97 المدخل إلى صحيح الإمام مسلم ونشيرُ فيما يلي إلى نماذجَ من ذلك: أولاً: بعضُ ما يَتَّفقان فيه: 1- يتفقُ الصحيحان في أنهما معاً في أعلى درجات الصَّحيح، مع تَفَوُّق صحيح البخاريِّ على صحيح مسلمٍ في ذلك. 2-ويتفقان أيضاً في أنّ العلماءَ تلقَّوهما بالقبول، و عَدُّ وهما أصحَّ الكتب بعد كتاب الله العزيز. 3-ويتفقان أيضاً في أنّ مؤلِّفَيهما–رحمهما الله تعالى-سلَكَا في تأليفهما طرقاً بالغةً في الاحتياط والتثَبُّت، مع الأمانة التَّ امَّة في العَزْو. ومن أمثلةِ ذلك: أنهما يتقيَّدان غايةَ التقَيُّد فيما يَتَلَقَّيانه من شيوخ هما في الأسانيد والمتون، وإذا كان الأمرُ يَستَدْعي إيضاحاً وبياناً: قامَا بذلك على وجهٍ مُمَيّز. وقد عقدَ النوويُّ في مقدِّمة شرح ه لصحيح الإمام مسلمٍ فصلاً خاصًّا بذلك قال فيه: «ليس للراوي أن يزيدَ في نَسَب غير شيخ ه ولا صفَت ه على ما سَم عَه من شيخ ه؛ لئلاَّ يكون كاذ باً على شيخ ه، فإن أرادَ تعريفَه وإيضاحَه وزوالَ اللَّبْس المتطَرِّق إليه لمشابهة غيره: فطريقُه أن يقول: قال حدَّثني فلان –يعني: ابنَ فلان، أو الفلانيَّ ، أوهو ابنُ فلان، أوالفلانيُّ ، أو نحو ذلك، فهذا جائزٌ حسنٌ قد استعمَلَه الأئمةُ، وقد أكثَرَ البخاريُّ ومسلمٌ منه في الصَّحيحَين غايةَ الإكثار، حتى إنّ كثيراً من أسانيد هما يقعُ في الإسناد الواحد منها موضعان أو أكثر من هذا الضَّ رْ ب؛ كقوله في أوَّ ل كتاب البخاري، في باب مَ ن سَ ل مَ المسلمون من لسانه ويده: « قال أبو معاوية: حدثنا داود -هو ابنُ أبي هند-، عن عامرٍ قال: سمعت عبدَ الله -هو ابنُ عمرو»، وكقوله في كتاب مسلم، في باب منع النساء من الخروج إلى المساجد: «حدثنا عبدُ الله بنُ مسلمة، حدثنا سليمانُ -يعني ابنَ بلالٍ ، عن يحيى -وهو
عدد الصفحات ٩٧المدخل إلى صحيح الإمام مسلم 98 ابنُ سعيدٍ -»، ونظائرُ ه كثيرة، وانما يقصدون بهذا: الإيضاحَ كما ذكرنا أولا؛ فانه لو قال: حدثنا داود، أو عبد الله؛ لم يُ عرف من هو؟ لكثرة المشاركين في هذا الاسم، ولايَ عرفُ ذلك في بعض المواطن إلاَّ الخواصُّ والعارفون بهذه الصنعة وبمراتب الرجال، فأوضحوه لغيرهم، وخَ فَّ فُ وا عنهم مؤونةَ النظر والتفتيش ، وهذا الفصلُ نفيسٌ يَ عظُ م الانتفاعُ به؛ فإنَّ مَ ن لا يعاني هذا الفنَّ قد يَ توهَّ مُ أنَّ قولَ ه «يعنى»وقولَه «هو»زيادةٌ لا حاجة إليها، وأنَّ الأَ وْ لى حذفُ ها! وهذا جهلٌ قبيحٌ ، والله أعلم» (1) . ثانياً: ذكرُ بعضِ خصائص «صحيح الإمام مسلم» يَنفَر دُ صحيحُ مسلم عن صحيح البخاريِّ بأمورٍ أُ جم لُها فيما يلي: 1- ينفَر دُ بجمْع طرق الحديث في مكانٍ واحدٍ غالب (2) ، مما جعلَ الوقوفَ على المطلوب فيه سهلاً ميسوراً. وهذه الميزةُ لا توجَدُ في صحيح البخاريِّ، إلاَّ أنّ فيه بدلاً منها ميزةٌ كبرى، وهي إيضاحُ ما اشتَمَلَتْ عليه الأحاديثُ من الفوائد الفقهيَّة، مع د قَّة الاستنباط بأَوْجَز عبارة، ممَّا جَعَلَ صحيحَه كتابَ روايةٍ ود رايةٍ معاً. ومن أجل تحصيل هذا المطلب العظيم: عمَدَ ال بخاريُّ إلى تفريق الحديث وتكرار ه في أكثر من موضع، مستَد لاًّ به في كلِّ موضعٍ بما يُناس بُه. (1 )مقدمة النووي لشرح صحيح الإمام مسلم1/38-39.) (2) قال الشيخُ عبدُ المحسن العباد «وإنما قلتُ (غالباً) لأنه قد وقعَ فيه ذكرُ بعض الأحاديث في أكثرَ من موضع »وقال الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي: «كان الذين يُوق عُون الموازنةَ بين الصحيحَين ويتَلَمَّسون أسباباً يُفضِّلون بها صحيحَ مسلم على صحيح البخاريِّ يقولون: إنَّ مما امتازَ به مسلمٌ أن يجمعُ طرقَ كلِّ حديثٍ من أحاديث ه في موضعٍ واحد، بخلاف البخاريِّ...فلاحَظْتُ أ نا أثناءَ عملي في الكتاب وتَـتَـبُّع أحاديث ه: أنّ مسلماً كَرَّرَ أحاديثَ كثيرةً في مواضعَ متعدِّدةٍ في كتابه يَبلُغُ عددُها ( 137) حديثاً، من ذلك71) يضعُ الحديثَ منها في كتابٍ غير الكتاب الذي وُض عَ الحديثُ فيه لأول مرَّة »(صحيح مسلم5/601 )–مجلد الفهارس-.
عدد الصفحات ٩٨99 المدخل إلى صحيح الإمام مسلم 2- وينفر دُ صحيحُ الإمام مسلمٍ أيضاً بأنّ مسلماً إذا أسنَدَ الحديثَ فيه إلى جماعةٍ من شيوخ ه: عَـيَّنَ مَن له اللفظُ منهم غالباً، فيقول: «حدثنا فلانٌ وفلانٌ واللفظُ لفلان »، أو يقولُ بعد أن يروي عن عددٍ من مشايخ ه: «قال فلانٌ: حدثنا فلان »، يميِّزُ بذلك صيغةَ تحديث ه، أو لفظَ المتن. ومن أمثلة ذلك قولُه في «باب الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكَفَّراتٌ ل ـمَا بينهُنَّ ما اجْتُن بَت الكبائر »، قال: «حدَّثنا يحيى بنُ أيوب، وقتيبةُ بنُ سعيد، وعليُّ بنُ حجر، كلهم عن إسماعيل. قال ابنُ أيوب: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ جعفر » (1) . وقولُه«باب استحباب إطالة الغُرَّة والتحجيل في الوضوء » «حدثنا سويدُ بنُ سعيد، وابنُ أبي عمر، جميعاً عن مروان الفزاريِّ. قال ا بنُ أبي عمر: حدَّثنا مروان » (2) . وقولُه في الحديث الذي يَليه «وحدثنا أبو كريب، وواصلُ بنُ عبد الأعلى، واللفظُ لواصل، قالا: حدثنا ابنُ فضيل» (3) . وقولُه«باب الاستنجاء بالماء من التَّـبَرُّز » «وحدثني زهيرُ بنُ حربٍ، وأبو كريب، واللفظُ لزهيرٍ، حدثنا إس ماعيل، يعني ابنَ عليَّة» (4) . وهذا كثيرٌ جدًّا عند الإمام مسلمٍ أمَّا الإمامُ البخاريُّ: فقد ذكرَ الحافظُ ابنُ حجر العسقلانيُّ أنه إذا روى الحديثَ عن (1) (صحيح مسلم)، كتاب الطهارة (ح233/14.) (2) (صحيح مسلم)، كتاب الطهارة (ح247/36.) (3) (صحيح مسلم)، كتاب الطهارة (ح247/37.) (4) (صحيح مسلم)، كتاب الطهارة (ح271/71.)
عدد الصفحات ٩٩المدخل إلى صحيح الإمام مسلم 100 غير واحدٍ فاللفظُ للأخير، قال «وقد ظهَرَ بالاستقراء من صنيع البخاريِّ أنه إذا أوردَ الحديثَ عن غير واح دٍ: فإنَّ اللفظَ يكون للأخير ، والله أعلم » (1) . 3- وينفر دُ صحيحُ مسلمٍ أيضاً بأنّ مسلماً صدَّرَه بمقدمةٍ اشتَمَلَت على جُمَلٍ من علوم الحديث، وقد تقدَّمَ –في المبحث الثاني من الفصل الأول من هذا الباب - بيانُ ما تضمَّنَ تْ ه على سبيل الإجمال. أمّا الإمامُ البخاريُّ: فلم يَضعْ بين يدي صحيح ه مقدمةً، بل افتتحَه ببدْ ء الوحي إلى رسول الله . 4- وينفر دُ صحيحُ مسلمٍ أيضاً بكثرة استعمال التحويل في الأسانيد، وذلك ل ـجَمْع ه طرقَ الحديث المتعلِّ قَ ةَ بموضوعٍ معَيَّنٍ في موضعٍ واحد. ويوجَدُ التحويلُ في الأسانيد قليلاً في صحيح البخاري. 5- وينفر دُ صحيحُ مسلم أيضاً بق لَّة التعاليق فيه، إذ بلغت جملةُ ما فيه من ذلك اثني عشر موضعاً، كما سيأتي في الفصل الثاني –إن شاء الله تعالى-. أمَّا الإمامُ البخاريُّ: فقد أكثرَ من استعمال المعلَّقات في صحيحه. 6- وينفر دُ صحيحُ ا مام مسلمٍ أيضاً بأنّ مسلماً اقتَصَرَ فيه على الأحاديث المسنَدَة إلى رسول الله دون أقوال الصَّحابة ╻ وغير هم، سوى أشياء يسيرةٍ ذكرَها الإمامُ مسلمٌ متابعةً للأحاديث المرفوعة، وقد أفردَها الحافظُ ابنُ حجر بكتابه (الوقوف على ما في صحيح مسلم من الموقوف) (2) ،بخلاف الإمام البخاريِّ، حيث أوردَ أقوالَهم. ومعلومٌ أنها ليست من شرط كتاب ه، وإنما ذلك للإيضاح والبيان؛ لأنه يجمعُ في كتابه بين الرواية والدِّراية. (1) (فتح الباري1/546-547)، عند الحديث335.) (2 )سيأتي الحديث عن المعلَّقات في صحيح مسلم في المبحث الرابع من الفصل الثاني.
عدد الصفحات ١٠٠101 المدخل إلى صحيح الإمام مسلم الفصل الثاني منهج الإمام مسلم في صحيحه وفيه سبعةُ مباحث: المبحث الأول: طبقات الرواة المخرَّج عنهم في الصحيح. المبحث الثاني: شرط الإمام مسلمٍ في (صحيحه). المبحث الثالث: الإسناد المعَنْعَن عند الإمامِ مسلم، وآراءُ العلماء فيه. المبحث الرابع: المعَلَّقات في صحيح الإمام مسلم. المبحث الخامس: منهج الإمام مسلم في علوم المتنِ روايةً ودرايةً. المبحث السادس: أثرُ منهج الإمام البخاريِّ في (صحيح الإمام مسلم). المبحث السابع: المفاضلة بين الصحيحَين.
عدد الصفحات ١٠١المدخل إلى صحيح الإمام مسلم 102
عدد الصفحات ١٠٢103 المدخل إلى صحيح الإمام مسلم المبحث الأول ج عنهم في الصحيح َّ طبقات الرواة المخر وفيه مطلبان: المطلب الأول: بيان طبقات الرواة المخرَّج عنهم في صحيح مسلم. المطلب الثاني: الرواية عن الضعفاء في الصحيح. المطلب الأول: بيان طبقات الرواة المخرَّج عنهم في صحيح مسلم ذكر الإمامُ مسلمٌ طبقاتِ الرواة الذين خرَّجَ لهم في «صحيحه»؛ فقال«مقدمة صحيحه»: «إِنَّانَعمِ دُ إِلىَ جُْملَةِ مَا أُسمنِدَ مِن الأمَخمبَارِ عَنم رَسُولِ الله ﷺ فَنَقمسِمُهَا عَ لىَ ثَلاَثَةِ أَقمسَامٍ وَثَلاَثِ طَبَقَاتٍ مِنم النَّاسِ ... ..فَأَمَّا القِسْمُ الأَْوَّل : فَإِنَّا نَتَوخَّى أَنم نُقَدِّمَ الأمَخمبَارَ الَّتِي هِيَ أَسملَمُ مِن المعُيُوبِ مِن غَيرمِهَا وَأَنمقَى ، مِنم أَنم يَكُونَ نَاقِلُوهَا أَهملَ اسمتِقَامَةٍ فيِ الحدِيثِ وَإِتمقَانٍ لمَِا نَقَلُوا ، لمَم يُوجَدم فيِ رِوَايَتِهِم اخمتِلاَفٌ شَدِيدٌ وَلاَ تخَملِيطٌ فَاحِشٌ ، كَماَ قَدم عُثِرَ فِيهِ عَلىَ كَثِيرٍ مِن الممحَدِّثِ َ وَبَانَ ذَلِكَ فيِ حَدِيثِهِم . [القسم الثا] (1) :فَإِذَا نَحمنُ تَقَصَّيمنَا أَخمبَارَ هَذَا الصِّنمفِ مِن النَّاس : أَتمبَعمنَاهَا أَخمبَارًا يَقَعُ فيِ أَسَانِيدِهَا بَعمضُ مَنم لَيمسَ بِالم ومصُوفِ بِالح فمظِ وَالإمِتمقَانِ كَالصِّنمفِ ال ـمُـقَ دَّمِ قَبملَهُمم ، عَلىَ (1) ما بين المعقوفتين زدتُه للتوضيح.
عدد الصفحات ١٠٣المدخل إلى صحيح الإمام مسلم 104 أَنهَُّمم وَإِنم كَانُوا فِيماَ وَصَفمنَا دُونهَم فَإِنَّ اسمَ السَّترمِ وَالصِّدمقِ وَتَعَاطِي المعِلممِ يَشممَلُهُم ؛ كَعَطَاءِ بمنِ السَّائِبِ ، وَيَزِيدَ بمنِ أَبيِ زِيَادٍ ، وَلَيمثِ بمنِ أَبيِ سلَيممٍ ، وَأَضرمَابهِِمم مِنم حمَُّالِ الآمثَارِ وَنُقَّالِ الأمَخمبَار ...» (1) . ثم قال–رحمه الله تعالى -: «فَعَلىَ نَحموِ مَا ذَكَرم نَا مِن الموُجُوه: نُؤَلِّفُ مَا سَأَلمتَ مِن الأمَخمبَارِ عَنم رَسُولِ الله ﷺ. فَأَمَّا مَا كَانَ مِنمهَا عَن قَومٍ هُمم عِنمدَ أَهملِ الحمَدِيثِ مُتَّهَمُونَ أَوم عِنمدَ الأمَكمثَرِ مِنمهُمم : فَلَسمنَا نَتَشَاغَلُ بِتَفيمرِيجِ حَدِيثِهِم ؛ كَعَبمدِ الله بنِ مِسموَرٍ أَبيِ جَعمفَرٍ الم دَائِنِيِّ ، وَعَممرِو بمنِ خَالِد ، وَعَبمدِ القُدُّوسِ الشَّامِيِّ ، وَمحَُمَّدِ بنِ سَعِيدٍ الممَصملُوبِ ، وَغِيَاثِ بنِ إِبرَاهِيمَ ، وَسُلَيمماَنَ بنِ عَممرٍو أَبيِ دَاوُدَ النَّفيَعِيِّ ، وَأَشمبَاهِهِم مَُِّن اتهُِّمَ بِوَضمعِ الأمَحَادِيثِ وَتَوملِيدِ الأمَخمبَار . وَكَذَلِكَ مَن الغَالِبُ عَلىَ حَدِيثِهِ الم نكَرُ أَو الغَلَطُ : أَممسَكمنَا أَيمضًا عَنم حَدِيثِهِم ...». ثم قال بعد ذكر بعض مَن عُرِفوا برواية المناكير: «وَمَن نَحَا نَحموَهُمم فيِ رِوَايَةِ ا نكَرِ مِن الحمَدِيث ؛ فَ لَسمنَا نُعَرِّجُ عَلىَ حَدِيثِهِم ، وَلاَ نَتَشَاغَلُ بِه ؛ لأَِنَّ حُكممَ أَهملِ العِلمِ وَالَّذِي نَعمرِفُ مِنم مَذمهَبِهِم فيِ قَبُولِ مَا يَتَفَرَّدُ بِهِ الممُحَدِّثُ مِن الحمَدِيثِ : أَن يَكُونَ قَدم شَارَكَ الثِّقَاتِ مِنم أَهملِ المعِلممِ وَالحمِفمظِ فيِ بَعمضِ مَا رَوَوما ، وَأَممعَنَ فيِ ذَلِكَ عَلىَ ا لموافَقَةِ لهَُم » (2) . فأفادت عبارتُ ه أنه يخر جُ أحاديثَ أهل القسم الأول، وهم أهلُ الاستقامة في الحديث، والإتقان لما نقلوه، وهؤلاء هم المعروفون بتمام الضبطِ المأخوذ قيداً في رَ سم مِ الصحيح، ثم يخُ رِّ جُ أحاديثَ الصنف الثاني، وهم الذين خف ضبطُ هم، وهم من أهل الس تر والصدق وتعاطي العلم، وهؤلاء هم شرطُ الحسن؛ فإنهم الذين خَ فَّ ضبطهم مـع (1) (مقدمة صحيح مسلم1/4-5.) (2) المصدر السابق1/6-7.)
عدد الصفحات ١٠٤105 المدخل إلى صحيح الإمام مسلم عدالتهم، ثم ذكر أنه يترك الصِّ نفَ الثالثَ بالكلية، وهو قسمان: الأول: المتَّ هَ مون عند أهل الحديث، وعند الأكثر. الثاني: مَ ن الغالِ بُ على حديثهم المنكَ رُ أو الغلط. فعُرِف من كلامه: أنه ذكرَ أنه يقسم الرواةَ ثلاث طبقات، وتحصل من كلامه أربع طبقات؛ فكأنه جعلَ مَ ن لا يُ تشاغَ لُ بحديثه قسماً واحداً. وقد اختلفَ العلماءُ في تطبيق الإمامِ مسلمٍ لِـما ذكرَه في المقدمة، وهل ذكرَ الطبقتَ في صحيحه على النحو الذي وعدَ بها في المقدمة أم لا؟ اختلفوا في ذلك على أقوالٍ، أشهرُها: القول الأول: إنه لم يطبقه، بل «إن المني ة قد اخترمَ ت مسلماً قبل استيفاء غرضه من كتابه هذا»، وعلى رأس هؤلاء أبو عبد الله الحاكم النيسابوري (ت405هـ، وأبو بكر البيهقي (ت458هـ، وأبو القاسم ابن عساكر (ت571هـ). وليس لهؤلاء مخالفٌ – فيما أعلم – إلى عهد القاضي عياض. القول الثاني: إن الإمامَ مسلماً قد طب قَ هذا في صحيحه، وأبرزُ قائلّ هذا القول هو القاضي عياض (ت544 هـ، وقد ردَّ القاضي على مَ ن قال إن المني ة اخترمت مسلماً قبل استيفاء غرضه إلا من الطبقة الأولى، وذكر أن ذلك مُا قبله الشيو والناس من الحاكم وتابعوه عليه، وأن الأمرَ ليس على ذلك؛ فإن مسلماً ذكر في كتابه هذا أحاديثَ الطبقة الأولى وجعلها أصولاً ، ثم أتبعها بأحاديث الطبقة الثانية على سبيل المتابعة والاستشهاد، وليس مراد مسلم بذلك إيراد الطبقة الثانية مفردة (1) . (1) انظر: (إكمال المعلم– المقدمة-، (صيانة صحيح مسلم) (ص/90)، (شرح النووي على صحيح مسلم1/23-
عدد الصفحات ١٠٥المدخل إلى صحيح الإمام مسلم 106 وهذا هو الذي رجَّحَه النوويُّ حيث قال معلقاً على قول مسلم في «مقدمة صحيحه» : «فإذا نحن تقص ينا أخبار هذا الصنف أتبعناها..» ما نصه «فقد قدمنا في الفصول بيان الاختلاف في معناه، وأنه هل وفّ به في هذا الكتاب أم اخترمته المني ة دون تمامه؟ والراجح أنه وفّ به، والله أعلم» (1) . وإليه ذهب جْاعةٌ من المتأخرين (2) . أما ابنُ الصلاح: فلم يرجِّح أحدَ القولَ ، إلا أنه خالفَ الحاكمَ ومَن معه في دعوى أن مسلماً اخترمته المنية قبل إتمامه، قال ابنُ الصلاح – بعد ذكر الخلاف وذكرِ رأي الحاكم والقاضي عياض-: «قلت: كلام مسلم محتمِلٌ لِـما قاله عياضٌ، ولما قاله غيرُه، نعم، روي بالصَيح عن إبراهيم بن محمد بن سفيان أنه قال: أخرجَ مسلمٌ ثلاثة كتبٍ من المسندات: واحدٌ: الذي قرأه على الناس، والثاني: يدخل فيه عكرمة، ومحمد بن إسحاق صا حب المغازي، وضرباؤهِا، والثالث: يدخل فيه من الضعفاء، وهذا مخالِفٌ لـما قاله الحاكم، والله أعلم» (3) . ويقطع الخلافَ في هذا الموضو أقوالٌ للإمام مسلمٍ نفسِ ه، تفيد أنه أنهى كتابَ ه، مُا لا يد لالاً للشك في ذلك، من مثل ما سبق من قوله: «عرضت كتابي هذا عأبي زرعة الرازي»، وقوله «صنفت هذاالمسند الصحيح من ثلاث م ة ألف حديث مسموعة »، 24.) (1) (شرح النووي على صحيح مسلم1/51.) (2) انظر: (مكمل إكمال الإكمال) للسنوسي1/8)، (الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج) للسيوطي (ق20/ب)، (فتح الملهم) (1/57.) (3) (صيانة صحيح مسلم) (ص92.)
عدد الصفحات ١٠٦107 المدخل إلى صحيح الإمام مسلم وقوله: «لو أن أهل الحديث يكتبون الحديث م تي سنة فمدارهم على هذا المسند»، يعني صحيحَ ه. وعلى القولِ بأنَّ الإمامَ مسلماً أخرجَ عن أهل الطبقة الثانية، وأنَّ الروايةَ عنهم موجودةٌ في «صحيحه»؛ فهل احتجَّ بهم كما احتج بأهل الطبقة الأولى أم لا؟ أجاب الحافظُ ابنُ حجر ◙ عن هذا السؤال بقوله «الحق أنه لم يخر ج شي اً مُا انفرد به الواحد منهم، وإنما احتج بأهل القسم الأول، سواء تفردوا أم لا، ويخر ج من أحاديث أهل القسم الثاني ما يرفع به التفرد عن أحاديث أهل القسم الأول، وكذلك إذا كان لحديث أهل القسم الثاني طرق كثيرة يعضد بعضها بعضاً؛ فإنه قد يخرج ذلك. وهذا ظاهر ب في كتابه، ولو كان يخرج جْيع أحاديث أهل القسم الثاني في الأصول بل وفي المتابعات؛ لكان كتابه أضعاف ما هو عليه، ألا تراه أخرج لعطاء بن السائب في المتابعات (1) ، وهو من المكثرين، ومع ذلك فما له عنده سوى مواضع يسيرة، وكذا محمد بن إسحاق، وهو من بحور الحديث، وليس له عنده في المتابعات إلا ستة أو سبعة. ولم يخرج لل يث بن أبي سُ ليم، ولا ليزيد بن أبي زياد ، ولا لمجالد بن سعيد إلا مقروناً » (2) . *** (1 )هذا سهوٌ من الحافظ ابن حجر –رحمه الله تعالى-، فلم يخرج مسلمٌ ل عطاء بن السائب ألبتة، وسبب الوهم أنّ الإمام مسلماً ذكره مثالاً في مقدمت ه. وهذه الفائدة من الشيخ ياسر النجار. (2) (النكت على ابن الصلاح1/434-435.)
عدد الصفحات ١٠٧المدخل إلى صحيح الإمام مسلم 108 المطلب الثاني: الرواية عن الضعفاء في الصحيح: وفيه مقامان: المقام الأول: الرّ واية عن الضعفاء في «الصحيح»: انتُقِ د على الإمامِ مسلمٍ –رحمه الله تعالى-روايتُ ه عن جْاعةٍ مُن نزلوا عن مرتبة الإتقان؛ ففيفَّ ضبطُ هم-وهم الواقعون في الطبقة الثانية-وقد تُ كُ لِّ مَ فيهم. وذكر الحافظُ ابنُ حجر أنه تُ كُ لِّ م في م ة وست رجلاً من الرواة الذين انفردَ مسلمٌ بإخراج حديثهم دون البفياري (1) . وقد ذكر العلماءُ وجوهاً في تعليل صنيع مسلم هذا، وبي نوا أنه ليس عليه فيه انتقاد، وأن ذلك وقَ عَ لأحدِ أسبابٍ لا مَ عاب عليه معها (2) : أحدها: أن يكون ذلك فيمن هو ضعيفٌ عند غيره ثقةٌ عنده. ولا يقال: إن الجرحَ مقدَّ مٌ على التعديل، وهذا تقديمٌ للتعديل على الجرح؛ لأن الذي ذكرناه محمولٌ على ما إذا كان الجرحُ غيرَ مُ فَ سَِّّ السبب؛ لأنه لا يُ عمل به (3) . الثا: أن يكون ذلك واقعاً في الشواهد والمتابعات لا في الأصول، وذلك بأن يذكر الحديث أولاً بإسناد نظيف رجاله ثقات ويجعله أصلاً، ثم يتبع ذلك بإسنادٍ لخر أو أسانيد فيها بعض الضعف، على وجه التأكيد بالمتابعة أو لزيادة فيه تنب ه على فائدة فيما قدمه، وبالمتابعة والاستشهاد اعتذر جْاعة من أهل العلم في إخراج مسلم عن جْ اعة ليسوا من شرط «الصحيح» (4) . (1) المصدر السابق1/287.) (2) انظر: (صيانة صحيح مسلم) (ص96-100.) (3) (صيانة صحيح مسلم) (ص94)، (شرحالنووي على صحيح مسلم) (1/25.) (4) (صيانة صحيح مسلم) (ص96-97.)
عدد الصفحات ١٠٨109 المدخل إلى صحيح الإمام مسلم الثالث: أن يكون ضعفُ الضعيفِ الذي احتَ جَّ به طرأ بعد أخذه عنه؛ باختلاطٍ حدث عليه، وهو غيرُ قادح فيما رواه من قبلُ في زمان سداده واستقامته، كما في أحمد بن عبد الرحمن بن وهب ابن أخي عبد الله بن وهب؛ فإنه اختلط بعد الخمس وم ت بعد خروج مسلم من مصَ. وقد صرح مسلم بذلك ح قال له إبراهيمُ بنُ أبي طالب: قد أكثرت الرواية في كتابك «الصحيح» عن أحمد بن عبد الرحمنالوهبي، وحاله قد ظهر؟ أجاب عليه بقوله: «إنما نقموا عليه بعد خروجي من م» (1) . الرابع: أن يخرج من حديث هؤلاء الضعفاء ما هو معروفٌ عن شيوخهم من طرق أخرى؛ فيفيرج عنهم ما تابعَ هم عليه غيرُ هم من الثقات ووافقوهم؛ إما لأنه لم يقع له من غيرهم مطلقاً، وإما لأنه لم يقع له عالياً إلا من طريق هؤلاء. قال ابن رجب: «اعلم أنه قد يخرج«الصحيح» لبعض من تكلم فيه، إما متابعةً واستشهاداً وذلك معلوم، وقد يخرج من حديث بعضهم ما هو معروفٌ عن شيوخه من طرق أخرى، ولكن لم يكن وقعَ لصاحب «الصحيح»ذلك الحديثُ إلا من طريقه، إما مطلقاً أو بعلو» (2) . وقال الإمام ابنُ القيم ليباً عماَّ عيبَ على الإمامِ مسلمٍ من إخراجِه حديثَ مَن تُكُلِّمَ فيه: «ولكن مسلماًروى من حديثه ما تابعَه عليه غيرُه، ولم ينفرِد به، ولم يكن منكراً، ولا شاذًّا» (3) . (1) المصدر السابق (ص95-96.) (2) (شرح علل الترمذي2/831 .) (3) (زاد المعاد4/278.)
عدد الصفحات ١٠٩المدخل إلى صحيح الإمام مسلم 110 وقال«ولا عيبَ على مسلمٍ في إخراج حديثه؛ لأنه ينتقي من أحاديث هذا الضرب ما يعلم أنه حفظَه، كما يطرحُ من أحاديث الثقةِ ما يعلم أنه غلط فيه؛ فغلط في هذا المقام مَن استدركَ علي ه إخراجَ جْيع حديث الثقة، ومَن ضعَّفَ جْيعَ حديث سيئ الحفظ؛ فالأُولى طريقةُ الحاكم وأمثالِه، والثانيةُ طريقةُ أبي محمد بن حزم وأشكاله، وطريقةُ مسلم هي طريقةُ أئمة هذا الشأن، والله المستعان» (1) . وكلامُ الإمامِ مسلمٍ يدل بالنَّ ص على أنه وإن روى عن بعض الضعفاء، إلا أنه لم يَعمتَمِد عليهم، ولكنه انتقى من أحاديثهم ما عُ لم منهم أنهم حفظوه؛ ويكون اختيارُه لهم –دون غيرِهم من الثقات-لما في روايتهم من العلوِّ والارتفا . فقد قال رحمه الله تعالى: «وإنما أدخلتُ من حديث أسباط، وقطن، وأحمد، ما قد رواه الثقات عن شيوخهم؛ إلا أنه ربما وقع إ عنهم بارتفا ، ويكون عندي من رواية من هو أوثق منهم بنزول؛ فأقتصَ على أول ك، وأصل الحديث معروف من رواية الثقات» (2) . ومن أجل هذا ضعَّ ف المحق قون مَ ن يقول: «صحيح على شرط مسلم» لمجرد إسناده إلى رواة مسلم؛ فإنه ليس كلُّ مَ ن في «صحيحه» من الرواة غير ضعيف، إذ قد صرَّ ََ ح بأنَّ فيهم الضعيف، ولكن ليس فيه حديثٌ ضعيف (3) . الخامس: أنم يرى أن الض عف الذي في الراوي خاع بروايته عن فلان من شيوخه، أو برواية فلان عنه، أو بما سُ مع منه في غير كتابه، أو مُا سُ مع منه بعد اختلاطه، أو بمـا جاء (1) المصدر السابق1/364.) (2) (أسامي الضعفاء ومن تكلم فيهم من المحدثين) لأبي زرعة الرازي– ضمن كتاب (أبو زرعة الرازي وجهوده في السنة النبوية) (2/676.) (3) انظر: (توضيح الأفكار1/209-210.)
عدد الصفحات ١١٠111 المدخل إلى صحيح الإمام مسلم عنه بعنعنة وهو مدلس؛ فيروي عنه حيث يصلح، ولا يخرج له حيث لا يصلح. وقد مثَّ ل الحازميُّ على رواية مسلم لبعض مَ ن تُ كُ لِّ مَ فيه مُ ن هم أثباتٌ مُ تم قِ نُ ون في حديثِ بعضِ شيوخهم لكثرة الملازمةِ لهم والممارسةِ لحديثهم، مع أنهم يخط ون كثيراً في لخرين منهم، مثَّلَ بحماد بن سلمة؛ فقال: «وعلى هذا يعتذر لمسلم في إخراجه حديث حماد بن سلمة؛ فإنه لم يخرج إلا رواياته عن المشهورين، نحو ثابت البناني وأيوب السفيتياني، وذلك لكثرة ملازمته ثابتً ا وطول صحبته إياه؛ حتى بقيت صحيفة ثابت على ذكره وحفظه بعد الاختلاط كما كانت قبل الاختلاط، وأما حديثه عن لحاد البصَي ؛ فإن مسلماً لم يخرج منها شي اً لكثرة ما يوجد في رواياته عنهم من الغرائب، وذلك لقلة مُارسته لحديثهم» (1) . ويتأيد هذا بما قاله الإمامُ مسلمٌ نفسُه «أثبتُ الناس في ثابت البناني: حماد ابنُ سلمة»، ويقول: «وحماد يُعدُّ عندهم إذا حدَّث عن غير ثابت – كحديثه عن قتادة، وأيوب (2) ، ويونس، وداود بن أبي هند، والجريري، ويَيى بن سعيد، وعمرو بن دينار، وفيهم بصَيون وأشباهُهم – فإنه يخطئ في حديثهم كثيراً » (3) . (1) (شروط الأئمة الخمسة) (ص47.) (2 )قرَّر الإمامُ مسلم هنا أنّ رواية حماد بن سلمة عن أيوب ليست في القوة مثل روايته عن ثابت، بينما سبق في قول الحازميِّ في الفقر ة السابقة أنّ رواية حماد عن أيوب مثل روايت ه عن ثابت، فكلام الحازميِّ يخالف ما قرره الإمامُ مسلمٌ هنا. هذا، ورواياتُ مسلمٍ عن حماد بن سلمة أكثرها عن شيخه ثابت، وهي تزيد عن ستين رواية، ومجموعُ روايات ابن سلمة في صحيح مسلم (105) رواية، والباقي عن آخرين. أمَّا أيوب: فقد اختلفوا في رواية حماد بن سلمة عنه؛ هل هي في الأصول أم المتابعات؟ قال الذهبيُّ بالأول، والحاكمُ بالثاني، قال الذهبيُّ : «ومسلم روى له في الأصول عن ثابت وحميد لكونه خبيرا بهما » (سير أعلام النبلاء (7/444). وقال الحاكم: «لميخرج له مسلم في الأصول إلا من حديثه عن ثابت، وله في كتابه أحاديث في الشواهد عن غير ثابت» (سير أعلام النبلاء7/444-445)، وقد روى مسلم لحماد بن سلمة عن غير ثابت وأيوب عن أكثر من عشرين راوياً، أكثرُهم له رواية واحدة، ولم تزد على روايتَين، مما يدلُّ على صدق ما أشارَ إليه الحاكم. (3) (التمييز) للإمام مسلم (ص171،172.)
عدد الصفحات ١١١المدخل إلى صحيح الإمام مسلم 112 وهذا يُنبئُ عن الدِّقَّةِ المتناهيةِ التي توَخَّاها الإمامُ مسلمٌ في هذا الكتاب المقام الثاني: منزلةُ رجال الصحيح وتوثيقهم عامّ ة: من خر ج له الإمامُ مسلمٌ – رحمه الله تعالى- في «الصحيح»على قسم أحدهِا: ما احتَ جَّ به في الأصول. وثانيهما: من خرَّ ج له متابعةً وشهادة واعتباراً. فمن احتج به ولم يُ وَ ثَّ ق ولا غُ مِ ز؛ فهو ثقة، حديثه قوي . ومن احتج به، وتُ كل م فيه؛ فتارة يكون الكلام فيه تعن تاً والجمهور على توثيقه، فهذا حديثه قوي أيضاً، وتارة يكون الكلام في تليينه وحفظه له اعتبار؛ فهذا حديثه لا ينحط عن مرتبة الحسن التي قد نسميها من أدنى درجات «الصحيح». ف«الصحيح»-بحمد ا-رجلٌ احتج به مسلم في الأصول ورواياته ضعيفة، بل حسنة أو صحيحة. ومن خر ج له مسلم في الشواهد والمتابعات؛ ففيهم من في حفظه شيء، وفي توثيقه ترد د (1) . المبحث الثاني: شرط الإمام مسلم في صحيحه ذكرَ كثيرٌ مُن كتبوا حول «صحيح الإمام مسلم» أنه لم يُنقل عنه أنه اشترطَ شرطاً، ولم يصَح في كتابه بشيء من ذلك ولا في غيره، وبه جزمَ جْاعةٌ من العلماء، قال المنذري: «وأما شرط الشيفي ؛ فقد ذكر الأئمةُ أن البفياريَّ ومسلماً لم يُ نقل عن واحد منهما أنه قال: شرطت (1) انظر: (الموقظة في علم الحديث) (ص79-80 )– بتصرف-.
عدد الصفحات ١١٢