129 المدخل إلى صحيح الإمام مسلم الأول: نقض الإجْا بما تقدم مِن نقل ذلك عم ن عُلِم. الثاني: هؤلاء الذين سماَّهم الإمامُ مسلم: هم مُن عُلِم سَما ُ بعضهم من بعض عند مَن أثبتَ صحةَ حديثهم. الثالث: أن هذه أمثلة خاص ة لا عام ة، جزئية لا كلية، يمكن أن تَقترن بها قرائن تُرجِّحُ اللقاء أو السما ، فمَن قبِل تلك الأحاديثَ وصح ت عنده، واحتج بها: فلا يبعد أنه اعتمد على قرينة انضمَّت إليها أفادَته صحةَ اللِّقاءِ والسما ، وإن لم يقترِن بها ذلك لفظاً. وبمثل هذا تأو ل علماءُ الص نعة لك ـ أيه ا الإمام ـ ولشيفيك البفياري فيما أخرجتما من حديث المدل س الذين لم يبي نوا سماعَهم في ذلك الإسناد، بأن ذلك مُ ا عرفتما سلامته من التدليس (1) . الترجيح (2) : قال العلماء: إن مذهبَ الإمامِ مسلمٍ –رحمه الله تعالى-في الإسنادِ المعنعَ نِ بشرطه: متساهِل ؛ إذ كيف تحُ مل عنعنةُ الرواة غير المدلس على السما بمجرد معاصرتهم لبعضهم لاحتمال أنهم سمعوا من بعضهم؟ وكيف يكون ذلك حكماً مطرداً، مع وجود احتمال عدم السما ؟! وإنما يتفق لمسلمٍ ما ذهب إليه لو كان المحد ثون لا يطلقون (عن) إلا في موضع الاتصال، والحال أنهم يطلقونها في الاتصال والانفصال، وإن كان الغالبُ من عُرم فِ هم إنما هو في الاتصال، لكن لا يلزم من ذلك الحكم به مطلقاً ؛ لوجود الاحتمال؛ فلا أقل من ثبوت اللقاء ب المعنعِ ن والمعنعَ نِ عنه ولو مرة واحدة، لتُ حمَ ل عنعنتُ ه على السما ، وإن كان لا يلزم (1) (السنن الأبين) (ص133-143) باختصار وتصرف. (2) انظر: (الإمام مسلم) للشيخ مشهور2/530.)
عدد الصفحات ١٢٩المدخل إلى صحيح الإمام مسلم 130 من لرد اللقاء والسما مرة واحدة سما ُ الجميع؛ إلا أن هذا أقوى وأحوط وأوضح في الاتصال من لرد الاكتفاءِ بالمعاصرة. قال الحافظُ ابنُ حجر: «لأنا وإن سلمنا ـ ما ذكره مسلم ـ بالاتصال؛ فلا يخفى أن شرطَ البفياري أوضح في الاتصال» (1) . وقال الذهبي«وهو الأصوب الأقوى» (2) ، وقال ابن الصلاح«إن القول الذي رده مسلمٌ هو الذي عليه أئمةُ هذا العلم » (3) ، ورأى ابن رُ شَ يد أنه الصحيح من مذاهب المحدث ، وهو الذي يعضده النظر (4) . المطلب الثالث: الرواية عن المدلسين في «صحيح مسلم»، وموقف المحدثين منها: سار الإمامُ مسلمٌ ¬ على الاحتجاج بالإسنادِ المعَ ـنم ـعَ نِ بشرطه في «صحيحه»، على وفق ما بي نه في «مقدمته»، ويدل على ذلك اعتناؤُ ه بتصَيح المدَ لِّ س بالس ما في رواياتهم، وصَ نيعُ ه هذا يدلُّ على اكتفائِ ه بالشرطَ اللَّ ذين سبق نقلُ هما عنه، وأنه لم يَتجَّ بالإسنادِ المعَ نم عَ نِ إلاَّ إذا تعاصرََ المعَ نم عِنُ والمعَ نم عَنُ عنه، وما لم يُ عرَ ف المعَ نم عِ نُ بالتدليس، والأمثلة على هذا كثيرة، أقتصَ منها على ثلاثة: أ-قال الإمامُ مسلمٌ : «حدثنا سريجُ بنُ يونس ويعقوب الدَّ ورقيُّ قالا:حدثنا هشيمٌ ، عن سيار...». (1) (هدي الساري) (ص12 .) (2) (سير أعلام النبلاء12/573 .) (3) (علوم الحديث) (ص60.) (4) (السنن الأبين) له (ص32.)
عدد الصفحات ١٣٠131 المدخل إلى صحيح الإمام مسلم وأورَ دَ بسنده حديثَ جرير: «بايعتُ النبيَّ على السمم ع والطاعة»، ثم قال«قال يعقوب في روايته: حدثنا سيار» (1) ، أي: صرح هشيم ـوهو من المدَلِّ س ـ بالتَّ حم ديثِ في روايةِ شيفيِ ه يعقوب. ب-قال الإمامُ مسلمٌ : «وحدثنا أبو بكر بنُ أبي شيبة ومحمدُ بنُ العلاء؛ قالا: حدَّ ثنا أبو معاوية. (ح) وحدثنا إسحاق، أخبرنا عيسى بن يونس، كلاهِا عن الأعمش، عن الحكم... وأورد بسنده حديثَ بلال: «أن رسول الله مَسَ حَ على الخف والخمار»، ثم قال«و حديث عيسى: حدثني الحكمُ ، حدثني بلال» (2) . أي: صرَّ ح الأعمشُ -وهو من المدلس -في رواية عيسى بن يونس بالتحديث. فهذان المثالان يوضِّ حان لك عنايةَ الإمامِ مسلمٍ في بيان تصَيح المدلِّ س بالتحديث؛ فإنه أعقب الروايةَ التي فيها عنعنةُ المدَ لِّ س بلفظٍ لشيفيه أو مَ ن هو فوقه فيه تصَيحٌ بالسما أو نحوه. ج-وربما اكتفى في بعض الأحيان بسياقِ إسنادٍ لخر فيه مثلُ هذا، دون أن يشير إليه، وإنما يَ فهم ذلك مَ ن له خبرةٌ وعلمٌ بأسماء المدلِّ س ، مثل صنيعِ ه بعد إخراج حديث عمران بن حص ، قال«صلى بنا رسولُ الله صلاة الظهر أو العصَ؛ فقال«أيكم قرأ خلفي بسبح اسم ربك الأعلى؟!»الحديث (3) . (1) (صحيح مسلم) (كتاب الإيمان، باب بيان أن الدين النصيحة،1/75ح56/99.) (2) (صحيح مسلم ) (كتاب الطهارة، باب المسح على الناصية والعمامة، 1/231ح275.) (3) (صحيح مسلم) (كتاب الصلاة، باب نهي المأموم عن جهره بالقراءة خلف إمام ه،1/298ح398/47.)
عدد الصفحات ١٣١المدخل إلى صحيح الإمام مسلم 132 فإنه أورده أولاً من طريق سعيد بن منصور وقتيبة بنسعيد، كلاهِا عن أبي عوانة؛ قال: «قال سعيد: حدثنا أبو عوانة، عن قتادة ، عن زرارة بن أبي أوفّ ، عن عمران بن حص ...»، ثم قال«حدثنا محمدُ بنُ المثني ومحمدُ بنُ بشار، قالا: حدثنا محمدُ بنُ جعفر، حدثنا شعبة، عن قتادة قال: سمعت زرارةَ بنَ أبي أوفّ...» (1) . ففي الطريق الثانية بيانٌ لسما قتادة؛ فانتفى تدليسُ ه. ومع عناية الإمامِ مسلمٍ بالروايات المصَِّ حةِ بسما المدلِّ س ، والإشارة إليها: إلاَّ أ نَّ هناك رواياتٍ أخرى أوردها في «صحيحه»لم يب فيها السما ، و من أمثلةِ ذلك روايةُ أبي الزبير عن جابر . قال الحفاظ: أبو الزبير يدلِّ سُ في حديث جابر، فما كان بصيغة العَ نم عَ نَ ةِ : لا يُ قبل أن يَُ مَ لَ ذلك على الات صال، وقد ذكرَ ابنُ حزمٍ وعبدُ الحق عن الليث بن سعد أنه قال لأبي الزبير: عَلِّم على أحاديث سمعتَ ها من جابر حتى أسمعَ ها منك، فعلَّ م له على أحاديث، الظنُّ أنها سبعة عشر حديثاً، فسمعها منه (2) . و«صحيح»مسلم من غير طريق الليث عن أبي الزبير عن جابر أحاديث؛ فيروي له من طريق زكريا بن إسحاق، وعمرو بن الحارث، وابن جريج، وغيرهم؛ إما مقرونً ا بغيره كما تراه في لخر (باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله) (3) ، و أول (كتاب الزكاة) (4) ، وإما قدح فيه أبو الزبير بالسما من جابر كما تراه في (باب نزول عيسى بن (1) (صحيح مسلم) (كتاب الصلاة، باب نهي المأموم عن جهره بالقراءة خلف إمامه،1/298-299ح398/48 .) (2) انظر: (المحلى7/369 و9/11 و10/33 .) (3) راجع: (صحيح مسلم1/211ـ مع شرح النووي (4) المصدر السابق2/93.)
عدد الصفحات ١٣٢133 المدخل إلى صحيح الإمام مسلم مريم حاكماً بشرعة نبي نا) (1) ، وفي لخر (باب الإيتار في الاستنثار والاستجمـار) (2) ، وفي(باب الاستطابة) (3) ، وفي (باب النهي عن تُصيص القبر) (4) ، وفي (باب إثم مانع الزكاة) (5) . نعم، هناك بعضٌ من حديث أبي الزبير عن جابر من غير طريق الليث جاء معنعنً ا، ولم يقرنه بغيره، وقد أشار إلى طرف منه الحافظُ الذهبي؛ فقال -رحمه الله تعالى -: «و (صحيح مسلم) عدةُ أحاديث مُا لم يوضح فيها أبو الزبير السما عن جابر، وهي من غير طريق الليث عنه، ففي القلب منها شيء» (6) . وموقفُ جْهورِ المحدث من عَ نم عَ نَ اتِ المدلِّ س الموجودة في «الصحيح»أنها محمولة على ثبوت السما (7) ، وقد نقل العراقي عن أبي سعيد المغربي (ت625هـ)، أنه قال في كتابه «القدح المُعلىَّ » «قولُ أكثر العلماء إن المعَ نم عَ نات التي في الصحيح منز لةٌ منزلةَ السما » (8) . قال السفياويُّ : «يعني إما لمجي ها من وجه لخر بالت صَيح، أو لكون المعَنعِ نِ لا يدلِّ س إلا عن ثقة، أو عن بعض شيوخه، أو لوقوعها من جهة بعض النقاد المحقق بسما المعنعن لها» (9) . (1) المصدر السابق2/93.) (2) المصدر السابق3/127.) (3) المصدر السابق3/152.) (4) المصدر السابق7/37.) (5) المصدر السابق7/70.) (6 )(ميزان الاعتدال4/39 .) (7) انظر: (جامع التحصيل) للعلائي (ص113)، (التدليس في الحديث) للدكتور مسفر الدميني (ص127-135.) (8) (شرح ألفية العراقي1/166.) (9) (فتح المغيث1/187.)
عدد الصفحات ١٣٣المدخل إلى صحيح الإمام مسلم 134 ولذا قال النووي«إن ما كان في الصحيح محمول على ثبوت سماعهم من جهة أخرى» (1) . وهذا من باب تحس الظن ؛ فقد سأل الت قي السبكيُّ المزيَّ (حافظَ الدنيا): هل وُجِد لكل ما روياه بالعنعنة طرق مصََّ حٌ فيها بالتحديث؟ فقال: «كثير من ذلك لم يوجد، وما يسعنا إلا تحس الظن» (2) . نعم، من المدلس مَ ن احتملَ الأئم ةُ تدليسَ ه، وخر جوا له في «الصحيح» لإمامته، وقلَّ ةِ تدليسِ ه في جنبِ ما روى، كسفيان الثوري، وجعلوا من هذا القسم مَ ن لا يدل س إلا عن ثقة كابن عيينة (3) . قات َّ ل َ المبحث الرابع: المع «سلِم ُ صحيح م»: المعلَّقُصُورته أن يَُ ذَ فَ من أوَّل الإسناد واحدٌ فأكثر على التوا بصيغة الجزم، ويُعزى الحديث إلى مَ ن فوق المحذوف من رُ واته. وبينه وب المُعضل عمومٌ وخُصُوع من وجه، فيُجَامِ عُ ه في حذف اثن فصاعدًا ، ويُفَارِ قُ ه في حذف واحد، وفي اخمتِصاصه بأوَّل السَّند . وكأنَّه من تعليق الجِدَار أو الطلاق لقطع الاتِّ صالِ فيهما (4) . قال ابنُ الصلاح عن«صحيح مُسلِم»«وقع في هذا الكتاب وفي كتاب البفياريِّ ما (1) (التقريب1/175 ـ مع التدريب (2) ( تدريب الراوي1/59.) (3) راجع: (فتح المغيث) (1/188)، و(جامع التحصيل) (ص115)، و(طبقات المدلسين) (ص13 .) (4) (التقريب) للنووي مع شرح (تدريب الراوي) للسيوطي1/181-182)، (قواعد التحديث) للقاسمي (ص124.)
عدد الصفحات ١٣٤135 المدخل إلى صحيح الإمام مسلم صورتُه صورة الانقطا ، وليس ملتَحِقاً بالانقطا ِ في إخراج ما وقعَ فيه ذلك من حَيِّزِ الصحيح إلى حَيِّزِ الضعيف، ويُسَمَّى تعليقاً... وهو في كتاب البفياريِّ كثير، وفي كتاب مسلمٍ قليلٌ. وإذا كان التعليقُ بلفظٍ فيه جزمٌ منهما، وحكمٌ بأن مَن وقعَ بينهما وبينه الانقطا ُ قد قال ذلك، أو رواه واتَّصَلَ الإسنادُ منه على الشرط، مثل أن يقولا: روى الزهريُّ، ويَسوقَا إسنادَه مت صِلاً، ثقةً عن ثقة: فحالُ الكتابَ يُوجِبُ أن ذلك من الصحيحِ عندهِا، وكذلك ما روَياه عم ن ذكَرَاه بما لم يَصل به التعريفُ به، وأورَداه أصلاً محُتَجَّ م به، وذلك مثل: حدَّثني بعضُ أصحابِنا، ونحوُ ذلك » (1) . وخلاصة كلام ابن الصلاح 1- أن المعلَّقات توجَد في الصحيح 2- هي عند البفياري أكثر من مسلم 3- أن ما وقعَ من ذلك في الصحيحَ ليس مُا يلتحِقُ بالضعيف. 4- إذا كان الشيفيان قد علَّقا جزماً: فحكمُه حكمُ الصحيح عندهِا 5- ومثلُه ما روَياه عن بعض المبهَم ، إذا كانا روَيا عنهم محتَجَّ بهم أمّا عددُ المعلَّقات في «صحيح مُسلِم » فقد ذكرَ ابنُ الصلاح أن أبا علّ الغس ا ذكرَ أن عددَ المعلَّقات في «صحيح مُسلِم»أربعة عشر حديثاً، وأن المازري – صاحبَ المُعلِم – قد تابعَه على هذا العدد. (1) (صيانة صحيح مسلم) لابن الصلاح (ص76-77.)
عدد الصفحات ١٣٥المدخل إلى صحيح الإمام مسلم 136 ولكن ابنَ الصلاح ذكرَ أنه ا 12) حديثاً، وليست14)؛ مبيِّناً السببَ في ذلك، وما قاله هو الصحيح. وقد جْعَها الإمامُ رشيدُ الدين يَيى بن علّ العط ار (ت662هـ) في كتابٍ مستقل أسماه «غُرر الفوائد المجموعة في بيان ما وقعَ في صحيح مسلم من الأحاديث المقطوعة »، وهو مطبو ٌ (1) . وقد خلُص الباحثون في معلَّقات«صحيح مُسلِم»إلى النتائج التالية (2) : 1-أن عدَّتهَا اثنا عشر موضعاً، وهي تنقسم إلى ثلاثة أقسام: أ-ما علَّقَه هو ووصلَه، وهي خمسة. ب-ما علَّقَه هو ووصلَه غيرُه، وهي حديثٌ واحد. ج-ما أبهَمَ فيه شيفيَه، وعدَّه بعضُ العلماء معلَّقاً، وهي ستة. 2-أوردَ مسلمٌ هذه المعلَّقات جازِماً بنسبتِها إلى مَن علَّقَها عنهم 3-أن هذه ال ـمعلقات إنم ـا أوردَهـا مسلمٌ في المتابعات والشواهد، لا في الأصول، قال العراقي: «وكأنه أرادَ ذكرَ مَن تابعَ راويه الذي أسندَه من طريقه عليه» (3) . (1) طبعتْه دار الصميعي، بتحقيق الشيخ أبي عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان، وهو مطبوع ضمن كتابه القيم (الإمام مسلم بن الحجاج ومنهجه في الصحيح، وأثره في علم الحديث). (2) انظر: (الإمام مسلم ومنهجه في صحيحه) للطوالبة (ص 286-289)، (الإمام مسلم بن الحجاج ومنهجه الصحيح وأثره في علم الحديث) للشيخ مشهور (2/589-592.) (3) (شرح ألفية العراقي1/72.)
عدد الصفحات ١٣٦137 المدخل إلى صحيح الإمام مسلم 4-تعليقُ الإمامِ مسلمٍ لهذه المعلَّقات كان عن شي ٍ له، أو عن شي ِ شيفيِه، و يتجاوز ذلك. المبحث الخامس: ُ منهج الإمامِ مسلم في علوم المتن سأشيرُ في هذا المبحثِ إلى نماذجَ من منهجِ الإمامِ مسلمٍ في علوم المتن روايةً ودرايةً ، وسأتحدَّ ثُ عن بعض مسائل الموضوعَ م ، وذلك إتماماً للفائدة، ولِ َ لاَّ يخلو (المدخلُ) من التنبيه إلى هذه الفوائد. وهذا المبحث فيه مطلبان: المطلب الأول: منهجُ ه في علوم المتنِ من حيث روايته. المطلب الثاني: منهجه في علوم المتن من حيث درايته. المطلب الأول: منهجُ ه في علوم المتنِ من حيث روايتُ ه أولاً : منهجه في الحديث المعَ لِّ : حرعَ الإمامُ مسلمٌ -رحمه الله تعالى - على نقاء صحيحه من العِ لَ لِ الموجِ بَ ةِ لردِّ الأحاديث، فانتَ فيَ بَ ه-رحمه الله-من زهاء ثلاثِ مائةِ ألفِ حديثٍ -كما سبق تصَيَُ ه بذلك- كل ذلك يختار ويعزل ويُ ثبِ تُ ويَ نفي؛ حتى استقرَّ على صورته المشرِ قَ ةِ التي انتهى إليها، فكان ثانيَ كتابٍ بعد (الصحيحِ الجامع) للإمام البفياري؛ من حيث الصحة والـجودة، وقد أشارَ عليه الـحافظُ أبو زرعة بطرح بعض الأحاديث، فطرحَ ها ولم يُ ثبِ ت شي ً ا منها في صحيحه. سارَ الإمامُ مسلمٌ في كتابه الصحيح على منهجٍ مستقيمٍ مطَّ رِ دٍ في المعَ لِّ من الأحاديث،
عدد الصفحات ١٣٧المدخل إلى صحيح الإمام مسلم 138 فكان-رحمه الله تعالى- يخرج الحديثَ الصحيح، ويََ ذِ فُ منه موطنَ العِ لَّ ةِ إن وجدت، وله في ذلك طرائقُ متعددة: الطريقة الأولى: حذفُ موطنِ العلةِ من الحديث، مع التصَيح بذلك. ومثالها: ما أخرجه من حديث أبي قتادة الأنصاري أن رسولَ الله سُ لَ عن صومِ يومٍ وإفطارِ يوم، قال: «ذاكَ صومُ أخي داود»،قال: وسُ لَ عن صوم يوم الاثن ، قال: «ذاك يومٌ وُ لِ دتُ فيه، ويومٌ بُ عِ ثتُ أو أُ نزِ لَ علَّّ فيه» .قال فقال«صَومُ ثلاثةٍ مِ ن كلِّ شهرٍ ، ورمضان إلى رمضان: صومُ الدهر». قال: وسُ لَ عن صومِ يومِ عرفة، فقال: «يُكَ فِّ رُ السنةَ الماضيةَ والباقيةَ » .قال: وسُ ِ لَ عن صَ ومِ يومِ عاشوراء، فقال: «يُكَ فِّ رُ السنةَ الماضيةَ » (1) . قال الإمامُ مسلمٌ بعد روايته للحديث: «وفي هذا الحديثِ من رواية شعبة: (قال: وسُ لَ عن صومِ يوم الاثن والخميس)، فسَ كَ تم نَ ا عن ذكرِ الخميس لما نراه وهِاً » . فقدحَ -رحمه الله تعالى- بأنَّ سكوتَ ه عن لفظة (الخميس) يدلُّ على طرحها لعلَّ ةٍ فيها. ومثالها أيضاً: ما أخرجَ ه من حديثِ هشامِ بنِ عروة عن أبيه عن عائشة –رضي الله عنها وأرضاها- قالت: جاءت فاطمةُ بنتُ أبي حُ بَ يم شٍ إلى النبيِّ فقالت: يارسول الله، إني امرأةٌ أُ ستَ حاضُ فلا أطهُ رُ ؛ أفأدَ ُ الصلاة؟ فقال: «لا. إنما ذلكِ عِ رقٌ وليس بالحيضة، فإذا أقبَ لَ ت الحيضةُ فدَ عي الصلاةَ ، وإذا أدم بَ رَ تم فاغسِ لّ عنكِ الدَّ مَ وصَ لِّّ » (2) . (1) (صحيح مسلم، كتاب الصيام، باب استحباب صيام ثلاثة أيام من كل شهر2/819-ح1162/197.) (2) (صحيح مسلم، كتاب الحيض، باب المستحاضة وغسلها وصلاتها2/262-ح333/62.)
عدد الصفحات ١٣٨139 المدخل إلى صحيح الإمام مسلم ثم أخرجَ ه أيضاً من طريق خلَ ف بنِ هِ شامٍ فقال: حدَّ ثنا حمادُ بنُ زيدٍ ، كلُّ هم عن هشامِ بن عروةَ بمثلِ حديثِ وكيعٍ وإسنادِ ه. قال الإمامُ مسلمٌ بعد إخراجه الحديثَ من طريق حماد: «وفي حديث حمادِ بنِ زيدٍ زيادةُ حرفٍ تَ رَ كم نَ ا ذكرَ ه» (1) . وتلك الزيادةُ التي كَ رِ هَ الإمامُ مسلمٌ -رحمه الله-ذِ كم رَ ها، هي ما أخرجَ ه الإمامُ النسائيُّ من طريق حماد بن زيدٍ ، عن هشامِ بنِ عروة، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها، وفيه: «… فاغسلّ عنكِ أثرَ الدَّ مِ وتَ وَ ضَّ ِ ي...». ثمقالَ الإمامُ النسائيُّ بعد رواية حمادٍ هذه: «لا أعلمُ أحدً ا ذكرَ في هذا الحديثِ (وتَ وضَّ ِ ي) غيرَ حمادِ بنِ زيد، وقد رَ وَ ى غيرُ واحدٍ عن هشامٍ ولم يَ ذكُ رم فيه (توض ي)...» (2) . الطريقة الثانية: أن يََ ذِ فَ موطنَ العِ لَّ ةِ من الحديثِ من غير تصَيحٍ واضحٍ بذلك. ومثالها: ما أخرجَ ه من طريق هُ شَ يم، عن يَيى بنِ سعيد، عن عمرَ بنِ كَ ثِ ير بنِ أفلح، عن أبي محمدٍ الأنصاريِّ -وكان جَ ليساً لأبي قتادة-قال: قال أبو قتادة... واقتصَّ الحديث. فقول الإمامِ مسلم: «واقتص الحديث»اكتفَى به عن سرَم دِ متنِ الحديث، وذلك مخالفٌ لعادة الإمام؛ إذ عادتُ ه ¬ أن يَسِّ دَ أولَ كلِّ بابٍ الحديثَ تامًّ ا، ثم يُ تبِ عُ ه بالأحاديثِ التي في معناه، مع ما فيها من زيادةٍ أو نقصٍ في بعض الألفاظ. ولذلك قال النوويُّ ¬« :وهذا غريبٌ من عادة مسلم؛ فاحفَ ظم ما حقَّ قم تُ ه لك؛ فقد رأيتُ بعضَ الكُ تَّ ابِ غَ لِ طَ فيه، وتوَ هَّ مَ أنه متعلِّ قٌ بالحديث السابق قبلهما؛ كما هو الغالبُ (1) المصدر السابق (ح333/63.) (2 ) (سنن النسائي1/123-124.)
عدد الصفحات ١٣٩المدخل إلى صحيح الإمام مسلم 140 المعروفُ من عادة مسلم ... وهذا غلطٌ فاحشٌ فاحذَ رم ه، وإذا تدَ بَّ رتَ الطرقَ المذكورةَ : تَ يَ قَّ نم تَ ما حَ قَّ ـقم تُ ه لك، والله أعلم» (1) . يقولُ الدكتور محمد طوالبة: «فأشعَرَ صنيعُ ه هذا في مخالفتِ ه لمنهجِ ه: أنَّ هناك علة، وإلاَّ لأوردَ الحديثَ بتمامه، سيما وهو يُ قَ دِّ مُ الأحاديثَ التي هي أسلمُ من العيوب من غيرها وأنم قى، فلما عدَ لَ عن ذلك: تَ بَ ََّ أن هناك علةً تَ عَ مَّ دَ مسلمٌ حذفَ ها؛ فقد أخرج البيهقيُّ هذا الحديثَ من طريق هشيم، وفيه: «مَن أقامَ البَ ـيِّ ـنَ ةَ على أسيرٍ : فله سلَ بُ ه» (2) ....» (3) . ثم أوضحَ الإمامُ البيـهقيُّ عِ لَّ ـةَ هذا اللفظ فقال: «وقد أخرجَ مسلمٌ إسنادَ هذا الحديث في الصحيح ولم يَ سُ قم متنَ ه، والحُ فَّ اظُ يَ رَ وم نه خطأ؛ فمالكُ بنُ أنس والليثُ بنُ سعدٍ رَ وَ يَ اه عن يَيى؛ فقالَ الليثُ في الحديث: «مَن أقامَ البينةَ على قتيلٍ فَ لَ ه سَ لَ بُ ه»،وقال مالكٌ : «مَن قتلَ قتيلاً لَ ه عليه بَ يِّ نَ ةٌ : فله سلَ بُ ه» .ولم يقل أحدٌ فيه: «على أسيرٍ»غير هشيم، والله أعلم» (4) . ومثالها كذلك ما أخرجَ ه في صحيحه من طُ رُ قٍ عن يَيى بنِ سعيدٍ ، عن بُ شَ يرِ بنِ يَ سارٍ ، عن سهلِ بنِ أبي حَ ثم مة. قال يَيى: وحَ سِ بتُ قال: وعن رافعِ بن خَ ديج. وذلك في حديث القَ سَ امَ ة الطويل، وفيه قولُ رسولِ الله : «أتحَلفُ ون خمس يمينً ا فتَ سم تَ حِ قُّ ون صاحبَ كم أو قاتِ لَ كم؟»قالوا: وكيف نَحلفُ ولم نَ شهد؟! قال: «فتُبرِ ئُ كم يهَُ ودُ بفيمس يمينً ا؟» قالوا وكيف نَ قبَ لُ أَ يمانَ قومٍ كفار!؟ فلما رأى ذلك رسولُ الله أعطى عَقم لَ ه (5) . (1) (شرح النووي على صحيح مسلم12/58.) (2) (السنن الكبرى) للبيهقي6/324.) (3) (الإمام مسلم ومنهجه في صحيحه) (ص312-313.) (4) المصدر السابق (5) انظر: (صحيح مسلم، كتاب القسامة والمحاربين، باب القسامة3/1291-برقم1669.)
عدد الصفحات ١٤٠141 المدخل إلى صحيح الإمام مسلم وأخرجَ الحديثَ من طريقِ محمدِ بنِ عبدالله بنِ نميرٍ قال: حدثنا أبي، حدثنا سعيدُ بنُ عبيدٍ ، حدثنا بُ شَ يرمُ بنُ يَ سارٍ الأنصاريُّ ، عن سَ هلِ بنِ أبي حَ ثم مَ ةَ الأنصاريِّ ، أنه أخبرَ ه: أنَّ نفراً منهم انطلَ قوا إلى خيبرَ ، فتفرَّ قوا فيها، فوجدوا أحدَ هم قتيلا. وساقَ الحديثَ ، وقال فيه: «فكرِهَ رسولُ الله أن يُبطِ لَ دمَ ه؛ فَ وَ دَ اه مائةً من إبلِ الصَّ دَ قة» (1) . وفي هذه الرواية الأخيرةِ علةٌ حذفَ ها الإمامُ مسلمٌ ولم يُ شر إليها، وهي: أنَّ النبي سألهم البينة، فاكتفى مسلمٌ بإسناد الحديثِ وأولِ القصة، ولـم يخُ رج موطنَ العلة. الطريقة الثالثة: أن يخرجَ طرفاً من الرواية المعَ لَّ ةِ ويخَ تَ صََِ بقيَّ تَ ها، وقد يشير في أثناء ذلك إلى العلَّ ةِ إشارةً عابرة. ومثالها: ما أخرجَ ه في صحيحه من طريق ابنِ وهبٍ قال: أخبرني سليمانُ -وهو ابنُ بلالٍ -قال: حدثني شريكُ بنُ عبدِ الله بنِ أبي نَ مِ ر قال: سمعتُ أنسَ بنَ مالكٍ يََُ دِّ ثُ نا عن ليلة أسرِ يَ برَ سول الله من مسجد الكعبةِ أنه جاءَ ه ثلاثةُ نفرٍ قبلَ أن يوحَ ى إليه وهو نائمٌ في المسجدِ الحرام. وقال الإمام عقب هذا: «وساقَ الحديثَ بقِ صَّ تِ ه نحو حديثِ ثابتٍ البُ نَ اني، وقدَّ مَ فيه شي اً وأخَّ ر، وزادَ ونقَ ص» (2) . وهذا من الإمامِ مسلمٍ إشارة إ عدم ضبطٍ من رَ اوِ يه شريك. قال الإمامُ النوويُّ ¬: «وقد جاءَ في رواية شريـكٍ في هذا الـحديث في الكتابِ أوهامٌ أنـكرَ ها عليه (1) (صحيح مسلم، كتاب القسامة والمحاربين، باب القسامة3/1294-برقم1669/5.) (2) (صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب الإسراء برسول ا ( )1/184-برقم162/262.)
عدد الصفحات ١٤١المدخل إلى صحيح الإمام مسلم 142 العلماءُ، وقد نَ ـبَّ ـهَ مسلمٌ على ذلك بقوله: (فقدَّ مَ وأخَّ ر، وزاد ونقص» (1) . ثانياً: منهجُه في المصحَّ ف والمحرَّ فِ من الأحاديث: المصَ حَّ فُ من الحديث: هو ما تغيرََّ فيه النَّ قم طُ . والمحَ رَّ ف: ما تغيرََّ فيه الضَّ بم طُ مع بقاء الـحروف (2) . وعلى وجه العموم يُطلق التَّ صحيفُ والتحريفُ عند المتقدم على تغيير اللفظ أو المعنى، ويَ قَ عَ انِ في الإسنادِ والمتن، مَُّ ا يُ شَ كِّ لُ ضرراً بالغاً في نقض المعاني وإفسادِ الأحكام. وللإمامِ مسلمِ -رحمه الله-القدمُ الراسفيةُ في معرفةِ هذا الفنِّ والتيَ قُّ ظِ له، وقد نَ ـبَّ هَ عليه في مقدمة صحيحه الحافلة فقال: «حدثنا حسنٌ الحلوانيُّ قال: سمعتُ شَ بَ ابةَ قال: كانَ عبدُ القُ دُّ وس يَُ دِّ ثُ نا فيقول: سُ وَ يم دُ بنُ عَ قَ لَ ة؛ قال شبابةُ : وسمعتُ عبدَ القدُّ وسِ يقول: نهى رسولُ الله أن يُتَّ فيَ ذَ الرَّ وم حُ عَ رم ضاً؛ قال: فقيل له: أيُّ شيءٍ هذا؟! قال: يعني تُ تَّ فيَ ذُ كُ وَّ ةٌ في حائطٍ لِ يَ دم خُ لَ عليه الرَّ وم حُ » (3) . وإنما أوردَ الإمامُ مسلمٌ ¬ هذا الخبرَ ليُ ـبَ ـ َِّ حصولَ التصحيفِ والتحريفِ من عبدِ القدُّ وس، وأنه حصلَ له ذلك في الإسنادِ والمتنِ جْيعاً. أما الإسناد: فقولُ ه: سويدُ بن عقَ لَ ة، والصواب: غَ فَ لَ ة، بالغ المعجمةِ والفاء المفتوحت . وأما المتن: فقولُ ه: الرَّ وم ح؛ بفتح الراء، وعَ رم ضً ا؛ بالع المهمَ لة وإسم كان الراء، وكلا المحَ لَّ م تصحيفٌ قبيح جدًّ ا أحالَ المعنى وأفسدَ المبنى، والصواب فيهما: الرُّ وح؛ بضم الراء، (1) (شرح النووي على صحيح مسلم2/209.) (2) راجع: (نزهة النظر) للحافظ ابن حجر (ص47.) (3) (مقدمة صحيح مسلم) (ص/25-برقم77)، باب بيان أنّ الإسنادَ من الدين
عدد الصفحات ١٤٢143 المدخل إلى صحيح الإمام مسلم وغَ رَ ضاً؛ بالغ المعجمة والراء المفتوحت . والـمعنى على النقل الصحيح: النهيُ عن اتـفياذ الـحيوان هدفاً ومرمً ى للنشاب وغيره (1) . وملخص منهجِ الإمامِ مسلمٍ ¬ في هذا الباب كا 1-أنه يُورِ دُ التصحيفَ من طريق أو أكثر، ويخُ رِّ جُ الطريقَ السالمةَ أولاً، ثم يُ تبِ عُ ها بالطريقِ الثانيةِ المصَ حَّ فَ ة مع التبي والإيضاح؛ إمَّا منه، وإمَّا نقلاً عن أحد رواتِه. 2-يخرجُ الرواياتِ الصحيحةَ السالمةَ من التصحيف، ويترك المصَ حَّ فةَ منها، ويب ُِّ موضعَ التصحيفِ في مقدِّ مة صحيحه أو في غير صحيحه؛ ككتاب التمييز مثلاً . وفيما يلّ مثالان يتب َُّ من خلالهما هذا المنهج، ومن أراد الاستزادة من التمثيل: فعليه الرجو ُ إلى الكتب المفيتصَّ ة في بيان منهج الإمام مسلم في صحيحه (2) . مثال التصحيفِ في الإسناد: ما أورده الإمامُ مسلمٌ في صحيحه وبَ ـيَّ ـنَ ه في حديثِ ه من طريقِ يَيى بن يَيى واللفظ له؛ قال: قرأتُ على مالكٍ ، عن محمد بن عبدالرحمن بن نَ وم فَ ل، عن عروة، عن عائشة، عن جُ دامَ ةَ بنتِ وهبٍ الأَ سَ دِ يَّ ة، أنها سمعتم رسولَ الله يقول «لقد هََِ مم تُ أن أَ نهَ ى عن الغِ يم لَ ةِ حتى ذَ كرم تُ أنَّ الرومَ وفارسَ يَ صنَ عون ذلك فلا يَ ضرُُّ أولادَ هم» (3) .قال مسلمٌ بعد الحديث: «وأما خَلَ فٌ فقال: عن جذامة الأسدية...والصحيحُ ما قاله يَيى بالدالِ غير منقوطة». (1) انظر: (شرح النووي على صحيح مسلم1/114.) (2) انظر– مثلا-: (الإمام مسلم ومنهجه في صحيحه) للدكتور محمد طوالبة (ص/320-326)، (الإمام مسلم بن الحجاج ومنهجه في الصحيح وأثره في علم الحديث) للشيخ مشهور بن حسن آل سلمان (2/548-551.) (3) (صحيح مسلم، كتاب النكاح، باب جواز الغيلة2/1066-برقم1442.)
عدد الصفحات ١٤٣المدخل إلى صحيح الإمام مسلم 144 ومثالُ التَّ صحيفِ في المتن: ما أوردَ ه مسلمٌ في صحيحه وبَ ـيَّ ـنَ ه؛ في حديثه من طريق محمَّ دِ بنِ منهالٍ الضرَِّ ير: حدَّ ثنا يزيدُ بنُ زُ رَ يع، حدثنا سعيدُ بنُ أبي عروبة وهشامٌ صاحبُ الدستوائي، عن قتادة، عن أنسِ بنِ مالكٍ قال: قالَ رسولُ الله ح-وحدَّثني أبو غسَّان المِسممَعِيُّ ومحمدُ بنُ المثنَّى قالا: حدَّثنا معاذٌ -وهو ابنُ هشام- قال: حدَّثني أبي، عن قتادة، حدثنا أنسُ بنُ مالكٍ، أنَّ النبيَّ قال«يخَرُجُ مِن النارِ مَنم قال (لا إله إلا الله)، وكان في قلبه مِن الخيرِ ما يَزِنُ شعيرةً، ثم يخَرُجُ مِن النار مَنم قال (لا إله إلا الله) وكان في قلبه مِن الخيرِ ما يَزِنُ بُرَّةً، ثم يخَمرُجُ مِن النار مَنم قال (لا إله إلا الله) وكانَ في قلبه مِن الخيرِ ما يَزِنُ ذَرَّةً » . ثم قال الإمامُ مسلم «زاد ابنُ منهالٍ في روايته: قال يزيد: فلقيتُ شعبةَ فحدَّثمتُه بالحديث؛ فقال شعبةُ: حدَّثَنا به قتادةُ عنم أنسِ بنِ مالكٍ عن النبيِّ بالحديث؛ إلا أنَّ شعبةَ جعلَ مكان الذَّرَّةِ ذُرَةً. قال يزيد: صَحَّفَ فيها أبو بِسمطام (1) . ثالثاً: منهجُه في الحذف والاختصار سلك الإمامُ مسلمٌ –رحمه الله تعالى– في صحيحه منهجاً في إثبات الأحاديث على أوجهٍ وصُوَرٍ متعدِّدة، فتارةً يُثبِتُها كاملةً، وهذا هو الأغلب، وإليه أشارَ في بداية مقدمتِه لصحيحه، وتارة يُومرِدُها مختصَةً، وكلُّ ذلك لأسبابٍ وفوائدَ تقتضي ذلك. ومن أمثلة ذلك: 1-أخرجَ في صح يحه من طريق زهيرٍ وأبي خيثمَةَ، كلاهِا عن أبي الزبير، عن جابر قال: جاءَ سرُاقةُ بنُ مالكِ بنِ جُعشُمٍ قال: يا رسولَ الله! بَ ِّم لنا دينَنَا كأنَّا خُلِقمنَا الآن (1) (صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلةً فيها1/182-برقم193/325.)
عدد الصفحات ١٤٤