8 هيكل البحث والدراسة وبناء عمى ما سبؽ ، فقد قسمت ىذه الدراسة عمى مقدمة وثلاثة فصوؿ ، تحدث الفصؿ الْوؿ عف تحديد السور القصار وخصائصيا وموضوعاتيا وعلاقتيا بالبيئة التي نزلت فييا ، وكرس الفصؿ الثاني لبحث التصوير الفني في السور القصار ومفيوـ الصورة عند القدماء والمحدثيف مف العرب والغربييف ، ومف ثـّ حددّ البحث أنواع الصورة الفنية وما جاء منيا في السور القصار تحديداً ، وفي الفصؿ الْخير انصبّ البحث عمى ظاىرة التوازي وعناصر تشكيميا في السور القصار ، وكيؼ أثرت ىذه الظاىرة عمى بنية النص القرآ ني في السور القصار ، بأشكاليا المتعددة . وبعد ، فإف ىذا الجيد جيد متواضع مف الباحث ، أسأؿ الله عزّ وجؿّ أف يقبمو مني ، ويجزيني عميو خير جزاء ، فإف أصبت فيو فمف الله وتوفيقو ، وا ف أخطأت فمف نفسي ومف الشيطاف، فأنا أعرض لمبحث في كتاب معجز ، لف ينتيي إعجازه إل ى أبد الآبديف ، ورأيي صواب يحتمؿ الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمؿ الصواب ، كما قاؿ الشافعي رحمو الله ، ويقوؿ تعالى ذي عمـ عميـٙٚ ) ، فمست أدعي العمـ ، وسأبقى متعمّما إلى آخر يوـ في عمري . معاذ موسى يوسؼ البوريني عمّ اف / أيار / ٖٕٔٓ All Rights Reserved - Library of University of Jordan - Center of Thesis Deposit
عدد الصفحات ١٧9 الفصل الأول السور القصار في القرآن الكريم All Rights Reserved - Library of University of Jordan - Center of Thesis Deposit
عدد الصفحات ١٨ٓٔ ● تحديد قصار السور قد يتساءؿ المرء : كيؼ نميز السورة القصيرة مف الطويمة ؟ وىؿ ي كوف القصر في السورة أو في الآية؟ فآية (الديف) مثلا وىي أطوؿ آية في القرآف الكريـ ، لـ تأت في سورة مف قصار السور ، بؿ جاءت في سورة البقرة . احتار الباحث بادىء الْمر في حصر السور القصار ، و تحديد عدد آياتيا ، وبعد تمعف وتفكر في كتاب الله العزيز ، الذي نعمـ أف ترتيبو توقيفي مف عند الله ،يقوؿ الإما ـ جلاؿ الديف السيوطي :" اختمؼ العمماء في ترتيب السور ، ىؿ ىي بتوقيؼ مف النبي ، صمى الله عميو وسمـ ، أو باجتياد مف الصحابة ، بعد الإجماع عمى أف ترتيب الآيات توقيفي والقطع بذلؾ " ٔ وجد الباحث أف جؿ السور القصار جمعت في جزء "عـ يتساءلوف " عدا سورة الفاتحة ، التي افتتح بيا ىذا القرآف العظيـ ، وسور الطلاؽ والتحريـ والمنافقوف والجمعة والصؼ والممتحنة ، مف الجزء الثامف والعشريف ، والسور الست الْخيرة مدنية النزوؿ . إف مقتضيات البحث تفرض تحديد الحد الْعمى لعدد آيات السورة القصيرة ، ونظرا لكوف السور القصار بعامة ، توجد في جزء "عـ يتساءلوف" ، نتساءؿ ، ىؿ يمكف عػد سورة النبأ مثلا ذات الْربعيف آية سورة قصيرة - التي ىي أوؿ سورة في الجزء وليذا اختارىا البحث - مقارنة بسورة الكوثر ذات ثلاث الآيات ؟ ومف ثـ فقد قرر الباحث أف يصنع متوسطا حسابيا لعدد آيات السور القصار المجموعة في جزء " عـ يتساءلوف " ، ويقسـ عدد آيات ىذا الجزء عمى عدد سوره ، ليخمص ٔ ترتٌب سور القرآن ، جلال الدٌن السٌوطً ، م ٔٔ هـ . صفحة ٖٔ الطبعة الأخٌرة ،دار ومكتبة الهلال ،لبنان ،ٕٓٓٓ All Rights Reserved - Library of University of Jordan - Center of Thesis Deposit
عدد الصفحات ١٩ٔٔ بنتيجة تؤدي إلى تحديد طبيعة السور القصار ، ومعرفة ما جازت تسميتو سورة قصيرة منيا . وبناءً عمى ىذه المعادلة كانت النتيجة ،عمى وفؽ المعادلة ، ما يأتي : عدد آيات سور جزء عـ = ٗٙ٘ = ٕ٘,٘ٔ أي خمس عشرة آية عدد السور ٖٚ لذا فإف السور القصار يحددىا الباحث بأنيا ما كاف عدد آياتيا خمس عشرة آية أو أقؿّ ، وىي : " سور الشمس ،والضحى ، والشرح ، والتيف ، والقدر ، والبينة ، والزلزلة ، والعاديات ، والقارعة ، والتكاثر ، والعصر ، واليمزة ، والفيؿ ، وقريش ، والماعوف ، والكوثر ، والكافروف ، والنصر ، والمسد ، والإخلاص ، والفمؽ ، والناس ، والطلاؽ ، والتحريـ ، والممتحنة والصؼ والجمعة والمنافقوف .... وىذه الست الْواخر مف الجزء الثامف والعشريف ، فضلا عف فاتحة الكتاب " وبذا يكوف مجموعيا تسعا ًوعشريف سورة . ● السور القصار وخصائصها المكية وموضوعاتها إف الناظر، في أمر قصار السور في القرآف الكريـ ، لا بد أف يمحظ أنيا جاءت بمعظميا مكية ، وا ف كانت سورتا النصر والبينة لدى بعض ا لمفسريف ، كابف كثير مدنية ، غير أف موضوعيا، عمى الرغـ مف ذلؾ ، مكي قطعا . وىذا يسوغ لمباحث الحديث عف مكية ىذه السور وخصائصيا . All Rights Reserved - Library of University of Jordan - Center of Thesis Deposit
عدد الصفحات ٢٠ٕٔ ولعمماء التفسير ثلاثة أقواؿ ، فيما يسمى بالمكي مف السور، فمنيـ مف قاؿ : ٔ – إف المكي ما نزؿ قبؿ ىجرة الرسوؿ صمى الله عميو وسمـ ، والمدني ما نزؿ بعد اليجرة النبوية الشريفة " وىذا التعريؼ جامع مانع ، روعي فيو زماف النزوؿ ، وىو أولى مف رعاية المكاف " ٕ ٕ – إف المكي ما نزؿ بمكة ، ولو بعد اليجرة ، والمدني ما نزؿ بالمدينة وضواحييا ك بدر وأحد ، وىنا روعي في التصنيؼ مكاف النزوؿ . ٖ – إف المكي ما وقع خطابا لْىؿ مكة ، والمدني ما وقع خطابا لْىؿ المدينة . ىذه تصنيفات المكي والمدني مف السور، كما قسمو العمماء ، وا ف كاف الميؿ إلى الْولى أولى ، فالرسوؿ ، صمى الله عميو وسمـ ، أمضى أكثر مف نصؼ عمر رسالتو في مكة ، والزماف عنصر ميـ ، إف لـ يكف الْىـ في تحديد المكي والمدني ، فقد ينزؿ قرآف عمى رسوؿ الله صمى الله عميو وسمـ في مكاف يبعد ويختمؼ عف مكة والمدينة ، كبيت المقدس عمى سبيؿ المثاؿ ، فقولو تعالى: ( وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِ كَ مِنْ رُسُلِنَا ) ٖ نزلت ليمة أسر ي بالنبي صموات الله وسلامو عميو، في بيت المقدس ، فيؿ أصنفيا باعتبار المكاف مكية أـ مدنية وقد طالت المسافة ونأت بيف مكانيا ومكة والمدينة ؟! ٕ دراسات فً علوم القرآن ، د.محمد بكر اسماعٌل ، الطبعة الأولى ٔ صفحة 9 ٖ سورة الزخرف ، آٌة ٘ٗ All Rights Reserved - Library of University of Jordan - Center of Thesis Deposit
عدد الصفحات ٢١ٖٔ ولقد وضع العمماء ضوابط عامة يراعى فييا تمييز المكي مف المدني مف السور . وأوجز ىذه الضوابط بما يأتي : ٔ – كؿ سورة فييا قصص الْنبياء والْمـ الماضية مكية ، عدا البقرة وآؿ عمراف . ٕ – كؿ سورة فييا سجدة مكية . ٖ – كؿ سورة فييا قصة آدـ وا بميس مكية عدا البقرة . ٗ – كؿ سورة تبتدىء بحرؼ مف حروؼ المعجـ ، مثؿ ( الـ ، كييعص ) مكية عدا الزىراويف الب قرة وآؿ عمراف . ٘ – كؿ سورة فييا لفظ ( كلا ) مكية . يقوؿ الدكتور محمد بكر إسماعيؿ ، في كتابو دراسات في عموـ القرآف : " وقد ذكر ىذا المفظ في القرآف ثلاثا وثلاثيف مرة في خمس عشرة سورة ، كميا مف النصؼ الْخير ، لْف ىذا النصؼ نزؿ أكثره بمكة ، وأكثرىـ جباب رة فتكررت فيو عمى وجو التحديد " ٗ . ● موضوعات السور المكية موضوعات السور المكية بعامة ىي موضوعات السور القصار نفسيا ، فمقد انصبت السور المكية عمى موضوعات محددة دقيقة ، يمحظ فييا تميز عف موضوعات السور المدنية ، التي جاءت ٗ دراسات فً علوم القرآن ، د.محمد بكر إسماعٌل ، صفحة ٕ٘ All Rights Reserved - Library of University of Jordan - Center of Thesis Deposit
عدد الصفحات ٢٢ٗٔ تابعة ومكممة ومفصمة لما نزؿ في مكة أوؿ الدعوة ، فالقرآف المكي جاء مؤسسا ومثبتا لعقيدة رب السماء الْحد الصمد ، وأمور مجممة تفرعت فيما بعد إلى تشريعات وتفصيلات ، مناسبة للأوضاع التي نشأت عمى إثر ظيور نواة الدولة الإسلامية وتحقؽ ما يمكف أف يسمى بػػ " الاستقرار السياسي والاجتماعي والاقتصادي " . وأىـ الموضوعات بإيجاز ىي : ٔ – تقوية الْصوؿ العقائدية وتدعيميا ، تمؾ الْصوؿ التي جاءت بيا الكتب السماوية السابقة ، مف توحيد الإلو وربوبيتو . كما نقوؿ في أركاف الإيماف " الإيماف بالله وملائكتو وكتبو ورسمو واليوـ الآخر والقدر خيره وشره " وىذا ما جاء في الشرائع السماوية ، وأكده القرآف المنزؿ في مكة . ٕ – عني القرآف الكريـ المكي بالقضاء عمى العادات والتقاليد البغيضة ، التي شاعت عند العرب قبؿ الإسلاـ ، كوأد البنات ، وقتؿ النفس ، وأكؿ ماؿ اليتيـ ، والظمـ ، والزنا . ٖ – استبداؿ العادات الحسنة ومكارـ الْخلا ؽ بالعادات البغيضة الكريية ، التي كانت سائدة ، ومثؿ ىذا الاستبداؿ حركة تصحيحية تحبيا النفس السميمة الفطرة وأىؿ الطبائع الصافية النقية . ٗ – قصص القرآف الكريـ جاء ، في السور المكية ، لترسيخ المعتقدات الجديدة لدى المجتمع المسمـ الناشىء، والتذكير بالْمـ القريبة ، وما حدث ليا عندما كفرت بالله وأنعمو ، فوردت قصص الْنبياء والْمـ اليالكة فيو عمى ىذا النحو . All Rights Reserved - Library of University of Jordan - Center of Thesis Deposit
عدد الصفحات ٢٣٘ٔ ومما يؤكد ىذا الْمر أف الكفار اتيموا الرسوؿ صمى الله عميو وسمـ بأنو استقى معموماتو مف فتى رومي ، يعطيو ىذه القصص . قاؿ تعالى : ( وَلَقَدْ نَقْلَمُ أَنَّوُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُقَلِّمُىُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَجْىِ أَفْجَمًٌِّ وَهَذَا لِسَانٌ فَرَبًٌِّ مُبِجنٌ )٘ ىذا ورسوؿ الله في مكة ، فماذا لو تأخرت ىذه القصص إلى ما بعد اليجرة إلى المدينة ، إذا لكاف اتياميـ لرسوؿ الله ، صمى الله عميو وسمـ ، بأخذه عمـ أىؿ الكتاب أقرب لمتصديؽ ، مف قبؿ ضعاؼ النفوس والإيماف ومف كفار العرب . وىذه القصص ، التي لا يعرفيا العرب ، في تمؾ الفترة ، تدؿ عمى صدؽ رسوؿ الله ، صمى الله عميو وسمـ، وأف ىذا القرآف وحي مف الله تبارؾ وتعالى شأنو . ٘ – قصر معظـ آياتو وسوره ، ولا سيما أوائؿ ما نزؿ ، وىذا ما لا نممسو في الآيات المدنية ، وأغمب الظف ، في رأي الباحث ، أف ما نزؿ في أوؿ البعثة ، كاف ل قوـ أغمبيـ أميوف لا يعرفوف القراءة والكتابة يحتاجوف لمنياج بسيط يطبؽ أوؿ الْمر مما يسيؿ تذكره وتطبيقو منياجا لحياتيـ في عبادتيـ ومعاملاتيـ ، ولذا جاء قصيرا في بنيتو وفي آياتو ، ليساعدىـ عمى حفظو وتلاوتو ،" قيؿ لْبي عمرو بف العلاء : أكانت العرب تطيؿ ؟ فقاؿ : نعـ ، لتؤكد . قيؿ : أكانت توجز ؟ قاؿ : نعـ، ليحفظ عنيا " ٙ ، وجاء القرآف الكريـ بشكؿ لـ تعرفو العرب مف قبؿ ، فميس القرآف شعرا قرأوه في أسواقيـ ولا رجزا غنوه في خمواتيـ ، فقراءتو مختمفة في التلاوة ، فيـ بحاجة لشيء سيؿ في بداية تعمميـ التلاوة وممارسة الع بادات ، لذا كاف قصيرا . ٘ سورة النحل ، آٌة ٖٓٔ ٙ الخصائص ، أبو الفتح عثمان بن جنً ، الجزء الأول ، مطبعة الهلال ، مصر ، طبعة ٖٔ ، صفحة ٘ All Rights Reserved - Library of University of Jordan - Center of Thesis Deposit
عدد الصفحات ٢٤ٙٔ وأما السور المدنية ، فقد جاءت بموضوعات أخرى ، نذكرىا بإيجاز ، لنوضح الفكرة المطروحة ، ونظير الفرؽ بيف موضوعات السور القصار والمكية والسور المدنية . ٔ – بياف التشريعات والْحكاـ العقمية بالتفصيؿ . ٕ – ظيور تشريعات جديدة ، كالج ياد والصوـ وتحريـ الخمر والربا ، وما يتعمؽ بإدارة شؤوف المجتمع . ٖ – الحديث عف المنافقيف . وىذه ظاىرة لـ تكف في مكة المكرمة . ٗ – مجادلة أىؿ الكتاب بالبراىيف ، وبياف عقائدىـ المزيفة المحرفة . ● علاقة قصر السور بالمكان والبيئة نزلت السور القصار بمجمميا في مكة المكرمة ، بؿ إف ما يقارب تسعيف سورة نزلت في مكة، أي ما يزيد عمى ثمثي القرآف الكريـ ، ومف جممتيا السور القصار ، ويرى الباحث أف نزوؿ معظـ السور القرآنية في مكة لو دلالة وسر يدعواف المرء إلى التفكر ليربط بيف قصر السورة والحاؿ التي كاف عمييا المسمموف في ىذا الوقت في مكة. وباستعراض حاؿ المسمميف في مكة باختصار في سني البعثة الْولى ، نجد ما يسوغ نزوؿ السور قصارا في أوؿ البعثة . كاف المسمموف الْوؿ مستضع فيف في أرضيـ ، مضطيديف في قوميـ ، لا يجرؤ المرء منيـ عمى إعلاف تبعيتو لمحمد ، صمى الله عميو وسمـ ، حتى لا يسوموه سوء All Rights Reserved - Library of University of Jordan - Center of Thesis Deposit
عدد الصفحات ٢٥7 العذاب، وكانوا يشعروف بالخوؼ والرعب النفسي الشديد ، حتى كاف مكاف اجتماع الرسوؿ صمى الله عميو وسمـ لتبميغيـ الدعوة ، في دار عمى رأس جبؿ الصفا ، يتواروف فييا عف العيوف ، ىي دار الْرقـ بف أبي الْرقـ ، ومف الغريب أنيا كانت في وسط مكة ،بقرب الكعبة ، ولكف ذكاء رسوؿ الله ، صمى الله عميو وسمـ ، وحسف تخفيو واختبائو جعمو يختار مكانا كيذا لا يشؾ بو أحد ، في حيف كاف يخمو بعبادتو عمى رأس جبؿ خارج مكة ، إني ما التحوّط والتخفي المذاف يجعلاف المرء شديد الحذر، فكاف اختيار الرسوؿ لدار الْرقـ معمنا فييا دينو ورسالتو منبعثا مف حكمتو وذكائو ، صمى الله عميو وسمـ ، فاختيار دار قريبة مف الكعبة في وسط مكة يصرؼ عنيا شؾ قريش، فضلا عف أف تكوف بيت رجؿ مف قبيمة مف أقوى قبائؿ قريش وأعزىا (بني مخزوـ )، الذيف يكفروف بالرسوؿ صمى الله عميو وسمـ ، ويعذبوف أصحابو ، وكاف تعبده في غار حراء عمى رأس جبؿ يخمو بو إلى ربو بعيدا عف أعيف قريش واضطيادىا في أوؿ البعثة ، فيؿ يستطيع المسمـ الجديد ، في ظؿ ىذا الترويع النفسي ، أف يحفظ كلاما طويلا بميغا ، ليس مف القوؿ الذي اعتاده ، بؿ ىو قوؿ إلػو عزيز حكيـ أبمغو إلى رسول و الكريـ ،ولـ تتح ليذا المسمـ فرصة استماعو بأماف تاـ ، أو تلاوتو عمى الملأ وتناقمو بيف الناس كما كانوا يفعموف بأشعارىـ ، أو تعميقو عمى جدراف الكعبة ، كما ذكر عف معمقاتيـ . وىذا الحاؿ داـ سنيف عديدة ، يقوؿ سميح الزيف في كتابو (خاتـ النبييف ) : " انقض ت السنوات الثلاث الْولى مف بدء الوحي، ووضع المسمميف عمى حالو ،لا يطرأ عميو أي تغير ، يذىبوف لمصموات في شعاب مكة ، ويستخفوف عف العيوف في دار الْرقـ ، وكاف كمما دخؿ أحد في الإسلاـ أوصوه بالحرص عمى التكتـ، وعدـ ذيوع خبره ،إلا لمف يأنس عنده نفحة للإيماف ، وقاب مية All Rights Reserved - Library of University of Jordan - Center of Thesis Deposit
عدد الصفحات ٢٦8 لميدى ، وقبولا بالإسلاـ ٚ إذا الاعتماد ىنا يكوف عمى الذاكرة والحافظة ، فما عمؽ في ذىف امرىء بقي لو زادا ، وىذا يستوجب أف يكوف الكلاـ قصيرا موج زا ، حتى يتمكف المسمموف مف حفظو، إذاً نحف نعيش حالة مف سرية الدع وة استمرت ثلاث سنيف مف البعثة فيؿ يستطيع المسمـ أف يظير ما يدؿ عميو ؟؟ أو يمفت الْنظار لدينو أو شعائره التي يتبعيا ؟ فإف قبض عميو ووجدوا دليلا يثبت أنيـ صادقوف فيما يدعونو عميو مف اتباعو لديف جديد كانت نيايتو عمى أيدييـ ، فلا يستطيع المسمـ أف يكتب القرآف ويبقيو معو دليلا ضده يحسب عميو حيف يشؾ في أمره . ومف ثـ لـ تتنزؿ عمييـ سور طواؿ ، يرىقيـ حفظيا في قموبيـ وحمميا في متاعيـ . كاف الاستقرار مفقودا في مكة ، فلا يوجد ثمة مسجد ، أو مقر للاجتماع ، أو دار عمنية تنشر الدعوة ، ويرجع إلييا عمنا مف أراد الإسلاـ ، ولا يستطيع المسمموف أف يجمسوا مع نبي يـ صمى الله عميو وسمـ في طمأنينة ، في صحف الكعبة مثلا يتدارسوف دينيـ ، فمف كاف لو عائمة قوية تحميو لـ ييمؾ ، أما العواـ مف الفقراء فلا يحمييـ إلا الله، وليذا بني المسجد في أوؿ أياـ دخوؿ الرسوؿ صمى الله عميو وسمـ لممدينة ، وكاف أوؿ ما صنع فييا ، فالحاؿ قد تغير ، وبات القوـ يشعروف بنوع مف الاستقرار النفسي والفكري والاجتماعي والسياسي في الابتعاد عف قريش ، فيو مكاف لمتخطيط والدعوة ولقاء النبي والعبادة . 7 خاتم النبٌٌن محمد صلى الله علٌه وسلم ، سمٌح عاطف الزٌن ، دار الكتاب اللبنانً ، بٌروت ، الطبعة الثانٌة ٙ، صفحة 7 All Rights Reserved - Library of University of Jordan - Center of Thesis Deposit
عدد الصفحات ٢٧9 ● السور القصار والبيئة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية والدينية إف الباحث عف أمر السور القصار ، في القرآف الكريـ ، بيدؼ الكشؼ عف أسرار ىذه السور وأسباب قصرىا ، لا بد أف يمحظ في دراستو ما يربط ىذه السور بالبيئة المحيطة بيا ، والظروؼ التي نزلت فييا . رأينا إف قصار السور ، في القرآف الكريـ ، التي صنؼ ورتب جميا في جزء " عـ يتساءلوف " عدا سورة الفاتحة ، سور مكية النزوؿ والموضوع ، فأغمب سور جزء " عـ " مكية باستثناء سورتي ( البينة والنصر ) مع ملاحظة أف سورة النصر التي نزلت في زماف مدني ، مكية المكاف ، فقد نزلت في منى أي في نواحي مكة ، ولاحظ الباحث ست سور مدنية ، مف قصار السور، وجدىا في الجزء الثامف والعشريف مف كتاب الله ، وىي سورة المنافقوف ، مدنية وآييا إحدى عشرة ، وتتحدث عف المنافقيف بالطبع ، وىؤلاء القوـ لـ يوجدوا في مكة مف قبؿ ، وسورة الطلاؽ وآييا اثنتا عشرة ، وتتحدث السورة عف الطلاؽ وكيفيتو وما يترتب عميو مف عدة ونفقة ، وىذا ما يؤكد رأ ي الباحث مف أف التشريعات والتفصيلات الدنيوية لـ تكف لتفصؿ في ظؿ الاضطياد في مكة وفي ظؿ الإرىاب النفسي الذي عاناه المسمموف . أما سورة التحريـ وآييا اثنتا عشرة أيضا ، نزلت في أمر نساء النبي ، الذي لـ تكف ىذه الحادثة ، لتحصؿ لو في مكة ، حيث أنو لـ يكف قد تزوج غير أـ المؤمنيف خديجة بنت خويمد ، رضي الله عنيا ، في ذلؾ الوقت ، وسورة الممتحنة نزلت قبؿ فتح مكة ، في امتحاف الرسوؿ ، صمى الله عميو وسمـ ، لمنساء المياجرات مف مكة إلى المدينة ، قبؿ أف يفتحيا بس اعات ، وا علاـ حاطب All Rights Reserved - Library of University of Jordan - Center of Thesis Deposit
عدد الصفحات ٢٨ٕٓ بف أبي بمتعة ، رضي الله عنو ، لقريش بغزو النبي ليـ ، مع جارية تسمى سارة ، حتى يكوف لو يد عمييـ .وأما سورة الصؼ فنزلت في المنافقيف وادعائيـ حب القتاؿ ، ولكف الله كذبيـ وىـ لـ يوجدوا إلاّ في المدينة .وسورة الجمعة نزلت في المدينة كذلؾ ، ولـ يكف يتسنّى لمرسوؿ وأصحابو أف يصموا الجمعة ، فكانت أوؿ صلاة جمعة في المدينة بعد اليجرة . ٛ ولو لاحظنا حجـ الآية في تمؾ السور الثلاث المدنية لوجدناىا أكبر مف مثيلاتيا في السور المكية ، فعمى سبيؿ المثاؿ ، سو رة الضحى تتكوف مف إحدى عشرة آية ، ولكف عدد كمماتيا بالمجمؿ أربعوف كممة ، وىي سورة مكية ، أما سورة المنافقوف التي عدد آييا كذلؾ إحدى عشرة آية فعدد كمماتيا مائة وثمانوف كممة ، وىي سورة مدنية ، لقد تضاعفت الكممات بنسبة ٓ٘ٗ% وحصؿ ىذا في سورة قصيرة ، فسبحاف الله ! فمعظـ ىذه السور القصار التي نزلت في مكة جاءت مراعية – في ما يبدو – لْحواؿ العرب والمسمميف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية . ولقد تراءى لمبحث أف نزوؿ سورة المسد في السنة الثالثة لمبعثة ، كاف بسبب حادثة جرت مع رسوؿ الله صمى الله عميو وسمـ ، عندما جمع قريشا لدعوتو لديف الله ، فأغم ظ لو أبو ليب بالقوؿ أماـ قريش" فقاـ ينفض يديو وىو يقوؿ : تبا لؾ سائر اليوـ ، أليذا جمعتنا ؟ " ٜ كاف ىذا بعد أمر الله لمرسوؿ بأف ينشر الدعوة عمى الملأ . ويقوؿ معظـ المفسريف إنيا كانت السورة السادسة في النزوؿ ، وىذا يعني أف المسمميف كانوا يتعبدوف في أوؿ البعثة ولمدة خمس سنوات بخمس سور ىي : " العمؽ، والقمـ ، والمزمؿ ، والمدثر ، والفاتحة " ، وىذا يؤكد ما يعرضو الباحث ويحاوؿ إثباتو مف 8 الكشاف عن حقائق غوامض التنزٌل ، محمودبن عمر الزمخشري ، الجزء الرابع ، دار الكتاب العربً ، بٌروت 8 ، صفحةٕٓٗ 9 تفسٌر القرآن العظٌم ، أبوالفداء اسماعٌل بن كثٌر ، الجزء الرابع ، دار الجٌل،بٌروت ،الطبعة الثانٌة، ٓ، صفحة 8 All Rights Reserved - Library of University of Jordan - Center of Thesis Deposit
عدد الصفحات ٢٩ٕٔ أف السور القصار راعت حاؿ المسمميف المضطيديف الضعفاء ، وحاؿ الرسوؿ الكريـ صمى الله عميو وسمـ ، وتخفي دعوتو ، ويلاحظ أف فكرة التوحيد قد سيطرت عمى تمؾ السور القصار مراعاة لْولوية التبشير والدعوة ، وا ف قاؿ أحدىـ أيعقؿ أف يتعبد القوـ لما يقارب ثلاث السنوات بيذه السور القصيرة فقط ؟ قمنا إف ىذه السور القصار قد ثبت في كتب التفاسير نزوليا كاممة في ذاؾ الزماف ، وىذا لا ينفي نزوؿ بعض آيات متقطعة في الوقت نفسو ولـ تكمؿ بوصفيا سورة تامة ، فقد كاف الرسوؿ يرتب السور والآيات بأمر مف ا لله يعممو إياه جبريؿ عميو السلاـ ،فقولو تعالى : ( هَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَفْرِضْ فَنِ الْمُشْرِكِجنَ )ٓٔ آية مف سورة الحجر نزلت ، ورتبيا النبي لاحقا في السورة ، وىذا ما لمسو البحث أيضا مف قوؿ عتيبة بف أبي ليب لرسوؿ الله ، صمى الله عميو وسمـ ، بعد نزوؿ سورة المسد ، التي نزلت سادس سورة في السنة الثالثة لمبعثة كما عرفنا ، إذ أمر أبو ليب ولده عتيبة بتطميؽ أـ كمثوـ بنت رسوؿ الله ، صمى الله عميو وسمـ ، فقاؿ :" لآتيف محمدا وأوذينو فأتاه فقاؿ يا محمد : إني كافر بالنجـ إذا ىوى ، وبالذي دنا فتدلى ، ثـ تفؿ أماـ النبي صمى الله عميو وسمـ ، وطمؽ ابنتو " أـ كمثوـ " فغضب صمى الله عميو وسمـ ، ودعا عميو فقاؿ : " الميـ سمط عميو كمبا مف كلابؾ " فافترسو الْسد " ٔٔ ، ومقولة عتبة مقتبسة مف سورة النجـ التي يذكر محمد عزة دروزة في التفسير الحديث لمقرآف والترتيب فيو لمسور بحسب زمف النزوؿ أنيا نزلت السورة الثالثة والعشريف في القرآف وىي مكية بالطبع ، فلا مانع في ما يبدو مف أف تكوف ىناؾ بعض الآيات التي نزلت في ثلاثة الْعواـ الْولى مع السور الست المتفؽ عمى نزوليا أولا. ٓٔ سورة الحجر ، آٌة ٗ ٔٔ صفوة التفاسٌر ، محمد علً الصابونً ، دار القرآن الكرٌم ، بٌروت ،الطبعة الثانٌة ، ٔ صفحة 9 All Rights Reserved - Library of University of Jordan - Center of Thesis Deposit
عدد الصفحات ٣٠ٕٕ ومما يلاحظ في أمر السور القصار ، أف ىذه السور القصيرة ال تي نزلت بمكة المكرمة أنيا لـ تكف مف السور التي حدث فييا النسخ ، يقوؿ الزركشي في كتابو البرىاف في عموـ القرآف : " اعمـ أف سور القرآف العظيـ تنقسـ بحسب ما دخمو النسخ وما لـ يدخؿ إلى أقساـ : أحدىا : ما ليس فيو ناسخ ولا منسوخ ، وىي ثلاث وأربعوف سورة : وىي الفا تحة ، ثـ يوسؼ ، ثـ يس ، ثـ الحجرات ، ثـ الرحمف ، ثـ الحديد ، ثـ الصؼ ، ثـ الجمعة ، ثـ التحريـ ، ثـ الممؾ ، ثـ الحاقة ، ثـ نوح ، ثـ الجف ، ثـ المرسلات ، ثـ النبأ ، ثـ النازعات ، ثـ الانفطار ، ثـ المطففيف ، ثـ الانشقاؽ ، ثـ البروج، ثـ الفجر ، ثـ البمد ، ثـ ا لشمس ، ثـ الميؿ ، ثـ الضحى ، ثـ الانشراح ، ثـ القمـ ، ثـ القدر ، ثـ الانفكاؾ ، ثـ الزلزلة ، ثـ العاديات ، ثـ القارعة ، ثـ ألياكـ ، ثـ اليمزة ، ثـ الفيؿ ، ثـ قريش ، ثـ الديف ، ثـ الكوثر ، ثـ النصر ، ثـ تبت ، ثـ الإخلاص، ثـ المعوذتيف ." ٕٔ وىنا يظير البحث أف معظـ السور القرآنية القصيرة لا ناسخ فييا ولا منسوخ ، فإحدى وعشروف سورة مف التي حددىا البحث بقصار السور لا ناسخ ولا منسوخ فييا وىي : ( الفاتحة ، والشمس ، والضحى ، والشرح ، والقدر ، والزلزلة ، والعاديات ، والقارعة ، والتكاثر ( ألياكـ ) ، واليمز ة ، والفيؿ ، وقريش ، والماعوف (الديف ) ، والكوثر ، والنصر ، والكافروف ، والمسد ، والإخلاص ، والفمؽ ، والناس ، والبينة أو ما أسماىا الزركشي بالانفكاؾ ) ، فيي تأتي بمعمومات وموضوعات ثابتة راسخة ثبوت ىذه العقيدة التي دعا إلييا رسوؿ الله ، صمى الله عميو وسمـ ، ولـ تكف تمؾ السور كذلؾ مف السور التي احتوت عمى آيات اختمؼ في تفسيرىا ، ويضيؼ ٕٔ البرهان فً علوم القرآن ، بدر الدٌن محمد بن عبدالله الزركشً ، المجلد الثانً ،دار الفكر ، بٌروت ،طبعة 988 ، صفحةٓٗ All Rights Reserved - Library of University of Jordan - Center of Thesis Deposit
عدد الصفحات ٣١ٖٕ الزركشي :" ما فيو ناسخ وليس فيو منسوخ ، وىي ست سور : الفتح ، والحشر ، والمنافقوف ، والتغابف ، والطلاؽ ، والْعمى ." ٖٔ وىنا وجد الباحث سورتيف أخرييف مف القصار أيضا ، جاء فييا الناسخ وىي مدنية لا مكية ، فمـ ينسخ منيا شيء بؿ نسخت ىي آية أخرى في سورة أخرى ، وبقيت ثلاث سور مف القصار بالنسبة لمناسخ والمنسوخ ، فأما التيف والكافروف ففييما منسوخ وليس فييما ناسخ ، وأما العصر فاجتمع فييا الناسخ والمنسوخ ، ومف ىذا كمو يظير أف الآيات القصار ال مكية ، نزلت بقضية خاصة ىي توحيد الله ، فمـ يحدث النسخ فييا بكثرة ، فأغمبيا لا نسخ فيو ، وكأف الله عز وجؿ راعى عدـ تقبؿ النسخ في عقوؿ ضعاؼ الإيماف أو الكافريف في بداية البعثة ، فانتظر حتى يقوى الإيماف شيئا فشيئا ، ويثبت رسولو ، صمى الله عميو وسمـ ، وأتباعو، وتضعؼ فرصة تكذيبيـ مف قبؿ قريش والكافريف وأتباعيـ . وقد تبيف أف السور التي وجد فييا النسخ مف القصار كانت مدنية ، أو نزلت بعد اليجرة كسورة العصر ، فيي مكية ولكنيا نزلت بعد اليجرة بسنيف عديدة ، و سورة الطلاؽ وسورة المنافقوف مدنية ، فيذه السور القصار نزلت بنسؽ يعيف المسمـ عمى حالو الصعب في أوؿ البعثة ، لا يختمؼ الْصحاب في تفسيرىا عند نقميا لغيرىـ وا خبار فحواىا لمف يممسوف فيو ميلا لمدخوؿ في الديف الجديد . ومما يؤكد ىذا أيضا ، أف الباحث عندما نظر فيما اختمؼ المفسروف في تفسيره ، مف آيات القرآف الك ريـ ، لـ يمحظ اختلافا عند المفسريف أو خلافا في تفسير آيات السور القصار ، التي حددىا ٖٔ المرجع نفسه ، صفحة ٓٗ All Rights Reserved - Library of University of Jordan - Center of Thesis Deposit
عدد الصفحات ٣٢