113 المدخل إلى صحيح الإمام مسلم أن أخرج في كتابي ما يكون على الشرط الفلاني، وإنما عُ رِ ف ذلك من سَ برمِ كتابيهما واعتبارِ ما خر جاه» (1) .ويستثنى من ذلك الاكتفاءُ بالمعاصرة عند مسلم. قالوا: وقد تتبع العلماء الباحثون أسلوب مسلم، و سبروا «صحيحه»؛ حتى تحصل لهم ما ظنوه شرطاً له، ولذا اختلفوا في ذلك اختلافاً واضحاً لاختلاف أفهامهم فيه، وتحصل من لمو اختلافاتهم أقوال أربعة... هكذا قالوا (2) ، وهذا ليسبصحيحٍ عندي –والعلم عند الله– وخاصةً فيما يتعلق بشرط الإمام مسلم، وذلك أن الإمامَ مسلماً ذكرَ في مقدمتِه أنه لن يودِ َ في هذا الكتابِ إلا ما صحَّ من الأحاديث، وشنَّعَ على مَن يروون الأحاديثَ الضعيفةَ ويقذفونهَا للعوام، دون تمحيصٍ لها، كما أنه سمى كتابَه «المسند الصحيح»، كما سبق ذلك بالتفصيل في مطلع الباب الثا وكلُّ هذا يؤكِّدُ أن الإمامَ مسلماً قد وضَّحَ شرطَه في صحيحِه، وأنه لن يودِ َ فيه إلا الصحيح، كما أن ه أوضحَ طبقات الرواة الذين سيحتجُّ بهم في كتابه؛ فهل يصحُّ بعد كل هذا أن يُقال: إنه لم يوضِّح شر طَه؟ ولذلك فإنَّ الحازميَّ كان دقيقاً لـما قال: «وأما شرطُ مسلم: فقد صرَّحَ به في خطبة كتابِه» (3) . (1) (رسالة في الجرح والتعديل207-208) ملحقة بآخر كتاب (الرجال الذي تكلم عليهم الحافظ المنذري جرح وتعديلاً) لماجد بن محمد بن أبي الليل. (2) انظر: (الإمام مسلم) للشيخ مشهور2/457)، (الإمام مسلم ومنهجه في صحيحه) للدكتور الطوالبة (ص133)، وقد أيَّدَ الأخيرُ في (ص/ 144) أنّ شرطَ الشيخين: إخراج الحديث، كما يدلُّ عليه تسميتُهما للكتابَين، وقولهما أن ما فيهما صحيح. (3) (شروط الأئمة الخمسةله (ص/52.)
عدد الصفحات ١١٣المدخل إلى صحيح الإمام مسلم 114 فالصحيحُ أنه ب ََّ شرطَه، وأنه الصحة، كما ب ََّ شرطَه في الرواة، وأنه الثقة، والذي سبَّبَ الغموضَ في بيان شرطِه: هو الخلافُ الحاصلُ في تعريف الحديث الصحي ح، وما هي الشروط التي يجب توفُّرُها حتى يكون الحديثُ صحيحاً؟ فالأقوالُ المنقولةُ في شرط الشيفيَ هي الأقوالُ التي تُنقلُ في تعريف الحديث الصحيح، ومن المعلوم اختلافُ الأئمة في تعريف الحديث حتى جاءَ الإمامُ ابنُ الصلاح فضبطَه ضبطاً دقيقاً كان هو المعتمدَ عند الأئمة بعده. ولن أطيل هنا بذكرِ ما نُقِل من الاختلاف في شرط الشيفيَ ؛ وسأكتفي بما ذكرَه ابنُ الصلاح في ذلك، وتبعَه النووي؛ لأنه هو الراجحُ في تعريف الحديث الصحيح، الذي صرَّحَ الإمامُ مسلمٌ بأنه سيلتزمُه في صحيحه. قال ابنُ الصلاح –رحمه الله تعالى-: «شرط مسلمٍ في «صحيحه»أن يكون الحديثُ متصلَ الإسناد، بنقلِ الثقة عن الثقة، من أوله إلى منتهاه، سالماً مِ ن الشذوذ، ومن العلة. وهذا هو حدُّ الحديثِ الصحيحِ في نفس الأمر، فكلُّ حديثٍ اجتمعَ ت فيه هذه الأوصاف: فلا خلاف ب أهل الحديث في صحته. وما اختلفوا في صحته من الأحاديث: فقد يكون سبب اختلافهم: 1- انتفاءَ وصفٍ من هذه الأوصاف، أو بينهم خلافٌ في اشتراطه، كما إذا كان بعضُ رواة الحديث مستوراً، أو كما إذا كان الحديث مرسلاً . 2- وقد يكون سبب اختلافهم في صحته : اختلافهم في أنه هل اجتمعت فيه هذه الأوصاف أو انتفى بعضها؟
عدد الصفحات ١١٤115 المدخل إلى صحيح الإمام مسلم وهذا هو الأغلب في ذلك، وذلك كما إذا كان الحديث في رواته مَ ن اختُ لِ فَ في ثقته، وكونِ ه مِ ن شرط الصحيح، فإذا كان الحديثُ قد تداوَ لَ ته الثقات؛ غير أن في رجاله أبا الز بير المكي مثلاً، أو سهيل بن أبي صالح، أو العلاء بن عبد الرحمن، أو حم اد بن سلمة؛ قالوا فيه: هذا حديث صحيحٌ على شرط مسلم، وليس بصحيح على شرط البفياري؛ لكون هؤلاء عند مسلم مُن اجتمعَ ت فيهم الأوصافُ المعتبرة، ولم يثبت عند البفياري ذلك فيهم، وكذا حال البفياري فيما خر جه من حديث عكرمة مولى ابن عباس، وإسحاق بن محمد الفَرموي، وعمرو بن مرزوق ، وغيره مُن احتج بهم البفياري، ولم يَتج بهم مسلم» (1) . وقال أيضاً لما ذكر كتابَ «المستدرك»للحاكم ما نصه «أودعَه ما ليس في واحد من «الصحيح»، مُا رله على شرط الشيفي قد أخرجا عن رواته في كتابيهما، أو على شرط البفياري وحده، أو على شرط مسلم وحده» (2) وعلى هذا جرى عملُ ابن دقيق العيد في كتابه «الاقتراح»؛ فإنه ينقل عن الحاكم تصحيحَ ه على شرط مسلم مثلاً، ثم يَ عترضُ عليه بأنَّ فيه فلانً ا، ولم يخرج له مسلم، وكذلك فعلَ الذهبيُّ في «مختصَ المستدرك»؛ فدل هذا منه ومن الشي تقي الدين ابن دقيق العيد أنهما جعلا شرطَ الشيفي وجودَ رجال الإسناد في كتابيهما، وأن شرطهما هو روايتُ هما عن الراوي في كتابيهما؛ كما قدَّ مناه عن ابن الصلاح والنووي أيضاً (3) . (1) (صيانة صحيح مسلم) (ص72-74.) (2) (معرفة علوم الحديث) (ص17 ـ مع التقييد والإيضاح (3) راجع: (التقييد والإيضاح) (ص 18) ، و(تدريب الراوي 1/127) ، و(توضيح الأفكار 1/108)، و(فتح المغيث) (1/48 .)
عدد الصفحات ١١٥المدخل إلى صحيح الإمام مسلم 116 وقد أوجَزَ الحافظُ ابنُ حجرٍ شرطَ الشيفيَ قائلاً «لأن المرادَ به رُ واتهما، مع باقي شروط الصحيح» (1) . وهذا القول هو المفيتار،وهو لا يتعارضُ مع الأقوال السابقةِ إلا في تفسير الصحيح، وإليه ذهب شي الإسلام ابن تيمية-رحمه الله تعالى-؛ حيث قال: «وأما شرط البفياري ومسلم؛ فلهذا (2) رجالٌ يروي عنهم، يختص بهم، ولهذا رجال يروي عنهم، يختص بهم، وهِا مشتركان في رجال لخرين، وهؤلاء الذين اتفقا عليهم : عليهم مدارُ الحديث المتفق عليه، وقد يروي أحدُ هم عن رجل في المتابعات والشواهد دون الأصل، وقد يروي عنه ما عُ رِ فَ من طريق غيره، ولا يروي ما انفرد به، وقد يتـرك من حديث الـثقة ما عَ لمِ أنه أخـطأ فيه؛ وليس الأمر كذلك؛ فإن معرفة علل الحديث علمٌ شريفٌ يعرفه أئمةُ الفن» (3) . وبعد توضيح شرط الإمام مسلمٍ في الرواة والمتون: أذكرُ هنا بعضَ المسائل المتعلقةِ بهذا الموضو ؛ تتميماً للفائدة، وهي: أولاً: جميعُ ما في صحيح مسلم صحيحٌ عند صاحبِه: وهذا واضحٌ مُا سبق من بيان شرطه، وأنه التزمَ الصحةَ في المتون، والثقةَ في الرواة. ثانيا: لم يضع الإمامُ مسلمٌ في «صحيحه» إلا ما أجمعوا عليه، ولم يضع فيه شيئا إلا بحجة: صرح بهذا الإمامُ مسلمٌ في «صحيحه» في(كتاب الصلاة)؛ فقالح سأله أبو بكر (1) (شرح نخبة الفكر) (ص38.) (2) أي: للبخاري رجالٌ يروي عنهم ويختص بهم ولمسلمٍ رجال... (3) (مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية18/42 .)
عدد الصفحات ١١٦117 المدخل إلى صحيح الإمام مسلم ابن أخت أبي الن ضر: فحديث أبي هريرة؟ فقال: «هو صحيح» ، يعني «إذا قرأ فأنصتوا» فقال«هو عندي صحيح»، فقال:لمَِ لمَم تضعه ههنا؟ فقال مسلم: «ليس كل شيء عندي صحيح وضعته ههنا، إنما وضعتُ ههنا ما أجْعوا عليه » (1) . وقد اختلف المحدِّثون ـ قديما وحديثاًـ في المراد بهذا الإجْا ؟ وتحصَّل من لمو اختلافهم ثلاثةُ أقوال: الأول: أنه يريد إجْا َ مشايخه عامة. الثاني: أنه إجْا ُ أئمة الحديث و إن كانوا من غير مشايخه. الثالث: أنه يريد إجْا َ أربعةٍ من مشايخه الحفاظِ خاص ة، والأربعةُ هم: يَيى بن مع ، وأحمد بن حنبل، و عثمان بن أبي شيبة ، وسعيد بن منصور الخراساني. وأيًّا كان المراد بمقولته السابقة؛ فهي «مشكلة جدًّا؛ فإنه قد وضع فيه أحا ديث قد اختُلف في صحتها» (2) . والصواب–والله تعالى أعلم- أنَّ المراد أنه لم يضع في كتابه إلا الأحاديثَ التي وُجد عنده فيها شرائطُ المجمَع عليه، وإن لم يظهر اجتماعُها في بعضها عند بعضهم (3) . ومُا يدلُّ على تحر ي الإمام مسلم ودِقَّتِه في انتقاء أحاديث كتابه، وأ نه لم يذكر فيه إلا ما عَلم صح ته قوله -رحمه الله تعالى -: «ما وضعتُ شي ًا إلا بحجة، وما أسقطتُ شي ًا إ بحجة» (4) . (1) (صحيح مسلم1/304) بعد رقم63/404 .) (2) انظر: (صيانة صحيح مسلم1/104.) (3) انظر: (مقدمة ابن الصلاح) (ص92ط: بنت الشاطئ)، (صيانة صحيح مسلم) (ص75)،شرح النووي على صحيح مسلم) (1/16.) (4) (تسمية من أخرجهم البخاري ومسلم) للحاكم (ص281)، (صيانة صحيح مسلم) (ص68.)
عدد الصفحات ١١٧المدخل إلى صحيح الإمام مسلم 118 ثالثاًلم يستوعب كلَّ الأحاديث الصحيحة في كتابه: يدلُّ عليه ما تقدَّم من قولِ مسلمٍ لأبي بكر بن أخت أبي النضر: «إنما وضعتُ ههنا ما أجْعوا عليه» (1) . وكذا تصَيَه«مقدمة صحيحه» بأن من طلبَ منه أن يجمع «الصحيح» أشار عليه بأن تكون أحاديثه «مُؤلَّفة محُمصَاة » ، وقال«وسألتني أن ألخِّصها لك في التأليف» (2) . وقال لابن وَارَ ة: «إنما أخرجت هذا الكتاب، وقلت: هو صحاح، ولم أقل: إن ما لم أخرجه من الحديث في هذا الكتاب ضعيف، ولكني إنما أخرجت هذا من الحديث الصحيح؛ ليكون لموعاً عندي وعند من يكتبه عني؛ فلا يرتاب في صحتها، ولم أقل إن ما سواه ضعيف» (3) . ويؤكد هذا ويدعمه قوله أيضًا «صنفت هذا (المسند الصحيحَمن ثلاثمائة ألف حديث مسموعة» (4) . فالحاصل أن الإمامَ مسلماً لم يقصد استيعابَ جْيع الأحاديث الصحيحةِ في صحيحه. بل إنَّ الصحيحَ أنه ليس ك ـلُّ ال ـصحيح موجوداً في الصحيح مـجتمعَ (5) ، فمن (1) (صحيح مسلم1/304) بعد الحديث رقم63.) (2) مقدمة (صحيح مسلم) (ص3.) (3) (أسامي الضعفاء ومن تكلم فيهم من المحدثين) لأبي زرعة الرازي رواية البرذعي (2/677 )–المطبوع ضمن كتاب (أبو زرعة الرازي وجهوده في السنة النبوية)، وانظر: (صيانة صحيح مسلم) لابن الصلاح (ص/35 )–ط: دار الغرب، طبعة د. أحمد حاج محمد عثمان-. (4) (تاريخ بغداد13/101)، (تاريخ مدينة دمشق58/92)، (صيانة صحيح مسلم) (ص67.) (5 ) انظر: (الإمام مسلم وصحيحه) للشيخ عبد المحسن العباد البدر (ص9-10.)
عدد الصفحات ١١٨119 المدخل إلى صحيح الإمام مسلم المعلوم أن الصحيح اشتملاَ على قدرٍ كبيرٍ من الحديث الصحيح، ولكنَّ هذا القدر الذي اشتملاَ عليه ليس هو كل شيء في الحديث الص حيح، فإنَّ الصحيحَ كما أنه موجودٌ فيهما فهو موجودٌ خارجهما في الكتب المؤلفة في الحديث النبوي؛ كالموطأ، وصحيح ابن خزيمة، وصحيح ابن حبان، ومستدرك الحاكم، وجامع الترمذي، وسنن أبي داود، والنسائي، وابن ماجه، والدارمي، والدارقطني، والبيهقي، وغيرها. وهو أمرٌ واضحٌ غاية الوضوح، فلم يُنقل عن البفياريِّ ومسلمٍ أنهما استوعَبا الصحيح في صحيحيهما، أو قصدَا استيعابَه، وإنما جاءَ عنهما التصَيحُ بفيلاف ذلك. قال ابنُ الصلاح: «لم يستوعبا–يعني: البفياري ومسلم– الصحيحَ في صحيحهما، ولا التزما ذلك، فقد روينا عن البفياري أنه قال: «ما أدخلت في كتابي الجامع إلا ما صحَّ، وتركتُ من الصحيح لحال الطول »، وروينا عن مسلم أنه قال «ليس كل شيء عندي صحيح وضعتُه ههنا – يعني في كتابه الصحيح-، إنما وضعتُ ههنا ما أجْعوا عليه » (1) . وقال النوويُّ بعد أن ذكر إلزامَ جْاعةٍ لهما إخراجَ أحاديث على شرطيه لم يخرجاها في كتابيهما، قال: «وهذا الإلزام ليس بلازمٍ في الحقيقة؛ فإنهما لم يلتزما استيعابَ الصحيح، بل صحَّ عنهما تصَيَُها بأنهما لم يستوعباه، وإنما قصدا جْعَ جْلٍ من الصحيح، كما يقصد المصنف في الفقه جْعَ جْلٍ من مسائله، لا أنه يَصَ جْيعَ مسائله » (2) . *** (1) (مقدمة ابن الصلاح) (ص30-مع التقييد والإيضاح (2) (مقدمة شرح النووي لمسلم1/24.)
عدد الصفحات ١١٩المدخل إلى صحيح الإمام مسلم 120 المبحث الثالث: الإسناد المعنعن عند الإمام مسلم مقارناً بآراء غيره من العلماء وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: الحديثُ الـمُعَـنْـعَن ومذاهبُ العلماءِ فيه: العنعنةُ من (عَنمعَن) الحديث؛ إذا رواه بـ (عن) من غير بيان التحديث، أو الإخبار، أو السما (1) . والأصلُ في الإسنادِ المت صل ما صرُِّ حَ فيه بالتحديث أو الإخبار أو السما ، كـ(حدثني) و(أخبرني)، و(سمعت)، ونحو ذلك من الألفاظ المثبتة للاتِّصال، النافية لعدمه؛ فهذه كل ها لا إشكال في ات صالها، لكن هناك ألفاظ غير صريَة في الات صال؛ كقول الراوي (عن فلان)، وهو ما يعبر عنه بـ(العنعنة)؛ فما هو حكمها؟ تباينت أنظار العلماء، واختلفت أقوالهم، وتحصل من خلافهم قولان رئيسان (2) : الأول: إن الإسناد المعَ نعَ ن من قبيل المرسل والمنقطع؛ لإمكان الإرسال فيه، ولأن (عن) لا تقتضي اتصالاً ؛ لا لغةً ولا عرفاً ؛ فما رُوي بـ (عن) لا يعد متصلاً حتى يتب ات صاله بغيره، وإذا أشكل الأمر: وجب أن يَكم بالإرسال لأنه أدم ون الحالات، فكأن صاحبَ هذا القول لخذٌ بأقل ما يصح حمل اللفظ عليه، وهذا الرأي أورده مسلم (3) وابن الصلاح (4) ، و يسميا قائله، ونسبه الرامهرمزي لبعض المتأخرين من الفقهاء (5) . (1) راجع: (فتح المغيث1/155) ، و(شرح ألفية العراقي1/162-163.) (2) وهناك أقوال فرعية في حات خاصة ، راجع: (النكت على ابن الصلاح) لابن حجر (2/585-587 .) (3) راجع: (مقدمة صحيح مسلم) (ص29.) (4) راجع: (علوم الحديث) له (ص56) (5) راجع: (المحدث الفاصل450-451)، و(السنن الأبين والمورد الأمعن في المحاكمة بين الإمامَين في السند المعَـنْـعَن) لابن رشيد الفهري (ص/27)
عدد الصفحات ١٢٠121 المدخل إلى صحيح الإمام مسلم وهذا المذهب رفضَ ه جْهورُ المحد ث بل جْيعُ هم، وهو الذي لا إشكال في أن أحداً من السلف مُن يستعمل ويتفقد صحةَ الأسانيد وسقمها -مثل: أيوب السفيتياني، وابن عون ، ومالك بن أنس، وشعبة بن الحجاج- لا يشترطُ ه، كما أفاده مسلمٌ رحمه الله تعالى (1) . قال ابنُ الصلاح: «الصحيحُ والذي عليه أهل العلم أنه من قبيل الإسناد المتصل، وهو ما ذهب إليه الجماهير من أئمة الحديث وغيرهم، وأودعه المشترطون للصحيح في تصانيفهم» (2) . القولالثاني: إن الإسنادَ المعنعَ نَ متصلٌ ، واد عى الإجْا َ عليه جْعٌ من الأئمة؛ كالحاكم (3) ، وابن عبد ال (4) ، والدا (5) ، وهو الصحيح، وعليه عمل المحد ث ، وبه قال جْاهيرُ هم والفقهاء والأصوليون. والقائلون بهذا القول اشترطوا في المُعَنمعَن والمُعَنمعِنِ عنه شروطاً، اتفقوا على اثن منها، واختلفوا فيما زاد على ذلك. أما ما اتفقوا عليه فهو: 1-إمكان لقاء بعضهم بعضاً (أي: المُعَنمعِن والمُعَنمعَن عنه). 2-سلامة المعنعِنِ من التدليس. و قد اكتفى مسلمٌ بهـذين الشرط ولـم يـزد عليهمـا، وتـبعه أبو بكر الصيـرفي (1) (مقدمة صحيح مسلم) (ص32-33.) (2) (مقدمة ابن الصلاح) (ص56.) (3) (معرفة علوم الحديث) (ص34) (4) (التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد1/13.) (5) انظر: (مقدمة ابن الصلاح) (ص56.)
عدد الصفحات ١٢١المدخل إلى صحيح الإمام مسلم 122 (ت330هـ)، وأبو بكر الباقت403هـ)، والحاكمت404هـ (1) ، وأيده جْاعةٌ من العلماء في ذلك، منهم-على سبيل المثال-: النوويُّ في «تقريبه» (2) ، والطيبي في «خلاصته» (3) . وأما ما اختلفوا فيه من الشروط زيادةً على الشرط السابق ؛ فهي كما يلّ: 1-اشتراطُ ثبوت اللقاء والسما ب المعنعِن والمعَ نعَن عنه في الجملة، وهو مذهب الإمامَ : علّ ابن المديني (ت235هـ)، وتلميذِه البفياري (ت256هـ)، وأكثرِ المحدث (4) . 2-اشتراطُ طول الصحبة بينهما، وهو مذهب أبي المظفر السمعاني (ت489هـ (5) . 3-اشتراط كون المعَنعِن معروفاً بالرواية عن المعَ نعَنِ عنه، وهذا ما ذهب إليه أبو عمرو الداني (ت444هـ (6) . 4-اشتراطُ إدراكِ المعنعِن للمعنعَن عنه إدراكاً بيناً، وذهب إلى هذا أبو الحسن القابسي (ت403هـ) (7) . (1) راجع: (جامع التحصيل) (ص135)، و(السننالأبين) (ص/49)، و(محاسن الاصطلاح) (ص158 .) (2) راجع: (التقريب1/215-مع التدريب)، (الموقظة) (ص127.) (3) راجع: (الخلاصة في أصول الحديث) (ص47.) (4) راجع: (علوم الحديث) (ص60) ، و(جامع التحصيل) (ص135)، وهو الذي نصرَه كلٌّ م ن: ابن عبد ال (التمهيد) (1/26)، وابنُ الصلاح في (صيانة صحيح مسلم) (ص 128)، و(علوم الحديث) (ص60)، وابنُ رجب في (شرح علل الترمذي) (2/594-597)، والنووي في (شرحه لصحيح مسلم1/124-128)، والحافظُ ابنُ حجر في (هدي الساري) (ص/ 12)، والسخاوي في (فتح المغيث1/58)، والسيوطي في (تدريب الراوي) (1/216)، وغيرُهم (5) راجع: (صيانة صحيح مسلم) (ص128)، و(تدريب الراوي1/216.) (6) راجع: (صيانة صحيح مسلم) (ص128) و(مقدمة ابن الصلاح) (ص60.) (7) (السنن الأبين) (ص35،42)، (صيانة صحيح مسلم) (ص128،129.)
عدد الصفحات ١٢٢123 المدخل إلى صحيح الإمام مسلم ويُ لحظ أن الشروط الثلاثة الأخيرة إنما هي لتحقُّ قِ السما وثبوتِ ه، وفيها تشديدٌ ظاهر. المطلب الثاني: مذهب الإمام مسلمٍ في (الـمُعَـنْـعَنِ) وأدِلَّتُه: وفيه مقامان: المقام الأول: كلام الإمام مسلمٍ في الإسناد الـمُعَ نْعَن: بالغ الإمامُ مسلمٌ –رحمه الله تعالى- في الرد على مَ ن خالفه في هذه المسألة، وشن ع عليه، ثم قر ر ما رله صواباً في هذه المسألة؛ فقال: «وَذَلِكَ أَنَّ القَوملَ الشَّائِعَ ا تَّ فَقَ عَلَيمهِ بَ مَ أَهملِ المعِلممِ بِالأمَخمبَارِ وَالرِّوَايَاتِ قَدِي ماً وَحَدِيثًا : أَنَّ كُلَّ رَجُلٍ ثِقَةٍ رَوَى عَنم مِثملِهِ حَدِيثًا ، وَجَائِزٌ مُُمكِنٌ لَهُ لِقَاؤُهُ وَالسَّماَ ُ مِنمهُ ؛ لِكَومنهِِماَ جَِْيعًا كَانَا فيِ عَصَمٍ وَاحِدٍ ، وَإِنم لمَم يَأمتِ فيِ خَبرٍَ قَطُّ أَنهَُّماَ اجمتَمَعَا وَلاَ تَشَافَهَا بِكَ لاَمٍ : فَالرِّوَايَةُ ثَابِتَةٌ ، وَالحمُجَّةُ بهَِا لاَزِمَةٌ ، إِلاَّ أَن يَكُونَ هُنَاكَ دَلاَلَةٌ بَيِّنَةٌ: أَنَّ هَذَا الرَّاوِيَ لمَم يَلمقَ مَنم رَوَى عَنمهُ ، أَوم لمَم يَسممَعم مِنمهُ شَيم ًا ، فَأَمَّا وَالأمَممرُ مُبمهَمٌ عَلىَ الإمِممكَانِ الَّذِي فَسَّّمنَا : فَالرِّوَايَةُ عَلىَ السَّماَ ِ أَبَدًا حَتَّى تَكُونَ الدَّلاَلَةُ الَّتِي بَيَّنَّا » (1) . ومن الجدير بالذ كر أن قولَ مسلم ليس على إطلاقه؛ فهو يبحث عن اللقاء عندما تتوف ر لديه قرينةٌ على انتفائه؛ لأنه يعتبر المعاصرة مع إمكان اللقاء، لا مع انتفاء اللقاء. وإلى هذا يشير الإمامُ مسلمٌ في قوله السابق: «فالرواية ثابتةٌ، والحجة بها لازمة؛ إلا أن يكون هناك دلالة بي نة: أن هذا الراوي لم يلق الراوي عنه» (2) . (1) (مقدمة صحيح مسلم) (ص29-30.) (2 )(مقدمة صحيح مسلم) (ص30 .)
عدد الصفحات ١٢٣المدخل إلى صحيح الإمام مسلم 124 ويقول الإمام مسلم كذلك«وإنما كان تفقُّدُ مَن تفقَّدَ: سما َ رواة الحديث مُن روى عن رجلٍ ثم رو ى حديثاً عن لخر عنه». فتب لنا أن كلام الإمام مسلم ينصبُّ على إمكان اللقاء العاري عن أية قرينة ع خلافه. المقام الثاني: أدلةُ الإمامِ مسلمٍ ¬ وحُجَ جُ ه على الاحتجاج بالإسناد المعنعن بشرطه، ومناقشة ذلك (1) : استدل الإمامُ على صحة قوله: إنه لا يشترط في الإسناد المعنعن إلا المعاصرة فقط؛ بما محص لُه أربعة أدلة: الدليلُ الأول : أنه قال لمفيالفِه: «قَدم أَعمطَيمتَ فيِ جُْملَةِ قَوملِكَ : أَنَّ خَبرََ الموَاحِدِ الثِّقَةِ عَن الموَاحِدِ الثِّقَةِ حُجَّةٌ يَلمزَمُ بِهِ المعَمَلُ ، ثُمَّ أَدمخَلمتَ فِيهِ الشرَّمطَ بَعم دُ ، فَقُلمتَ: حَتَّى نَعملَمَ أَنهَُّماَ قَدم كَانَا المتَقَيَا مَرَّةً فَصَاعِدًا ، أَوم سَمِعَ مِنمهُ شَيم ًا ، فَهَلم تَُِدُ هَذَا الشرَّمطَ الَّذِي اشمترََطمتَهُ عَنم أَحَدٍ يَلمزَمُ قَوملُهُ ؟! وَإِلاَّ فَهَلُمَّ دَلِيلاً عَلىَ مَا زَعَممتَ ؛ فَ إِن ادَّعَ ى قَوملَ أَحَدٍ مِن عُلَماَءِ السَّلَفِ بِماَ زَعَمَ مِنم إِدمخَالِ الشرَِّيطَةِ فيِ تَثمبِيتِ الخمَبرَِ: طُولِبَ بِه ، وَلَنم يجَِدَ هُوَ وَلاَ غَيرمُهُ إِلىَ إِيجَادِهِ سَبِيلاً » (2) . فحاصل هذا الكلام: اد عاءُ الإجْا على قبول المعنعَن الذي هذه صفتُه مطلقاً من غير تقييدٍ بشرط اللقاء، وهو أعم أدلته -رحمه الله-. المناقشة: والجواب عن هذا الاستدلال: أنه لا يَصحُّ الإجْا ُ مع وجود أئمةٍ يخُالفونه (1) للتفصيل انظر: (الإمام مسلم) للشيخ مشهور بن حسن آل سلمان2/524) وما بعدها (2) (مقدمة صحيح مسلم) (ص30 .)
عدد الصفحات ١٢٤125 المدخل إلى صحيح الإمام مسلم في هذه المسألة، وعلى رأسهم شيفيُه الإمام البفياري، وشي ُ البفياري علُّّ بنُ المديني، ومكانتهما عند العلماء مغنية عن ذكرها لشهرتها. وفي هذا يقول ابن رجب مُقَرِّراً له –بل مدَّعياً صحة القول بأن الإمامَ مسلماً مسبوقٌ بالإجْا على خلاف قوله -: «فإذا كان هذا هو قول هؤلاء الأئمة الأعلام، وهم أعلم أهل زمانهم بالحديث وعلله وصحيحه وسقيمه مع موافقة البفياري وغيره؛ فكيف يصحُّ لمسلمٍ -رحمه الله-دعوى الإجْا على خلاف قولهم، بل ات فاقُ هؤلاء الأئمة على قولهم هذا يقتضي حكاية إجْا الحف اظ-المعتد بهم -على هذا القول، وأن القول بفيلاف قولهم لا يعرف عن أحد من نظرائهم، ولا عم ن قبلهم مُن هو في درجتهم وحفظهم » (1) . الدليل الثا: ما ذكره من إلزامه لمفيالفه النقضَ بلزوم ذلك الشرط، ألا نثبت إسناداً معنعناً حتى نرى فيه السما من أوله إلى لخره لمكان تُويز الإرسال؟ وفي هذا يقول ¬ : «وَإِنم هُوَ ادَّعَى فِيماَ زَعَمَ دَلِيلاً يََمتَجُّ بِه ؛ قِيلَ لَه : وَمَا ذَاكَ الدَّلِيل ؟ فَإِنم قَالَ : قُلمتُهُ لأَِنيِّ وَجَدمتُ رُوَاةَ الأمَخمبَارِ قَدِيماً وَحَدِيثًا يَرموِي أَحَدُهُم عَن الآمخَرِ الحمَدِيثَ وَلَ ـماَّ يُعَايِنمه، وَلاَ سَمِعَ مِنمهُ شَيم ًا قَطُّ ، فَلَماَّ رَأَيمتُهُمم اسمتَجَازُوا رِوَايَةَ الحمَدِيثِ بَيمنَهُمم هَكَذَا عَلىَ الإمِرمسَالِ مِن غَيرمِ سَماَ ٍ ، وَالم رسَلُ مِن الرِّوَايَاتِ فيِ أَصملِ قَوملِنَا وَقَوملِ أَهملِ المعِلممِ بِالأمَخمبَارِ لَيمسَ بِحُجَّةٍ: احمتَجمتُ لمَِا وَصَفمتُ مِن المعِلَّةِ إِلىَ المبَحمثِ عَنم سَماَ ِ رَاوِي كُلِّ خَبرٍَ عَنم رَاوِيه ، فَإِذَا أَنَا هَجَممتُ (2) عَلىَ سَماَ عِهِ مِنمهُ لأَِدمنَى شيَمءٍ : ثَبَتَ عَنمهُ عِنمدِي بِذَلِكَ جَِْيعُ مَا يَرموِي عَنمهُ بَعمدُ ، فَإِنم عَزَبَ عَنِّي مَعمرِفَةُ ذَلِك: أَومقَفمتُ الخمَبرَ ، وَلمَم يَكُنم عِندِي مَوضِعَ حُجَّةٍ لإِِممكَانِ الإمِرمسَالِ فِيه . (1) ( شرح علل الترمذي2/596 .) (2) أي: وقفت واطلعتُ
عدد الصفحات ١٢٥المدخل إلى صحيح الإمام مسلم 126 فَيُقَالُ لَه : فَإِنم كَانَت ا لعِلَّةُ فيِ تَضمعِيفِكَ الخمَبرََ وَتَرمكِكَ الاِحمتِجَاجَ بِه : إِممكَانَ الإمِرمسَالِ فِيه؛ لَزِمَكَ أَنم لاَ تُثمبِتَ إِسمنَادًا مُعَنمعَنًا حَتَّى تَرَى فِيهِ السَّماَ َ مِنم أَوَّلِهِ إِلىَ لخِرِه » (1) . المناقشة: ذهبَ بعضُ العلماء إلى أن هذا الدليلَ م ن مُرَجِّحات مذهبِ الإمام مسلمٍ في الإسناد المعنعنِ بشرطه، ذلك أن مَن عنعنَ عم ن سمع منه ما لم يسمعه: فهو مدلِّس، ومن شروط قبول الإسنادِ المعنعَنِ ألا يكون مِن مدل سٍ، وأنَّ ثبوتَ اللِّقاء والسما مرةً لا يستلزم سما َ كلِّ خبرٍ وكلِّ حديثٍ حتى يصَ ح بالسما ؛ فيلزم على أصل المفيالِفِ لمسلمٍ أن لا يقبل الإسنادَ المعنعن أبداً. فإن رُدَّ: إنَّ هذا هو احتمالُ التدليس، والمسألةُ مفروضةٌ في غير المدلس. قيل: فهذا الجواب بعينه يكفي لدفع احتمال الإرسالِ في صورة المعاصرََةِ مع إمكان اللقاء والسما ؛ فإنه أيضاً تدليس حقيقة! هذا ما ذهبَ إليه بعضُ أهل العلم (2) ، وهو ليس بقوي، ويَرُدُّه ما ذكرَه النوويُّ: من أنه إذا ثبتَ التلاقي مرةً: فإنه يغلب على الظنِّ الاتصال، وأما إذا أمكنَ التلاقي ولم يثبت: فإنه لا يَغلِبُ على الظن الاتصال، قال: «والبابُ مبنيٌّ على غلبة الظن، فاكتفينا به، وليس هذا المعنى موجوداً فيما إذا أمكنَ التلاقي ولم يثبت؛ فإنه لا يَغلب على الظن الاتصالُ، فلا يجوز الحملُ على الاتصال، ويصيرُ كالمجهول؛ فإن روايتَه مردودةٌ؛ لا للقطع بكذبه أو ضعفِه، بل للشكِّ في حالِه » (3) . ولا شكَّ أن ثبوتَ اللقاء ولو مرة: يقلِّصُ من إمكانية الإرسال، إن لم يقضِ عليه، (1) (مقدمة صحيح مسلم) (ص30 .) (2) انظر: (السنن الأبين) (ص105)، (فتح الملهم1/40-41،148-150.) (3) شرح (مقدمة صحيح مسلم) للنووي1/128.)
عدد الصفحات ١٢٦127 المدخل إلى صحيح الإمام مسلم فيكون اشتراطُه أقوى وأقرب إلى الصحة. وأما قولُ مَن قال: «وأما قولُ النووي ¬ فيما إذا أمكن التلاقي ولم يثبت: إنه يَغملِبُ على الظن الات صال، وإذا ثبت التلاقي مرةً غلب على الظن : فمدفو ٌ بحصول غلبة الظن لغيره، مِن أمثالِ مسلم بن الحجاج وجْاهيرِ أهلِ العلم ⌠» (1) : فمردودٌ؛ لأنه لا شك أن غلبةَ الظن الحاصلةَ بالمعاصرةِ فقط أقل منها بعد حصول اللقاءِ ولو مرة، ولذلك اعتبرَ العلماءُ شرطَ البفياريِّ أقوى وأسلم، والله تعالى أعلم. الدليل الثالث: وهو أخص من الأول، وكأن ه من تتمة الثاني؛ إذ عرضَه في معرض التمثيل، و تحريرُه: أن قَبولَ أحاديث الصحابة بعضهم عن بعض لمعٌ عليه دون طلبٍ ولا بحثٍ عن لقاء أو سما ، بل من لر د المعاصرة، وذكر ¬ جْلةً من الأسانيد يتحقق فيها لقاءُ رواتها لشيوخهم، ومع هذا؛ فإن العلماء صح حوها، ولم يطعنوا في ها، ومثل ذلك: حديث عبد الله بن يزيد عن أبي مسعود (2) . المناقشة: رَدَّ ابنُ رجب كلامَ الإمامِ مسلمٍ هذا بأن القول في هذه الأسانيد كالقول في غيرها (3) ، ويقصد ابن رجب: أنه لا بدَّ من التفتيشِ عن اللقاءِ وثبوتِ السما ، و إلا ؛ فإنَّ هذه الأسانيد تحُمَل على الان قطا ، وتكون مرسلة. ويرى ابنُ رجب أن اشتراط اللقاء عَظُم على مسلم حت ى لا يؤد ي ذلك إلى طرحِ الكثير من الأحاديث، وتركِ الاحتجاج بها، ولكن ابنَ رجب يرى مخرجاً من هذا، وهو: أن لا يَكم بات صالها، ولكن يَتجُّ بها مع اللُّقِي، كما يَُتجُّ بمرسل أكابر التابع (4) . (1) انظر: (السنن الأبين) (ص105.) (2) راجع: (مقدمة صحيح مسلم) (ص33 .) (3) انظر: (شرح العلل2/597 .) (4) المرجع نفسه2/597.)
عدد الصفحات ١٢٧المدخل إلى صحيح الإمام مسلم 128 ولقد انفرد ابنُ رجب بهذا الاد عاء، بينما نجد الس فياويَّ يخرج من هذه المسألة بما هو أسلم وأحكم؛ فيقول: «وما خَدَشَهُ به مُسملم من وجود أحاديث ات فق الأئمة على صحتها مع أنها ما رُوِيَت إلا معنعنة، ولم يأت في خبر قط أن بعض رواتها لقي شيفيه فغير لازم؛ إذ لا يلزم من نفي ذلك عنده نفيه في نفس الأمر» (1) . أما ما مثَّل به الإمام مسلمٌ، وهو حديثُ عبد الله بن يزيد عن أبي مسعود: فقد قام البرهان على إثبات ما نفاه مسلمٌ، فهناك روايةٌ في «صحيح البفياري» فيها تنصيصُ س عبد الله بن يزيد من أبي مسعود (2) . الدليل الرابع: وهو أيضاً خاع ، وهو كالتتميم للثاني؛ لأنه تمثيل له، إلا أن ذلك تمثيلٌ في الصحابة، وهذا تمثيل في التابع ، وكلاهِا في الحقيقةِ جزءٌ من الدليل الثاني، وقد ذكرَ الإمامُ مسلمٌ هنا جْاعةً من التابع لم يَُفظ عنهم سما ـ في حد علمه ـ في روايةٍ بعينها من بعض الصحابة، وقد صحَّحَ الأئمةُ حديثَهم (3) . وحاصلُ هذا الدليل الرابع: اد عاءُ الإجْا أيضا على قبول أحاديث التابع والثقات السالم من وَصممَة التدليس إذا عَنمعَنُوا عن الصحابة الذين ثَبتَت معاصرتهُم لهم، وإن لم يُعلَم اللقاءُ ولا السما ؛ كما أص ل ذلك في أحاديث الصحابة-رضوان الله عليهم أجْع -. المناقشة: وقد أجيبَ عن هذا الدليل بثلاثة أجوبة، وهي: (1) (فتح المغيث1/156.) (2) راجع (صحيح البخاري) (كتاب المغازي، باب منه 7/317/رقم4006.) وانظر أيضاً في تفصيل ذلك: (السنن الأبين) (ص11-وما بعدها) ، و(النكت على كتاب ابن الصلاح2/597 وما بعدها (3) راجع: (مقدمة صحيح مسلم) (ص34 – وما بعدها).
عدد الصفحات ١٢٨