المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

دليل المعتكف – ميثاق ثبات وإيمان من رمضان إلى رمضان

محمد بن محمد الأسطل و بلال بن جميل مطاوع

صفحة ٧ من ١٧

دَلِيلُ المعْتَكِـف 99 .(((صحف، ففيه أولكان في غير ا د أنه قال: لا بأس أن يصلي بالناس القيام وهو حوجاء عن الإمام أ صحف لصحف، وسُئِلَ الزهري عن رجلٍ يقرأ في رمضان في ا ليقرأ في ا (((.صاحفلفقال: كان خيارنا يقرؤون في ا «ومن الأدلة على جواز ذلك ما ذكره البخاريُّ تعليقًا بقوله (((.ُصْحَفِ لمْعَائِشَةُ يَؤُمُّهَا عَبْدُهَا ذَكْوَانُ مِنْ ا صحف في صلاة النافلة لولا فرقَ عند الحنابلةِ بين كون القراءة من ا ه الله: يمكن للإمام أن يقرأ في ح، ولهذا قال ابن عثيمين ر (((أو الفريضة يكن يحفظها، وإنْ لصحف إن لفجر الجمعة السجدةَ والإنسان من ا (.5(َكَّنَ من دون ذلك فهو أفضل تمَ الكيةُ بين الفرضِ والنَّفْلِ؛ فكرهوا ذلك في الفرض مطلقًا، لوفرَّق ا وفَصَّلُوا في النافلة، فقالوا: لا يكره في أولها، ويكره في أثنائها؛ لاشتغاله (.6(غالبًا، ويُغتفر في النفل ما لا يُغتفر في الفرض ذهب الشَّافعي بين الفرض والنفل على طولٍ بحثٍ؛ ل أرَ تفريقًا في ا لو .(95/(جموعلا ((( .(6(7/(الشرح الكبير لابن قدامة ((( ولى.ل)، باب إمامة العبد وا(0(/(صحيح البخاري ((( )، وهو ما أفتت (((/(قنع (لبدع شرح ال)، ابن مفلح/ ا( 8(/(البهوتي/ كشاف القناع ((( .((0(09به الشبكة الإسلامية، انظر فتوى رقم .((5/((/(اللقاء الشهري (5( .((88/(دونة الكبرىلا (6( ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t 

عدد الصفحات ١٠٠

دَلِيلُ المعْتَكِـف 100 بل أَلْفَيْتُهُم يُمِرُّونَ السألة دون تفريقٍ بين الفرض والنفل، ولا بين الإمام .(((والأموم غير أنَّ بَعضَ العُلماءِ قال بالتفريق بين الإمام والمأموم وموجز قولهم: لا بأسَ بحمل الصحف بالنسبة للإمام؛ لأنه يحتاج لذلك، بخلاف الأموم؛ فإنَّ حقَّهُ الاستماع، ويضطر إلى حركاتٍ لا حاجةَ لها، ثم إن ذلك يمنعه من وضع يده على صدره، ومن النظر إلى موضع سجوده، وربما سرح في بعض الآيات، وانشغل بذلك عن متابعة الإنصات للإمام، اللهم إلا إذا كان هذا لحاجةٍ؛ كأن كان الإمام يقرأ من حفظه، ووصى أحد الأمومين بالرد عليه عند العثرة، أو قصد الأموم .(((تقويم قراءته فيما تعوَّدَ قراءتَهُ خطأً غير أني وجدت الشيخ ابن جبرين يغتفر ما يحتاجه الصلي من ذلك؛ فإنه لَّا سئل عن متابعة الأموم للإمام بالنظر في الصحف بحجة إصلاح خطأ الإمام، أو زيادة الفهم والتدبر؛ قال: لا أرى بأسًا بذلك لهذا الغرض، ويُغتفر ما يحَْصُلُ من حركةِ القبض، وتقليبِ الأوراق، وترك انظر مثلاً لذلك الراجع الشافعية الذكورة في الحواشي السابقة في هذه السألة، ويمكن مراسلتي ((( لن وجد تنصيصًا عندهم على السألة، عبر الإيميل الرقوم في ذيل مقدمة الكتاب، أو صفحة الفيس بوك، أو يدًا بيد. )، (((/(()، مموع فتاوى ورسائل العثيمين ( 5/((/( اللقاء الشهري لابن عثيم ((( )، عبد الجيد الحديثي/ تنبيه الأنام إلى 8/(6(( ( ((/(((فتاوى نور على الدرب )، فتاوى الشبكة الإسلامية، رقم الفتوى: 6الخالفات في السجدين النبوي والحرام ص (.67(8)،55886(

عدد الصفحات ١٠١

دَلِيلُ المعْتَكِـف 101 السُّنَّةِ في قبض اليسار باليمين، كما يُغتفر ذلك في حقِّ الإمام الذي يحتاج صحف؛ لعدم حفظه للقرآن؛ إذْ إنَّ فائدةَ متابعةِ الإمام لإلى القراءة في ا صحف ظاهرة؛ فإنها تعين صاحبها على خشوعه وحضور قلبه فيما لفي ا يسمعه، وبإصلاح الأخطاء التي تقع في قراءته، ومعرفة مواضعها، والله (((.تعالى أعلم صحف، وأراد السجود لل احصليَ إذا لوتفريعًا على هذه الفُتيا؛ فإنَّ ا يتيسر فلا مانعَ من وضعه لفيستحب له أن يضعه على مرتفَعٍ بجانبه، فإن (((.وفقلأمامه؛ إذ إنَّ ذلك ليس من الامتهان له، والله ا المطلب الخامس عبادة التفكر طلب ثلاثة أفرع:لفي هذا ا •الفرع الأول: أهمية التفكر: ، وهذه العبادةُ على صلةِ رحمٍ (((ءِشيَّ إنَّ التفكرَ هو ترددُ القَلْبِ في ال ببعضِ ما ورد في الكتاب من مثل مقصد الخَلْوة، وعبادة التدبر، وعوامل قصدها.لا، ومتمِّمٌ تصناعة القلوب على قِيَم الإيمان، فهو متعاونٌ مع فكر يأخذ التفكُّرُ حقَّه من عناية الناس في هذا الزمن، حتى إنك لتسمع لو من يقول: ماذا يعني تَفَكُّر؟، فإذا أجبته قال: إذن كيف أتفكر؟، مع أننا نزل الذي لنرى الأوائل على رتبةٍ من العنايةِ تحملك على التَّعَجُّبِ من ا .((7/((فتاوى الشيخ ابن جبرين ((( .((0(09فتاوى الشبكة الإسلامية، رقم الفتوى ((( .(((6/(مقاييس اللغة ((( ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t 

عدد الصفحات ١٠٢

دَلِيلُ المعْتَكِـف 102 أوصلوه إليه، من مثل ، وقول ابن عباس(((سنة، أو الدهر .(((قيامِ ليلةٍ والقلبُ سَاهٍ وما فعله السَّلَفُ ليس بمبالَغٍ فيه؛ لأنَّ تعجبَنَا من صنيعهم مَسْبُوقٌ بتعجبٍ من نزول الوعيد على من ل يتفكر في آياتٍ متصلة بتلك العبادة، وأترك لقلبك أن يعيش مع الحديث الذي أخرجه ابنُ حبان من رواية عبيد أنه قال لعائشة: أخبرينا بأعجب شيءٍ رأيتِهِ من رسول الله بن عم « قال: فسكتتْ، ثم قالت: لا كان ليلة من الليال قال ﷺ !، قلت: والله إني لأحبُّ قربك، وأحبُّ ما سرَّك، قالت: أتعبد الليلة لر فقام فتطهر، ثم قام يصلي، قالت: فلم يزل يبكي حتى بلَّ حِجْرَهُ، قالت: ثم بكى، فلم يزل يبكي حتى بلَّ لحيته، قالت: ثم بكى فلم يزل يبكي حتى بلَّ الأرض، فجاء بلالٌ يؤذنه بالصلاة، فلما رآه يبكي قال: يا رسول الله أفل أكون عبدًا ل تبكي، وقد غفر الله لك ما تقدم وما تأخر؟!، قال ﭑ ﭒ ﱹشكورًا، لقد نزلت علي الليلة آية، ويلٌ لمن قرأها ول يتفكر فيها: حسَّنه الألباني. (((](90 الآية كلُّها ﱸﭓ ﭔ ﭕ )، الزهد لابن السري (((/()، الدخل للعبدري ( 7 الجاوي/ كاشفة السجا ص ((( (.68/(( )، وابن كثير في تفسيره 6(/( ذكر هذا القول عدد من العلماء كالبغوي في شرح السنة ((( (.85/(( )، وحسَّنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب 6(0 صحيح ابن حبان، رقم الحديث ((( (.68برقم

عدد الصفحات ١٠٣

دَلِيلُ المعْتَكِـف 103 ومرَّ بنا أن النبيَّ ﷺ كان يقرأ خواتيم آل عمران كلَّ ليلةٍ عند انتباهه ، قبل أن يتوضأ، وهو ينظر إلى السماء.(((من النوم وبنظرةٍ عامةٍ على سورة آل عمران التي اختُتِمَت بتلك الآيات نرى أنها عركةَ العقدية والفكرية مع لتنقسم إلى قسمين كبيرين، عرض القسمُ الأول ا مع وفد نصارى نجران، مع ما تخلَّلَ ذلك من ردٍّ عن طائفةٍ ماَالكفار، لا سيَّ عركة العسكرية مع قريش في غزوة لمن الشبهات، وفصَّل القسم الآخر في ا أُحُد، مع تعريجٍ بين هذا وذاك إلى قضايا؛ من مثل تكليف هذه الأمة بدور نكر؛ بحكم أنها خيرُ أمَّةٍ أُخرِجت للناس، لعروف، والنهي عن ا لالأمر با يتفكر فيهن فإنه على لوفي ختام السورة جاءت الآيات التي من قرأهن، و شفا حفرةٍ من الويل. أنَّ اللهَ تعالى أراد مِنَّا أن نخلوَ بأنفسنا بعد تلك الجولات لوالذي يظهر من منازلة أعداء الله تعالى في أكثرَ من جبهةٍ وميدان، وبعد الاختلاط بمن نكر؛ وذلك حتى لعروف، والنهي عن ا لندعوهم إلى الخير، والأمر با سير، وذلك عبر لنُصَفِّيَ أنفسَنَا من الأدران التي قد تَعْلَقُ بنا في أثناء ا التفكر في خلق السماوات والأرض، واختلاف الليل والنهار، ومداومة الذِّكر، وإطالة الوقوف على باب الله تعالى بالدُّعاء، إلى أن يكرمنا الله نِّ علينا بتكفير السيئات، ودخول الجنات، في مقابل لباستجابة دعائنا، وا ةٌ بنا، فعلينا أن حبعض الشروط، ولْنعلمْ أنَّ الجنة منحةٌ من الله لنا، ور نا فلا نأمنُ أن يأتيَ اللهُ بأناسٍ غيرِنا، خاشعين لله، َّنقومَ بالعهد، وإنْ قص عتكف، فرع كيف تقوم الليل؟.لانظر مطلب قيام الليل في مبحث أعمال ا ((( ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t 

عدد الصفحات ١٠٤

دَلِيلُ المعْتَكِـف 104 لا يشترون بآيات الله ثمنًا قليلاً، لهذا فَمِنَ الهمِّ أن تصبروا وتصابروا، وترابطوا، وتتقوا الله لعلكم تفلحون. والذي ألحظه أنَّ فكرةَ الاعتكاف تشبه فكرةَ السورة لن تأمَّل، وأنَّ من الأعباء اللقاة على كاهل العتكف أن يُصَفِّيَ ذهنَهُ، ويربيَ نفسَهُ، بعد مَسِيرةِ عامٍ كاملٍ في أعباء الحياة الدينية والدنيوية. •الفرع الثاني: أنواع التفكر: إنَّ حَصَْ أنواعِ التفكرِ أَمْرٌ عَوِيص، غير أني أذكرُ أنواعًا مملةً، ثم أنتقي منها ما أزيده تفصيلاً يسيرًا، فأقول: ثمةَ تفكُّرٌ في آيات القرآن، وفي آيات الله في الأنفس والآفاق، وفي النِّعَم، وفي الدنيا والآخرة، أما ما أزيده تفصيلاً منها، أو ما يتفرَّع عن بعضها، فخمسة أنواع: ويلزمه إخلاص التوجه لله، واليقين به.،) في آيات ا 1 ويتولد عنه الحبة، وسورة النَّحل مُعينةٌ ع ،) في نعمة ا 2 هذا النوع، حتى إنها سُمِّيت بسورة النِّعم؛ لَِا ورد فيها من أصول النعم؛ من نحو نعمة الهداية والإيمان، إلى الطعومات والشروبات، واللبوسات والساكن، والصحة والرزق، والأزواج والأولاد، والأمن والأمان؛ بل ورد لفظُ النعمةِ فيها تسعَ مَرَّات، لكنَّ الإنسانَ لا يحاول إحصاءَ نعمةِ الله عليه، وربما أخذ يتجاهلها، وينسبها إلى علمه وعمله، وهذا العنى هو أحد ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﱹالوجهين في تأويلِ قوله تعالى في نفس السورة: ](8[ ﱸﭱ .(((أو يستعملها في غير ما أذن الله به (.58-(57 أفلا تتفكرون لعبد العزيز الجليل ص (((

عدد الصفحات ١٠٥

دَلِيلُ المعْتَكِـف 105 ويتولد عنه الرغبة في العمل؛ فمن تأمل أجورَ، في وعد ا )3 الأعمالِ هانت عليه في كلِّ الأحوال عصية؛ فمن تأمل ل ويتولد عنه الرهبة من ا ،في وعيد ا )4 ِ الحافي أنَّه قال شرْعقوباتِ الآثام تركها على الدوام، وقد أُثِر عن بِ (((.ا عصوهلتفكَّر الناس في عظمة الله تعالى (((. ويتولد عنه الحياء من الله تعالىفي تقصير النفس عن الطاعة، )5 • الفرع الثالث: من فوائد التفكر ِ مُنْهَمِكٌ في ُْرَّة أنَّ إنسانَ هذا العَص لالحَقِيقَةُ ا صفاء الذهن: )1 دَوَّامَةِ الحياةِ اليومية، وتفاصيلها، تطارده الأعباء والديون، وتشغله ، وعرف لوسائلُ الاتصال والتواصل الاجتماعي، وصل إلى العا أخباره وقت وقوعها، لكنه ما وصل إلى نفسِه بَعْدُ، نعم.. لقد فقد قلبَهُ، عن رشاد السبيل، مع أنه يرتدي ثوبَ لاًوصفاءَه، ونقاءَه، حتى غدا ضا رشدِ الدَّليل، إلى أن استُنْزِفَ إيمانُه، وازدادت مآثمُهُ، وربما لو جلس لا ساعةً يتفكر لأفسدتِ الهمومُ عليه خلوته. ، ومن ثَمَّ كانت شرْفكان لا بُدَّ من وقفةٍ طويلة، لا تكفيها ساعةٌ ولا عَ ًّا مباركًا تلتقي فيه الخلوةُ مع الفكرة قرابة مائتين ملانعمةُ الاعتكاف وأربعين ساعة متواصلة، لا تسمع فيها أصواتًا متلاحقةً، أدمنْتَ سماعها حتى كدَّرت عليك قلبك. .(((8/( منهاج القاصدين للمقدصمخت ((( .((8مل في كاشفة السجا شرح سفينة النجا للجاوي صمانظر هذه الأنواع بشكل ((( ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t 

عدد الصفحات ١٠٦

دَلِيلُ المعْتَكِـف 106 والتوقع أنك جئت العتكَف، وأحسنت الاستفادةَ منه، حتى زال الكدر، وحلَّ الصفاء، وعاد القول صحيحًا، والعمل فصيحًا، ولَّا أشرفْتَ على ختامه أخذتَ تُقَارِنُ ما أنت فيه مع ما كنت فيه، فخرجت بالنتيجة إذا شُغِلت بنفسك.. ذهلت «التي سبقك عمرو بن قيس إليها، حيث قال .(((»عن الناس، وإذا شغلت بالناس.. ذهلت عن ذات نفسك إنَّ أهميةَ هذه الفائدة مردُّهَا أنهََّا آتيةٌ ) الهداية إلى الق، والثبات عليه: 2 في زمنٍ يدعي فيه كثيرٌ من النَّاس أنه على الجادة الصائبة، وربما اعتمد الباطل، ثم والى عليه وعادى عليه، وقدح في أشخاصٍ وعلماءَ بلا ميزانٍ منضبط، وبنى من التصورات دون اتكاءٍ حسنٍ على متين العلم، فتعب وأتعب. فإذا أطال هذا الفكرة، وتأمل مسير حياته، وتجرد من العواطف وتأثير الجتمع والقرناء، وسأل الله طويلاً أن يلهمه الرُّشد والحق، وقيَّم ما هو عليه عن علمٍ وبصيرةٍ، واتَّبع سبيلَ أهلِ العلم الشهود لهم بالحق والخير.. فإنَّ الله سيكرمه برؤية ثاقبة بإذنه تعالى وفضله، ومن النقول التي تخدم الفكرة التي عنها نكتب ما قاله ابن تيمية .(((منه.. تبين له طريقُ الحق وهذه فائدةٌ مهمة. ) تنظيم الوقت، والتخطيط للمسير: 3 فإنَّ من مكاسب التفكرِ أنَّ الرءَ يستعيدُ تخطيطَ حياته، وتنظيمها، فكم من إنسانٍ وصل إلى قناعاتٍ بعد سنواتٍ طويلات، ولو جلس يتفكر من (.0(/5 أبو نعيم/ حلية الأولياء ((( (.7/( مموع الفتاوى (((

عدد الصفحات ١٠٧

دَلِيلُ المعْتَكِـف 107 أول الطريق، ويُقَيِّمُ كلَّ مرحلةٍ قبل أن يتجاوزها إلى التي تليها.. لخلص يصل إلى الحقِّ لُ عليه مسيرَ حياته، لكنَّ العمر قد ضاع، و ِإلى نتائجَ تختَص في مدرسة الحياة.لاً عاركة طويل إلا با ولْيعلمِ الأخ الكريم بعد هذا أنَّ الخلوةَ الصحيحةَ الطويلةَ قد تتنزل يدان الكثيرة، وإذا انتبهتَ لها مبكرًا كنتَ قد أحسنتَ لمنزلة سنوات ا تَ مع هذا الكلامِ موعظة ابن القيم عن قيمة الوقت ضصنعًا، ولو استح لازددت اهتمامًا بهذه الفائدة، فإنه قال: بدية في النعيم لقيقة، وهو مادةُ حياته ا لوقت الإنسان هو عمُرُهُ في ا عَ من سليم، وهو يمرُّ أ لالمقيم، ومادة معيشته الضَّنْكِ في العذاب ا السحاب؛ فما كان من وقته لله وبالله.. فهو حياته وعمره، وغير ذلك ليس ته إلا لة- ليس له من صلسوبًا في حياته، وإذا كان العبدُ -وهو في الص م (!.1(ما عقل منها.. فليس له من عمره إلا ما كان فيه بالله و عتكِف قد يُشْغَلُ في الاعتكاف عن التعمُّقِ في مثل هذا، فيكون للكنَّ ا تاجًا لاعتكافٍ آخر في غير رمضان، ولو لبضعة أيام، وعلى كلٍّ فأسْألِ الله م في قلبك وحياتك، وتذكر دومًا أنه على ماًتعالى أن يجعل للتوفيق موضعًا كري قدر الإخلاص الصاعد من الأرض يكون التوفيق النازل من السماء. .((09الداء والدواء ص ((( ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t 

عدد الصفحات ١٠٨

دَلِيلُ المعْتَكِـف 108 المطلب السادس مُحَاسَبَةُ العَبْدِ لِنَفْسِهِ، وتوبته لربِّه إذا حاسب العبدُ نفسَهُ، وعرف حسنتها وسيئتها.. فعندئذٍ يدوم على حسناته، ويحافظ عليها من أسباب النقص والحبوط، ويتوب من سيئاته، ويحافظ على نفسه من عودة السيئات إليها نزلةً أخرى، وفي هذا الطلب أتكلم عن كيفية الحاسبة، ثم التوبة، وقد أقمتُ هذا الطلب على حدِّ الاختصار بالقدر الذي يحتاج إليه العتكِف، وإذا أردتَ بَسْطًا فانظر ما كتب ابن القيم ، وطرفٌ كثيرٌ من الكلامِ هنا مُسْتَفادٌ منه، ومُلَخَّصٌ عنه. (((في مدارجه وَهُنَا فرعَانِ: فرعٌ في الُحَاسَبَةِ، وفرعٌ في التوبة. •الفرع الأول: محاسبةُ العَبْدِ لِنَفْسِهِ: وفيه ثلاث مسائل: حقيقةُ الحاسبة، وأنواعها، وطريقتها. المسألة الولى: حقيقة المحاسبة: الحاسبةُ هي التمييزُ بين ما للعبدِ وما عليه، فعليك واجبٌ، ولك حقٌّ، فأدِّ ما عليك.. يُؤْتِكَ ما لك، وأن تعطيَ كلَّ ذي حقٍّ حَقَّهُ فَضِيلَةٌ مهمة؛ إذْ قد يقترف العبدُ بعضَ النهيَّات، ويظنُّه حقًّاا له، أو يتعبد بهجر بعض الباحات، ويظنه واجبًا عليه، أو يجعل ما عليه من القِسْمِ الذي له، فيتخيرَّ بين فعله وتركه، وإنْ فَعَلَهُ رأى أنَّهُ فضلٌ قام به، لا أنه أدَّى حقًّاا عليه. وَمَنْ أحسن الحاسبةَ أحسنَ التوبةَ؛ لأنه إذا حاسب نفسه عرف ما وذلك في منزلة الحاسبة ومنزلة التوبة، وأنصحك أن تصبر على طول القراءة؛ فإنك ستغنم، ((( وقد أخذت من الكتابِ حقيقة الحاسبة وطريقتها بانتقاءٍ وتذيبٍ وترتيب يتيسر معه للمسلم أن يُطبقَّه.

عدد الصفحات ١٠٩

دَلِيلُ المعْتَكِـف 109 عليه من الواجب، فخرج منه، وتنصَّل منه إلى صاحبه، وهذه حقيقة (((.حاسبة عليها أولىلالتوبة، فكان تقديم ا المسألة الثانية: أنواع المحاسبة: َاسَبَةَ النفس نوعان: نوعٌ قبل العمل ونوعٌ بعده. ُاعلم أنَّ م يُبادِرَ بالقول أو بالعمل حتى يتبين له حكمُهُ، لاَّفهو أ ول: لفأما النوع ا ، فإن (((ورجحانُهُ على تركه، قال الحسن يمكنه ذلك لعذرٍ وقعَ به.. لكان لله أمضاه، وإن كان لغيرِهِ تأخَّر فإنه يجلس مع نفسه ساعةً، فيعرض عمله على لسان العلم، فما كان من (((.د الله عليه، وسأله القبول، وما كان من غيره نزع عنه بالتوبةحخيرٍ فمحاسبة النفس بعد العمل، وهو ثلاثة أنواع:وأما النوع الثاني: ْتَ فيها من حقِّ الله، فلم توقعها على َّاسبتها على طاعةٍ قص مالأول: .ﷺطلوب، ومن حقِّ الله في الطاعةِ الإخلاصُ لله، ومتابعة الرسول لالوجه ا والثاني: أن يحاسبَ نفسَهُ على كلِّ عمل كان تركُهُ خيرًا له من فعله، َ بها نفسه حتى يُصَوِّبَ سلوكَهُ. بيِّوما هي التربية التي ينبغي أن يُرَ باحات، فإن كان يُمضيها بالنوايا لوالثالث: أن يحاسب نفسه على ا ها، ويهيئُ الأمر ضد الله، وإن كان يَذْهَلُ عنها.. أخذ يستح حالصالحة.. لتَذَكُّرِ ذلك دومًا؛ ليكون نومُهُ وأكله وشربه، وجلوسه مع أهله، والإنفاق .(169/(مدارج السالك ((( أي نيته التي همَّ بها. ((( .((6/5دخل للعبدريلا ((( ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t 

عدد الصفحات ١١٠

دَلِيلُ المعْتَكِـف 110 عليهم، وصِلاتُهُ الاجتماعية، وأعمالُه الوظيفية، وغيرُ ذلك، عبادةً يتقربُ بها إلى الله، وهي التي تلتهم أكثر وقت العبد، فكيف تمرُّ الأعمار وتلك الأفعال خاليةً من النية؟!. المسألة الثالثة: طريقةُ المحاسبة: ولها ثلثة جوانب: وإنْ أحسنتَ القايسة.. ظهر لك أولاً: أن تُقايِِسَ بين نعمته وجنايتك، التفاوت، وعلمتَ أنه ليس إلاَّ عفوُهُ ورحتُهُ، أو الهلاك، وبهذه القايسة تعلم أنَّ الربَّ ربٌّ، والعبدَ عبدٌ، وتعرف ما للأول من الكمال، وما للثاني من النقص، وأنَّ كلَّ نعمةٍ أنت فيها هي فضلٌ منه، وكلَّ نقمةٍ هي عدلٌ منه، وأنَّ مَا جرى لك من ضرٍُّ هو عدلٌ مُطلقٌ من الله، وما جرى لك من خيرٍ هو فضلٌ مطلقٌ من الله، لكنْ مَنْ جهل حقيقةَ نفسه، وربوبيةَ خالقه.. علم أنه كان ظالًا لنفسه، وأنه لولا فضلُ الله ورحتُه ما زَكَتْ نفسُهُ قط، ولولا هُداه ما اهتدتْ لطاعةٍ ولا لخير. فتعلم أيهُّما أكثر وأرجح قدرًا ثانيًا: أن تُقايِسَ بين السنات والسيئات، وصفةً، وهذه القايسة تشقُّ على من ليس عنده ثلاثة أشياء: نور الحكمة، وسوء الظن بالنفس، وتمييز النعمة من الفتنة، وإليك موجزَ مدلولها: هنا فهو العلم الذي يُمَيِّزُ به العبدُ بين الحَقِّ والبَاطِل، فأما نور الكمة والهدى والضلال، والضارِّ والنافع، والكاملِ والناقص، والخيرِ والشر، وكلَّما كان حظُّه من هذا النور أقوى.. كان حظُّه من الحاسبة أكملَ وأتم. ؛ فإنَّماَ احتَاجَ إليه؛ لأنَّ حُسنَ الظن بالنفس وأما سوءُ الظَّنِّ بالنفس يمنع من كمال التفتيش عن ذنوبه وعيوبه، ويُلبِّس عليه، حتى يرى

عدد الصفحات ١١١

دَلِيلُ المعْتَكِـف 111 بوبهمحبَّ يرى مساوئَ ل، ألا ترى أن ا لاًاسنَ، والعيوب كما مساوئَ لا ن زُين له سوء عمله فرآه حسنًا، أو ضلَّ موعيوبه حسنات؟!، فهو سعيهم في الحياة الدنيا، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا. حاسبة أن الحسناتِ التي ترضى عنها فهي عليك؛ لولهذا كان من ا إذ إن رضاك بها دليلٌ على حسن ظنك بنفسك، وأرباب البصائر أشدُّ ما يكونون استغفارًا عُقَيبَ الطاعات؛ لشهودهم تقصيرَهم فيها، وترك القيام ِع للمصلي أن يستغفر الله بعد شرُبها كما يليق بجلال الله وكبريائه، ومن هنا ﱹﮌ ﮍ ﮎ صلاته، وبعد قيامه من الليل في السحر، كما قال الله تعالى: ](8،(7[ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﱸ ؛ فإنما احتاج إليه؛ ليُفَرِّقَ به بين النعمة وأما تمييز النِّعْمَةِ من الفتنة التي بها سعادتُهُ الأبدية، وبين النعمة التي يكون مستدرَجًا بها؛ فكم من مستدرَجٍ بالنعم وهو لا يشعر، مفتونٍ بثناء الجهال عليه، مغرورٍ بقضاء الله حوائجَهُ، وسترِهِ عليه، وأكثرُ الخَلْقِ عندهم أنَّ هذه الأشياءَ الثلاثة علامةُ السعادة والنجاح، ذلك مبلغهم من العِلْم. فإذا كملت هذه الثلاثة فيه.. عرف حينئذٍ أنَّ ما كان من نِعَمِ الله عليه، بجَمعِهِ على الله فهو نعمة حقيقةً، وما أشغله عنه.. فهو البلاءُ في صورة نحة، فَلْيحذرْ؛ فإنما هو مستدرَج. لحنةُ في صورة ا لالنعمة، وا فكم تلتبس إحداهما بالأخرى، ُجَّة؛ ل وا (((ثالثًا: التمييز بين المِنَّة فهو لاَّ الله سبحانه.. فهو مِنَّة عليه، وإ ضيِ: كلُّ عِلْمٍ صَحِبَهُ عملٌ يُر لاًفمث أي: النعمة. ((( ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t 

عدد الصفحات ١١٢

دَلِيلُ المعْتَكِـف 112 حجة، وكلُّ مَالٍ اقترنَ به إنفاقٌ في سبيل الله وطاعته.. فهو مِنَّة، وإلا فهو حجة، وكلُّ فَرَاغٍ اقترن به اشتغالٌ بما يريد الربُّ من عبده.. فهو مِنَّةٌ عليه، وإلا فهو حجة، وكلُّ قَبُولٍ في الناس وتعظيمٌ ومبةٌ له اتَّصل به خُضُوعٌ للرب، وذلٌّ له، وانكسار، ومعرفةٌ بعيب النفس.. فهو منة عليه، وإلا .(((فهو حجة، وهكذا.. أخي عبدَ الله: إنَّ ماسبةَ اليوم تخَُفِّفُ عَنْكَ مَُاسبةَ الغد؛ لأنَّ الحِسَابَ الجُزئِيَّ حائلٌ دون الاسترسال في الرغباتِ الُفْضِيَةِ إلى الهلَكَة، ولهذا لا حرجَ من التشديد على النفس عند الحاسبة، وهو ما عبرَّ ميمون بن مهران عنه بقوله: لا يكون العبد تقيًّاا حتى يحاسب نفسه، كما يحاسب شريكَهُ: من أين مطعمُه وملبسُه؟!. فاجلسْ مع نفسك، واسألها عن العبادات والعادات، والأقوال ، وطاعاتِ القلوب (((والأفعال، وأجناس الباحات والحرمات والجوارح ومعاصيهما، والبرِّ والعقوق، والبيعِ والشراء، والجدلِ والراء، وما أشبه ذلك. فإن رأيت أمرًا يحصل لك به حرجٌ إذا قَدِمْتَ على الجبار.. فكيف (.76-(70/( مدارج السالك ((( قال ابن القيم: أجناس الحرمات التي عليها مدار كلِّ ما حرم الله اثنا عشر جنسًا: الكفر، ((( والشرك، والنفاق، والفسوق، والعصيان، والإثم، والعدوان، والفحشاء، والنكر، والبغي، (.5/(والقول على الله بلا علم، واتباع غير سبيل الؤمنين. مدارج السالك

عدد الصفحات ١١٣

دَلِيلُ المعْتَكِـف 113 تصبر على هذه الحال؟!، أَمَا علمت أنَّ الحِسَاب قريب؟!، إنَّ اللهَ يَقُول ﱹﭢ ﭣ ﭤ ] ([ ﱹﭑ ﭒ ﭓ ﱸ ] (8[ ﭥ ﭦ ﱸ حتى يجعلها كغد!. إنَّ هَذَا هو الحساب الذي لأجل الخوف منه دعا الصالحون ربهم أن يُدْخِلَهُمُ غفرة..لالجَنَّة بغير حسابٍ ولا عذابٍ ولا عقابٍ ولا عتاب، ولو تيقنوا ا ا نظر ًّاَيَّلْ لو أنَّ شاب تخََشْهَدِ لوحتى أجعلك في أدنى مكان من تَصَوُّرِ ا نظرةً حرامًا إلى فتاةٍ، وعلم أبوها، وأصبح الأمر بِشدَّة، وتدخل بعض يتكلم للس العفو، وم الناس لديه للعفو، فوافق، وجيء بالشَّاب إلى ة، ألا ترى أن الحرج سيكون شديدًا؟!، فكيف مسا لالأب إلا بكلمات ا َّا أدرك الفضيل هذه القضية راح للو أن الأب عاتب؟، أو ناقش؟، و يقول طلوب أن نحاسبَ أنفسَنَا في الدنيا، ونعترفَ بذنوبنا، ونقرَّ بعيوبنا، لفا ةِ الله، ومغفرتِهِ، ُْعَوَّلُ بعد هذا كلِّهِ على رَح لونهذِّبَ من أخلاقنا، وا وسترِهِ، وعفوِهِ، وفضلِهِ، ورضاه. •الفرع الثاني: التوبة: ﱹﰌ ٍ، ولا قسمَ ثالث، فقال سبحانه: ِقَسَّمَ اللهُ الناسَ إلى تَائبٍ وظَال ] (([ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ ﰑ ﱸ ا، ثم َمَسَائِلُ منثورة فيها: توفي هذا الفَرْعِ مَسْألتَان: حَقِيقةُ التوبة، وعلاما ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t 

عدد الصفحات ١١٤

دَلِيلُ المعْتَكِـف 114 المسألة الولى: حقيقة التوبة وعلماتا إنَّ حَقيقةَ التوبةِ أن تَنْدَمَ على ما سلفَ منك في الاضي، وتقلع في الحال، وتعزم على ألا تعود في الستقبل. ولا بد بعد هذا من الاعتذار؛ فإنه من تمام التوبة، ولا نقصد به أن يبرِّرَ الذنب؛ بل بأن يقول في قلبه ولسانه: اللهم لا براءةَ ل من ذنبٍ فأعتذر، ولا قوةَ ل فأنتص، ولكني مذنبٌ مستغفر، اللهم لا عذرَ ل، وإنما هو مضُ حَقِّك، ومضُ جنايتي؛ فإنْ عفوت، وإلا.. فالحق لك، لكن عفوك أعظم، وأنت واسع الغفرة.. فهو اعتذارٌ بإظهارِ الضَّعْفِ والسكنة، وأنه ضحيةُ غلبةِ الشَّيْطان، وقوة سلطان النفس الأمارة بالسوء، ويقول بلسانه: يا ربِّ، ل يكن منِّي ما كان عن استهانةٍ بحقك، ولا جهلاً به، ولا إنكارًا لاطِّلاعك، ولا استهانةً بوعيدك؛ وإنما كان عن غلبة الهوى، وضعف القوة عن مقاومة مرض الشهوة، وطمعًا في مغفرتك، وسعة حلمك ورحتك، واتكالاً على عفوك، وحسن ظن بك، ورجاء لكرمك، وقد غرَّني بك الغَرور، والنفسُ الأمارة بالسوء، وسترك الرخي عليَّ، وأعانني جهلي، ولا سبيل إلى الاعتصام ل إلا بك، ولا معونة على طاعتك إلا بتوفيقك، ونحو هذا من الكلام التضمن للاستعطاف والتذلل، والافتقار والاعتراف بالعجز، والإقرار بالعبودية، فهذا من تمام التوبة، وإنما يسلكه الأكياس .(((التملقون لربهم عز وجل، والله يحب من عبده أن يتملق له والثابت أنه لا عذرَ لأحدٍ في معصية الله ومخالفة أمره، ولو كان له عذرٌ (.8(-(8(/( مدارج السالك (((

عدد الصفحات ١١٥