المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

المدخل الى صحيح الامام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى

محمد محمدي بن محمد جميل النورستاني

صفحة ٤ من ١٢

49    المدخل إلى صحيح الإمام مسلم والمنفردات والوح دان، والمخضرمين، والإخوة والأخوات، وفي العلل، وغير ذلك؛ فتنوَّعَت مجالاتُ البحث عند الإمام مسلمٍ، وشملَت من فنون الحديث أبدعَها، وكلُّها تدلُّ على مكانت ه الراسخة في هذا العلم، وتمكُّن ه فيه روايةً ودرايةً. والملاحَظ: أنّ أصحابَ التراجم لم يكونوا يَستقص ون مؤلَّفات الإمام مسلم، بل ذكروا بعضَها وأغفلوا بعضها، مع تصريح هم بأنّ له مؤلَّفاتٍ كثيرة، وكان جُلُّ اعتماد هم في ذلك على ما ذكرَه الحاك مُ في مصَنَّفات ه؛ كتاريخ نيسابور، وعلماء الأمصار، والمزكين لرواة الأخبار. ومن المصادر التي توسّعت في ذكر مصنفات الإ مام:-المنتظم لابن الجوزي؛ فقد ذكر (23) مصنفاً، والذهبي في السير فقد ذكر20) مصنفاً، ثم توالت بعد ذلك الكتبُ المفهر سَةُ لأسماء الكتب ومصَنِّفيها، وعدَّت من تآليف مسلم -رحمه الله- عددً ا ليس باليسير. وفيما يلي سرد للمطبوع من مؤلفات الإمام (1) : 1- الأسامي والكُنى: ويبحث في أسماء رجال الحديث وكُناهم ون سَب هم، وأهمِّ شيوخهم وتلاميذهم، وما قيل فيهم من جرح. وهو من مطبوعات الجامعة الإسلاميّة بالمدينة المنورة، بتحقيق الدكتور عبد الرحيم القشقري، ونشرته دار الفكر بسوريا مُصوَّراً سنة 1404هـ بعنوان«الكنى والأسماء» (1 )ولتفصيل القول في سرد مصنّفات الإمام مسلم وتعريفها: يُراجع: (الإمام مسلم ومنهجه في صحيحه) للدكتور محمد طوالبة (ص/83)، و(الإمام مسلم بن الحجاج ومنهجه في الصحيح وأثره في علم الحديث) للشيخ مشهور حسن (1/233.)

عدد الصفحات ٤٩

المدخل إلى صحيح الإمام مسلم   50  2- التّمييز: وهو من أنْفس الكتب وأكثرها فائدة، وضّح فيه الإمامَ منهجَ المحدِّثين في نقد الأحاديث وتمييزها. طبع جزءٌ منه في جامعة الرياض، وقد حقّقه الدّكتور مصطفى الأعظمي. 3- الجامع الصّحيح وقد سمَّاه مؤلِّفُه (المسند الصحيح)، وهو أشهر من أن يعرَّف، وسيأتي تفصيل التعريف به في المبحث الأول من الباب الثاني –إن شاء الله تعالى-. 4- رجال عروة بن الزبير يجمعُ هذا الكتابُ رجالَ محدِّثٍ واحد في موضع واحد، وهو بشكل عام خاصٌّ برواية بعض الرجال من كبار التابعين وغيرهم؛ من رووا عنه ومن روى عنهم، وقد طُب عَ الكتابُ بالهند سنة 1323هـ مع كتاب «الضعفاء الصّغير »للإمام البخاريّ، و «كتاب الضعفاء والمتروكين »للإمام النسائي. 5- المنفردات والوُحدان : المراد بالوحدان: مَن لم يرو عنه إلاّ راوٍ واحد، صحابيّاً كان أو غيره، وقد بدأ الإمام مسلمٌ في كتابه بذكر الصّحابة الذين لم يَرْو عنهم إلاّ واح د، ثم التّابعين ومن بعدهم، وجرّد أسماء الرّواة ولم يترجمهم، وقد طبع بالهند سنة 1323هـ مع كتاب «الضعفاء الصّغير »للإمام البخاريّ، و«كتاب الضعفاء والمتروكين»للإمام النسائي 6- الطّبقات وقد اقتصر فيه الإمامُ مسلم -رحمه الله تعالى -على الصّحابة والتابعين، وبدأ كلَّ قسمٍ منها بالمدنيين ثم بالمكيين ثم بالكوفيين ثم بالبصريين ثم بالشاميين والمصريين وغير ذلك، ولم يترجمهم، بل اقتصر على تجريدهم. وقد طُبع بتحقيق الشيخ مشهور حسن، بدار الهجرة بالدمام.

عدد الصفحات ٥٠

51    المدخل إلى صحيح الإمام مسلم أمّا المخطوطُ من مؤلفاته، أو التي هي في حكم المفقود: فقد ذكر أسماءَها كثيرٌ من الأئمة، سواء ممن ترجم للإمام مسلم أم لا، ومنها: 1- الإخوة والأخوات 2- أسماء الرجال 3- الأفراد 4- أفراد الشاميين من الحديث عن رسول اﷺ. 5- الأقران 6- انتخاب مسلم على أبي أحمد الفراء 7- الانتفاع بأُهُب السِّباع 8- الأوْحاد 9- أولاد الصحابة ومَن بعدهم من المحدثين 10- أوهام المحدِّثين. 11- التاريخ 12- تفضيل السنين 13- الجامع الكبير على الأبواب. قال الحاكم «رأيتُ بعضَه بخطِّه » (1) ، وهذا الكتابُ غير (الصحيح) قطعاً. 14- ذ كْر أولاد الحسين (1) انظر: (سير أعلام النبلاء12/579.)

عدد الصفحات ٥١

المدخل إلى صحيح الإمام مسلم   52  15- رواة الاعتبار 16- سؤالاته أحمد بن حنبل 17- طبقات التابعين 18- طبقات الرواة 19- العلل 20- كتاب عمرو بن شعيب 21- المخضرمون 22- مسند حديث مالك 23- المسند الكبير على الرجال. قال الحاكم: «ما أرى أنه سمعَه منه أحدٌ» (1) . 24- مشايخ الثوريّ 25- مشايخ شعبة 26- مشايخ مالك 27- معرفة رواة الأخبار 28- كتاب المعمر في ذ كر ما أخطأ فيه معمر 29- المفرد هذا ما وقفتُ عليه من المؤلَّفات التي نُس بَت إلى الإمام مسلم –رحمه الله تعالى-. (1 )انظر: (تاريخ الإسلام6/435.)

عدد الصفحات ٥٢

53    المدخل إلى صحيح الإمام مسلم

عدد الصفحات ٥٣

المدخل إلى صحيح الإمام مسلم   54  الباب الثاني ه فيه ُ الإمام مسلم ومنهج ُ صحيح وفيه فصلان: الفصل الأول: التعريف بصحيح الإمام مسلم. الفصل الثاني: منهجُ الإمامِ مسلمٍ في (صحيحِه).

عدد الصفحات ٥٤

55    المدخل إلى صحيح الإمام مسلم الفصل الأول التعريف بصحيح الإمام مسلم وفيه تسعةُ مباحث: المبحث الأول: التعريف بصحيح الإمام مسلم. المبحث الثاني: مقدمة صحيح الإمام مسلم. المبحث الثالث: رواة صحيح الإمام مسلم. المبحث الرابع: تراجم صحيح الإمام مسلم. المبحث الخامس: عددُ أحاديث (صحيح الإمام مسلم)، وعدد الأحاديث التي صُنِّفَ منها. المبحث السادس: مكانة صحيح الإمام مسلم. المبحث السابع: عناية العلماء وجهودُهم على صحيح الإمام مسلم. المبحث الثامن: شروح صحيح الإمام مسلم. المبحث التاسع: خصائص (صحيح الإمام مسلم)، والموازنة بينه وبين (صحيح الإمام البخاري).

عدد الصفحات ٥٥

المدخل إلى صحيح الإمام مسلم   56  المبحث الأول: التعريف بصحيح الإمام مسلم أولاً: اسمُه وما اشتُهِرَ به: لم ينصَّ الإمامُ مسلمٌ في كتابه الصحيح على تسميت ه، ولذلك وقعَ الاختلافُ في اسم ه، فسمّاه كثيرٌ من العلماء: «الجامع» (1) ، بينما سمَّاه عددٌ غفيرٌ من العلماء «الصحيح» (2) ، وغلبت هذه التسميةُ في كتب التفسير، والحديث، والفقه، وغير ها، وشاعَت بين العامِّ والخاصِّ في الشرق والغرب، حتى قال السمعانيُّ: «المشهورُ كتابُه (الصحيحُ) في الشرق والغرب » (3) ، وهذه التسميةُ هي المثبَتةُ على طبعات ه. وقد نصَّ الإمامُ مسلمٌ خارجَ صحيح ه على تسميت ه بـ(المسنَد ) و(المسنَد الصحيح)، فقال: «ما وضعتُ شيئاً في هذا (المسند) إلا بحجة » (4) ، وقال: «عرضتُ هذا (المسندَ) على أبي زرعة » (5) . وقال«لو أنّ أهلَ الحديث يكتبون الحديثَ مائتَي سنة فمدارُهم على هذا (المسنَد)...» (6) . (1) انظر: (تهذيب التهذيب 10/127)، (كشف الظنون 1/555)، (الحطة) (ص 67)، (الرسالة المستطرفة (ص/41.) (2) انظر: (اللباب) لابن الأثير3/38)، (تهذيب الأسماء واللغات) للنووي2/89)، وشرحه لصحيح مسلم1/10)، (وفيات الأعيان) لابن خلكان (5/195)، (السير12/558،573،566،571)، وغيرهم (3) (الأنساب) له4/506.) (4) (تسمية مَن أخرجَ لهم البخاريُّ ومسلم) للحاكم (ص 281)، (صيانة صحيح مسلم) لابن الصلاح (ص68.) (5) المصدران السابقان (6) (تاريخ الإسلام) للذهبي6/434.)

عدد الصفحات ٥٦

57    المدخل إلى صحيح الإمام مسلم وقال أيضاً: «صنّفتُ هذا (المسندَ الصحيح » (1) . فسمَّاه «المسنَد»، وسمَّاه «المسنَد الصحيح »، وتبعَه على التسمية الأخيرة ابنُ منجويه، والحاك مُ، وابنُ أبي يعلى، والخطيب، وابنُ الجوزي، وابنُ كثير، والعليمي (2) . وسمَّاه القاضي عياض «المسند الصحيح المختصر بنقل العدل عن العدل عن رسول الله  » (3) . وسمَّاه ابنُ خير «المسند الصحيح المختصَر من السنن، بنقل العدل عن العدل عن رسول الله  » (4) . والأولى من هذا أن يُقتَصَرَ فيه على تسمية مؤلِّفه، وهو «المسند الصحيح»، يقول الـدكتور محمد طوالـبة –بعد ذكـر تسميـة ابن خـيـر-: «وهذهالزيادةُ من ابن خير وإن كانت تتفقُ مع ما قاله مسلمٌ - من أنه يعمدُ إلى الاختصار وإيراد الأحاديث على غير ت كرار– إلاّ أنّي أرى أن الأولى والأنسب أن يُسَمَّى «المسند الصحيح»كما سَمَّاه صاحبُه، ولكون الكتاب اشتَهَر بـ «صحيح مسلم»-وهو ما أُثب تَ على غلاف مطبوعات ه -: فأستحسنُ إن طُب ع الكتابُ في المستَقبل أن يُجمَع بين الاثنين، فيُكتبُ مثلاً: «المسند الصحيح»، وتحتَه: المشهور بـ«صحيح مسلم»، فيجمعُ بين المشهور وأصالة التسمية » (5) . (1) (تاريخبغداد) (13/101)، (تاريخ دمشق58/92)، (السير12/565.) (2) انظر: (رجال صحيح مسلم) لابن منجويه1/29)، (طبقات الحنابلة) لابن أبي يعلى2/337)، (تاريخ بغداد للخطيب (13/100)، (المنتظم) لابن الجوزي5/32)، (المختصر) لابن كثير2/51)، (المنهج الأحمد للعليمي (1/221.) (3) (مشارق الأنوار1/22)، (الغنية) (ص106.) (4) (فهرست ابن خير الإشبيلي) (ص98). وهذه التسميةُ هي التي رجَّحَها الشيخ عبد الفتاح أبو غدة في (تحقيق اسمَي الصحيحَين واسم جامع الترمذي) (ص/ 33) وما بعدها (5) (الإمام مسلم ومنهجُه في صحيحه) (ص 102-103) .

عدد الصفحات ٥٧

المدخل إلى صحيح الإمام مسلم   58  ثانياً: الباعث على تصنيفه ابتدأ الإمامُ مسلمٌ كتابَه ببيان الباعث على تصنيفه، وهو طلبُ أحد النُّجَبَاء، فقال: «أَمَّا بَعدُ؛ فَإنَّكَ -يَرْحَمُكَ الله ب تَوْف يق خَال ق كَ -ذَكَرْتَ أَنَّكَ هَمَمْتَ ب الْفَحْص عَنْ تَعَرُّف جُمْلَة الأخبَار المأثُورَة عَنْ رَسُول الله ﷺ في سُنَن الدِّين وَأَحْكَام ه، وَمَا كَانَ م نْهَا ف ي الثَّوَاب وَالْع قَاب، وَالتَّرْغ يب وَالتَّرْه يب، وَغَيْر ذَل كَ م نْ صُنُوف الأشْيَاء، ب الأسَان يد الت ي ب هَا نُق لَت وَتَدَاوَلَهَا أَهْلُ الع لم ف يمَا بَيْنَهُم؛ فَأَرَدْتَ -أَرْشَدَكَ الله - أَنْ تُوقَفَ عَلَى جُمْلَت هَا مُؤَلَّفَةً مُحْصَاةً، وَسَأَلْتَن ي أَنْ أُلَخِّصَهَا لَكَ ف ي التَّأْل يف ب لا تَكْرَارٍ يَكْثُر، فَإ نَّ ذَل كَ -زَعَمْتَ - م مَّ ا يَشْغَلُكَ عَمَّا لَهُ قَصَدْتَ م ن التَّفَهُّم ف يهَا وَالاسْت نْبَاط م نْهَا. وَل لَّذ ي سَأَلْتَ (1) -أَكْرَمَكَ ا -ح ينَ رَجَعْتُ إ لَى تَدَبُّر ه وَمَا تَؤولُ ب ه الْحَالُ -إ ن شَاءَ الله- عَاق بَةٌ مَحْمُودَةٌ، وَمَنْفَعَةٌ مَوْجُودَةٌ، وَظَنَنْ تُ ح ينَ سَأَلْتَن ي تَجَشُّمَ ذَل كَ: أَن لَو عُز مَ ل ي عَلَيْه (2) ، وَقُض يَ ل ي تَمَامُه؛ كَانَ أَوَّلُ مَن يُص يبُه نَفعُ ذَل كَ إ يَّايَ خَاصَّةً قَبْلَ غَيْر ي م ن النَّاس؛ لأسْبَابٍ كَث يرَةٍ يَطُولُ ب ذ كْر هَا الوَصْف... » (3) . فالباعثُ هو طلبُ أحد النجباء، وهو أحمد بن سلمة بن الفضل (4) ، أن يوقفَه على جملة الأحاديث الصحيحة في سنن الدين وأحكام ه، وهذا الطلبُ وقع من الإمام مسلمٍ قلت: وقد عم لَ على هذا المقترح محقِّقوا (صحيح الإمام مسلم) –طبعة التأصيل-، حيث كتبوا: (صحيح مسلم وهو المسند الصحيح للإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري) وقد ذكروا في مقدمة الطبعة المذكورة (1/46-50) أنَّ هذا هو الصحيح. (1) قولُه«ل لَّذي سألتَ»خبرٌ مقدَّم، مبتدؤُه ما يأتي من قوله «عاقبة محمودة ومنفعة موجودة» (2) أي: لو قُدِّرَ لي ذلك وأريدَ مني، والذي يُقدِّرُه هو الله سبحانه وتعالى (3) (مقدمة صحيح مسلم) (ص25.) (4 )كان صاحبَ مسلم وتلميذَه، ورفيقَه في الارت حال والطلب، ألَّفَ مسلمٌ صحيحَه استجابةً لطلبه، وقد ذكرَ الخطيبُ في (تاريخ بغداد) (4/186 )–في ترجمت ه-: «ثم جمعَ له مسلمٌ الصحيحَ في كتابه »

عدد الصفحات ٥٨

59    المدخل إلى صحيح الإمام مسلم موقعاً حسناً، فنظرَ في طلبه وما يؤول إليه أمرُه، وتدبَّرَه، فوجدَ عاقبتَه محمودةً، وأنّ نفعَه سيرجعُ إليه قبل غيره. فجمعَ -رحمه الله– هذه الأحاديثَ الصحيحةَ في صُنوف الموضوعات؛ لتكون قريبةً سهلةَ المنال م ن عموم الناس، من غير عناءٍ في البحث عن صحة الحديث وسقم ه، يقولُ -رحمه الله-: «أخرجتُ هذا من الحديث الصحيح ليكون مجموعاً عندي وعندَ مَن يكتبُه عني، فلا يرتابُ في صحت ها » (1) . ويُشيرُ الإمامُ مسلمٌ إلى سببٍ آخر دفعَه إلى إجابة هذا الطلب، وهو أنّ بعضَ الناس نصبوا أنفسَهم محدِّثين، وبثُّوا الأحاديث الضعيفة والروايات المستَنكَرة في مجالسهم، مع علم هم بأنّ كثيراً منها لا يثبت، يقولُ -رحمه الله-: «وَبَعْدُ -يَرْحَمُكَ الله -: فَلَوْلاَ ا لَّذ ي رَأَيْنَا م ن سُوء صَن يع كَث يرٍ م مَّنْ نَصَبَ نَفْسَهُ مُحَدِّثًا ف يمَا يَلْزَمُهُمْ م نْ طَرْح الأَْحَاد يث الضَّع يفَة وَالرِّوَايَات الـمُنكَرَة، وَتَرْك ه م الا قْت صَارَ عَلَى الأحَاد يث الصَّح يحَة المشهُورَة، م مَّا نَقَلَه الثِّقَ اتُ المعرُوفُون ب الصِّدْق وَالأَْمَانَة، بَعْدَ مَعْر فَت ه مْ وَإ قْرَار ه م ب أَلْس نَت ه مْ: أَنَّ كَث يرًا م مَّا يَقْذ فُونَ ب ه إ لَى الأَْغْب يَاء م ن النَّاس هُوَ مُسْتَنْكَرٌ وَمَنْقُولٌ عَنْ قَوْمٍ غَيْر مَرْض يِّينَ، م مَّنْ ذَمَّ الرِّوَ ايَةَ عَنْهُمْ أَئ مَّةُ أَهْل الْحَد يث ...لَمَا (2) سَهُلَ عَلَيْنَا الا نْت صَابُ ل مَا سَأَلْتَ م ن التَّمْي يز وَالتَّحْص يل، وَلَك نْ م نْ أَجْل مَا أَعْلَمْنَاكَ م نْ نَشْر الْقَوْم الأَْخْبَارَ المنكَرَةَ ب الأَْسَان يد الضِّعَاف المجهُولَة ، وَقَذْف ه مْ ب هَا إ لَى الْعَوَامِّ الَّذ ينَ لاَ يَعْر فُونَ عُيُوبَهَا: خَفَّ عَلَى قُلُوب نَا إ جَابَتُكَ إ لَى مَا سَأَلْتَ ...» (3) . (1) (صيانة صحيح مسلم) (ص98)، (شرح صحيح مسلم) للنووي1/26)، وفيه«ولا يرتابُ في صحت ه »، وهو الأولى. (2) هذا جوابُ قول ه السابق: «فلولا الذي رأينا» (3) (مقدمة صحيح مسلم1/22-23.)

عدد الصفحات ٥٩

المدخل إلى صحيح الإمام مسلم   60  يشرح الإمامُ مسلمٌ هنا هذا الداعي بمزيدٍ من التفصيل؛ ل ـما رأى من انتشار الأحاديث الضعيفة والموضوعة، واعتماد كثيرٍ م ن المنتس بين إلى الحديث عليها، ونشر ها بين الناس. ثالثاً: مكان تأليفه والزمنُ الذي استغرقَ في تصنيفِه: صنّفَ الإمامُ مسلمٌ –رحمه الله تعالى- كتابَه في بلد ه «نيسابور»، في خمس عشرة سنة، قال تلميذُه أحمد بن سلمة بن الفضل، الذي جمعَ «الصحيحَ» لأجله«كنتُ مع مسلم في تأليف صحيحه خمس عشرة سنة» (1) . والزمنُ الذي استغرقَه في تصنيف ه ليس بالقليل، وقد ذكر الحافظُ ابنُ حجر سببَ ذلك حيث قال: «صنَّفَ كتابَه في بلده بحضور أصول ه في حياة كثيرٍ من مشايخه، فكان يتحرَّزُ في الألفاظ، ويتحرَّى في السياق » (2) . (1 )(شرح صحيح مسلم) للنووي1/1/14)،(سير أعلام النبلاء) (12/566)، (طبقات علماء الحديث2/288.) (2 ) (هدي الساري) (ص12.) قلت: هذه الأمور الثلاثة التي ذكرها الحافظُ عن الإمام مسلم مُا يختلفُ حال الإمام مسلمٍ فيها عن حال الإمام البفياري؛ فالإمام البفياري: 1- لم يهذِّب صحيحَه كلَّه –بل ولم يؤلِّفه كلَّه- في بلده، بل في بلدانٍ أخرى. 2- كما أنَّ تهذيبَه لم يكن كلُّه بحضور أصولِه، وذلك بحكم تنقُّلِه في الأسفار 3- إضافة إلى أنَّ تهذيبَ البفياري وان تقاءَه لأحاديث صحيحه لم يكن كله في حياة شيوخِه، كما هو حال الإمام مسلم. ولهذه الأمور كلِّها نجد أنَّ دقَّة الإمام مسلم وتحرِّيه في ألفاظ التحمُّل والمتون تفوقُ دقَّة الإمام البفياريِّ وتحرِّيه، كما أنَّ جْعَه لألفاظ الحديث في موضع واحد وإتقانَه في ذلك يرجعُ إلى تلك الأسباب، إضافةً إلى كون هذا يمثل هدفاً عند الإمام مسلم، بينما ركَّز الإمامُ البفياريُّ على فقه الحديثِ أكثر من تركيزِه على جْع ألفاظ الحديث، كما ذكرتُ هذا

عدد الصفحات ٦٠

61    المدخل إلى صحيح الإمام مسلم فجمعُه ل طرُق الأحاديث وتَحَرِّيه في سياقها، وتَحرُّزُ ه في ألفاظ ها، مع الاختصار البليغ، والإيجاز التام، وحسن الوضع وجودة الترتيب: استغرقَ منه هذا الوقت الطويل (1) . وهذا الوقتُ مقار بٌ لما أمضاه الإمامُ البخاريُّ في تهذيب صحيحه وانتقائه، حيث مكث في ذلك ستَّ عشرة سنة (2) . رابعاً: متى بدأ الإمامُ مسلمٌ في تأليفِه ومتى فرغ منه؟ رجَّح كثيرٌ من الباحثين أنّ الإمامَ مسلماً انتهى من تأليف صحيح ه سنة ( 250هـ (3) ، وقد سبقَ أنه قد ألَّفَه في خمس عشرة سنة، فعليه يكون قد بدأ في تأليفه سنة ( 235هـ قال الدكتور طوالبة: «ذكر العراقي وحاجي خليفة أنّ مسلماً ألَّفَ كتابَه سنة مائتَين وخمسين هجرية، ولا يُفهم منه أنه ابتدأه في تلك السنة وانتهى منه فيها؛ ل ـما قدَّمتُ عن ابن سلمة، وإنما يُفهَم منه أنّ مسلماً فرغَ من تأليفه في تلك السنة، ويكون قد ابتدأه سنةَ خمس في (المدخل إلى صحيح الإمام البفياري)، وكما سيأتي بيانه في المبحث التاسع: ثانياً: ذكرُ بعض خصائ ص صحيح مسلم. (1 )كنت ذكرت هنا في الطبعة الثانية من (المدخل) (ص57) قولَالنووي: «بقي في تهذيبه وانتقائ ه ستَّ عشرةَ سنة »،ظنًّا مني أنّ النوويَّ يتحدَّثُ عن الإمام مسلم هنا، ثم نبهني الأخ الشيخ ياسر إبراهيم نجار إلى أنَّ الدكتور يوسف الجوراني العسقلاني قد خَطَّأني في هذا الظن مسلم ص/ 25] صحيحه وانتقائه ستَّ عشرة سنة، وقد رجعتُ إلى ما ذكرَه الدكتور العسقلاني، ورأيتُ أنه صحيح، فشكر الله سعيَه. (2) انظر: (تاريخ بغداد2/14)، (سير أعلام النبلاء12/405)، (الإمام البخاري وصحيحه) (ص180.) (3 )انظر: (الإمام مسلم ومنهجُه في صحيحه) للدكتور طوالبة (ص 105-106)، (الإمام مسلم) للشيخ مشهور (ص/357.)

عدد الصفحات ٦١

المدخل إلى صحيح الإمام مسلم   62  وثلاثين ومائتَين هجرية، وعمرُ ه آنذاك تسعةٌ وعشرون عاماً، وهو قولٌ يسوغُه العقلُ والمنطق، وليس هناك ما يناقضُه؛ لأنّ مسلماً في هذه السن قد هيَّأ نفسَه وثَقَّفَها بهذه الصناعة ثقافةً كاملة، وأصبحَ جديراً بالقيام بمثل هذا العمل، وبمثل هذا التأليف » (1) . وعمدةُ هؤلاء في هذا التحديد هو ما ذكرَه العراقيُّ في (التقييد والإيضاح) من أن محمدَ بنَ مسلمة قال: «كنت مع مسلم بن الحجَّاج في تأليف هذا الكتاب سنة خمسين » (2) ، أي: ومائتين. ويؤيدُه ما قاله إبراهيمُ بن سفيان –راوي الصحيح-: «فرغَ لنا مسلمٌ من قراءة هذا الكتاب في شهر رمضان سنة سبعٍ وخمسين ومائتَين» (3) ، وهذا تاريخُ سماع ه الصحيحَ من الإمام مسلم، وهو يدلُّ على كونه قد انتهى من تأليفه قبل ذلك. المبحث الثاني: مقدمة «حيح الإمام مسلم َ ص» «وضعَ الإمامُ مسلمٌ ب يدي صحيحِه مقدمةً قَـيِّمَةً عظيمةَ الشأن، جليلةَ القدر، تُنبئُ عن جلالةِ قدرِ واضعِها، وحُ سنِ نِـيَّتِه، وحرصِه على تدوين السنةِ النبويَّةِ نقيةً من الشوائب » (4) . والحديثُ عن هذه المقدمة سيكون عبر المحاور الآتية أولا: موضوعاتُها: كتب الإمامُ مسلمٌ مقدمةً لصحيحه، وتضمَّنت المقدمةُ المسائلَ الآتية: (1) (الإمام مسلم ومنهجه صحيحه) (ص/ 105-106)، وانظر: (الإمام مسلم: حياتُه وصحيحُه) لفاخوري (ص/62.) (2) (التقييد والإيضاح) (ص29.) (3) (صيانة صحيح مسلم) (ص107.) (4) (الإمام مسلم وصحيحه) للشيخ عبد المحسن العباد البدر (ص6.)

عدد الصفحات ٦٢

63    المدخل إلى صحيح الإمام مسلم 1- بدأها ببيان سببِ تأليفه للكتاب 2- بيان شرطِه في صحيحه، وقصده تخريجَ الأحاديثِ على ثلاثة أقسام. 3- اجتنابُه تخريجَ أحاديث المتَّهَم ونحوهم 4- بيان سبب اهتمامِه بتمييزِ الأحاديثِ الصحيحةِ وروايتِها، وتركِ الأحاديث الضعيفةِ والمنكَرة، وبيان وجوب ذلك بالكتاب والسنة. 5- النهي عن التحديثِ بكل ما سمع، والاحتياط في ال رواية، وأن لا يروي إلا من الثقات؛ لوقو الكذبِ في الأحاديث. 6- بيان أنه لا يؤخذُ الحديثُ إلا مُن هو أهلُه 7- ب ََّ أنه إذا كان هناك جَرحٌ صحيحٌ في الراوي: فينبغي أن يُذكَرَ بدون تردُّد، وأنه أمرٌ جائزٌ ومشرو . 8- أنَّ الإسنادَ من الدين، وضرورة التشديد في الرواية، والمنع من قبولها بلا تثَـبُّت، ووجوب الاحتياط في قبول رواية الضعفاء. 9- ثم بَـيَّـنَ صحةَ الاحتجاج بالحديث المعَنمعَنِ بمجَرَّدِ إمكان اللقاء ب الراوي والمروي عنه، والرد على مَن يشترطُ ثبوتَ اللقاء بينهما، ولا يكتفي بالمعاصرةِ وإمكان اللقاء. وسيأتي التفصيلُ في المسألة قريباً إن شاء الله تعالى. كل هذه القواعد والأصول تعرض لها الإمام مسلمٌ في مقدمتِه، وبيَّنَها بالتفصيل، مقرونةً بالأدلة والحجج، وردَّ على مَن يخُالفُه فيها. ثانياً: أهميتُها: تُعتَبرَ مقدمة صحيح الإمام مسلمٍ من أوائل المقدمات العلمية المنهجية ، وقد امتازَ

عدد الصفحات ٦٣

المدخل إلى صحيح الإمام مسلم   64  الإمام مسلمٌ بهذه المقدمة الرائعة، امتازَ بها على شيفيِه البفياري، بل على جْيع معاصريه، ولو قلتُ إن الإمامَ مسلماً قد سبق عصََه بهذه المقدمة: لمَا كنتُ قد تُاوزت الحقيقة (1) . ثالثاً: أسلوبُه فيها وشروحُها مع أن القواعد التي بحثَها الإمامُ مسلم في مقدمة صحيحه من الأهِيةِ بمكان، إلا أن عباراتِ الإمام مسلمٍ فيها غامضةٌ صعبة الفهم، ولعل السببَ في ذلك: أن الإمامَ مسلماً ذكرَ هذه القواعد بدون تكلُّف، على طريقة المتقدِّم ، وبدون تهذيبٍ وتحرير، فعبرََّ عن أفكارِه بطريقةٍ عفوية، فلم يُبالِ بتكرار الجمل، ولا الإيجاز المفيل، وأحياناً يذكر المبتدأ ثم يأتي بجملةٍ معترضةٍ طويلةٍ، ثم يذكر الخبر، وأحياناً يُقدِّمُ ويؤخِّرُ الصِّلات والمتعلِّقات. ونظراً إلى هذا الإغلاقِ في المقدمة، وكون المسائلِ المذكورةِ فيها مهمةً: اعتنى أهلُ العلم على مَرِّ العصور بشرح هذه الم قدمة، ومُن شرحَها: 1- محمد بن أحمد التجيبي (ت529هـ)، له«الإيجاز والبيان لشرح خطبة مسند مسلم». 2- محمد بن يَيى بن أبي بكر بن خلف المراكشي، المعروف بـ«ابن المواق» (ت642هـ 3- أحمد بن محمد القسطلاني (ت923هـ)، له«شرح خطبة مسلم». (1) ومن هذا الباب: خاتمةُ (جامع الترمذي)، التي هي كتاب (العلل)، الذي جعلَه في آخر جامعه، وختَمَه به، وقد تكلمَ فيه الإمامُ الترمذيُّ عن غرضه من كتابه، وشرط ه فيه، ومنهج ه الذي سلكَه، كما تكلم فيه عن كثيرٍ من المسائل العلمية الحديثية ومسائل العلل، وقد عدَّه بعضُهم أول تصنيفٍ في علم مصطلح الحديث. انظر: (الإمام مسلم) للشيخ مشهور حسن (1/348). قلت: لعل ذلك بالنظر إلى كثرة مسائل هذا العلم في تلك الخاتمة، وإلا فهناك مؤلَّفاتٌ في مسائل علم المصطلح ل مـمَن هم أقدم من الترمذيِّ، بل ومن الإمام مسلم، ككتب الإمام علي بن المديني (ت234هـ)، وقبله كتاب (الرسالة) للإمام الشافعي (ت204هـ

عدد الصفحات ٦٤