المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

رسالة في حكم الموسيقى

أنس خطاب

صفحة ٢ من ٣

- 13 - 1- بالتصريح بأنها من المحرمات وأ نها من الأمور التى سيقع عليها الاستحلال من الأمة، كما هو مفهوم من حديث البخاري يكن فى أمته حال حياته صلى الله عليه وسلم، وإنما هذا إخبار عن غيب، على الرغم من أن المعازف كانت موجودة ومدونة عند العرب، وبدلي ل أن النبي صلى الله عليه وسلم أدخل أصبعيه فى أذنيه لما سمع زمارة الراعى .. وقوله الأقوام، ومعلوم أن لفظ " يستحل " تفيد استباحة ما هو محرم 1 .. وقولهر وهي من الكبائر، ويتلهى به .. والواو فى الحديث واو عطف .. والتقدير يستحلون الحِرَ ويستحلون الحرير ويستحلون الخمر ويستحلون المعازف، فلفظ الاستحلال واقع ع لى كل واحدة من هذه الأمور على وجه الاستقلال .. وقد أنكر بعض المتفيقهين حجية الحديث على حرمة المعازف والموسيقى ! وحجتهم في ذلك أن هذه الأمور الثلاثة " الحر والحرير والخمر " قد حرمت كل منها منفردة فى نصوص خاصة بها، وأما المعازف فلم تحرم إلا مقترنة بهم .. وهذه الشبهة تسقط عند التحقيق، إذ أن اشتراط اجتماع المعازف مع تلك المنكرات حتى تكون محرمة هو من باب إدخال العقل والهوى وتحكيمه على النص الشرعى المطلق، وهو من اشتراط ما لم يشترطه الشرع .. ورسول الله صلى الله عليه وسلم وإن قرنهم معاً فى الحديث، إلا أنه لم يشترط اجتماعهم حتى يتحقق التحريم، ولو كان الأمر كذلك لنص عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم صراحة .. 1 وسائل الترفيه، ص33، بتصرف .

عدد الصفحات ١٨

- 10 - واشتراط ما لم يشترطه رسول الله صلى الله عليه وسلم هو من الخوض فى دين الله تعالى بغ علم، وقد أوضحنا حرمة ذلك فى مقدمات البحث .. ومعلوم عند فقهاء الأصول أن كل شرط لم يرد فى كتاب الله أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم فهو شرط باطل غير معتبر، لأنه من القول على الله تعالى بغير علم .. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بال أقوام يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله، من اشترط شرطاً ليس في كتاب الله فليس له، وإن اشترط مائة شرط 1 .. ورسول الله صلى الله عليه وسلم قرن المعازف مع هذه المحرمات فى الحديث ليبين أن المعازف من جملة الأمور التى سيقع عليها الاستحلال، وليس كما زعموا أن المعازف لا تكون محرمة إلا إذا اقترنت بهذه المحرمات، فهذا ما لا دليل عليه مطلقاً فى الحديث .. ولو ك ان قولهم صحيحاً للزم من ذلك ألا يحرم الزنا إلا إذا اقترن بالخمر ولبس الحرير والمعازف، وكذا الحرير لا يحرم إلا مع هذه المذكورات، وكذا الخمر، لأن لفظ الحديث يفيد اقتران جميعها إذا كان هذا الاقتران هو السبب فى التحريم كما يزعمون، فاللازم باطل فعليه يبطل الملز وم2 .. هذا فضلاً عن أن هناك أحاديث أخرى تحرم المعازف دون ذكر الزنا والخمر والحرير، وقد ذكرناها سابقاً .. ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم نغمة مزمار شيطان ولعب 3 .. ووجة الدلالة فى الحديث أنه صلى الله عليه وسلم ق ال الأصوليين أن النهى يقتضى التحريم .. كما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر مزامير الشيطان ولم يقرنها مع الزنا والخمر والحرير .. 1 رواه البخاري ، حديث رقم ( 2032 .) 2 المصدر السابق، ص31، بتصرف 3 سبقريجه .

عدد الصفحات ١٩

- 12 - وغير ذلك من الأحاديث التي أوردناها والتي تنص على تحريم المعازف دون أن تقرن معها الزنا والحر ير والخمر .. ألا تُعد هذه الأحاديث أدلة صريحة على تحريم المعازف منفردة !! ودعواهم أن تحريم المعازف لا يتحقق إلا عند اقترانها بباقى المحرمات التى ورد ذكرها فى الحديث، هذا الفهم يلزم منه أنه فى مثل قوله تعا يحض على طعام المسك1، أنه لا يحرم عدم الإيمان إلا عند اقترانه بعدم الحض على طعام المسكين، أو أنه لا يحرم عدم الحض على طعام المسكين إلا إذا اقترن مع عدم الإيمان، فإذا بطل هذا بطل ذاك ولا اختلاف 2 .. ثم ماذا يقول هؤلاء المتفيقهين إذا اجتمع ثلاثة من المحرمات المذكورة في الحديث دون الرابع ! كأن يجتمع الزنا مع الخمر والمعازف، دون وجود الحرير .. هل يعتبرو ن المعازف جائزة في تلك الحالة ! أو يجتمع الزنا مع الحرير والمعارف .. أو الخمر مع الحرير والمعازف . . هل المعازف جائزة عندهم حينها ! يعلم الله لو كان الأمر كذلك لكان باباً واسعاً للتحايل على محرمات دين الله عزوجل، ولكان ذلك من العبث ! فما أسهل أن يجتمع القوم على الزنا وشرب الخمر وسماع المعازف والغناء، ويمتنعوا عن لبس الحرير، ولا إثم عليهم حينها في سماع المعازف حسب فق ه أولئك المتعالمين المتفيقهين ! وهكذا في جميع المحرمات، حتى يصبح دين الله عزوجل ألعوبة بأيدي الناس ! وسبحان الله .. ما أصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم .. لقد أخبرنا أن هناك أقواماً في أمته سيستحلون جملة أمور من بينها المعازف .. وقد كان !! وها نحن اليوم نرى أناساً يستحلون المعازف ويجادلوننا في ذلك ! ونحن نقول لهم أنتم من ذكركم رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث .. 1 الحاقة33 - 31. 2 وسائل الترفيه، ص31،بتصرف.

عدد الصفحات ٢٠

- 15 - فقد أخبرنا أن هناك أقواماً سيستحلون المعازف، وهاأنتم تستحلونها، فأنتم من بشرنا بكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في ا لحديث، فهنئياً لكم ذلك المقام .. وليعلم هؤلاء القوم أن استحلالهم للمعازف هو في ذات ه دليل على حرمة تلك المعازف كما في الحديث ! لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال 2- باعتبارها - أى المعازف - سبباً فى الخسف والمسخ والزلزلة كما ورد صريحاً في الأحاديث التى ذكرت المعازف ضمن جملة رذائل ومعاصى هي السبب فى ال عذاب، منها إذا ظهرت المعازف و القينات ] فهذه النصوص وغيرها تفيد أن المعازف من المعاصى وأسباب الهلاك والعذاب، وما كان كذلك لا يخُتلف فى تحريمه كما هو مقرر فى المذاهب الأربعة .. 3 - بالنهى الصريح عنها فى بعض الأحاديث .. فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : [1 .. وقد جاء عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال عند نغمة مزمار شيطان ولعب أذنيه حتى انقطع الصوت ثم قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وسمع صوت زمارة راع فصنع مثل هذا، فهذه النصوص فيها تصريح بالمنع ونص على التحريم .. * * * ثانياً : القول بحرمة المعازف والمنع من استماعها هو ما ذهب إليه جمهور الفقهاء وكل أئمة المذاهب الأربعة، وذلك أخذاً بهذه الأحاديث، بل واعتبروا آلات اللهو من المنافع غير الشرعية، أي أنها منافع ملغاة كالعدم، ومن ثم لا يجوز إجارة آلات اللهو ولا بيعها ولا هبتها، وذلك لقوله صلى الله عليه وسلمإن الله إذا حرم على قوم شيئاً حرم عليهم ثمنه ]2 .. 1 رواه البخاري برقم 0222 )، ومسلم برقم 131 /1330 )، ولفظه فاجتنبوه. 2 رواه الإمام أحمد في مسنده برقم2531 .)

عدد الصفحات ٢١

- 21 - وقد ذهب الأحناف إلى إجازة الدخول على من ت سمع من داره دون إذنه، وجاء فى نصوص الإمام أحمد الأمر بكسرها متى رآها مكشوفة وأمكنه كسرها، وكما يقول ابن الصلاح رحمه الله أن القول بتحريم سماع المعازف هو قول كل من يعتد به فى الإجماع .. ومذهب الجمهور هذا يحكم على جميع المعازف باستثناء ما ورد فى الشرع استثنا ؤه كالدف والطبل سواء كان لحرب أو للتنشيط على الحج كما أباحه الغزالى رحمه الله .. وقد انعقد إجماع العلماء قديماً على تحريم استعمال آلات اللهو والمعازف .. حكى هذا الإجماع القرطبي وابن رجب وابن الصلاح وابن حجر الهيتمي وغيرهم .. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحم ه الله : ( فمن فعل هذه الملاهي على وجه الديانة والتقرب فلا ريب في ضلالته وجهالته. وأما إذا فعلها على وجه التمتع والتلعب فمذهب الأئمة الأربعة أن آلات اللهو كلها حرام، فقد ثبت في صحيح البخاري وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أنه سيكون من أمته من يستحل الحر والحرير، والخمر والمعازف، وذكر أنهم يمسخون قردة وخنازير. والمعازف هي الملاهي كما ذكر ذلك أهل اللغة، جمع معزفة وهي الآلة التي يعزف بها : أي يصوَّت بها، ولم يذكر أحد من اتباع الأئمة في آلات اللهو نزاعاً ) 1.. ولو ذهبنا نتتبع أقوال العلماء في تحريم المعازف لضاق بنا المقام وربما ملّ القارئ .. وأما ما نُقل عن بعض العلماء فى إباحة شئ من المعازف، فهو متعلق بالصور المستثناة كاستماع الدف فى العرس والعيد، وذلك بشروطها الشرعية التي سنذكرها لاحقاً .. أما غير ذلك كاستماع العود وإطلاق الإباحة على المعازف فهو مردود، إما لمعارضته الصريحة لما ثبت بالأدلة الصريحة وذهب إليه الجمهور، أو لأنه لم يرد مسنداً عمن نسب إليه القول بإباحة شئ من المعازف من الصحابة حتى يعلم حاله من الاتصال أو الانقطاع ومن الصدق أو الكذب .. * * * 1 مجموع الفتاوى 11 /203.

عدد الصفحات ٢٢

- 21 - ثالثاً النصوص الشرعية التى وردت بذكر المعازف جاءت فيها كلمة المعازف بهذا اللفظ العام المستغرق لجميع أفراده، وهذا وحده عند فقهاء الأصول يدل على أن المعازف كلها حرام ما لم يرد دليل يخصص هذا العموم .. ومتى ورد الدليل بالتخصيص وقع الاستثناء على الحالة المخصصة بقدرها .. أما من يستدلون ببعض الأحاديث الواردة فى الدف والطبل كحكم عام على جميع المعازف بالإباحة، فإنهم إما واهمون وإما مغرضون، فإنه لم يقل أحد من أهل العلم بأن اللفظ الخاص ينسخ اللفظ العام، ولا أن المقيد ينسخ المطلق، وهذا أمر بين لمن كان له مسكة من عقل أو أدنى معرفة بالدين ! والدف مما وقع عليه الاستثناء ولكنه شُرِطَ بحالة مخصوصة، وهي إعلان النكاح وإشاعة السرور فى العرس، وذلك لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر بإعلان النكاح وقال فصل ما بين الحلال والحرام الدف والصوت فى النكاح 1، فيكون الدف مخصوصاً فى هذه الحالة بإعلان النكاح فقط .. وكذلك إشاعة السرور فى العرس عندما تزف المرأة إلى زوجها، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك لعائشة2 .. وهذا أيضاً يحدد أن إباحة ذلك إنما تكون فى العرس وأن الضرب فى هذه الحالة خاص بالنساء دون الرجال .. فسؤال النبي صلى الله عليه وسلم كان لعائشة، وهذا يعنى أن ذلك مما تقوم به النساء .. ثم إن الرسول صلى الله عليه وسلم حدد أكثر فقال على أن الأمر مخصوص بالنساء، أو على الأصح بالجواري .. وقد ورد فى كل النصوص التى فيها إباحة الضر ب بالدف أن ذلك مخصوص بالجوارى، فلا يتوسع فيه للرجال لما فيه من التشبه المحرم شرعاً .. 1 رواه النسائي برقم 3335 )، وابنماجه برقم ( 1253 )، مع اختلاف يسير في اللفظ، والحديث حسن. 2 رواه الهيثمي في مجمع الزوائد، حديث رقم 1 /225 ).

عدد الصفحات ٢٣

- 22 - فإذا علم أن الدف وقع عليه استثناء , فان الإستثناء لا يُتوسع فيه عند العلماء، فلذا يكون ذلك مخصوصاً بالدف فلا يشمل غيره، كما يفعله البعض حيث يأخذون من هذه الأحاديث تعميم إباحة المعازف، بينما الأمر ليس كذلك .. والقول العادل هو أنه كما وردت إباحة الدف وهو مخصوص لأنه حدد شيئاً واحداً، فقد ورد المنع من المعازف ووصفها بالحرمة، حيث وصف فعلها بالاستحلال، وهذا عموم، فيفيد المنع من جميع المعازف، وتفيد النصوص الواردة فى الدف إباحة ال دف فقط، فلا يُتوسع فى ذلك إلى غيره من الآلات، وإنما يجب الاقتصار على ما ورد فى النص وقتاً وكيفية .. وقد أوضح ذلك الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى فى الفتح فقال : ( ولا يلزم فى إباحة الضرب بالدف فى العرس ونحوه إباحة غيره من الآلات كالعود ونحوه ) 1 .. وقال أيضاً : ( والأصل التنزه عن اللعب واللهو فيقتصر على ما ورد فيه النص وقتاً وكيفية تقليلاً لمخالفة الأصل والله أعلم )2 .. وهذا التحديد بالوقت والكيفية يفيد أن الدف يقع عليه حكم المعازف الأخرى إذا كان لمجرد اللهو واللعب وليس لارتباطه بمعنى من المعانى المتقدمة 3، وذلك لأن ما جاز لسبب أو شرط بطل بزواله .. قد يتوسع البعض فيقول : إن الشرع يحث على إدخال السرور على النفوس، وأنه إنما أباح الدف فى النكاح واللهو فى الزفاف لما فيه من السرور، فيقاس على ذلك أن إدخال السرور على النفس من مراد الشارع، ويقولون إن المعازف مما يدخل ا لسرور على النفس4 ! والحقيقة أن حديثهم عن الترفيه عن النفس هو حديث لا قيمة له، لسبي 1- أن القياس يستدعى الاتحاد في العلة، وإدخال السرور ليس بعلة، بل هو حكمة يصح القياس عليها، إذ لم تثبت بأي طريق من طرق استنباط العلة المعروفة في الأصول .. 1 فتح الباري 2 /201. 2 فتح الباري 2 /201. 3 وسائل الترفيه، ص31 :35، بتصرف . 4 هذه من أساليب أهل الزيغ والضلال في تلبيس الحق بالباطل والتد ليس على العامة.

عدد الصفحات ٢٤

- 23 - 2- أن هناك من يشعر بالسعادة والبهجة حين يشرب الخمر أو يتعاطى المخدرات، أو حين يرتكب الزنا أو اللواط !، أو حين يظلم غيره، أو حين يأكل أموال الناس بالباطل، فهل يُقال أن ذلك جائز له بدعوى الترفيه عن النفس ! ثم إن الترفيه عن النفس أحد نوعان : إما ترفيه يقره الشرع أو ترفيه لا يقره الشرع .. والمعازف قد ثبت بالأدلة أن الشرع يحرمها لذاتها، فيكون الترفيه بها من الترفيه الذي لا يقره الشرع، فليبحث هؤلاء القوم عن أمر آخر أقره الشرع ليروحوا به عن أنفسهم .. ولو أننا نظرنا إلى هؤلاء الذين يريدون الترفيه عن أنفسهم بالمعازف لوجدنا أن م عظم أوقاتهم لهو ولعب ! فعلام يروحون عن أنفسهم ! إن الناس إما جادون وإما لاهون عابثون .. أما الجادون فإنهم لا يلجأوا إلى العبث وسفاسف الأمور بدعوى الترفيه والترويح عن النفس، وإنما هم عظماء حتى في تروحيهم عن أنفسهم، ومن يقلب صفحات تاريخنا الإسلامي ويقرأ تاري خ العظماء لا يجد في قاموس حياتهم ما يسمى بالترفيه عن النفس باستماع الموسيقى أو غيرها من العبث والسفاسف، وها هو تاريخنا المجيد مكتوب لمن أراد أن يراجعه .. وأما اللاهون العابثون فلا حاجة لهم بالتذرع بالترفيه والترويح عن النفس، فإن حياتهم متنقلة ما بين لهو ولعب وتكالب على الدنيا ومتاعها، فلا معنى لقولهم ترفيه عن النفس إلا أن يكون من خداع وتلبيس الشيطان ! وقد أفتى الفقهاء فى الانتفاع بالآلات الموسيقية، واعتبروا أن المنع منها 1 يجعلها غير منتفع بها شرعاً ، وإن انتفع بها بعض الناس، فهي منفعة غير شرعية، أي أنها كالع دم، وهذا أمر واضح بينّ ، ويقال مثل ذلك عن الترفيه بتلك الآلات الموسيقية، فهو ترفيه غير معتبر شرعاً، فهو كالعدم ! وأما استخدام الدف فى النكاح والزفاف وفى العيدين فهو من الترفيه الشرعي .. فالأصل هو المنع من التلهى بالمعازف، والتوسع يصادم هذا الأصل .. 1 المنع منها : أي تحريمها.

عدد الصفحات ٢٥

- 21 - ويتبين هذا الأصل فى قصة أبى بكر رضي الله عنه لما دخل على عائشة ابنته رضى الله عنها فوجد عندها جاريتين تدففان وتغنيان، فقد أنكر ذلك رضى الله عنه إنكاراً شديداً وقال : ( مزمار الشيطان عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟! )، وما ذلك إلا لعلمه بالمنع فى اللهو، وهذا ما صرح به العلماء 1 .. قال القرطبي رحمه الله كما نقله ابن حجر عنه في الفتح : ( المزمور الصوت ونسبته إ الشيطان ذم على ما ظهر لأبى بكر ) 2.. وقال الحافظ فى الفتح : ( وإضافتها إلى الشيطان من جهة أنها تُلهي، فقد تشغل القلب عن الذكر ) 3 .. وقال كذلك : ( فتوجه له ا لإنكار على ابنته فى هذه الأوجه مستصحباً لما تقرر عنده من منع الغناء واللهو، فبادر إلى إنكار ذلك قياماً عن النبي صلى الله عليه وسلم بذلك مستنداً إلى ما ظهر له، فأوضح له النبي صلى الله عليه وسلم الحال وعرفه الحكم مقروناً ببيان الحكمة بأنه يوم عيد أى يوم سرور شرعى فلا ينكر فيه مثل هذا كما لا ينكر في الأعراس ، وبهذا يرتفع الإشكال عمن قال : كيف ساغ للصديق إنكار شئ أقره النبي صلى الله عليه وسلم ؟، وتكلف جواباً لا ينبغي تعسفه )4 .. ويحلوا لبعض الملبسين أن يستدلوا بهذا الحديث على جواز الاستماع للموسيقى، وليس الأمر كذلك، بل الحديث ضدهم ! فرسول الله صلى الله عليه وسلم لم ينكر على أبي بكر رضي الله عنه قوله : مزمار الشيطان، وهذا دليل بالفعل على أن تلك الآلات من مزامير الشيطان ! كما أن الحديث ليس فيه أي دليل على جواز الموسيقى .. وإنما هو خاص بالدف، واليوم يوم عيد، والحديث فيه جاريتان صغيرتان .. 1 وسائل الترفيه، ص01، بتصرف . 2 فتح الباري 2 /201. 3 فتح الباري 2 /201. 4 فتح الباري 2 /201.

عدد الصفحات ٢٦

- 22 - ومع ذلك فقد أنكر أبو بكر رضي الله عنه، ووصف ذلك بمزمار الشيطان، وأقره رسول ا صلى الله عليه وسلم على التسمية ! فأين هذا مما نراه اليوم !! وإنما استثنى رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الحالة لعلة أوضحها، وهي أن اليوم يوم عيد .. نحن اليوم أمة تتربص بها الأمم، فهل هذا وقت اللهو واللعب وقضاء الحياة في العبث وسفاسف الأمور ! هل سنرفع الظلم عن أمتنا ونستعيد خلافتنا الراشدة وأمجاد أمتنا على أنغام الموسيقى ! هل أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام رضوان الله تعالى عليهم الخلافة الإسلامية على أنغام الموسيقى ! هل سنُحَكِّم شرع الله عزوجل فينا على أنغام الموسيقى ! هل سنحرر فلسطين والمسجد الأقصى على أنغام الموسيقى ! هل سنحرر أراضي الإسلام من سطوة الاحتلال على أنغام الموسيقى ! هل سنهزم الطواغيت ونُسقط الأنظمة العميلة الديكتاتورية على أنغام الموسيقى ! هل سنستعيد الأندلس على أنغام الموسيقى ! وهل ... وهل ... وهل ... أفيقوا عباد الله يرحمكم الله ... يا ليالي الظالمين يا هوان العابثين يا ضياعاً للسنين كفى الضلال المبين ولا يُتوسع أيضاً إلى إباحة الموسيقى فى الحرب، فإنها لا تخرج عن كونها معازف محرمة، والقتال مما يجب فيه ذكر الله تعالى ذكراً كثيراً والحرص على الطاعات واجتباب المحرمات .. قال تعان1 .. * * * 1 الأنفال12.

عدد الصفحات ٢٧

- 23 - رابعاً الواقع الذى نشاهده اليوم فى أثر الموسيقى والمعازف بأنواعها على الشباب والفتيان والفتيات يجعلنا نستيقن أن هذه المعازف شر كلها لا خير فيها .. وقد صدق من قال إن الموسيقى هى أفيون الشعوب، بل الحقيقة أنها تفعل بالمرء أشد مما تفعل الخمر بأصحابها ! أما رأيت كيف أن الشباب جميعاً اليوم إذا سمعوا الضرب عليها خاصة إذا كان الديسكو القادم من بلاد الكفر والزنا والخنا .. أما رأيتهم كيف تتحرك أبدانهم وتضطرب أعصابهم وتتغير وجوههم فيتمايلون ذات اليمين وذات الشمال قد صدرت منه م الآهات والصرخات، وربما تشابكت أيديهم كما هو حادث حقيقة فتياناً وفتيات أغلبهم من المراهقين والمراهقات يضع الشاب ساعده وذراعه كلها حول الفتاة وقد التصق صدره بصدرها ووسطه بوسطها وهم يتحركون بأرجلهم ويدورون فتثور فيهم الشهوة الحيوانية ويحدث الأمر المهول !، و هم من شدة انفعالهم وتأثرهم ترى جباههم تتفصد بالعرق فى اليوم الشديد البرد، وكل ذلك إذا ما سمعوها دون شرب الخمر فإذا أضيفت إليها خمر الكؤوس فقد ازدادت بهجتهم وعظمت سكرتهم 1 .. 1 وسائل الترفيه، ص01 – 02، بتصرف يس

عدد الصفحات ٢٨

- 20 - مناقشة المجيزين للموسيقى الحقيقة أن القول بجواز الموسيقى هو من تلك الأقوال أو الأفكار التي قال عنها علماؤنا قديماً : إن مجرد تصورها في الذهن يكفي وحده لبيان فسادها وبطلانها ! وحين نتصور القول بجواز الموسيقى في أذهاننا نجد أن الذين يبيحون الموسيقى يضطربون فى فتاويهم ويزعمون أنهم ما أباحوا إلا نوع واحد من الموسيقى وهو ( الموسيقى غير المثير ة للشهوة ) .. فإذا كانت الموسيقى مما تثير الشهوة والغرائز فهي محرمة عندهم، أما إذا كانت مما لا يثير الشهوة فلا بأس بها ! وهنا نسألهم أسئلة لا نرضى إلا أن يجيبونا عليها أجوبة واضحة صريحة محددة : ما هو الدليل الشرعى الذى اعتمدوا عليه في تقسيم الموسيقى إلى م ثيرة للشهوة وغير مثيرة للشهوة ! وعلى أي أساس يصنف هذا النوع من الموسيقى على أنه مثير أو غير مثير ! وما هو الحد الفاصل بين الموسيقى المثيرة للشهوة والموسيقى غير المثيرة للشهوة ! وعندما يسمع العامى فتوى الشيخ بجواز الاستماع للموسيقى غير المثيرة للشهوة، ما هو المقياس الذي سيحدد به نوع الموسيقى حين يسمعها ! ثم ألا يدرك هؤلاء المتفيقهون أن الأمر نسبي .. فقد تكون الموسيقى مثيرة لشهوة البعض ولا تثير شهوة البعض الآخر .. ومن تثيره الموسيقى فقد تثيره اليوم ثم قد يمل منها بعد فترة فلا تثيره، فالأمر فى حقيقته فضفاض واسع لا يمكن ضبطه .. فهل نجد عندهم إجابات لتلك الأسئلة يا ترى ؟! .. إن جميع الأحاديث التى وردت فى شأن الموسيقى لم تصرح أو تلمح إلى هذا التقسيم مطلقاً .. وإنما ذكرت الأحاديث ( المعازف )، وهو لفظ عام بدأ بـ ( أل ) الاستغراق، أى أنه يشمل جميع أفراده، وبذلك يكون حكم المعازف كلها واحداً، إما حلال وإما حرام .. وهؤلاء المفتون بين أحد أمرين لا ثالث لها :

عدد الصفحات ٢٩

- 22 - إما أن يقولوا أن المعازف كلها حلال دون تفرقة بين أى منها، وإما أن يقولوا أن المعازف كلها حرام دون تفرقة كذلك .. أما هذا التقسيم المزعوم الذى ذهبوا إليه فهو نوع من الاضطراب فى الفتوى ناشئ عن التخبط بين الأدلة وعدم الفقه فى الدين !! ونحن ذكرنا بالدليل والحجة والبرهان أن المعازف جميعها حرام فى جميع صورها وحالاتها، باستثناء الحالة التى استثناها الشارع بدليلها الخاص بها، وأما ما عدا ذلك فهو على أصل التحريم الذى ذكرناه .. فهل عندهم من الأدلة ما يكفي لإثبات بطلان ما ذكرناه وصحة ما ذهبوا إليه ! كل ما يؤدي إلى الحرام فهو حرام : لو افترضنا جدلاً أنه بالفعل يصح تقسيم الموسيقى إلى مثيرة وغير مثيرة للشهوة .. فهل نسي هؤلاء المتفيقهين أن من يستمع إلى الموسيقى يدمنها بعد فترة !، فإذا أ دمنها صارت غاية له ومطلباً، وحين ذلك سيستمع لأى موسيقى أيا كان نوعها، مثيرة أو غير مثيرة، وسيستمع لجميع الأغانى سواء تلك التى يحرمها هؤلاء المفتون والتى تدعوا إلى الفاحشة والرذيلة، أو ما يسمى بالأغانى الإسلامية أو الوطنية .. فهذا طريق معروف بدايته ونهايته .. بدايته سماع ما يسمى بالأغانى الإسلامية أو الوطنية تحت زعم أن الموسيقى غير محرمة، أو أن الموسيقى غير المثيرة للشهوة جائزة .. ونحن إن سلمنا لهم بذلك، فإننا لا نسلم لهم بأن الموسيقى المستخدمة فى تلك الأغانى غير مثيرة للشهوة والغرائز، بل إن كثيراً من تلك الأغانى بها موسيقى صاخبة جداً، وربما أشد ضخباً وإثارة من الأغانى التى يحرمها أولئك المفتون .. وأذكر شاباً أعرفه كان يقارن بين أحد المغنيين وأحد من يسمون بالمغنيين الإسلاميين، فقال لى : يمكننى أن أرقص على الموسيقى التى يستخدمها هذا المغنى الإسلامى ولا أرقص عل ى الموسيقى التى يستخدمها ذلك المغنى الآخر !! ولكن ... ما حيلتي فيمن يرى أن القبيح هو الحسن لا يقف الطريق عند مدمن الموسيقى عند تلك الأغانى المسماة زوراً بالإسلامية ..

عدد الصفحات ٣٠

- 25 - فهو بعد ذلك يستمع إلى أغانى الفاحشة والرذيلة، ويستمع كذلك إلى المغنيا ت .. ثم يتطور الأمر بعد ذلك ليستمع إلى الأغانى الأجنبية والتى لا يدرى ماذا يقال فيها !، وقد يكون بها كلمات كفرية وشركية، أو سب للإسلام والرسول، وهو يستمع ويستمتع ولا يدرى .. فلم تعد تهمه الكلمات .. وإنما هو فقط يحتاج إلى موسيقى يروي بها عطشه وظمأه االذي يتعذب به ! فقد أدمنها ولم يعد يقدر على فراقها ! وهكذا، حتى يصل الأمر به إلى أن يصبح عابداً للوثن الموسيقي ! وهكذا تؤدي فتاوى هؤلاء الدعاة بجواز الموسيقى ( غير المثيرة للشهوة ) إلى ما يقرون هم أنفسهم بحرمته ! فأين فقههم للقاعدة الأصولية بأن كل ما يؤدى إلى الح رام فهو حرام ! إنه بناء على تلك القاعدة .. تكون فتواهم تلك حرام لذاتها1، ويكون الاستماع لذلك النوع من الموسيقى على فرض وجوده، يكون ذلك الاستماع أيضاً حرام .. فهل يدرك أولئك المشايخ أنهم أحد أسباب انتشار وشيوع الموسيقى بين المسلمين بما أسبغوا عليها من ثوب شرعي بفتاواهم تلك ! المشكلة أن كثيرين ممن صدروا أنفسهم اليوم للفتوى لا يدركون مآلات الأمور، ولا يعرفون أبعاد الواقع الذي يعيشون فيه، ولا ينظرون إلى ما سيترتب على فتاواهم، فهم يحرمون هذا ويجيزون ذاك دون اعتبار لفقه المآلات، أو دون تمكن منه، فيقعون في مخالفات شرعية كثيرة لهذا السبب .. والذي نراه اليوم أن إقبال الشباب المسلم على سماع تلك الأغاني المسماة بالإسلامية أو الوطنية والمصحوبة بالموسيقى، هذه الأغاني جعلت هؤلاء الشباب يعزفون عن سماع القرآن الكريم وتلاوته، ومن يستمعه منهم فإنما يستمعه تلذذاً وطرباً بصوت القارئ ليس إلا !! دون 1 أي فتواهم بجواز الاستماع للموسيقى غير المثيرة للشهوة .

عدد الصفحات ٣١

- 31 - أن يتدبر كلماته ومعانيه ! .. وما لهذا أنزل الله القرآن، وإنما أنزله الله لتدبره والعمل به أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها1 ! كما أن تلك الأغاني جعلت أولئك الشباب يُعرضون عن سماع الأناشيد الإسلامية، وإذا سمعها أحدهم فإنه ينفر منها ولا تعجبه، لأن نفسه قد ألفت الموسيقى حتى فسدت وانحرفت ووصل حاله إلى النفور مما أحله الله وأجازه، فلم يعد يستمتع إلا بما حرمه الله !، وإلا فمَن مِن أولئك الشباب يعرف المنشد طارق أبو زياد أو المنشد أبو عبد الملك أو المنشد أبو علي أو المنشد أبو عاصم، أو غيرهم من أصحاب الأصوات الندية والأناشيد الإسلامية الرائعة !! فهلا أدرك هؤلاء المشايخ مآل فتاواهم، وتحملوا تبعاتها أمام الله عزوجل يوم القيامة ، وهلا حملوا2 .. العبرة في الحكم للشائع الغالبلا للنادر : للمرة الثانية سنفترض جدلاً أنه يمكن تقسيم الموسيقى إلى مثيرة وغير مثيرة، وأن الثانية يجوز استماعها .. لنفترض ذلك ونقر به .. ولكن ... ألم يقرر فقهاء الأصول أن العبرة فى الحكم للغالب الشائع لا النادر، وغالب الموسيقى فى زماننا من الصاخب المثير للش هوة 3، والذى يفتي هؤلاء المشايخ أنفسهم بحرمته، وعلى تلك القاعدة الأصولية يكون حكم الموسيقى فى زماننا هو التحريم العام .. 1 محمد21. 2 النحل22. 3 نؤكد أننا لا نقر تقسيمهم المزعوم للموسيقى، ولكن ا نقول ذلك من باب الجدل مع أهل الأهواء لدحض شبهاتهم .. ليس إلا.

عدد الصفحات ٣٢

- 31 - إذا اجتمع الحلال والحرام غل ب الحرام : مرة أخرى نفترض جدلاً أنه يمكن تقسيم الموسيقى إلى مثيرة وغير مثيرة، وأن الثانية يجوز استماعها .. ولكن ... ألم يقرر فقهاء الأصول أنه إذا اجتمع الحلال والحرام غُلِّبَ الحرام ! وهذه القاعدة يشمل حكمها حالتين : الحالة الأولى : أن يجتمع الحلال والحرام فى الشئ الواحد، ويكون الحكم فيها بالنظر إلى الأكثر والغالب من الحلال والحرام، فيكون حكم الأكثر هو حكم ال كل .. ومع ذلك فإن الحرام وإن لم يبلغ حد الغلبة ولا قريباً منها، فإن الاحتياط يقتضى ترك هذا الخليط ترجيحاً لجانب الحلال واحتياطاً للدين .. قال تعا1 .. وقال صلى الله عليه وسلم2 .. الحالة الثانية : إذا تعارض دليلان يقتضى أحدهما التحريم ويقتضى الآخر الإباحة، فيكون الحكم فيها أن يُقدم دليل التحريم .. وذلك مثل قول عثمان بن عفان رضى الله عنه لما سئل عن الجمع بين أختين بملك اليمين، فقال : أحلتهما آية وحر متهما آية، والتحريم أحب إلينا .. وقد قال الأئمة فى ذلك : وإنما كان التحريم أحب لأن فيه ترك مباح لاجتناب محرم وذلك أولى من عكسه .. ولو نظرنا إلى الموسيقى اليوم لوجدناها مختلطة، فالأغنية الواحدة تجد بها موسيقى صاخبة وغير صاخبة، فكيف نفرق بينهما ! هذا فضلاً عن أن الغالب فى الموسيقى اليوم أنها تكون صاخبة و مثيرة للشهوة .. 1 البقرة 12. 2 رواه الترمذي برقم 2212 )، والنسائي برقم 2011 )، وأحمد برقم 12221 )، والحديث إسناده صحيح.

عدد الصفحات ٣٣