (3) ينظرالسراج ص80.
عدد الصفحات ٤٩للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 51 هذه الظلمات بنور الله المبين، وتظهر له الأمور على حقيقتها، وتتكشف له أحوال الدنيا، وأقوى سبل هداية الله هو الصلاة بتمامها، قال الغزالي(1)« :والصَّلاةُ مفتاحُ القلوب فيها تنكشف أَسرار الكلمات، فهذا حقُّ القراءة، وهو حقُّ الأذكار والتَّسبيحات أيضاً » فمثلاً يصل إلى حقيقة الوجود، وهي أن كلَّ ما بين يد النَّاس نافذ وما عند الله باقي فعلينا العمل له، قال تعالى: ﱡﭐ ﱦ ﱧ ﱨﱠ النحل: 96، فيبذل كل محصول جهده وطاقته من الدنيا لوجه الله بإرضائه (2)، وعلى ذلك فقس. ومَن تأمَّل في هذا عَرَفَ سبب مطالبتنا بالخشوع في الصلاة، فعن ابن عباس قال«ركعتان مقتصدتان في تفكُّر، خير من قيام ليلة والقلب ساه»(3)، قال الغزاليّ (4)« :واعلم أنَّ تخليص الصلاة عن الآفات، وإخلاصها لوجه الله ، وأداءها بالشروط الباطنة التي ذكرناها من الخشوع والتعظيم والحياء سبب لحصول أنوار في القلب تكون تلك الأنوار مفاتيح علوم المكاشفة. (1) في إحياء علوم الدين1 :168. (2) ينظر أيها الولد ص57. (3) في الزهد والرقائق لابن المبارك ص97، والعظمة لأبي الشيخ ص301. (4) في إحياء علوم الدين1 :170.
عدد الصفحات ٥٠