ٕٗ البحث ، وقد وجد الباحث اختلافا في تفسير بعض آيات الصفات الإليية وغيرىا ، مكية كانت أـ مدنية ، ولكنو لـ يجد ذلؾ الاختلاؼ في تفسير السور القصار وآياتيا ، وكأف التنزيؿ العزيز راعى عدـ إشغاؿ المؤمنيف الجدد بأمور تفصيمية دقيقة تميييـ عف الإبلاغ السريع لدعوة الله تبارؾ وتعالى . أولا : اجتماعيا كاف العرب عند نزوؿ القرآف أىؿ كفر وشرؾ ، ما أدى إلى تقطع الْرحاـ بينيـ ، وسيادة القوي وتجبره عمى الضعيؼ ، وفشو الظمـ والاضطياد الذي عاناه الناس مسمميف كانوا أو كفارا ، فقد كاف القوي منيـ يأكؿ الضعيؼ ، والسيد فييـ يذيؽ العبد أشكاؿ الذؿ واليواف ، وكانت المرأة فييـ تورث كا لمتاع ، فنكاح المقت معروؼ عندىـ، وقد ذكره الله في كت ابو العزيز عندما قاؿ عز مف قائؿ: ( وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّىُ كانَ هاحِ شًٌَ وَمَقْتاً وَساءَ سَبِجلً )ٗٔ وكاف المجتمع منقسما إلى طبقتيف : طبقة الْحرار الصرحاء وموالييـ ، وطبقة العبيد ، وكاف الوأد ظاىرة معروفة عندىـ بسبب الفقر أو خوفا مف أف يمحقيـ عار السبي في الغ زو . وكاف عرب الجاىمية قوما يتفاخروف بالشعر ، ويكرموف الشعراء ، فممكممة عندىـ سطوة ونفوذ ، فكيؼ إذا نزؿ قرآف مف السماء يفوؽ ما عرفوه مف بلاغة وفصاحة ، ويتحداىـ في ما برعوا فيو أف يجاروه ، فقصار السور خير دليؿ عمى أف مفيوـ البلاغة في عقؿ العربي ، مطابقتو ٗٔ سورة النساء ، آٌة ٕٕ All Rights Reserved - Library of University of Jordan - Center of Thesis Deposit
عدد الصفحات ٣٣ٕ٘ لمقتضى الحاؿ ، كما يعرفيا القزويني " البلاغة في الكلاـ مطابقتو لمقتضى الحاؿ مع فصاحتو " ٘ٔ ومقتضى الحاؿ في مكة ، يتطمب معجزة بيانية تفحـ قريشا بما برعت فيو مف فصاحة وبلاغة ، وتقيـ الدليؿ البياني عمى أف الله واحد لا شريؾ لو ، وتراعي في الوقت نفسو حاؿ المسمميف المضطيديف الذيف لا يستطيعوف حفظ الكثير مف الآيات الطواؿ ، في ظؿ التعذيب والمطاردة والاضطياد ، الذي يعيشونو في مكة ، وتأخذ بالحسباف أيضا حاؿ قريش البميغة الفصيحة ، التي تعالت بمغتيا عمى لغات مف حوليا فبرعت في الشعر والخطابة ، وصارت تجيز وتحكـ في أشعار العرب فإف أعجبيا بيت أو قصيد ذاع وانتشر ، وا ف رفضتو باد واندثر . إف نزوؿ السور قصيرة في أوؿ سني البعثة المحمدية، أثبت لقريش وعتاة العرب أف ىذا الكلاـ معجز ببلاغة لا يستطيعيا بشر كائنا مف كاف ، بلاغة فاقت بلاغتيـ ، فإف قالوا : " خير الكلاـ ما قؿ ودؿ " فيذا كلاـ أخير مف كلاميـ وأقؿ وأدؿ فأتوا بمثمو إف استطعتـ !! وىو بكؿ تأكيد كلاـ وافؽ حاؿ الناس المستضعفيف مف المسمميف وحاؿ الكفار وأىؿ ذاؾ الزماف عامة وما كانوا عميو مف فصاحة وبلاغة ، فعجز شعراؤىـ وخطباؤىـ عف مجاراتو . وعمينا أف لا نغفؿ الظروؼ الخاصة التي أحاطت بدعوة الرسوؿ بادىء الْمر مف سرية لمدعوة ، فمقد بقي رسوؿ الله ،صمى الله عميو وسمـ ، ثلاث سنيف يدعو إلى الله سرا ، مف يثؽ بو ، ويأمف غدره ، ويرى فيو رجاحة العقؿ والْىمية لفيـ الدعوة ، يقوؿ الدكتور حسف إبراىيـ حسف في كتابو " تاريخ الإسلاـ " : " استمر الرسوؿ ، صمى الله عميو وسمـ ، ثلاث سنيف يدعو سرا إلى ٘ٔ الإٌضاح فً علوم البلاغة ، الخطٌب القزوٌنً ، دار الكتب العلمٌة ، بٌروت ،( د . ت ) صفحة ٔٔ All Rights Reserved - Library of University of Jordan - Center of Thesis Deposit
عدد الصفحات ٣٤ٕٙ الإسلاـ كؿ مف يثؽ فيو ويطمئف إلى استعداده النفسي لقبوؿ دعوتو . وكاف ىو وأصحابو في تمؾ الفترة يستخفوف مف قريش في صلاتيـ وفي الدعوة إلى ىذا الديف " ٙٔ. وبعد مرور ثلاث سنيف أخر ، وعندما أسمـ عمر بف الخطاب ، رضي الله عنو ، في سني الدعوة الجيرية ، في السنة السادسة لمبعثة ، كاف تماـ ا لْربعيف مف الرجاؿ المسمميف في مكة ، ىذا بعد مرور ست سنوات عمى الدعوة ، وذكر ىذا الْمر كثير مف المصادر ، " أسمـ عمر بف الخطاب، رضي الله عنو ، بعد أربعيف رجلا وا حدى عشرة امرأة " ٚٔ ويقوؿ آخر :" أسمـ عمر بف الخطاب رضي الله عنو فعزز الله بو ضعفة المسمميف وكاف إ سلامو متمما لْربعيف ، وبقدر شدتو التي كانت عمى المسمميف ، صار بأضعاؼ ذلؾ عمى المشركيف " ٛٔ فإف كاف عمر بف الخطاب ، رضي الله عنو ، قد أسمـ بعد ستة أعواـ وكاف الْربعيف ، فيذا دليؿ عمى صعوبة كسب الناس ، ودليؿ الجيد الذي بذلو رسوؿ الله صمى الله عميو وسمـ وأصحاب و ، في إقناع الرجؿ بالإسلاـ ، مف ىنا نتبيف حجـ الخطورة والقير والتعذيب الذي تعرض لو المسمموف الْوائؿ وتحمموه في سبيؿ الدعوة لله ، وىذه الدعوة السرية كانت تستوجب التخفي والتستر عف أعيف أعدائيـ الكفار ، فسرية الدعوة تمزـ بعدـ حمؿ ما يثير الشبية مف أدوات ، وى ذا يفضي بنا إلى تخيؿ حاؿ المسمميف المتخفيف الياربيف مف قريش وبطشيا حتى أذف ليـ الرسوؿ باليجرة إلى الحبشة ، فيذه فاطمة بنت الخطاب ، رضي الله عنيا ، عندما دخؿ عمييا أخوىا عمر بف الخطاب ، رضي الله عنو ، تخفي رقاعا فييا ٙٔ تارٌخ الإسلام السٌاسً والدٌنً والثقافً والاجتماعً ، د.حسن إبراهٌم حسن ، الجزء الأول ، دار الأندلس ، بٌروت، صفحة ٔ 7 الاستٌعاب فً معرفة الأصحاب، ابن عبد البر القرطبً .الجزء الثالث ، تحقٌق الشٌخ علً محمد معوض ، دار الكتب العلمٌة ، لبنان بٌروت ، الطبعة الأولى ٘، صفحة ٖٕٙ 8 بهجة المحافل وبغٌة الأماثل، عماد الدٌن ٌحٌى بن أبً بكر العامري ، متوفى 9 هـ ، المجلد الأول ، دار صادر ، بٌروت، صفحة ٗٓٔ All Rights Reserved - Library of University of Jordan - Center of Thesis Deposit
عدد الصفحات ٣٥7 سورة طو مكتوبة فتجمس عمييا ، فيمطميا ويد مييا وىي أختو ، ت خبيء الرقعة عف أخييا ، يا لمعجب ! حاليـ مازاؿ كما ىو في السنة السادسة لمبعثة ، حاؿ ىروب ، وخوؼ ، وكتـ لإسلاميـ عف أعز أىميـ والإخواف ، وتخؼ ٍ دائـ . وبما أف المسمميف كانوا قمة مستضعفيف في أرض الله عامة ومكة خاصة ، فمـ يقتض الحاؿ تفصيلا وتشريعا مف الله لممسمميف في مكة ، بؿ انصب الْمر وركزت الآيات عمى توحيد الله والْمر بعبادة إلو واحد بدؿ آلية متعددة . وكانت السور قصارا في ذلؾ الوقت إمعانا في إعجاز قريش – مع أف القرآف كمو معجز – وا حراجا ليـ لعميـ يعقموف ، ومراعاة مف الله لمقتضى حاؿ المسمميف الجدد المستضعفيف الذيف لا يستطيعوف الجير بالقرآف ، ويصموف خفاءً وستراً عف عيوف الناس ، في حالة مف المطاردة الدائمة سرا وجيرا ، تكيؿ ليـ قريش الويؿ والثبور ، فحاؿ المسمميف لـ يستقر بعدُ ، حتى يكوف في الوحي كثير مف التفصيؿ والإطالة . ● ثانيا : اقتصاديا كانت الحرفة السائدة في مكة ، في زمف بعثة ال نبي محمد ، صمى الله عميو وسمـ، حرفة التجارة ، فالعرب يتجروف بأمواليـ في تجارة ممتدة إلى الشاـ شمالا ، وا لى اليمف جنوبا ، والحبشة غربا ، ذكرىا الله في كتابو العزيز برحمة الشتاء والصيؼ ، وىذ ا حاؿ أىؿ مكة ، أما العرب خارجيا ، فكانوا يعمموف في الرعي كما يعمؿ غالب البدو في الصحراء ، مما قسـ المجتمع إلى غني تاجر All Rights Reserved - Library of University of Jordan - Center of Thesis Deposit
عدد الصفحات ٣٦8 وفقير عامؿ ، وتذكر كتب السيرة أف معظـ المسمميف في أوؿ بعث النبي الكريـ ، عميو الصلاة وأشرؼ التسميـ ، كانوا مف الفقراء لا مف الْغنياء ، فما حاجة ىؤلاء أوؿ البعث لتشريع يتعمؽ بالماؿ أو الزكاة والصدقات ، وىـ ممف لا يممكوف قوت يوميـ ، وىـ الْجدر بالتصدؽ عمييـ والإنفاؽ !! والفئة الْخرى فئة غنية مرابية مبتزة لخير الناس ، قد ينفروف مف الديف بمجرد ذكر ما يوجب عمييـ دفع ماليـ لمفقراء زكاة ، فيذا أ مر يتطمب مف الرجؿ قوة إيماف حتى يقوـ بإخراج مالو لمف كاف يحتقرىـ لسنيف كثيرة ، فكما حرـ الخمر عمى مراحؿ جرى الْمر مع التشريعات عمى النحو نفسو . إف الْحكاـ المفصمة تحتاج إلى زمف يقوى فيو الديف في قموب الناس ويرسخ فييا الإيماف ، وتتوسع فيو العلاقات الاقتصادية بادىء الْمر بيف المسمميف وغيرىـ ، حتى تستدعي التشريع الاقتصادي المفصؿ ، فلا دولة قائمة لممسمميف تجمعيـ ، ولكف ىذا ما حدث عندما ىاجر المسمموف إلى المدينة ، وأنشأوا علاقات مع الييود وغيرىـ اجتماعية واقتصادية وسياسية . إذا أردنا التفكر أكثر في حاؿ المسمميف والدعوة في الزمف المكي ، فإننا سنجد أف الله اختص تمؾ الفترة مف الدعوة بالسور القصار حتى لا يشغؿ المسمميف بأمور تفصيمية تميييـ عف الإبلاغ السريع لفحوى دعوة رسوؿ الله ، صمى الله عميو وسمـ ، فالميمة الْولى والْولى دائما ىي تبميغ الرسالة الموح دة في ظؿ الكفر الطاغي ، ىذه واحدة ، والثانية أف الميمة التبشيرية عادة لا تتناوؿ تفاصيؿ الحياة الاقتصادية لْناس لـ يدخؿ الإسلاـ في قموبيـ بعد ، بؿ ىذا ما يجب بعد أف يؤمف القوـ ، فمبدأ الْولويات قائـ في ديننا وسنة نبينا التي لا ينطؽ فييا الرسوؿ صمى الله عميو وسمـ ، عف اليوى ، فكما حرـ الخمر في مراحؿ ، وأذف لممسمميف بالجياد في مراحؿ كذلؾ ، نزؿ القرآف All Rights Reserved - Library of University of Jordan - Center of Thesis Deposit
عدد الصفحات ٣٧9 عمى مراحؿ راعت الحاؿ والْحواؿ ، فبدأت قصيرة وأخذت تطوؿ بعد أف رسخ الإيماف في القموب شيئا فشيئا واستقر الْمر لرسوؿ الله ، صمى الله عميو وسمـ . ● ثالثا : سياسيا التزـ العرب في مكة جانب الحياد في الحروب الدائرة بيف الفرس والروـ ، فتركوىا مستعرة بينيـ ، ورفضوا الانضماـ لْي الفريقيف ، كما فعؿ المناذرة شرقا والغساسنة شمالا ، وساعدىـ عمى ذلؾ بعد الْرض وجغرافية المكاف وقمة الموارد التي جعمت أيا م ف الفريقيف لا يط مع في أرض العرب ، الذيف كثيرا ما كانوا يرتحموف عف أرضيـ الجدباء ، بحثا عف الكلأ والماء ، فلا وحدة سيا سية ليـ ، ولا يوجد ممؾ يحكميـ، أو ييدد غيره مف الممالؾ ، يقوؿ أحد الشعوبييف : " ولـ يكف لمعرب ممؾ يجمع سوادىا ، ويضـ قواصييا ، ويقمع ظالميا وينيى سفيييا ، و لا كاف ليـ قط نتيجة في صناعة ولا أثر في فمسفة إلا ما كاف مف الشعر " ٜٔ فجاءت الآيات والسور قصارا لا تقتضي التشريع السياسي المفصؿ ، الذي لا يحتاجو المسمموف في ىذا الوقت تحديدا، فلا دولة تضميـ ولا ممؾ يحكميـ ولا علاقات سياسية مع غيرىـ تحتاج لتفصيؿ ، كما حدث ب عد اليجرة ، وا ف وجد ليـ بعض الْحلاؼ أو المعاىدات فسرعاف ما ينحؿ ىذا الحمؼ لْوىف الْسباب ، طمعا في ماؿٍ ، أو منصب ٍ أو مكانة اجتماعيةٍ إف قوي بعض الْطراؼ عمى بعض ، " فالقبيمة ىي الوحدة التي انبنى عمييا كؿ نظاميـ الاجتماعي ، وىذه القبائؿ في نزاع دائـ ، وقد ت تحالؼ القبيمة مع قبيمة أو قبائؿ أخرى للإغارة 9 العقد الفرٌد ، ابن عبد ربهأحمد بن محمد الأندلسً ، الجزء الثالث، دار الكتب العلمٌة – بٌروت ،الطبعة الأولى ٖ، صفحة ٖٖ٘ All Rights Reserved - Library of University of Jordan - Center of Thesis Deposit
عدد الصفحات ٣٨ٖٓ عمى حمؼ آخر ، أو لرد غارة أو نحو ذلؾ مف الْغراض ، وقد تمر الْجياؿ وتنسى القبائؿ المتحدة أسماءىا وشخصياتيا وتنضـ تحت اسـ واحد ىو اسـ أقواىا " . ٕٓ ويذكر الكتور جواد عمي حاؿ العرب السياسية قائلا : "قاـ النظا ـ السياسي في جزيرة العرب عمى العصبية ، التي تبمغ ذروتيا في العصبية لمقبيمة . والعصبية لمقبيمة ىي القومية بالقياس إلى العرؼ البدوي . وتتوسع ىذه العصبية أو القومية الْحلاؼ ، فتشمؿ القبائؿ والعشائر المتحالفة بالنسب أو بالجوار والداخمة في " الحمؼ " . ويضيؼ ومجتمع ىذا شأنو مبني عمى أساس العصبيات المتعددة ، لا يمكف أف تظير فيو نزعة قومية ،أو فكرة إنسانية أممية ، لْف الوعي السياسي فيو ضيؽ محدود لا تتجاوز حدوده حدود القبيمة في الغالب أو حدود القبائؿ المنتمية إلى الجد . فقوميتيا قومية ضيقة . وجنسيتيا جنسية النسب ." ٕٔ فيذا الحاؿ لا يحتاج لتشريع وتفصيؿ وا طالة ، في أوؿ البعثة في مكة ، بؿ إف طبيعة التبميغ الذي يحتاجو المسمموف في ذلؾ الوقت ، وسرعتو المطموبة ، لا تكوف بسور طواؿ يعجز الشخص عف نقميا وتبميغيا لإخوانو بالسرعة المناسبة ، فكما يتحدث أفراد الجيوش والجنود بكممات مختصرة مؤدية لممعني ، أو برموز خاصة فيما بينيـ ، كذلؾ كاف الحاؿ مع المسمميف في بداية الدعوة ، فيـ بحاجة لشيء سيؿ النقؿ والتبميغ ، يسيؿ حفظو ، وا يصالو لمف يريد ويرجو فيو اليداية . إف بعض الْحاديث الطويمة بيف الْشخاص مدعاة لمشؾ والريبة ، وىذا يؤذي الدعوة ويرىؽ أصحابيا وأفرادىا ، فمو فرضنا عمى سبيؿ المثاؿ أف عبدا مف عبيد سادات قريش – الذيف دخؿ ٕٓ فجر الإسلام ، أحمد أمٌن ، صفحة ٘ ، مطبعة الاعتماد 8 ٕٔ تارٌخ العرب قبل الإسلام ، د. جواد علً ، ج ٗ ، ص ٖٕٔ-ٕٗٔ All Rights Reserved - Library of University of Jordan - Center of Thesis Deposit
عدد الصفحات ٣٩ٖٔ الكثير منيـ في الإسلاـ وكاف ليـ السبؽ – يجري حديثا مطولا مع غيره ، سيدا كاف أـ رجلا عاديا ، فإنو سيثير الريبة والشؾ في قمب سيده ، وسيستجوبو استجوابا دقيقا ليعرؼ ما يدور حولو ، فقد يأتمر الرجؿ بو ليقتمو مثلا ، خاصة وىـ يسوموف عبيدىـ العذاب واليواف ، ولا يحترمونيـ ولا يعنوف ليـ شيئا ذا باؿ ، فكيؼ ستنزؿ سورة كالبقرة مثلا بما فييا مف تفصيؿ يقتضي إيصاليا لمناس آنذاؾ، كما يقتضي أف يتبعيا شرح طويؿ . إف الظروؼ السياسية ، السائدة في زمف البعثة في مكة ، ل ـ تكف تتيح لممسمـ أف يمارس شعائر عبادة ربو وا يصاؿ رسالتو عمى أتـ وجو ، فالمطاردة والملاحقة مف قريش لممسمميف الجدد المتيميف بتغيير ديف الآباء و الْجداد ، كانتا عمى أشدىما ، ملاحقة قد تكوف لْعز ما يممؾ المسمـ ، قرآنو ، فم ف الْفضؿ أف يبقى في الصدور حينا، لا أف يوضع في القراطيس والجمود ، فييمؾ بسببو المؤمنوف بداية فيضعؼ الديف ويذىب أمره . لقد خفؼ الله عف المسمميف بسور قصار يسيؿ حفظيا مراعاة ل حاليـ ، ولمياميـ الجيادية - إف أمروا بيا في أي لحظة – التي تستدعي التخفؼ ، وىؿ يعقؿ أف يترؾ المؤمف سورة مف القرآف نقشيا عمى حجر، وراءه إف أمر بقتاؿ ، أو نصرة نبي ، يتركيا لممشركيف لينجسوىا ؟! لقد رأينا المشركيف في زماننا كيؼ ينجسوف ويمزقوف المصاحؼ في الدو ؿ التي يحتمونيا ، في العراؽ وأفغانستاف وغيرىما ، وما ىـ إلا أنموذج لكفار كؿ عصر . كاف الخوؼ سيد الموقؼ ذاؾ الزمف ، فمو نظرنا في قصة إسلاـ عمر بف الخطاب رضي الله عنو ، لوجدنا في الكثير مف المراجع وكتب السير ما يثبت خوؼ المسمميف مف عمر بف الخطاب All Rights Reserved - Library of University of Jordan - Center of Thesis Deposit
عدد الصفحات ٤٠ٕٖ عند مجيئو ليعمف إسلامو ، إلى دار الْرقـ بف أبي الْرقـ ، عندما قاـ أحد المسمميف لينظر مف الطارؽ ، فإذا بو يرى مف خمؿ الباب عمر بف الخطاب فيصاب بالفزع ، فيخاطب الرسوؿ ، صمى الله عميو وسمـ ، قائلا " إنو عمر بف الخطاب متوشحا سيفو " وىذا يدؿ عمى خوؼ المسمميف الضعفاء مف سفير قريش في الجاىمية عمر ، ولكف الله شد أزر المسمميف قبؿ تمؾ الحادثة بأسد الله حمزة بف عبد المطمب ، رضي الله عنو ، فيجيب حمزة عف رسوؿ الله صمى الله عميو وسمـ " فأذف لو، فإف كاف يريد خيرا بذلناه لو وا ف كاف يريد شرا قتمناه بسيفو " ٕٕ وىذا كاف في السنة السادسة مف البعثة ، وعمى الرغـ مف ذلؾ كانت حالة الخوؼ والتخفي والاستتار عف الناس قائمة ، لقد مثمت ىذه الحادثة دليلا عمى انعداـ الْمف النفسي والفكري لممسمميف في مكة ، فيـ يختبؤوف في دار الْرقـ ليتحدثوا بأمر دينيـ وتعاليـ رسالتيـ ، بصوت خافت ، يخافوف في كؿ لحظ ة مجيء غريب أو لمكتشؼ سرىـ ينبيء قريشا فتغير عمييـ ، فإذا كانت السور طوالا تحتاج الكثير مف الشرح والتفسير مف النبي الكريـ ، صمى الله عميو وسمـ . رابعا : ثقافيا لـ يكف العرب في الجاىمية عمى قدر يذكر مف مقومات الحياة الثقافية والعممية ، عدا ما يتصؿ مف ذلؾ بالشعر وروايتو والخطابة وا تقانيا ، عمى الرغـ مف ذلؾ لـ يكف الرجؿ عندىـ ليكمؿ إلا إذا أتقف القراءة والكتابة ،يقوؿ ابف الجوزي في حديثو عف سعد بف عبادة ، المعروؼ بأب ي ثابت ٕٕ خاتم النبٌٌن ، محمد أبو زهرة ، الجزء الأول ، دار الفكر العربً ، الطبعة الأولى ٕ، صفحة 78 All Rights Reserved - Library of University of Jordan - Center of Thesis Deposit
عدد الصفحات ٤١ٖٖ الخزرجي : " كاف يكتب في الجاىمية ،وكانت الكتابة في العرب قميلا ، وكاف يحسف العوـ والرماية ، وكاف مف اجتمع لو ذلؾ يسمى الكامؿ " ٖٕ " وقد ذكر الْخباريوف أف الرجؿ إذا كاف شاعرا شجاعا كاتبا سابحا راميا دعي " الكامؿ " ولذلؾ عرؼ سوي د بف الصامت الْوسي بػ" الكامؿ "لوجود ىذه الخصاؿ فيو " ٕٗ وىؤلاء قمة في أمة وصفيا الله تعالى بالْمية في قولو تعالى : " ىو الذي بعث في الْمييف رسولا منيـ يتمو عمييـ آياتو ويزكييـ ويعمميـ الكتاب والحكمة وا ف كانوا مف قبؿ لفي ضلاؿ مبيف "ٕ٘ يقوؿ الزمخشري في كشافو :" الْمي : منسوب إلى أمة العرب ، لْنيـ كانوا لا يكتبوف ولا يقرؤوف بيف الْمـ .... ومعنى " بعث في الْمييف رسولا منيـ " بعث رجلا أميا في قوـ أمييف ، كما جاء في حديث شعياء : إني أبعث أعمى في عمياف ، وأميا في أمييف " ٕٙ فنزلت السور قصارا حتى يسيؿ حفظيا وترتيميا وتنتشر بيف أناس لا يعرفوف القراءة والكتابة ولا يممكوف أدواتيا ، وىذا أدى إلى عدـ شيوع ا لتدويف في ىذا الوقت مف زمف البعث ة ، يقوؿ الدكتور عبد الحميد جيدة : "وكاف العرب في الجاىمية يكتبوف عمى جريد النخؿ وعظاـ الْكتاؼ والْضلاع مف الشاة والإبؿ ، وظؿ العرب فيما بعد في العصر الإسلامي الْوؿ يكتبوف عمى سعؼ النخيؿ والكرانيؼ وىي حجارة عريضة رقيقة ناعمة ، كما كتبوا عمى الرقاع وعمى قطع الْديـ وىو جمد الحيو اف الطبيعي وبخاصة جمود الظباء "ٕٚ وىذه الْدوات صعبة الاستخداـ ، ترىؽ وتتع ب مف يعمؿ بيا أو يكتب عمييا ، فحرفة كيذه جد شاقة ، غير رائجة ولا مربحة ، يذكر الدكتور عمي الجندي في كتابو " في تاريخ الْدب الجاىمي " ، " كما ٖٕ المنتظم فً تارٌخ الملوك والأمم ، أبً الفرج عبدالرحمن بن علً بن محمد بن الجوزي ، المتوفى 97هـ ، المجلد الرابع ، الطبعة الأولى ٕ ، دار الكتب العلمٌة بٌروت ،صفحة 98 ٕٗ تارٌخ العرب قبل الإسلام ، د. جواد علً ، جٗ ص 7 ٕ٘ سورة الجمعة ، آٌة ٕ ٕٙ الكشاف عن حقائق غوامض التنزٌل ، محمود بن عمر الزمخشري ، الجزء الرابع ، دار الكتاب العربً ، بٌروت 8 ، صفحةٓٓٗ 7 إنشاء الكتابة عند العرب ، عبد الحمٌد جٌدة ، منشورات دار الشمال، الطبعة الأولى ٙ ، صفحة 8 All Rights Reserved - Library of University of Jordan - Center of Thesis Deposit
عدد الصفحات ٤٢ٖٗ أف أدوات الكتابة كانت الحجارة والجمود والسعؼ وأمثاليا مما لا يحبب الكثير في مزاولتيا ، ومف ثـ كاف الاعتماد الْساسي في حفظ الآثار وتسجيميا يقوـ عمى الذاكرة والترديد الشفيي ، ويتابع ... كانت الكتابة موجودة ومعروفة لدييـ ولكنيا كانت بنسبة قميمة قد تصؿ إلى حد الندرة أحيانا ، فكانت غالبية الشعب لا تعرؼ القراءة والكتابة وبخاصة بيف البدو سكاف الصحراء ، وذلؾ لْف ضرورات الحياة ، ومشاغميا ، والسعي لطمب الرزؽ والقوت كانت تستغرؽ كؿ أوقاتيـ أو جميا ، فمـ يكف لدييـ فراغ يجمسوف فيو منذ الطفولة ليتعمموا القراءة والكتابة ، ثـ إف وسائميا مف الجمود والعظاـ وسعؼ النخيؿ ، وقطع الخشب وأمثاليا كانت غير ميسرة ، ولا تحبب في استعماليا والاىتماـ ب يا لكي يسجموا بيا كؿ آثارىـ " ٕٛ نستشؼ مف قوؿ الجندي ، أف وجود فقراء معدميف لا يجدوف بضع تمرات تقيتيـ في اليوـ والميمة ، يسعوف في طمب قوت يوميـ جؿ وقتيـ، لا يوجد عندىـ وفر ماؿ أو قوت ، يبعد الناس عف القراءة وأدواتيا غير المتوفرة كثيرا ، وىي باىظة الثمف قطعا ، وا ف وجدوا ىذه الْدوات فحفظيا مف التمؼ صعب ، وتخزينيا صعب لْناس م طارديف مضطيديف في مكة ، وىـ قمة، ونجد ىذا واضحا في قوؿ الدكتور جواد عمي : " ومرد السبب في عدـ وصوؿ شيء مف الكتابات المدونة عمى تمؾ المواد ، إلى قابمية ىذه المواد لمتمؼ ، وحاجتيا إلى العناية الشديدة ، بدليؿ عدـ وصوؿ شيء ما مف الكتابات المدونة عمى الجمود وعمى جريد النخؿ ، وعمى المخاؼ والعظاـ والقراطيس مف صدر الإسلاـ ومف أياـ الرسوؿ خاصة مع أىميتيا وقدسيتيا . وليس في استطاعة أحد أف ينكر أف القرآف الكريـ قد كتب ىذه (كذا)* المواد المذكورة ، وأف الرسوؿ قد أمر فكتبت لو 8 فً تارٌخ الأدب الجاهلً ، علً الجندي ، طبعة دار التراث الأولى ٔ، صفحة ٓٗٔ *هناك خطأ مطبعً ، الصواب "على هذه المواد المذكورة " All Rights Reserved - Library of University of Jordan - Center of Thesis Deposit
عدد الصفحات ٤٣ٖ٘ عدة كتب وعقود ومواثيؽ ، ولكف بادت أصوليا . " ٜٕ ويظير لمباحث أف الكتابة كانت في فئة ليسوا مف فقراء أ و ضعاؼ القوـ ، فأبو بكر الصديؽ ، وعمر بف الخطاب ،وعثماف بف عفاف ، وعمي بف أبي طالب، وعامر بف فييرة ، وخالد بف سعيد بف العاص بف أمية، وأبي بف كعب ، وزيد بف ثابت ، وخالد بف الوليد ، ومعاوية بف أبي سفياف ، وعمرو بف العاص ، وأبو سفياف بف حرب ، وعبد الله بف رواحة ، والْرقـ بف الْرقـ الزىري ، والمغيرة بف شعبة ، والزبير بف العواـ ، كميا أسماء وردت عند القمقشندي في كتابو " صبح الْعشى في صناعة الإنشاء " تعد مف خيرة قبائؿ العرب وأشرفيـ وأغناىـ ، وىذا ما يدؿ عمى أف الكتابة والقراءة كانت حكرا عمى قوـ أغنياء أو أشراؼ نوعا ما ، وليسوا بالبسيطيف في قوميـ ، فميـ مكانة مادية أو اجتماعية أو عقمية ، وىذا ما دعا النبي ، صمى الله عميو وسمـ،لْف يطمب فداءَ أسرى بدر مف المشركيف أف يعمموا عشرة مف صبياف المسمميف . لقد كاف قصر السور مزية لحياة المسمميف الْوائؿ بكؿ جوانبيا ، يظير ذلؾ مف قوؿ الدكتور عبد الحميد جيدة عف الرواية ، التي تستمزـ الحفظ لمنقؿ عند أن اس لا يقرؤوف ولا يكتبوف " إف الرواية كانت أكثر نفعا لمناس مف التدويف لْنيا تحركيـ وتنشطيـ وتدفعيـ بالقوة التخييمية الكامنة في النص المروي المحفوظ في الصدر نحو الفعؿ . إف النص الْدبي أو العقائدي عندما ينقؿ مف صدر إلى صدر ينقؿ معو تخيمو ، وبيذه التخاييؿ الإنسانية تتحقؽ الوحدة الروحية في المجتمع مف خلاؿ رواية النص الواحد ... ويضيؼ " إف المسمميف عندما كانوا في عصر الرواية حيث كاف النص يستوطف في الصدور ، لا الورؽ ، كانوا أعظـ إيمانا وأقوى اندفاعا وتحمسا وأكثر انتصارا وانتشارا مف عصر التدويف . إف التواصؿ الحقيقي في المجتمع العربي الإسلامي ما تـ إلا بالرواية والمشافية 9 تارٌخ العرب قبل الإسلام ، د جواد علً ، الجزء الساٌع، صفحة ٖ٘ All Rights Reserved - Library of University of Jordan - Center of Thesis Deposit
عدد الصفحات ٤٤ٖٙ والنقاش حيث تتجدد فاعميات النصوص الداخمية التخييمية في الناس ، وتغنى بيـ وفييـ . ولقد أثبتت التجارب القديمة والحديثة أف الرواية والخطاب يؤثراف في الآخر السامع أكثر بكثير مف الكتابة ، وفي كثير مف الْحاييف تيمؿ وتقع خارج الإنساف وتنقطع عنو ، بينما الرواية الخطاب تؤسس ثقافة فاعمة، وعملا سياسيا، بالمعنى العاـ ، مفيدا وفاعلا أيضا "ٖٓ . وىكذا كانت القدرة عمى التدويف غائبة في ظؿ الظروؼ التي كانت سائدة ، فوسائؿ التدويف ومواده ضئيمة غير متيسرة ، والعنصر البشري الكاتب غائب في أمة أمية ، فضلا عف طبيعة ظروؼ الدعوة في مكة المتسمة بالسرية ، فمـ يكف معقولا حمؿ ما يثير الشبية مف أدوات وما يمزـ لمكتابة والتدويف ، وا ف ضبط ذلؾ فعاقبتو غير سميمة، والكاتب يحتاج للإضاءة إف أراد الكتابة في الميؿ ، فيو يختبيء في النيار عف عيوف قريش والكفار ، والضوء يجمب الشبية إليو ليلا في وقت متأخر مما قد يكشؼ أمره في جنح الميؿ ، فظروؼ التخفي سائدة ملازمة لممسمميف ،حتى أف المسمميف في ذلؾ الوقت قد لا يستطيعوف إضاءة شمعة في ظلاـ الميؿ عند اجتماعيـ في إحدى الدور كدار الندوة مثلا حتى لا يكشؼ أمرىـ ، وقد لا يممكوف ثمنيا ، ليذا يرى الباحث أف قصر الآيات ذاؾ الزماف مدعاة لحفظيا وتناقميا بيف الناس البسطاء وىـ نواة الدعوة في زمف كاف لمكممة فيو نفوذ واسع وتأثير بالغ . يضاؼ إلى ىذا كمو ثقافة الداعية الخاصة المعمـ مف ربو، وترتيبو لْوليات التبميغ التي رحـ الله بيا الناس في أوؿ البعثة ، فداعيتنا الْوؿ رسوؿ الله ، صمى الله عميو وسمـ ، قد راعى ترتيب ٖٓ إنشاء الكتابة عند العرب ، عبد الحمٌد جٌدة ، صفحة 8 All Rights Reserved - Library of University of Jordan - Center of Thesis Deposit
عدد الصفحات ٤٥7 الْوليات في دعوتو كما راعاىا ربنا في كتابو وتنزيمو ، فالمنطؽ الرباني الذي عممو الله عز وجؿ لرسولو الكريـ ، وتعممو كؿ داعية بعد رسولنا عميو أفضؿ الصموات وأتـ التسميـ ،يستوجب أف يشتغؿ الرسوؿ والداعية بالميمات الْولى ، فيؿ مف المنطؽ أف يتحدث القرآف ورسوؿ الله عف الربا وتعدد الزوجات والطعاـ المحمؿ والمحرـ مثلا ، قبؿ الحديث عف موضوع الكفر والإشراؾ بالله الذي أفسد القوـ ذاؾ الزمف ؟!! ويتجمى ىذا الْمر في تصرؼ المسمميف مع أعدائيـ الكفار لحظة إسلاميـ ، ففي لحظة ينقمب العدو إلى حبيب بمجرد أف يتمفظ بالشيادتيف ، شيادة أف لا إلو إلا الله وأف محمدا رسوؿ الله ، وىذا ما جرى مع عمر بف الخطاب رضي الله عنو ، بعد أف كاف حمزة بف عبد المطم ب، رضي الله عنو ، قد نوى أف يبطش بو في دار الْرقـ بف أبي الْرقـ . ● خامسا : دينيا لقد بعد الزمف بالعرب عف الديف الذي اتبعوه أوؿ الْمر ، فإف كانوا يؤمنوف كما يزعموف بإبراىيـ نبيا حنيفا ، فمـ لـ يتبعوا سنتو وشريعتو ؟! لقد طاؿ الزماف فنسوا تعاليمو المشابية لما دعا لو محمد ، صمى الله عميو وسمـ ، وحالت مصالحيـ وأىواؤىـ بينيـ وبيف اتباع الديف الجديد ، القديـ ، فأشركوا مع الله أصناما جمبيا عمرو بف لحي وىو سيد مف سادات قريش في ما مضى ، وعمى رأسيا ىبؿ الذي وضع في الكعبة ، فاليعقوبي يذكر : " أف عمرا ً لقي في الشاـ قوما مف العماليؽ يعبدوف الْصناـ ، وبعدىا أغروه بأنيا تنصرىـ وتجمب ليـ الغيث ، فس أليـ عمرو أف يعطوه منيا واحدا ً ، All Rights Reserved - Library of University of Jordan - Center of Thesis Deposit
عدد الصفحات ٤٦8 فأعطوه صنما يقاؿ لو ىبؿ ، فقدـ بو مكة ووضعو عند الكعبةٖٔ فأدخؿ الوثنية إلى جزيرة العرب واستفاد وقومو مف مكانة دينية عظيمة ، يقوؿ جواد عمي : " ويذكر أىؿ الْخبار أف الجاىمييف جميعا مف قحطاف وعدناف كانوا قبؿ عمرو بف لحي الخزاعي عمى ىذا الديف . كانوا موحديف يعبدوف الله جؿ جلالو وحده ، لا يشركوف بو ولا ينتقصونو . فمما جاء عمرو بف لحي ، أفسد العرب ، ونشر بينيـ أضاليؿ عبادة الْوثاف ،بما تعممو مف وثنيي بلاد الشاـ حيف زارىـ ، وحؿ بينيـ ، فكاف داعي الوثنية عند العرب والمبشر بيا ومضميـ الْوؿ " ٕٖ ويقوؿ محمد أبو زىرة :" ويجب أف يذكر في ىذا المقاـ أف الوثنية سادت العرب ، فنسوا ديف إبراىيـ ، وديف ىود وصالح وغيرىـ وسرت فييـ الوثنية سرياف النجاسات في ا لماء الطاىر القراح " ٖٖ وتقادـ الزمف عمى ىذا الفعؿ وصار في الكعبة ما يزيد عمى ثلاثمائة وستيف صنما ، فيؿ يتخيؿ عاقؿ أف القرآف سينزؿ في أوؿ أيامو بسور طواؿ تفصؿ كؿ شيء ؟! وىؿ سيقبؿ كفار قريش ىذا القرآف الذي يتعارض مع مصالحيـ وينسفيا نفسا ؟ وطاؿ ابتعاد زمف آخر نبي عرفتو العرب كصالح وىود ، وطوؿ فترة عدـ عقاب الله لْحد الْقواـ الكافرة ، كقوـ لوط وىود وشعيب وصالح – وكميـ مف العرب – انحرفوا انحرافا شديدا جعميـ يستبدوف بمف في مكة وما حوليا وأوليـ مف أسمـ وجاء بما يناقض مصالحيـ ويخالفيا ، فعيسى عميو السلاـ ، جاء قبؿ رسوؿ الله ، صمى الله عميو وسمـ ، بما يقارب ستمائة عاـ ، يقوؿ الديار بكري :" إنو كاف مف زماف عيسى إلى مولد نبينا عميو السلاـ ستمائة سنة وفي رواية خمسمائة وثماف ٖٔ تارٌخ الٌعقوبً ، أحمد بن أبً ٌعقوب بن جعفر بن وهب الٌعقوبً ، المجلد الأول ، دار صادر للطباعة والنشر ، بٌروت، ٓٙ م ، صفحة ٕٗ٘ ٕٖ تارٌخ العرب قبل الإسلام ، د. جواد علً ، الجزء الرابع ، صفحة 89-ٓ ٖٖ خاتم النبٌٌن ، محمد أبو زهرة ، الجزء الأول ، صفحة 8 All Rights Reserved - Library of University of Jordan - Center of Thesis Deposit
عدد الصفحات ٤٧9 وسبعوف سنة مما رفع عيسى إلى السماء ٖٗ وتمؾ فترة بعيدة في الزمف ، وا ف قمنا إف عيسى أرسؿ لبني إسرائيؿ ولـ يكونوا في جزيرة العرب ، فسنرجع لمف قبمو مف رسؿ ، فيذا موسى عميو السلاـ أرسؿ كذلؾ لبني إسرائيؿ فخرج بيـ مف مصر في زمف أقدـ مف زمف عيسى عميو السلاـ ، وقبمو جاء شعيب عميو السلاـ لعرب مثميـ وقبمو لوط عميو السلاـ ، لعرب أيضا ، فمقد سكف قوـ لوط عم ى أطراؼ الجزيرة العربية وعرفيـ العرب ووصمتيـ قصتيـ ولكف الفترة طويمة أنستيـ الفطرة السميمة وتعاليـ ربيـ عز وجؿ أياـ ىود وشعيب ولوط وا سماعيؿ والرسؿ الكراـ قبميـ ، ويذكر محمد أبو زىرة عف ىود عميو السلاـ ويخبر أنو عربي فيقوؿ :" ىود أقدـ مف إبراى يـ عميو السلاـ ، كاف مف قوـ عاد، وكانوا عربا يسكنوف بالْحقاؼ ، وكثيرا ما كانوا يسكنوف الخياـ ذوات الْعمدة الضخمة . ويذكر ابف كثير أنو يقاؿ إف ىودا أوؿ مف تكمـ بالعربية " ٖ٘ فكاف الْولى إذاً أف تنزؿ الآيات قصارا تقنعيـ بأف لمكوف إليا واحدا لا شريؾ لو ، متناولة فكرة مكثفة مركزة وىي توحيد الْلوىية والربوبية ، فالْولوية ليذه الفكرة ، في ديف راعى الْولويات دائما ، فلا حاجة للاستطراد والإطالة والتفصيؿ الكثير بؿ القصر والإيجاز أقوى لمحافظة وأعم ؽ في الذىف وأدعى لمتفكر والتمعف. لقد كاف قصر السور ملائما لإيقاع الحياة المتسـ بالحركة والسرعة والقمؽ الذي عانى منو المسمموف في بداية البعثة والذي استمر زمنا ليس بالقميؿ . ٖٗ تارٌخ الخمٌس فً أحوال أنفس نفٌس ، حسٌن بن محمد الدٌار بكري ، الجزء الأول ، مؤسسة شعبان للنشر ، بٌروت ، صفحة 98 ٖ٘ خاتم النبٌٌن صلى الله علٌه وسلم ، محمد أبو زهرة ، الجزء الأول ، صفحة ٗٗ All Rights Reserved - Library of University of Jordan - Center of Thesis Deposit
عدد الصفحات ٤٨