المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

أثر الصلاة على الحياة

غير معروف

صفحة ٢ من ٦

20 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أثر الصلاة على الحياة عَبَّاس والحَسَن وقَتادة (1)، والواقعُ يُصدِّقُ هذا، فيولد المرءُ في صعوبةٍ وشدّةٍ عظيمةٍ تكاد أن تكون هي الأشدُّ على أمِّه، ويخرج من الدُّنيا بعناءٍ كبيرٍ، حتى اعتبر الله تعالى الموت مصيبة: ﱡﭐﲉ ﲊ ﲋﲌﱠ المائدة: 106، وأَخبر النبي في مرضموته عن شدّة الأمر فقال: « لا إله إلا الله، إنَّ للموت سكرات »(2). وبين الحياة والموت شدائد لا تُعدُّ ولا تحُصى من مرضِه ودراستِه وعملِهِ وعلاقاتِه، قال  :ﭧﭐﭨﭐﱡﭐﱐﱑﱒﱓﱔ ﱕﱖﱗﱘﱙﱚ ﱛ ﱜﱝﱠ البقرة: 155، ومَن لم ينتبه لهذه الحقيقة الكونيّة، ويظنّ أنَّ الدنيا دارُ راح ةٍ ودَعةٍ يجتمع له عنائها وعناءُ عدم صحّة فهمها والتَّعامل معها، فتزداد شدَّتهُا عليه، وبالتالي فلن يرى أهمية الصلاة وأثرها وحاجته لها في حياته. الثّانية: البلوى والاختبار: وهذا تأكيدٌ للحقيقة الأولى وتكملةٌ لها، فلم يكن وجدونا في الدُّنيا إلا للامتحان، فيعرف أهل الجنة من أهل النار؛ قال  :ﱡﭐ ﲣ ﲤﲥ ﲦ ﲧ ﲨ ﲩ ﲪ ﲫ ﲬ ﲭ ﲮﲯ ﲰ ﲱ ﲲ (1) تفسير الطبري24 :433. (2) في صحيح البخاري6 :13.

عدد الصفحات ١٩

للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 21 ﲳ ﲴ ﲵ ﲶ ﲷ ﲸ ﲹ ﲺ ﲻ ﲼﲽﱠ البقرة: 214، وقال  :«إنَّ العبد إذا سبقت له من اللهِ منزلةٌ، لم يبلغها بعملِه ابتلاه الله في جسده، أو في ماله، أو في ولده»(1). قال الإمامُ المحاسبيّ (2)« :واعلمأنَّ الدُّنيا كلَّها كثيرها وقليلها حلوها ومرها، وأوَّلها وآخرها، وكلُّ شيءٍ من أمرِها بلوى من الله تعالى للعبد واختبار... والقرآنُ يُقرِّر الابتلاء بالدنيا كلها »، ومنها قوله تعالى: ﭐﱡﭐ ﲊ ﲋ ﲌ ﲍﲎ ﲏ ﲐ ﲑ ﲒ ﲓﲔ ﲕ ﲖ ﲗ ﲘ ﲙ ﲚﱠﭐالأعراف: 168. وقوله تعا ﱡﭐ ﲐ ﲑ ﲒ ﲓ ﲔ ﲕ ﲖ ﲗ ﲘ ﲙ ﲚﲛ ﲜ ﲝﲞﱠ المائدة: 48 . وقوله تعا ﱡﭐﳗ ﳘ ﳙ ﳚ ﳛ ﳜ ﳝ ﳞ ﳟ ﳠ ﳡﳢ ﳣ ﳤﳥ ﳦ ﳧﳨ ﳩ ﳪ ﳫ ﳬﳭﱠ الأنعام: 165. وقوله تعاﭐﭐﭐﱡﭐﱋ ﱌ ﱍ ﱎ ﱏ ﱐ ﱑ ﱒﱓ ﱔ ﱕ ﱖﱗﱠ الملك: 2. (1) في سنن أبي داود3 :183، والمعجم الكب22 :318، وغيرها (2) في آداب النفوس ص71.

عدد الصفحات ٢٠

22 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أثر الصلاة على الحياة فهنالك آيات عديدةٌ تؤكِّدُ أننا لم نوجد في الدُّنيا إلا للامتحان والاختبار؛ ليتميَّز الخب يثُ من الطَّيب، والصَّالح من الطَّالح، والمحسنُ من المسيء، فيظهر المستحقُّ للجنة والمستحقّ للنار، قال تعالى : ﱡﭐﱿ ﲀ ﲁ ﲂ ﲃ ﲄ ﲅﲆﲇ ﲈﲉﲊ ﲋ ﲌﲍﲎﲏﲐﲑﲒﱠ الأنفال: 37، وقال تعاﱡﭐﱐ ﱑ ﱒ ﱓ ﱔ ﱕ ﱖ ﱗ ﱘ ﱠ محمد: 31. فمن هنا نعلم علم اليقين أنّ كلَّ أُمور حياتنا صغيرها وكبيرها، وكلَّ ما يجري معنا في ليلنا ونهارنا من خيرٍ وشرٍّ إنّما هو ابتلاءٌ من اللهِ تعالى واختبار لنا، فليس شرُّه بمقصودٍ وليس خيره بمرادٍ، وإنَّما العبرةُ بما وراء شرّه وخيره من الصَّبر والشُّكر، حتى تصفو نفوسنا وتطهر أرواحنا، فعن أبي هريرة ، قال« :ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسِهِ وولدِه ومالِهِ حتى يلقى الله وما عليه خطيئة »(1) . ونجاحنا في الامتحان يحتاج إلى الإعانة من الله تعالى، وطريق الوصول لها بالعبادة له سبحانه، والصلاة تكفل لنا هذا. (1) في سنن الترمذي4 :602، وقال: حسن صحيح، وصحيح ابن حبان7 :126، وغيرها

عدد الصفحات ٢١

للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 23 الثالثة: ضعفُ الإنسان وهذا ما يُقرِّره الشارع الحكيم في قوله: ﭐﱡﭐ ﱏ ﱐ ﱑ ﱒ ﱓﱔ ﱕ ﱖ ﱗﱘﱠ النساء: 28: أيعاجزاً عن مخالفةِ هواه غيرَ قادرٍ على مقابلة دواعيه وقواه، حيث لا يصبرُِ عن اتّباع الشَّهواتِ، ولا يستخدم قواه في مشاقِّ الطاعاتِ، وعن الحَسَن البصري: أن المرادَ ضَعفُ الخِلْقةِ (1). هذا الضَّعف الذي جعل الن اس ينغمسون في شهواتهم وملذَّاتهم، وقدراتُ كلٍّ منهم الجسميّة محدودةٌ، فيحتاج لغيره في تأمين حاجياته والاستعانةِ على أمورِ حياته، فلا يَستغني واحد بنفسه عن غيره، ولا يدَّعي القدرة المطلقة في كلِّ شيء. ويشعر دائماً أنّه بحاجةٍ أن يلجأ إلى قويٍّ يعينُه ويعتمدُ عليه حتى يجبر هذا الضَّعف الخلقي والنَّفسي والرُّوحي، ويتحقَّق هذا بتعلقّ المسلم بربِّه تعالى، الذي يُلبي هذه الرَّغبة، ويُوفر له الأمان والطَّمأنينة والثِّقة بمعيَّته الدَّائمة معه، قال تعالى: ﱡﱞ ﱟ ﱠ ﱡ ﱢﱣ ﱤ ﱥ ﱦ ﱧ ﱨ ﱠ الحديد: 4، فيعين المحتاج والمضطرّ، ويَرفع ما يحَيق بالعبد، قال تعالى: ﭐﱡﭐ ﲧ ﲨ ﲩ ﲪ ﲫ ﲬ ﲭﱠ النمل: 62 ، بل الأمر كله بيد الله تعالى: ﭐﱡﭐ ﱁ ﱂ ﱃ ﱄ ﱅ ﱆ ﱇ ﱈ ﱉﱊ ﱋ (1) ينظر: تفسير أبي السعود2 :169.

عدد الصفحات ٢٢

24 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أثر الصلاة على الحياة ﱌ ﱍ ﱎ ﱏ ﱐﱑ ﱒ ﱓ ﱔ ﱕ ﱖ ﱗﱘ ﱙ ﱚ ﱛ ﱜﱠ يونس: 107، فمَن علم هذا وطبَّقه خرج من ضعفٍ إلى قوَّةٍ، فقويت نفسُه وازادة ثقةً واطمأن في حياته. وهذا يوصلنا إلى النُّقطة التي بعدها من إعانة الله تعالى للإنسان بالدَّين على الحياة. الرَّابعة: عونُ الدَّين للمسلم في الحياة: وهذا موضوعٌ واسعٌ جداً وليس محلاًّ لبحثنا حتى نستوفي جوانبه، وإنَّما يهمنا الإشارة والتذكير به هاهنا فحسب، فالدينُ يصحِّح نظرة الإنسان للحياة، فيبينّ له حقيقتها، وكيفية التَّعامل معها، والهدف منها، ويكشف اللثام عن نفسه، ويُبينِّ له أمراضها وعلاجها، ويُعطيه الإرشادات المناسبة لكلِّ أفعاله وأحواله وحاجياته، حتى كان الحكم الشرَّعي أشبه بنصيحةٍ يُقدِّمها الله تعالى لعبادِه في كافّة مناحي ح ياتهم بما يحقِّق لهم السَّعادة في ا لدُّنيا والآخرة، قال تعالى: ﱡﭐﲸ ﲹ ﲺ ﲻ ﲼ ﲽ ﲾ ﲿ ﳀ ﳁ ﳂ ﳃ ﳄﱠ الملك: 22. ويجعل الدين ا لطريق لحلّ مصائب الدُّنيا بالصَّبر والشّكر، يقول المحاسبي(1)« :وبلواها وإن كثُرت وتشعَّبت واختلفت، فهو مجموعٌ كلُّه (1) في آداب النفوس ص71.

عدد الصفحات ٢٣

للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 25 في خلتين في الشُّكر والص بر، فإمَّا أن يشكرَ على نعمة أو يصبر على مصيبة»، قال تعا ﱡﭐﱞﱟﱠﱡ ﱢ ﱣ ﱤ ﱥ ﱦ ﱧ ﱨﱠ البقرة: 156،فعن صهيب ، قال « :عجباً لأمر المؤمن، إن أمرَه كلَّه خير، وليس ذاك لأحدٍ إلاّ للمؤمن، إن أصابته سراءٌ شَكَر، فكان خيراً له، وإن أصابته ضراءٌ، صَبرَ فكان خيراً له»(1)، وعن عائشة رضي الله عنها، قال « :ما يصيب المؤمن من شوكةٍ فما فوقها إلاّ رفعه الله بها درجة، أو حطّ عنه بها خطيئة »(2)، وعن أبي هريرة قال« :من يرد الله به خيراً يصب منه»(3). الخامسة: سعادة الدنيا بالرضا والقناعة إن العقول تحار في حقيقةِ السَّ عادة، وهي المعبرَُّ عنها في القرآن بالحياة الطيبة، قال الله تعالى: ﱡﭐﱷﱸﱹ ﱺﱻ ﱼ ﱽﱾ ﱿﲀﲁﲂﲃﱠ النحل: 97، قال بعض السَّلف: الحياة الطيبة: هي الرِّضا والقناعة. وقال عبد الواحد بن زيد: الرِّضا باب الله الأعظم وجنةُ الدُّنيا ومستراح العابدين، وأهل الرّضا تارةً يلاحظ ون حكمة المبتلي وخيرته (1) في صحيح مسلم4 :2295، وغيرها (2) في صحيح مسلم4 :1991، وموطأ مالك5 :1375، وغيرها (3) في صحيح البخاري7 :115.

عدد الصفحات ٢٤

26 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أثر الصلاة على الحياة لعبده في البلاء، وأنَّه غيرُ متهم في قضائِهِ وتارةً يلاحظون ثوابَ الرِّضا بالقضاء، فينسيهم ألم المقضي به، وتارةً يلاحظون عظمةَ المبتلي وجلاله وكماله، فيستغرقون في مشاهدةِ ذلك حتى لا يشعرون بالألم، وهذا يصل إليه خواصُّ أهل المعرفة والم حبّة حتى رُبَّما تلذذوا بما أصابهم؛ لملاحظتهم صدوره عن حبيبهم، وسُئِل بعضُ التَّابعين عن حاله في مرضه فقال: أَحبُّه إليه أحبُّ إليَّ، وسُئِل سري : هل يجد المحبُّ ألم البلاء فقال: لا (1) . وقال ابن أبي رواد: ليس الشأن في أكل الشَّعير ولبس الصُّوف، ولكن في الرَّضا عن الله تعالى. وقال ميمون بن مهران: مَن لم يرض بالقضاء فليس لحمقه دواء. وقال رجل لابن كرام: أوصني، فقال: اجتهد في رضا خالقك بقدر ما تجتهد في رضا نفسك(2) . قال المنبجي(3)« :إنَّ الرضا بالمصائب أشقُّ على النُّفوس من الصَّبر، والصَّبرُ من أشقِّ الأشياء على النُّفوس، فعن أنس  قال« :عظم (1) ينظرجامع العلوم الحكم1 :195. (2) ينظر: فيض القدير6 :137. (3) في تسلية أهل المصائب ص152.

عدد الصفحات ٢٥

للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 27 الجزاء مع عظم البلاء، وإن اللهَ إذا أحبّ قوماً ابتلاهم، فمَن رضي فله الرِّضا، ومَن سَخِط فله السَّخط »(1) . فالعبد قد يصبر على المصيبة ولا يرضى بها، فالرَّضا أعلى من مقام الصَّبر، لكن الصَّبر اتفقوا على وجوبه، والرِّضا ا ختلفوا في وجوبه، والشُّكر أعلى من مقام الرَّضا، فإنّه يشهد المصيبة نعمةً، فيشكر المبلي عليها. قال عمرُ بنُ عبد العزيز : أمَّا الرضا، فمنزلةٌ عزيزةٌ أو منيعةٌ، ولكن قد جعل الله في الصَّ بر معولاً حسناً » والرِّضا والقناعة تتحصَّل بمعرفة الله تعالى، والمعرفة هي الموصلة إلى جنّة الدُّنيا، فمَن لم يدخلها لم يدخل جَنَّة الآخرة، قال يحيى بن معاذ الرَّازيّ: «في الدُّنيا جنة من دخلها لم يشتق إلى شيء ولم يستوحش، قيل وما هي؟ قال: معرفة الله تعالى»(2) . وهذه المعرفة لله تعالى لها أسبابٌ عديدةٌ من صلاةٍ وذكرِ لله تعا وتربيةٍ للنفس وثقةٍ بالله ويقينٍ، قال بعضُ العارفين: «في الدُّنيا جنةٌ هي كالجنّةِ في الآخرة، فمَن دخلها دخل تلك الجنَّة يريد مجالس ذكر الله تعالى لما يدركون فيها من سرور القلب وفرحه بذكر الرَّبِّ وابتهاجه وانشراحه (1) في سنن ابن ماجة 2 :1338، وسنن الترمذي4 :601، وحسنه (2) ينظر: قوت القلوب1 :262.

عدد الصفحات ٢٦

28 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أثر الصلاة على الحياة ونوره، حتى قال بعض مَن ذاق: هاتيك اللِّ ذَّة: لو عَلِم الملوك بعض ما نحن فيه من النَّعيم لجَلدونا عليه بالسُّيوف، وقال آخر: إنّه ليمرّ بالقلبِ أوقاتٌ إن كان أهل الجنّة في مثلها إنهّم لفي عيش طيب »(1)، فإن كان مجلس الذِّكر يفعل هذا، فالصَّلاة الخاشعة من باب أولى. وقال الغزاليُّ: الرَّضى بما قسم الله لكلِّ امرئ من نصيبه في الدُّنيا مدعاةٌ لترك الذَّم والغيبة والحسد في المال والجاه والعلم، قال تعالى: {نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فيِ الحَْيَاةِ الدُّنْيَا } الزخرف32 (2). السَّادسُة النَّفس الأمارة: مما ينبغي تقريره والتَّذكير به حال نفوس عامّة البشر، التي هي من صنفِ النَّفس الأمارة بالسُّوء، ومَثَّل الغزاليُّ (3) لحال المؤمن مع نفسِهِ فقال: «بدنُه كمدينةٍ، وعقلُه كملك مُدبّر لها، وقواه المدركة من الحواس الظَّاهرة والباطنة كجنوده وأعوانه، وأعضاؤه كرعيته، والنَّفسُ الأمارة بالسوء التي هي ا لشهوة والغضب، كعدوّ ينازع في مملكته، ويسعى في إهلاك رعيته، فصار بدنه كرباط وثغر، ونفسه كمقيم فيه مرابط، فإن جاهد عدوّه وأسره وقهره على ما يجب، حمد أثره إذا عاد إلى حضرته (1) ينظر: فيض القدير1 :442. (2 )ينظر: أيها الولد ص59. (3) في ميزان العمل ص239.

عدد الصفحات ٢٧

للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 29 تعالى، وإن ضيّع ثغره وأهل رعيته، ذمّ أثره وانتقم منه عند لقاء ا تعالى...»، فعن أ هريرة  قال« :ليس الشديد بالصرَّعة، إنّ الشَّديد الذي يملك نفسَه عند الغضب »(1) . قال القشيري (2)« :اعلم أنَّ مخالفة النَّفس رأس العبادة، وقد سئل المشايخ عن الإسلام؟ فقالوا: ذبح النَّفس بسيوف المخالفة. واعلم أنَّ مَن نجمت طوارق نفسه أفلت شوارق أُنسه، و قال ذو النون المصري : : مفاتح العبادة الفكرة، وعلامةُ الإصابة مخالفة النفس والهوى، ومخالفتها ترك شهواتهما. وقال ابنُ عطاء: النَّفسُ مجبولةٌ على سوء الأدب، والعبد مأمور بملازمة الأدب، فالنَّفس تجري بطبعها في ميدان المخالفة، والعبد يردُّها بجهدِه عن سوء المط البة، فمَن أطلق عنانها فهو شركيها معها في فسادها. وقال الجنيدُ :: النَّفسُ الأمارة بالسُّوء هي الدَّاعيةُ إلى المهالك المعينة للأعداء المتبعة للهوى المتهمة بأصناف الأسواء. وقال أبو حفص: مَن لم يتهم نفسه على دوام الأوقات ولم يخالفها في جميع الأحوال ولم يجرها إلى مكروهها في سائر أيَّامه كان مغروراً، ومَن نظر إليها باستحسان شيءٍ منها فقد أهلكها، وكيف يصحُّ لعاقل الرَّضا (1) في صحيح البخاري8 :28، وصحيح مسلم4 :2014. (2) في القشيرية ص283.

عدد الصفحات ٢٨

30 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أثر الصلاة على الحياة عن نفسِهِ والكريمُ بنُ الكريمِ بنِ الكريمِ ابنِ الكريمِ يوسفُ بنُ يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل عليه السلام يقول: ﱡﭐﱂ ﱃ ﱄﱅ ﱆ ﱇ ﱈ ﱉ ﱠ يوسف: 53.» وقسم علماء الترَّبية والتَّصوف بعد النَّظر والتَّأمل والتَّدبُّر في كتابِ اللهِ تعالى صفات النَّفس إلى ثلاثة: 1.النَّفسُ المطمئنةُ وتكون إذا سكنت تحت الأمر وزايلها الاضطراب بسبب معارضة الشهوات، قال تعالى: ﱡﭐﱜﱝ ﱞﱟ ﱠ ﱡ ﱢ ﱣ ﱤﱥﱠ الفجر: 27 - 28، قال الحسن البصري :: «المؤمن قوام على نفسه، يحاسب نفسه لله، وإنّما خَف الحساب يوم القيامة على قوم حاسبوا أنفسهم فى الدُّنيا، وإنَّما شَقَّ الحساب يوم القيامة على قوم أخذوا هذا الأمر على غير محاسبة»(1). 2. النَّفسُ اللَّوامةُ وتكون إذا لم يتمّ سكونها، ولكنَّها ص ارت مدافعةً للنَّفس الشَّهوانية ومعترضةً عليها، وسُميت بذلك؛ لأنهَّا تلوم صاحبها عند تقصيره في عبادة مولاه، قال تعالى: ﱡﭐﱿ ﲀ ﲁ ﲂﲃﱠ القيامة: 2، قال الحسنُ «إن المؤمن لا تراه إلا يلوم نفسه (1) في السنن الكبرى للنسائي10 :406، والزهد والرقائق لابن المبارك ص103، ومصنف ابن أبي شيبة19 :371، وغيرها

عدد الصفحات ٢٩

للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 31 يقول: ما أردت بكلمتي، يقول: ما أردت بأكلتي، ما أردت بحديث نفسي، فلا تراه إلا يعاتبها، وإن الفاجر يمضي قدماً فلا يعاتب نفسه»(1). قال مالك بن دينار «رحم الله عبداً قال لنفسه: ألست صاحبة كذا؟ ألست صاحبة كذا؟ ثمّ ذمَّها، ثمّ خطمها، ثمّ ألزمها كتاب الله ، فكان لها قائداً »(2). 3.النَّفسُ الأمارةُ إن تركت الاعتراض وأذعنت وأطاعت لمقتضى الشَّهوات ودواعي الشيطان، قال تعالى: ﱡﭐﱂ ﱃ ﱄﱅ ﱆ ﱇ ﱈ ﱉ ﱠ يوسف: 53(3)، قال الغزا(4)« :واعلم أنَّ نفس المجاهدة تهذب نفسك حتى تصير ملكاً روحانيّاً، وبمتابعة الغفلة والشهوات تصير شيطاناً رجيماً، فجاهد النفس الأمارة بالسوء تمح صفات آفاتها حتى تصير لوّ امة، ثم انقل اللوامة إلى مقام المطمئنة» واعلم أنَّ للإنسان في مجاهدة الهوى ثلاثة أحوال الأولى: أن يغلبه الهوى، فيملكه ولا يستطيع له خلافاً، وهو حال أكثر الخلق، وهو الذي قال الله تعالى فيه: ﱡﭐﱁﱂ ﱃ ﱄ ﱅﱠ (1) في الزهد لأحمد ص228. (2) في محاسبة النفوس لابن أبي الدنيا ص26، واعتلال القلوب ص28، وتاريخ دمشق56 : 420، وغيرها (3) ينظر: الإحياء3 :4. (4) في رسائل الغزاليّ1 :498.

عدد الصفحات ٣٠

32 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أثر الصلاة على الحياة الجاثية: 23؛ إذ لا معنى للإله إلا المعبود، والمعبو د هو المتبوع إشارته، فمَن كان تردُّده في جميع أطواره خلف أغراضه البدنيّة وأوطاره، فقد اتخذ إلهه هواه(1). والخلق ينقادون ويطيعون أهواءهم، ويبادرون مرادات أنفسهم، والحقّ مخالفتها، بالتشمير والاستعداد لمجاهدتها وعدم اتباع هواها حتى ترتاض لطاعة الله وتنقاد. وا لهوى: ميل النفس إلى مقتضيات الطبع؛ ولهذا كان عادة أولياء الله تعالى مخالفة النَّفس في جميع ما تشتهي حتى في نحو المباحات، قال ابن عطاء: النفس لا تألف الحقّ أبداً، وقال سهل: ما عبد الله بشيء مثل مخالفة النفس(2). الثّانية: أن يكون الحرب بينهم سجالاً، تارةً ا اليد وتارةً عليها اليد، فهذا الرَّجلُ من المجاهدين، فإن اخترمته المنية في هذه الحالة، فهو من الشهداء...، وهذه الرتبة العُليا للخلق، سوى الأنبياء والأولياء. الثالثة: أن يغلب هواه، فيصير مستولياً عليه لا يقهره بحال من الأحوال، وهذا هو الملك الكبير، والنَّ عيم الحاضر، والحريّة التّامّة، والخلاص عن الرّقّ (3)، كما حال الأنبياء والأولياء، فعن ابن مسعود (1) ينظر: ميزان العمل ص240، والذريعة إلى مكارم الشريعة ص91. (2) ينظر: السراج ص56-57. (3) ينظر: ميزان العمل ص240، والذريعة إلى مكارم الشريعة ص91.

عدد الصفحات ٣١

للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 33 قال« :ما منكم من أحد، إلا وقد وكل به قرينه من الجن، قالوا وإياك؟ يا رسول الله قال: وإياي، إلا أن الله أعانني عليه فأسلم، فلا يأمرني إلا بخير »(1)، وعن أبي هر يرة  قال في حقِّ عمر « :ما سلك عمر فجاً، إلا وسلك الشيطان فجاً غيره»(2). فلا ينبغي للمسلم أن يدخر جهداً في تربية نفسه وكسر هواها وامتثال رضى الله تعالى، وسبيل ذلك التزام الشرع وتكاليفه. * * * (1) في صحيح مسلم4 :2167، وصحيح البخاري8 :66، وغيرهما (2) في مسند البزار 16 :49، وفضائل الصحابة لأحمد 1 :320، والشريعة للآجري 4 : 1909، وتاريخ ابن عساكر44 :81، وغيرها

عدد الصفحات ٣٢

34 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أثر الصلاة على الحياة

عدد الصفحات ٣٣

للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 35 المبحث الثا آثار الصَّ لاة على حياة المسلم من خلال المبحث السابق لاحظنا مقدار الحاجة الكبيرة لدى المسلم للعبادات وعلى رأسها الصلاة؛ ليفهم الدُّنيا وسنتها، وطريقة التعامل معها، والصبر عليها، والتقوي بالله تعالى على شدائدها، والاستعانة بالله تعالى على مصائها، والحذر كل الحذر من نفسه الأمارة بالسوء، والآن أوان عرض بعض الآثار المترتبة على الصلاة في إصلاح حياة صاحبها. 1.ترك كافة الفواحش وجميع المنكرات: وهذا صريحٌ في القرآنِ الكريم: ﱡﭐﲲ ﲳ ﲴﲵ ﲶ ﲷﲸﱠ العنكبوت: 45، والفحشاء: الفعلة القبيحة كالزنا مثلاً، والمنكر هو ما يُنكره الشرَّع والعقل (1). (1) ينظر: تفسير النسفي2 :678.

عدد الصفحات ٣٤