المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

المدخل الى صحيح الامام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى

محمد محمدي بن محمد جميل النورستاني

صفحة ١٠ من ١٢

145    المدخل إلى صحيح الإمام مسلم فِيمَ العمَلُ اليومَ؛ أفيما جَفَّتم به الأقلامُ وجَرَتم به المقاديرُ، أَمم فيما نَسمتَقمبِ لُ؟ قال: «لا؛ بل في جَفَّتم به الأقلامُ وجَرَتم به المقادِيرُ » .قال: ففِيمَ العملُ؟ قال زهير: ثم تكلَّم أبو الزبير بشيءٍ لم أفهمه؛ فسألت: ما قال؟ فقال: «اعمَلوا فكل مُيَسٌَّّ » (1) . قال الحميدي«والحديث في كتاب مسلمٍ في أحاديث القدر عن أحمد ويَيى كما قال، وليس فيه هذه الزيادة في العمرة، والحديث أطولُ من هذا، وإنما أخرج مسلمٌ ما أراد في أبواب القدر، وأخرجَ منه أيضً ا طرفً ا في لخر الحج، وقد أورده بطوله أبو بكر البرقاني في كتابه بالإسناد من حديث أبي خيثمة عن أبي الزبير عن جابر...» (2) . والحديثُ أخرجَه ا لإمامُ البفياريُّ في صحيحه بأطول منه، قال: «حدثنا أبو النعمان، حدَّثنا حمَّادُ بنُ زيد، أخبرنا عبدُ الملك بنُ جريج، عن عطاء، عن جابر. وعن طاوس عن ابن عباس –رضي الله عنهما- قال: قَدِمَ النبيُّ  وأصحابُه صُبمحَ رابعةٍ مِن ذي الحِجَّة مُهِلِّ َ بالحجِّ لا يخَم لِطُهم شيءٌ، فلما قَدِممنا أَمَرَن ا فجَعَلمناها عمرةً، وأن نَحِلَّ إلى نِسائِنا، فَفَشَتم في ذلك القالة (3) ! قال عطاء: فقال جابرٌ: فيرَُ وحُ أحدُنا إلى مِنًى وذَكَرُه يَقطُرُ مَنِيًّ ا!! فقال جابرٌ بِكَفِّه؛ فبلغَ ذلك النبيَّ  فقامَ خطيبًا فقال«بَلَغني أنَّ أقواماً يقولون كذا وكذا! والله لأََنَا أبَرُّ وأتمقَى لله منهم، ولَو أَنيِّ استَقمبَلمتُ مِن أمري ما اسمتَدمبَرمتُ: ما أَهمدَيمتُ، ولَولا أنَّ مَعي الهديَ: لأَحملَلمتُ ». (1) (صحيح مسلم، كتاب القدر، باب كيفية خلق الآدمي4/2040-2041-برقم/2648.) (2 )(الجمع بين الصحيحين) للحميدي2/300)، وانظر: (النكت على كتاب ابن الصلاح) (1/307-308.) (3) أي: انتشرت في ذلك مقالةُ الناس، وذلك ل ـمَا كان في اعتقادهم أن العمرةَ لا تصحُّ في أشهر الحج، ويرونَه فجوراً، بل من أفجر الفجور، فأجازَها الإسلام. انظ ر: (شرح الكرماني) ( 11/65)، (التوضيح لشرح الجامع الصحيح (16/105.)

عدد الصفحات ١٤٥

المدخل إلى صحيح الإمام مسلم   146  فقامَ سرُاقَةُ بنُ مالكِ بنِ جُعمشُمٍ فقال: يا رسولَ الله، هي لَنا أو للأبد؟ فقال «لا، بَل للأبد». قال: وجاءَ علُّّ بنُ أبي طالبٍ، فقالَ (1) : أحدُهِا يقول (2) : لَبَّيكَ بما أهَلَّ به رسولُ ا ، وقال: وقالَ الآخَرُ: لَبَّيمكَ بحَجَّةِ رسولِ ا ؛ فأمرَ النبي  أن يُقيمَ على إحرَامه، وأشرَكَه في الهدي (3) . وهو حديثٌ واحدٌ، ولكن البفيا ريَّ هو الآخر لم يَسُقمه كاملاً، وقد أخرجَه شيفيُه الإمامُ أحمدُ بأطولَ من لفظِ الشيفيَ ، حيث أخرجَه من طريق زهيرٍ عن أبي الزبير، عن جابرِ بن عبد الله – رضي الله عنهما-قال: «خَرَجم نَا مَعَ رَسُولِ الله  مُهِلِّ َ بِالحمَجِّ مَعَنَا النِّسَاءُ وَالوِلدَانُ ، فَلماَّ قَدِممنَا مَكَّةَ طُفمنَا بِالمبَيمتِ وَبِالصَّفَا وَ المرم وَةِ ، فَقَالَ لَنَا رَسُولُ الله  :«مَنم لمَم يَكُنم مَعَهُ هَدميٌ فَلميَحملِلم » . قُلنَا: أَيُّ الحمِلِّ ؟ قَالَ : «الحمِل كُلُّه». قَال: فَأَتَيمنَا النِّسَاءَ وَلَبِسمنَا الثِّيَابَ وَ مَسِسمنَا الطِّيبَ ، فَلَماَّ كَانَ يَوممُ الترَّموِيَةِ أَهملَلمنَا بِالحمَجِّ ، وَكَفَانَا الطَّوَافُ الأمَوَّلُ بَ مَ الصَّفَا وَالم رموَةِ ، وَأَمَرَنَا رَسُولُ الله  أَنم نَشمترَِكَ فيِ الإمِبِلِ وَالمبَقَرِ ؛ كُلُّ سَبمعَةٍ مِنَّا فيِ بَدَنَةٍ . فَجَاءَ سرَُاقَةُ بمنُ مَالِكِ بمنِ جُعمشُمٍ فَقَالَ : يَا رَسُولَ الله، بَ ِّم لَنَا دِينَنَا كَأَنَّا خُلِقمنَا الآمنَ ، أَرَأَيمتَ عُممرَتَنَا هَذِهِ لِعَامِنَا هَذَا أَمم لِلأمَبَد ؟ فَقَال: «لاَ، بَلم لِلأمَبَدِ ». قَال: يَا رَسُولَ الله، بَ ِّم لَنَا دِينَنَ ا كَأَنَّا خُلِقمنَا الآمنَ : فِيمَ المعَمَلُ الميَوممَ ؛ أَفِيماَ جَفَّتم بِهِ الأمَقملاَمُ وَجَرَتم بِهِ الـمَ قَادِيرُ ، أَوم فِيماَ (1) أي: ابن جريج، وهو الذي روى عن عطاء وطاوس (2) أي: أحدُ الراو يَيْن عبَّرَ بهذا والثاني عبَّرَ بغير ذلك، قال الحافظُ ابنُ حجر «تقدَّمَ في أوائل الحجِّ بيانُ الذي عَبَّرَ بالعبارة الأولى، وهو جابر، وكذلك وقعَ في أبواب العمرة، وتعيَّنَ أنّ الذي قال: «بحجَّة رسول ا  »هو ابنُ عباس» (3) أخرجه البخاريُّ في كتاب الشركة، باب الاشتراك في الهدي والبُدْن، وإذا أشركَ الرجلُ رجلاً في هَدْي ه بعد ما أهدى (3/159-برقم2505.)

عدد الصفحات ١٤٦

147    المدخل إلى صحيح الإمام مسلم نَسمتَقمبِلُ ؟ قَالَ : «لاَ، بَلم فِيماَ جَفَّتم بِهِ الأمَقملاَمُ وَجَرَتم بِهِ الـمَ قَادِيرُ ». قَال: فَفِيمَ المعَمَلُ ؟ قَالَ أَبُو النَّضرمِ فيِ حَدِيثِه : فَسَمِعمتُ مَنم سَمِعَ مِنم أَبيِ الزُّبَيرمِ يَقُول: قَالَ : «اعممَلُوا فَكُلٌّ مُيَسٌَّّ ». قَالَ حَسَنٌ : قَالَ زُهَيرمٌ : فَسَأَلمتُ يَاسِ َ : مَا قَالَ ؟ قَالَ : ثُمَّ لمَم أَفمهَمم كَلاَمًا تَكَلَّمَ بِهِ أَبُو الزُّبَيرم ، فَسَأَلمتُ رَجُلاً فَقُلمتُ كَيمفَ قَالَ أَبُو الزُّبَيرمِ فيِ هَذَا المومضِع ؟ فَقَالَ : سَمِعمتُهُ يَقُولُ : «اعممَلُوا فَكُلٌّ مُيَسٌَّّ » (1) . 2-أخرجَ الإمامُ مسلمٌ -رحمه الله-في صحيحه من طريق قُرَّةَ، عن أبي الزبير قال: حدَّثنا جابرُ بنُ عبدالله قال: سمعتُ رسولَ الله  يقول«مَن لَقِيَ الله لا يُشرِكُ به شي ًا دخلَ الجنةَ، ومَن لَقِيَه يُشرِكُ به: دخَلَ النار » (2) . والحديثُ مختصٌَ بهذا اللفظ، كما قاله الحميديُّ في (الجمع ب الصحيح )، وذكرَ الحميديُّ أيضاً أنه قد «أخرجه أبو بكر البرقا بطوله من حديث قُ رَّ ة عن أبي الزبير عن جابر، ولكن مسلماً اقتصََ على ما أرادَ منه » (3) . والجزءُ الذي لم يخَُرِّجمه الإمامُ مسلمٌ هو قول جابرٍ  في لخر الحديث «ودَعَا رسولُ الله  بصحيفةٍ عند موته، فأرادَ أن يكتبَ لهم كتاباً لا يَضلُّوا بعده، فكثُرَ اللغطُ، وتكلَّمَ عمرُ –رضي الله عنه-فرفضَها رسولُ الله  ». (1) (مسند الإمام أحمد) ( 22/14-برقم14116). وأخرجه أيض -بنحوه- الطبرانيُّ في (المعجم الكبير) (7/121ح6567.) (2) (صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب مَن ماتَ لا يُشر كُ بالله شيئاً دخلَ الجنة 1/94-برقم93/152.) (3 )(الجمع بين الصحيحين) للحميدي2/302)، وانظر(النكت على كتاب ابن الصلاح) (1/308-309)، (الإمام مسلم بن الحجاج ومنهجه...) للشيخ مشهور بن حسن ( 2/539)، وذكرَ السخاويُّ في (غنية المحتاج (ص/490) أنّ ذلك يقعُ في المتابعات لا في الأصول

عدد الصفحات ١٤٧

المدخل إلى صحيح الإمام مسلم   148  المطلب الثاني: منهجُه في علوم المتنِ من حيثُ درايتُه أولاً: منهجُه في مختلِ ف الحديث: مختَلِ فُ الحديث: أن يأتيَ حديثان متضادَّان في المعنَى ظاهراً (1) . ويكونُ عملُ المحقِّق أو المحدِّثِ: التوفيقَ أو الترجيحَ بينهما، ودفعَ ما يَظهَرُ من التعارُضِ بينهما. وهذا الفنُّ من أعظمِ فنونِ علمِ الحديثِ وأكثرِها فائدةً، وهو جَليلُ المقدارِ جدًّا، ولذلك قال ابنُ الصَّلاح -رحمه الله-في تِبميان فضلِه وجَلالته: «إنما يَكمُلُ للقيام به الأئمةُ الجامعُون ب صناعَتَي الحديثِ والفقه، الغوَّاصُ ون على المعاني الدقيقة» (2) . ومنهجُ الإمامِ مسلمٍ في الأحاديث إذا كان ظاهرُها الاختلافُ والتعارضُ أنه يُثبتُها جْيعاً إذا لم يَثبُت النس ُ، وأمكنَ الجمعُ بينهما. ومن أمثِلَتِه: 1-ما أخرجَه في صحيحه في باب «لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر، ولا نوء ولا غول، ولا يُورِدُ مُُمرِضٌ عَلى مُصِحٍّ » قال «حدَّثني أبو الطاهرِ وحَرممَلَةُ بنُ يَيى –واللفظُ لأبي طاهر -قالا: أخبرَنا ابنُ وهب، أخبرني يونس، قال ابنُ شهاب (3) : فحدَّثَني أبو سلمةَ بنُ عبدِالرحمن، عن أبي هريرة  ح قال رسولُ الله  :«لا عَدموَى ولا صَفَرَ و لا هَامَةَ »، فقال أعرابيٌّ: يا رسولَ الله! فما بالُ الإبلِ (1) راجع: (التقريب) للنووي2/196.) (2) (علوم الحديث) لابن الصلاح (ص284.) (3) أيأخبرني يونس، قال: قال ابنُ شهاب.

عدد الصفحات ١٤٨

149    المدخل إلى صحيح الإمام مسلم تكونُ في الرَّمملِ كأنهَّا الظِّبَاءُ، فيجيءُ البعيرُ الأجمرَبُ فيدخلُ فيها فيُجمرِبهُا كلَّها؟! قال: «فمَن أعمدَى الأولَ؟! » (1) . ثم قال الإمامُ مسلمٌ «وحدَّثني محمدُ بنُ حاتِمٍ وحَسَنٌ الحلوانيُّ، قالا: حدثنا يعقوبُ -وهو ابنُ إبراهيم بن سعد -، حدَّثنا أبي، عن صالح، عن ابنِ شِهابٍ، أخبرني أبو سلمةَ بنُ عبدِ الرحمن وغيرُه، أنَّ أبا هريرة  قال: إنَّ رسولَ ا  قال«لا عَدموى و طِيرََة، ولا صَفَرَ ولا هَامَةَ »، فقال أعرابيٌّ: يا رسولَ الله. بمثلِ ح ديث يونس» (2) . ثم قال الإمامُ مسلمٌ «وحدَّثني عبدُ الله بنُ عبد الرحمن الدَّارِميُّ، أخبرنا أبو اليَمان، عن شُعيبٍ، عن الزُّهمريِّ، أخبرني سِنَانُ بنُ أبي سِنَانٍ الدُّؤَ ُّ، أنَّ أبا هريرة  قال: قالَ النبي  :«لا عَدموَى »، فقامَ أعرابيُّ.. فذكرَ بمثلِ حديثِ يونسٍ وصالح. وعن شُعيبٍ، عن الزهريِّ قال: حدَّثني السَّائبُ بنُ يزيدَ ابنُ أختِ نَمِرٍ، أنَّ النبيَّ  قال«لا عَدموى ولا صَفَر ولا هَامة » (3) . ثم قال«وحدَّثني أبو الطَّاهر وحرملةُ -وتقارَبَا في اللَّفمظِ - قالا: أخبرنا ابنُ وهبٍ، أخبرني يونسُ، عن ابنِ شِهابٍ، أنَّ أبا سَلَمةَ بنَ عبدِ الرحمن بنِ عوفٍ حدَّثه، أنَّ رسولَ الله  قال«لا عَدموَى » .ويَدِّثُ أنَّ رسولَ ا  قال«لا يُورِدُ مُُمرِضٌ عَلى مُصِح قال أبـو سلَمةَ: كان أبو هريرةَ يـحدِّثُهُما كِلم ـتَ ـيمهِما عن رسولِ الله ، ثمَّ صَمَتَ أبو هريـرةَ بعدَ ذلكَ عن قَ ـوملِ ـه «لا عَــدموَى »، وأقـام على أن «لا يُـورِدُ مُ ـممرِضٌ عَلى مُصِحٍّ ». (1) (صحيح مسلم، كتاب السلام، باب لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر4/1742-برقم2220.) (2) المصدر السابق (ح2220/102.) (3) المصدر السابق (ح2220/103.)

عدد الصفحات ١٤٩

المدخل إلى صحيح الإمام مسلم   150  قال: فقالَ الحارثُ بنُ أبي ذُبابٍ -وهو ابنُ عَمِّ أبي هريرة -: قد كنتُ أسمَعُكَ يا أبا هريرةَ تحُدِّثُنا مع هذا الحديث حديثاً لخرَ قد سَكَتَّ عنه؟! كنتَ تق ول: قال رسول الله  : «لا عَدموَى »؟! فأبى أبو هريرةَ أن يَعمرِفَ ذلك، وقال «لا يُورِدُ مُُمرِضٌ عَلى مُصِح » .فماَرَاهُ (1) الحارثُ في ذلك حتى غضِبَ أبو هريرة، فرطَنَ بالحبَشِيَّةِ، فقال للحَارثِ: أتَدمري ماذا قلتُ؟ قال: لا، قال أبو هريرة: إِنيِّ قلتُ: أبَ يمتُ. قال أبو سَلَمةَ: ولَعَممري! لَقَدم كان أبو هُرَيرَةَ يََُدِّثُنا أنَّ رسولَ الله  قال« لا عَدموَى »، فلا أدمري أنَسيَِ أبو هريرة، أو نَسَ َ أحدُ القولَ م الآخَرَ؟ » (2) . فهذه الأحاديثُ مختَلِفةُ الظَّاهِرِ ومُتَعانِدَةُ المعاني فيما يَبمدو للنَّاظِر ، ومع ذلك أثـبَ ـتَها الإمامُ مسلمٌ في صحيحه جْيعًا؛ لإمكانِ الجَممعِ بينها، كم ـا قال بذلك جْهورُ العلماء. وطريقُ الجمع ب هذه الأحاديث: أنَّ حديثَ «لا عَدموَى » :المرادُ به نفيُ ما كانت الـجاهليةُ تَزمعُمُه وتَ ـعتَ ـقِدُه: أنَّ ال ـمرضَ والعَاهَةَ تَ ـتَعَدَّ ى بـطَبعِها لا بِفِعملِ الله تعالى. وأمَّا حديثُ «لا يُورِدُ مُُمرِضٌ عَلى مُصِح » :فأرشدَ فيه إلى لَُانَبـَةِ ما يََصُلُ الضرََّرُ عنده في العادةِ بِفِعلِ الله تَعَالى وقَدَرِه؛ فنَفَى في الحديثِ الأولِ العَدموَى بطبمعِها، ولم يَنمفِ حُصُولَ الضرََّرِ ع ند ذلك بقَدَرِ الله تعالى وفِعملِه. وأَرمشَدَ في الثاني إلى الاحمترَِازِ مُا يََمصُلُ عنده الضرََّرُ بفعلِ الله تعالى وإرادَتِه وقَدَرِه. فهذا الوجمهُ من تَصمحيحِ الحديثَ مِ والجَممعِ بينهما: هو الصَّوابُ الذي عليه جْهورُ العلماء، ويَتَعَ َُّ المصيرُ إلي ه، ولا يُؤَثِّرُ نِسميَانُ أبي هريرةَ  لحديث«لا عَدموَى » لوجه (1) فَـمَارَاه: من المماراة (2) المصدر السابق (ح2221.)

عدد الصفحات ١٥٠

151    المدخل إلى صحيح الإمام مسلم أحدُهما : أنَّ نسيانَ الرَّاويِّ للحديثِ الذي رَواه لا يَقدَحُ في صِحَّتِه عند جْاهيرِ العلماء، بل يجَِبُ العَمَلُ به. والثاني: أنَّ هذا اللَّفمظَ ثابتٌ من رواية غير أبي هريرة، فقد ذكرَ الإم امُ مسلمٌ هذا من روايةِ السائب بنِ يزيد، وجابرِ بنِ عبدالله، وأنسِ بنِ مالك، وابنِ عمر عن النبيِّ  (1) . 2-ومثالُه أيضاً ما أخرجَه في صحيحه في كتاب الإيمان قال: «حدثنا أحمدُ بنُ حنبلٍ وسرَُيجُ بنُ يونس، قالا: حدَّثنا هُشيمٌ، أخبرنا داودُ بنُ أبي هند، عن أ بي العالية، عن ابنِ عباسٍ –رضي الله عنهما- أنَّ رسولَ الله  مَرَّ بِوَادِي الأَزمرَقِ فقال: «أيُّ وادٍ هذا؟ » فقالوا هذا وادي الأَزمرَق. قال: «كأنيِّ أنظرُ إلى مُوسَى إلى الله بالتَّلمبِيَة»، ثم أتى ع ثَنِيَّةِ هَرمشَى (2) ؛ فقال«أيُّ ثَنِـيَّةٍ هذه؟ » قالوا: ثَنِيَّةُ هَرمشَى. قال «كأنيِّ أنظرُ إلى يونسَ بنِ متى (3) ، عليه جُبَّةٌ من صُوفٍ، خِطَامُ ناقَتِه خُلمبَةٌ (4) ، وهو يُلَبِّي». قال ابنُ حنبلٍ في حديثِه: قال هشيم: يعني لِيفاً » (5) . فهذا حديثٌ يتعارضُ مع بعض الأحاديثِ والآياتِ التي تَنُصُّ على انقطا الحياةِ بالموت، وأنَّ الدُّنيا هي فقط دار العمل، وأنَّ قيامةَ المؤمنِ وغيرِه بموتِه، وفيها حسابُه وجَزاؤه؛ فكيف يُثبتُ هذا الحديثُ حياةَ الأنبياءِ وعبادَتهَم بهذا الشكلِ وغيرَ ذلك بعدَ وفاتهم؟ (1) راجع هذا التقريرَ عن الجمع بين أحاديث الباب في (شرح النوويِّ على صحيح مسلم) ( 14/213-214.) (2) هرشى: جبلٌ قربَ الـجُحْفة (3) أي: مكتـَنـزة اللحم (4) الـخُلبة: الليف، كما سيأتي في تفسير هشيم له (5) (صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب الإسراء برسول ا ) (ح166.)

عدد الصفحات ١٥١

المدخل إلى صحيح الإمام مسلم   152  وقد أثبتَ الإمامُ مسلمٌ -رحمه الله-هذا الحديثَ لِعدَمِ تعارُضِه مع غيرِه في حَقيقة الأمر؛ إذ عندَ النظرِ الدَّقيقِ يَتَـبَـ َُّ أن لا تعارُضَ ولا اختلاف، بل يمكن الجمعُ على أوجُهٍ عديدةٍ أقواها (1) : الأول كأنَّه مُثِّلَتم لَه أحوالهُم التي كانتم في الحياةِ الدُّنيا؛ كيف تعبَّدُوا وكيفَ حَجُّوا وكيف لَبُّوا، ولهذا قال  :«كأ». الثا كأنَّه أُخمبرَِ عن ذلك بالوحي، فلِشِدَّةِ قَطمعِه به قال: «كأنيِّ أنظرُ إليه ». الثالث كأنهَّا رؤيةُ منامٍ تَقَدَّمَت له، فأخبرَ عنها لَـماَّ حجَّ عندمَا تذَكَّرَ ذلك، ورُؤى الأنبيَاء وحيٌ. 3-ومثالُه أيضًا ما أخرجَه في كتابِ الإيمانِ من صحيحه: «حدثني حرملةُ بنُ يَيى، أخبرنا ابنُ وهبٍ، أخبرني يونسُ، عن ابنِ شهابٍ، عن أبي سلمةَ بنِ عبدِ الرحمنِ وسعيدِ بنِ المسَيَّبِ، عن أبي هريرة  أنَّ رسولَ ا  قال«نحنُ أحَقُّ بالشَّكِّ مِن إبراهيم [] إذ قال: ﮋ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﮊ [260] قال«ويَرمحَمُ الله لوطًا، لقد كان يَأوِي إلى ركنٍ شديد، ولو لَبِثمتُ في السِّجنِ طُوملَ لَبمثِ يوسفَ: لأَجَبمتُ الدَّاعي » (2) . فهذا اديثُ مخالِفٌ في ظاهره لِصََيحِ القرلنِ والسنةِ الآمِرِ باليق ِ في الإيمانِ وعَدَمِ الشك، ومع ذلك أوردَه الإمامُ مسلمٌ -رحمه الله-لإممكانِ توجيهِ ظاهرِه لِيَنمسَجِمَ مع غيرِه من النُّصوع. (1) راجع: (فتح الباري) للحافظ ابن حجر3/508-509)، (شرح النووي على صحيح مسلم2/228-229.) (2) (صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب زيادة طمأنينة القلب) (ح151.)

عدد الصفحات ١٥٢

153    المدخل إلى صحيح الإمام مسلم وقد اختلفَ السلفُ –رحمهم الله تعالى– في المرادِ بالشَّكِّ هنا، فحَمَلَ ه بعضُهم على ظاهره، وقال: كان ذلك قبلَ النُّبُوَّة، وجعَلَهُ بعضُهم بسَبَبِ حصول وسوسةِ الشيطان، لكِنَّها لم تَستَقِرَّ ولا زَلزَلَت الإيمانَ الثابتَ، ودليلُهم في ذلك تفسيرُ ابنٍ عباسٍ –رضي الله عنهما- لآية: ﮋ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﮊ [260] :«هذا لِـماَ يَعرِضُ الصُّدور، ويُوَسموِسُ به الشيطان، فرَضيَِ الله مِن إبراهيم -عليه السلام-بأنم قال: بلى ». واختلف السلفُ كذلك في معنى قوله  :«نحنُ أحقُّ بالشَّك »: فقالَ بعضُهم: معناه: نحنُ أشدُّ اشتياقًا إلى رؤيةِ ذلك مِن إبراهيم وقيل: معناه: إذا لم نَشُكَّ نحنُ فإبراهيمُ أولى أن لا يَشُكَّ، أي: لو كان الشكُّ متطرِّقاً إلى الأنبياء: لكنتُ أنا أحقُّ به منهم، وقد علمتُم أنيِّ لم أشك، فاعلموا أنه لم يَشُكَّ ، وإنَّما قال ذلك  تواضعًا منه، أو مِن قبلِ أن يُعملِمَه اللهُ بأنه أفضلُ من إبراهيم وقيل: معناه: هذا الذي تَرَومن أنه شكٌّ؛ أنا أولى به؛ لأنه ليس بِشَكٍّ، إنما هو طلبٌ لمزيدِ البيان. وقيل: المرادُ بالشكِّ في الحديث: الخواطرُ التي لا تَثمبُت، وأما الشكُّ المصطَلَحُ، وهو التوَقُّفُ ب الأمرينِ من غير مَزِيَّةٍ لأحدِهِا على الآخر: فهو مَنمفِيٌّ عن الخليل ◙ قطعًا؛ لأنه يَبعُدُ وقوعُه مُن رس َ الإيمانُ في قلبه؛ فكيف بمَن بلغَ رتبةَ النُّبُوَّة؟. وأما قوله  :«ولو لبثتُ في السِّجنِ طُولَ ما لَبِثَ يوسفُ: لأجَبْتُ الدَّاعي » : فمقصودُه: لأسرمَعتُ الإجابةَ في الخروجِ مِن السِّجمن، ولَـماَ قَدَّممتُ طلبَ ال براءة، فوصَفَه بشدَّةِ الصَّبرِ حيثُ لم يُبَادِرم بالخروج، وإنما قالَه  تواضعاً، والتواضعُ لا يََُطُّ مرتبةَ الكبير، بل يَزيدُه رِفمعَةً وجَلالاً (1) . (1) راجع فيما سبق من تأويلات السلف : (فتح الباري) للحافظ ابن حجر 6/512-513.)

عدد الصفحات ١٥٣

المدخل إلى صحيح الإمام مسلم   154  ثانياً: منهجُه في الحديثِ الـمُدْرَج ذكر الحافظُ ابنُ الصَّلاح ¬ في مقدِّمَتِه (1) أنَّ الإدمرَاجَ في ا ديثِ أقسام: منها: ما أُدمرِجَ في حديثِ رسولِ الله  مِن كلامِ بعضِ رُوَاتِه؛ بأَنم يَذكُرَ الصحابيُّ أو مَن بَعده عقيبَ ما يَرويه مِن الحديثِ كلاماً مِن عِنمدِ نفسِه؛ فيرَموِيَ ه مَن بَعدَه موصُولاً بالحديثِ غيرَ فاصلٍ بينهما بِذِكمرِ قائلِه، فيَلمتَبِسُ الأ مرُ فيه على مَن لا يَعملَمُ حقيقةَ الحال، ويَتَوَهَّمُ أنَّ الجميعَ عن رسولِ الله . ومنها: أن يكونَ متنُ الحديثِ عند الراوي لَه بإسنادٍ إلاَّ طرفاً منه، فإنه عندَه بإسنادٍ ثانٍ، فيُدمرِجَ ه مَن رَواه عنه على الإسنادِ الأول، ويََذِفَ الإسنادَ الثاني، ويَرو ي جْيعَه بالإسنادِ الأول. ومنها: أن يُدرِجَ في متنِ حديثٍ بعضَ متنِ حديثٍ لخر، مخالفٍ للأولِ في الإسناد. ومنها: أن يَرويَ الراوي حديثاً عن جْاعةٍ بينهم اختلافٌ في إسناده، فلا يَذكُرَ الاختلافَ فيه، بل يُدمرِجَ روايتَ هم على الاتفاق. وقد نَصَّ الأئمةُ على أن ه لا يجوز تَعَمُّدُ شيءٍ من الإدراج المذكور. وقد كانَ للإمامِ مسلمٍ -رحمه الله تعالى-منهجٌ واضحٌ مُطَّرِدٌ في صحيحه؛ وهو كالآتي: 1-ما صرُِّح به ونُصَّ على الإدراج فيه؛ فإنه يُورِدُ السَّالِـمَ من الإدراج أولاً ثم يُتمبِعُه بالمدمرَج: ومثالُه: ما أخرجَه في صحيحه من طريق مالكٍ، عن ابنِ شهابٍ، أنَّ سهلَ بنَ سعدٍ (1) انظر (علوم الحديث) له (ص/95-98.)

عدد الصفحات ١٥٤

155    المدخل إلى صحيح الإمام مسلم الساعديَّ أخبرَه، أنَّ عُوَيممِرً ا العَجملانيَّ جاءَ إلى عاصمِ بن عديٍّ الأنصاريِّ؛ فقالَ له: أرأيتَ يا عاصِمُ لَو أنَّ رجُلاً وجَدَ معَ امرأتِه رجُلاً أيَقمتُلُه فتَقمتُلُونه، أم كيفَ يفعل؟! فسَلم عن ذلك يا عاصِمُ رسولَ الله  ؛ فسألَ عاصِمٌ رسولَ ا  ، فكرِهَ رسولُ ا  المسائلَ وعابهَا، حتى كَبرَُ على عاصمٍ ما سَمِعَ مِن رسولِ الله  . وفي الحديث: أن عُ وَ يمراً راجعَ رسولَ الله  بنفسِه، وسأله عن المسألة، فقال له رسولُ الله  :«قد نَزَلَ فيكَ وفي صاحبتِكَ، فاذمهَبم فأتِ بها ». قال سهلٌ: فتَلاَعَنَا وأنا مع الناسِ عند رسولِ ا  ؛ فلما فرَغَا قال عُوَيممِرٌ: كذبتُ عليها يا رسولَ الله إنم أمسكتُها؛ فطلَّقها ثلاثاً قبلَ أن يأمُرَه رسولُ الله. قال ابنُ شهابٍ: فكانَتم سنةَ المتلاعِنَ م (1) . فهذا الحديثُ سالِـمٌ من الإدراج، ولذلك ساقَه الإمامُ في مَطلع الباب، ثم أتبعَه بطريقٍ أخرى وقعَ فيها الإدراجُ، فبَـيَّـنَه ونَصَّ عليه، قال الإمامُ مسلم: «وحدَّثني حرملةُ بنُ يَيى، أخبرنا ابنُ وهبٍ، أخبرني يونسُ، عن ابنِ شهابٍ، أخبرني سهلُ بنُ سعدٍ الأنصاريُّ: أنَّ عُوَيممراً الأنصاريَّ مِن بَني العَجملان أتى عاصمَ بنَ عدِيٍّ، وساقَ الحديثَ بمثلِ حديثِ مالكٍ، وأدمرَجَ في الحديثِ قولَه: (وكانَ فراقُه إيَّاها –بَعمدُ -سنَّةً في المتلاَعِنَ م). وزادَ فيه: قال سهلٌ: وكانتم حامِلاً، فكانَ ابنُها يُدمعَى إلى أمِّه، ثم جَرَت السنةُ أنه يَرِثُها وتَرِثُ منه ما فرَضَ الله لها » (2) . ومثالُه أيضاً ما أخرجَه في صحيحه مِن طريقِ عبدِ الوهَّاب الثقفيِّ، عن أيوبَ (1) (صحيح مسلم، كتاب اللعان) (ح1492/1.) (2) (صحيح مسلم، كتاب اللعان) (ح1492/2.)

عدد الصفحات ١٥٥

المدخل إلى صحيح الإمام مسلم   156  السَّفيمتِيَانيِّ، عن محمدِ بنِ سيرين، عن أبي هريرة  عن النبي قال«إذااقترََبَ الزَّمانُ لَـمم تَكَدم رؤيَا المسلمِ تَكذِبُ، وأصمدَقُكم رؤيَا أصدَقُكم حديثًا، ورُؤميَا المسلمِ جزءٌ مِن خمسٍ وأربع جزءًا من النُّبُوَّة، والرؤيَا ثلاثٌ (1) : فرؤيَا الصالحةِ (2) بُشرمَى من الله، ورُؤيَا تحَمزِينٌ مِن الشيطان، ورؤيَا مَُّا يََُدِّثُ المرءُ نفسَه، فإنم رأى أحدُكم ما يَ كرَه: فلميَقُمم فلميُصَلِّ، ولا يََُدِّثم بها الناس » .قال«وأُحِ بُّ القيدَ وأكرَه الغُلَّ، والقيدُ ثَباتٌ في الدين » (3) ، فلا أدري! هو في الحديثِ أمم قالَه ابنُ سيرين (4) . فهذا الحديثُ على الشَّكِّ؛ هل فيه إدراجٌ أم لا، ولكنَّ الإمامَ مسلماً -رحمه الله-ساقَ في منتهَى بابِه روايةً أخرى يجزمُ فيها بالإدراج، ويُـبَـ ُِّ فيها محلَّ الإدراجِ ومكانَه، قال – رحمه الله تعالى-: «وحدَّثناه إسحقُ بنُ إبراهيم، أخبرنا معاذُ بنُ هشام، حدَّثنا أبي، عن قتادةَ، عن محمدِ بنِ سيرين، عن أبي هريرة  ، عن النبي ؛ وأدرجَ في الحد يثِ قولَه: «وأكرَه الغُلَّ » إلى تمام الكلام» (5) . ثالثاً: منهجُه في النَّاسِخ والمنسُوخ نهََجَ الإمامُ مسلمٌ -رحمه الله- في ناسِ الحديثِ ومنسُوخِه منهجًا مطرداً؛ مَيمسُورَ (1) في بعض نسخ (صحيح مسلم«ثلاثة» (2) في هامش نسخة (دار الطباعة العامرة) بإستانبول تركيا (7/52« :)فرؤيا الصالحة: هكذا في النسخ التي بأيدينا، لعله من قبيل إضافة الموصوف إلى صفت ه، والله أعلم» (3 )قولُه«أحب القيد وأكره الغلّ» أي: في النوم. قال النوويُّ في شرحه لهذا الحديث «قال العلماءُإنّما أحبَّ القيدَ لأنه في الرِّجْلَيْن، وهو كفٌّ عن المعاصي والشُّرور وأنواع الباطل، وأمَّا الغُلُّ: فموضعُه العنُق، وهو صفةُ أهل النار، قال الله تعالى: (ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ) [8] وقال تعالى(ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ) [71].» (4) (صحيح مسلم، كتاب الرؤيا، باب في كون الرؤيا من الله، وأنها جزءٌ من النبوة) (ح2263/6.) (5) المصدر السابق (ح2263/....)

عدد الصفحات ١٥٦

157    المدخل إلى صحيح الإمام مسلم الفهمِ سَهملَ الإدراك، ومُلَفيَّصُه: أنه يُورِدُ المنسو َ أولاً ثمَّ يُـتمـبِعُه بنَ اسفيِه، ويَكتَفي بهذا الصَّنيع، ويَراه كافيًا في البيَانِ والإيضَاح، وأمثلتُه كثيرةٌ جدًّا، ومن ذلك: 1-أحاديثُ وجوبِ الغُسلِ بشرطِ الإنزال، والأحاديثُ التي تُوجِبُه بمجَرَّد التقاءِ الختَانَ م ولو بدون إنزال؛ فقد أخرجَ الإمامُ مسلمٌ -رحمه الله-الأحاديثَ الو اردةَ في المعنَى الأولِ ابتداءً؛ ليدلَّ على أنها منسوخةٌ، ثم أتبَعَها بناسفيها (1) . 2-أحاديثُ النَّهميِ عن أكلِ لحُومِ الأضَاحي بعدَ ثلاثٍ، وأحاديثُ جواز ذلك ومشروعيَّةِ الادِّخار (2) . 3-أحاديثُ تَعميِي ـنِ الصَّلاةِ ال ـوُسمطى، وبيانِ ال ،مرادِ منها؛ فقد ذكرَ أ ولاً أحاديثَ تَعيِيمنِها بصلاة العصَ، ثم أعمقَبَها بما يدُلُّ على عدمِ تَعميِينِها (3) . ومَُّا يدلُّ أيضاً على اطِّرادِ منهجِ الإمامِ مسلمٍ في هذه المسألةِ: قولُ الإمامِ القرطبي تفسيره: «ومَُّا يدلُّ على صِحَّةِ أنها مُبمهَمَةٌ غيرُ مُعَيَّنَةٍ: ما رو اه مسلمٌ في صحيحه... فلزمَ مِن هذا أنها بَعد أن عُيِّنَتم نُسِ َ تَعميِينُها وأُبهمِمَت؛ فارتفعَ التعيِ ُ والله أعلم، وهذا اختيارُ مسلمٍ؛ لأنه أتَى به في لخرِ الباب » (4) . (1) انظر: (صحيح مسلم، كتاب الحيض، باب بيان أنّ الجماعَ كان في أول الإسلام لا يُوج بُ الغسلَ إلا أن ينزلَ المني، وبيان نَسْخ ه، وأنّ الغسلَ يجبُ بالجماع) ( 1/269-271-الأحاديث343-347)، وباب نسخ الماء من الماء، ووجوب الغسل بالتقاء الختانَين (1/271-272-الأحاديث/348-350.) (2) انظر: (صحيح مسلم، كتاب الأضاحي، باب ما كان من النهي عن أكل لحوم الأضاحي بعد ثلاثٍ في أول الإسلام، وبيان نَسْخ ه وإباحت ه إلى متى شاء) ( 3/1560-1564-الأحاديث1969-1975.) (3) انظر: (صحيح مسلم، كتاب المساجد، باب الدليل لمن قال: الصلاة الوسطى هي صلاة العصر) (1/438-627- 630.) (4) راجع: (تفسير القرطبي3/212.)

عدد الصفحات ١٥٧

المدخل إلى صحيح الإمام مسلم   158  المبحث السادس: في ِّ منهج الإمام البخاري ُ ر َ أث«صحيح مسلم» (1) : سارَ الإمامُ البفياري –رحمه الله تعالى– في صحيحه على منهجٍ قِوامُه: جْعُ الأحاديث الصحيحة المت صِلة، مع العناية باستنباط الفقه والسيرة والتفسير منها، فرت بَ كتابَه على الأبواب الفقهي ةِ وغيرِها، جعلَ لها عناوينَ وتراجمَ، مُا اضطرَّه إلى تُزئةِ الحديثِ وتقطيعِه، وإيرادِ كلِّ طرفٍ منه في الموطن اللائقِ به، كما أن عمَلَه في التراجم جعلَه يترجمُ بآياتٍ كريمة، أو بأحاديث مرفوعةٍ ليست على شرطِه، أو برأيٍ فقهيٍّ مع ٍَّ، ثم يب وجهَ الاستنباط منه، أو يشير إليه. وكان لهذا المنهج الأثرُ الحسنُ على منهج الإمام مسلمٍ في صحيحه، فمسلمٌ تلم يذُ البفياريِّ وخريجُه، فأخذَ عنه واستفادَ منه ومن كتبِه، كما سبق، حتى قال أبو أحمد الحاكم: «رحمَ الله ابنَ إسماعيل؛ فإنه ألَّفَ الأصولَ من الأحاديث، وب ََّ للناس، وكلُّ مَن عملَ بعده: فإنما أخذه من كتابه، كمسلِمِ بن الحجاج» (2) ، وقال الدارقطني«وأي شيءٍ صنعَ مسلمٌ؟! إنما أخذَ كتابَ البفياري، فعملَ عليه مستَفيرجاً، وزادَ فيه زيادات » (3) ، وقال أيضاً: «لولا البفياريُّ: لمَا ذهبَ مسلمٌ ولا جاء » (4) ، وقال الخطيب «إنما قَفَا مسلمٌ طريقَ البفياريِّ ونظرَ في علمِه، وحذا حذوَه، ولَـما وردَ البفياريُّ نيسابورَ في لخر أم رِه: لازمَه مسلمٌ وأدامَ الاختلافَ إليه ». (1) انظر: (الإمام مسلم بن الحجَّاج) للشيخ مشهور بن حسن آل سلمان 2/561)، (الإمام مسلم ومنهجُه في صحيحه للدكتور محمد طوالبة (ص/108-109.) (2) (هدي الساري) (ص11،489-490)، (النكتعلى ابن الصلاح) (1/285.) (3) المصدران السابقان (4) أسندَه إليه الخطيبُ في (تاريخ بغداد 13/102.)

عدد الصفحات ١٥٨

159    المدخل إلى صحيح الإمام مسلم فكتابُ الإمامِ مسلم مكَمِّلٌ لكتاب الإمامِ البفياري، ومقولةُ الدارقطني – على ما فيها من المبالغة – تدلُّ على أن مسلماً أفادَ إفادةً كبيرةً من صحيح البفياريِّ وطريقتِه، وهذا لا شك فيه؛ لأن مسلماً أول مَن تأثَّرَ بمن هج شيفيِه البفياريِّ في الاقتصارِ على الحديث الصحيح في التصنيف، كما نصَّ عليه ابنُ الصلاح وابن حجر (1) . فسارَ على نهجِه، واقتفى أثرَه، إلا أنه لم يَعمد إلى الاستنباطِ منها كما فعلَ أستاذُه، بل تركَ ذلك لفهم القارئ، ولم يقط ع الأحاديث في الأبواب إلا نادرًا ، ب ل جْع الأحاديثَ وطُرُقَها في الباب الواحد، فانفرَدَ عنه بهذه الخصيصة، كما سبقَ الحديثُ عنه عند الحديثِ عن خصائص صحيح الإمامِ مسلم. فهو وإن سارَ على منهجه العام في التصنيف على صحيح الحديث: إلا أن منهجَ مسلم في صحيحه تمَيَّزَ عن منهج أستاذه بفيصائص منفردة، تح فظُ له ذاتيـَّتَه، وتُعرِّفُ بجهوده وقدرتِه، وتدل على نباهتِه وعقلي تِه المبتكرة، بل إن بعضَ العلماء فض لَه على صحيح البفياريِّ لهذه الخصائص التي انفردَ بها (2) . المبحث السابع: المفاضلة بين الصحيح أطبقَ العلماءُ على أن الصحيح أصحُّ الكتب بعد كتاب الله تعالى، وحملوا مقولةَ الإمام الشافعي-رحمه الله-: «ما على وجه الأرض بعد كتاب الله أصحُّ من كتاب مالِك » : (1) انظر: (علوم الحديث) لابن الصلاح (ص89)، (النكت على ابن الصلاح1/279)، وهذا يخالفُ ما قاله ابنُ العربي في (عارضة الأحوذي) (1/5) من أنّ (الموطأ) هو اصلُ الأول، وأنّ البخاريَّ هو الأصلُ الثاني، وعليهما بنى جميعُ مَن بعدهما. (2) انظر: (الإمام مسلم بن الحجَّاج) للشيخ مشهور 2/561-562)، (الإمام مسلم ومنهجه في صحيحه) للطوالبة (ص/129-130.)

عدد الصفحات ١٥٩

المدخل إلى صحيح الإمام مسلم   160  على ما قبل وجود الصحيح (1) . وقد تلق تهما الأمةُ بالقبول، وهذه المكانةُ الرفيعةُ لا يَنقُ صُها ولا يُغيرُِّها ما يُقال من ترجيح أحدِ الكتابَ على الآخر ف يما اختصَّ به. والترجيحُ ب الصحيحَ يكون من ثلاثة وجوه: من حيث الصحة، ومن حيث الفقه، ومن حيث السهولة واليسّ: أولاً: من حيث الصحة: أما من حيث الصحة: فصحيـح البفياري أصحُّ من صحيح مسلم؛ لأن البفياريَّ كان أعلمَ بالفنِّ من مسلم، ولأن مسلماً كان يتعلم منه، ويَشهَدُ له بالتقدُّم، والتفرُّدِ بمعرفة ذلك في عصَه، هذا من حيث الجملة. أما من حيث التفصيل: فصحةُ الحديث تدورُ على ثلاثة أشياء: ثقةِ الرواة، وات صالِ الإسناد، والسلامةِ من العلل، و «صحيح البفياري»أرجحُ من «صحيح مُسلِم»في هذه الأمور الثلاثة كلِّها: 1-ثقةالرواة وعدالَتُهم: يظهرُ رُجحانُ «صحيح البفياري »ع«صحيح مُسلِم»من حيث ثقة الرواة من أوجه: أولهُا : أنَّ الذين انفردَ البفياريُّ بالإخراج لهم دون مسلم ( 435) رجلاً، المتكَلَّمُ بالضعفِ فيهم هم نحوُ ( 80) رجلاً (1) انظر: (علوم الحديث) (ص90)، (شرح الألفية1/41)، (هدي الساري (ص/10.)

عدد الصفحات ١٦٠