المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

المدخل الى صحيح الامام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى

محمد محمدي بن محمد جميل النورستاني

صفحة ٣ من ١٢

33    المدخل إلى صحيح الإمام مسلم ه للحديث ُ المبحث الأول: طلب أقبلَ الإمامُ مسلمٌ –رحمه الله تعالى- منذ صغره على سماع الحديث وحفظ ه، وكان أول سماعٍ له: سنة ثمان عشرة ومائتين (1) ، وكان عمرُه إذ ذاك اثنتي عشرة سنة، وطافَ على شيوخ بلده –وهم الموردُ الأقرب– وسمعَ الكثيرَ من مرويّات هم، وأولُ مَن سمعَ منه ببلده: يحيى بن يحيى بن بكير التميمي النيسابوري (ت226هـ)، وبشرُ بن الحكم النيسابوري (ت7أو238هـ)، وإسحاق بن راهوية (ت238هـ ولا شك أن سماعَه منهم ومن غيرهم من أهل بلده كان في هذه الفترة المبكّرة في طلب ه للعلم. ثم بدأت رحلاتُه، قال الذهبي: «وحجَّ سنة عشرين، فسمعَ من القعنبي، وهو أقدمُ شيخٍ له، ومن إسماعيل بن أبي أويس ...وجماعةٍ يسيرة، وردّ إلى وطنه» (2) . وفي طريق رجوع ه من الحج«سمع بالكوفة من أحمد بن يونس وجماعة وأسرعَ إلى وطنه» (3) ، ومكثَ فيها قرابة خمس سنوات، ثم ارتحل، كما سيأتي في وصف رحلاته وقد أدام الاختلافَ إلى مَن حوله من الشيوخ، سواء في ذلك شيوخُ مدينت ه نيساب ور، أو شيوخ بلاد ه خراسان عامةً، التي برزَ فيها ابتداء من القرن الثالث أغلبُ أئمة الحديث، وصارت أنشطَ مدارس ه روايةً ونقداً وتدويناً (4) . (1) انظر: (تاريخ الإسلام6/431)، (السير12/558.) (2) (تاريخ الإسلام6/431.) (3) (السير12/558.) (4) انظر: (الإمام مسلم ومنهجه في صحيحه) للطوالبة (ص18)، (الإمام مسلم) للشيخ مشهور (1/27-28.)

عدد الصفحات ٣٣

المدخل إلى صحيح الإمام مسلم   34  ه ُ المبحث الثاني: رحلات يُعَدُّ الإمامُ مسلمٌ –رحمه الله تعالى-من الأئمة الرحَّالين، قال النوويُّ عنه: «أحدُ أعلام أئمة هذا الشأن، وكبار المبرّزين فيه، وأهل الحفظ والإتقان، والرّحّالين في طلب ه إلى أئمة الأقطار والبلدان» (1) . وقد ابتدأت رحلاتُه بالحجاز، وكانت في سنٍّ مبكّرة؛ إذ كانت وعمرُه 14) عاماً، في سنة (220هـ)، وكان إذ ذاك أمردَ، وكانت لأداء فريضة الحج ثم رحلَ بعد خمس سنواتٍ من ذلك في حدود ( 225هـ)، قال الذهبي«ثم رحلَ حدود الخمس وعشرين ومئتين، فسمع من عليِّ بن الجعد (2) ، ولم يَرو عنه في صحيحه؛ لأجل بدعةٍ ما، وسمع من أحمد بن حنبل...» (3) . وفيما يلي ذكرُ أبرز محطات رحلاتِه، مع بيان أبرز مَن سمع منهم فيها مكة المكرمة: سمع بها: عبدَ الله بن مسلمة القعني (ت 221هـ)، وسعيدَ بنَ منصور (ت 227هـ)، والقعنبيُّ أكبرُ شيوخه المتق نين؛ لكونه قد سمع من سَلَمة بن وردان الليثي أحد التابعين، لكن سلَمة ليس من الج لَّة الثقات، فلذا لم يُور د مسلمٌ في صحيحه شيئاً من الثلاثيات، مع وقوع واحدٍ منها عند الترمذيِّ، وهو ممن روى عن الإمام مسلم (4) . (1) (تهذيب الأسماء واللغات2/91)، و(شرح صحيح مسلم1/10.) (2) وهو بغدادي، مما يعني أن هذه الرحلة كانت إلى بغداد، كما سيأتي بيانُه (3) (تاريخ الإسلام6/431.) (4) انظر: (غنية المحتاج) (ص32-33.)

عدد الصفحات ٣٤

35    المدخل إلى صحيح الإمام مسلم المدينة النبوية: وسمع بها: إسماعيلَ بن أبي أويس (ت 226هـ) وغيرَه البصرة: قال الذهبيُّ في ترجمة أحمد بن سلمة (ت 286هـ) إنه«رفيقُ مسلمٍ في الرحلة إلى بلخ وإلى البصرة»، وسمعَ بها من القعنبيِّ وغي ر ه، ولعله يكون سمع منه في أواخر أيام حياته (1) . بغداد قدم الإمام مسلمٌ إلى بغداد مرات عديدة؛ لأنها مركزُ الخلافة والحضارة والعلوم، فكان العلماءُ يأتونها من كلِّ مكان، وسمعَ بها من الإمام أحمد بن حنبل (ت 242هـ) وغير ه، وروى عنه أهلُها (2) ، وأولُ قدوم ه إلي ها كان سنة (225هـ)، وهي أول رحلةٍ له بعد رحلة الحج، وآخرُ قدومه إليها كان سنة (259هـ (3) . بلخ (4) : رحلَ إليها بصحبة رفيق ه أحمد بن سلمة (ت 286هـ)، كما صرّح بذلك الذهبي، وكانت رحلتُه إلى قتيبة بن سعيد البَغْلاني (5) (ت240هـ)، كما صرّح بذلك الخطيب (6) . (1) انظر: (الإمام مسلم ومنهجه في صحيحه) للطوالبة (ص/30.) (2) (تاريخ بغداد13/101.) (3) انظر: (تاريخ بغداد13/101)، (وفيات الأعيان5/194)، (شذرات الذهب3/270.) (4) (تذكرة الحفاظ2/637)،و(بلخ) بلدةٌ معروفةٌ في شمال أفغانستان، ما زالت تحتفظُ باسمها، قاعدتُها –الآن– مدينةُ (مزار شريف!)، وقد أنشئت الأخيرةُ (مزار شريف!) على أربعة عشر ميلاً إلى الشرق من (بلخ) القديمة، كما أنّ المدينة القديمة ما زالت قائمة. وكانت (بلخ) إحدى حواضر الدنيا المعروفة، لم يكن لها نظيرٌ في الحسن في ذلك الوقت إلا دمشق الشام، وكانت من أهمِّ مدُن خرا سان، ويَنتَس بُ إليها أعلامٌ لا يُحصون. (5) نسبة إلى مدينة (بغلان)، وهي من المدن الأفغانية المعروفة، تقع في شمال البلاد، وما زالت تحتفظُ باسمها وموقع ها، وتحملُ الآن اسمَ إحدى الولايات (المحافظات) الأفغانية. (6) (تاريخ بغداد4/186.)

عدد الصفحات ٣٥

المدخل إلى صحيح الإمام مسلم   36  الكوفة: سمع بها من أحمد بن يونس (ت227هـ (1) ، وعمر بن حفص بن غياث (ت221هـ (2) ، وقد جزمَ الذهبيُّ أنه سمع منهما في رحلة الحج الأولى سنة ( 220هـ (3) . مصر وسمعَ بها من حرملة بن يحيى (ت 244هـ)، وعمر بن سوَّاد (ت 254هـ)، وقد صرّح الإمامُ مسلم برحلته إليها حيث قال : «إنما نقموا عليه الوهبي (ت264هـ»، وقد نصَّ الحاكمُ على أنّ أحمدَ بنَ عبد الرحمن هذا قد اختلطَ بعد الخمسين ومائتَين بعد خروج مسلمٍ من مصر (4) ، فتكون رحلةُ الإمام مسلم إليها قبل هذا التاريخ. الري (5) : دخلَ مسلمٌ –رحمه الله تعالى -إليها أكثر من مرة، فدخلَها قبل سنة ( 240هـ لسماعه من محمد بن مهران الجمال (ت 239هـ)، ومحمد بن عمرٍو زُنَـيْج (ت 240هـ)، (1) (السير12/558.) (2) (المنتظم) لابن الجوزي7/137.) (3) (تاريخ الإسلام6/431.) (4) (صيانة صحيح مسلم) (ص97.) (5) بلدةٌ كبيرةٌ من بلاد الديلم، بين قومس والجبال، والنسبةُ إليها (الرازي)، وكانت –كما يقولُ الحمويُّ في (معجم البلدان) (3/132)-« :من أمهات البلاد وأعلام المدن، كثيرة الفواكه والخيرات»وكانت من أهمِّ المراكز العلمية، وكانت تقعُ في طريق قوافل الحجَّاج القادمة من: نيسابور، ومرو، وبلخ، وهراة، وغيرها من بلاد خراسان وماوراء النهر. وقد تعرَّضت للهَدم والخراب على أيدي التتار، وبعد خرابها انتقلَ سكَّانُها إلى مدينَتَيْ (ورامين) و(طهران) المجاو رَتَين، وكانت (طهران) –أو تهران-قريةً من قرى (الري)، ولكنها ازدهرَت بعد خراب الري. وفي ختام

عدد الصفحات ٣٦

37    المدخل إلى صحيح الإمام مسلم ودخلَها أيضاً بعد سنة خمسين ومائتَين عقب تأليف ه لصحيحه، وشيوع ه بين العلماء، ولم تـقـتـص رْ رحلة الإمام مسلم إلى الري على السماع فـقـط، بل كـان يُ ـذاكر العلماء، ويُعلِّمُ الناس. الشام: ذكرَ غيرُ واحدٍ ممن ترجمَ للإمام مسلمٍ أنه رحلَ إلى الشام (1) ، ولم يُفصِّلوا ذكرَ المدن التي دخلَها، إلاّ أنّ ابنَ عساكر قد جزمَ بدخوله مدينةَ دمشق (2) ، وترجمَ له فيه بناءً على سماع ه من محمد بن خالد السكسكي (3) ، وقال«وسمع بدمشق محمدَ بن خالد السكسكي، وكتبَ عنه من حديث الوليد بن مسلم » (4) ، بل ذكر عن شيخه الحسن بن محمد أبي نصر اليورناتي أنه قال: «دفعَ إليّ صالحُ بن أبي صالح ورقةً من لحاء شجرةٍ بخطِّ مسلم بن الحجاج قد كتبَها بدمشق من حديث الوليد بن م سلم» (5) . ولكنّ الإمام الذهبيَّ شكّكَ في ذلك، وقال «والظاهرُ أنه لقيه في الموسم، فلم يكن مسلمٌ ل يدخلَ دمشقَ فلا يَسمعُ إلاّ من شيخ واحد، والله أعلم » (6) . هذا ما قاله في (السير)، وقد ذكرَ فيه ما حكاه ابنُ عساكر عن شيخ ه أبي نصر اليورنا القرن الثاني عشر الهجري اتّخذَها محمد شاه –مؤسِّسُ الدولة القاجاريّة -عاصمةً لبلاد فارس. وتقعُ مدينة (الري) القديمة داخل حدود مدينة (طهران) اليوم، ويَنتَس بُ إليها من الأعلام خلقٌ لا يُحصَون. (1) انظر: (تاريخ بغداد13/100)، (طبقات الحنابلة1/337)، (وفيات الأعيان5/194)، (البداية والنهاية (14/552)، (شذرات الذهب3/270.) (2) وتبعَه غيرُه، انظر: (شذرات الذهب 3/270.) (3) انظر: (تاريخ دمشق) (58/85-95.) (4) (تاريخ دمشق58/85.) (5) المصدر السابق58/87.) (6) (السير12/562.)

عدد الصفحات ٣٧

المدخل إلى صحيح الإمام مسلم   38  أنّ صالح بن أبي صال ح دفعَ إليه ورقةً من لحاء شجرةٍ بخطِّ مسلم، ثم قال: «قلت: هذا إسنادٌ منقطعٌ لا يَثبت » ولكنه في (تاريخ الإسلام) قال تعليقاً على ما ذكرَه ابنُ عساكر عن شيخه اليورناتي: «إن صحَّ هذا فيكون دخلَ دمشقَ مجتازاً، ولم يُمك نه الـمُقام، أو مر ضَ بها ولم يتمكن من السماع على شيوخ ها » (1) . قال السخاوي–وهو في صدد ذكر رحلاته-: «وبالشام–فيما ذكرَه ابنُ عساكر الإمام – لكنه لم يذكر أنه سمعَ بها من أهل ها من غير واحد، وهو السكسكي محمدُ بنُ خالد، وذلك عجيبٌ مع وجود دُحيم، وهشام بن عمّار، ومَن في طبقت هما من أهل الضبط والت نقيب، ولذلك استبعَدَ دخولَه لها المزّيُّ (2) الحافظُ المُ فْ ه م، وقال: فلعله لقيه في الحجِّ بالموسم، إلاّ أنّ ابنَ عساكر ساق عن شيخ ه أبي نصر اليورناتيِّ قال: دفعَ إليَّ صالحُ بن أبي صالح ورقةً من لحاء شجرةٍ بخطِّ مسلمٍ قد كتبَها بدمشق من حديث الوليد بن مسلم، فإن صحَّ: فلعله دخلَها مجتازاً، ولم يمكنه المقامُ لإعجال سير ه، أو مَ ر ضَ بها فلم يتمكن من السماع بها على غير ه » (3) . وما ذكرَه الذهبيُّ والسخاويُّ من الاستشكال قويٌّ واردٌ، فمن البعيد أن يقتصر الإمامُ مسلمٌ على السماع من السكسكيِّ فقط بعد تلك الرحلة الط ويلة، ويرجع دون أن يحرص على السماع من دُحيم وأمثال ه، إلاّ أن يكون قد منعَه من المقام بها عذرٌ ما، كما (1) (تاريخ الإسلام6/432.) (2) كذا في المطبوع من (غنية المحتاج) للسخاوي (ص/31)، ولم أجده في (تهذيب الكمال) في ترجمة الإمام مسلم، بل لم يذكر المزيُّ السكسكيَّ ضمن شيوخ مسلم أصلاً، والذي أنكرَ دخولَه دمشق هو الذهبيُّ كما سبق. (3 )(غنية المحتاج في ختم صحيح مسلم بن الحجاج) للسخاوي (ص31-32.)

عدد الصفحات ٣٨

39    المدخل إلى صحيح الإمام مسلم أشارا إليه، فالذي يترجح – والعلمُ عند الله – صحة دخوله دمشق، وعدم توسعه في الرواية هناك لعذرٍ طارئ، والله تعالى أعلم. هذه المحطات هي التي وردَ ذكرُها في المصادر، ولا يُستبعد أن تكون رحلات الإمام مسلم قد شملت مدناً وأقاليم أخرى أيضاً؛ لأنّ قائمةَ شيوخه الطويلة تحوي كثيراً من الأنساب إلى البلدان لم تَر د فيما سبق، والله تعالى أعلم. ه في الفروع ُ المبحث الثالث: مذهب قال السخاويُّ -وتبعَه القلعي-: «والظاهرُ أنه –رحمه الله-كان على طريقة الأئمة من أهل الآثار في عدم التقليد، بل سلك الاختيارَ... وممن قال إنه على مذهب أهل الحديث وليس بمقلِّدٍ لواحدٍ بعينه من العلماء، ولا هو من الأئمة المجته دين على الإطلاق: التقيُّ ابنُ تيمية (1) –رحمهما الله وإيّانا-» (2) . وسئلَ شيخُ الإسلام ابنُ تيمية –رحمه الله تعالى- عن البخاريِّ ومسلم وأبي داود والترمذي والنسائي...هل كان هؤلاء مجته دين لم يقلدوا أحداً من الأئمة، أم كانوا مقلِّدين ؟ فأجاب: «أما البخاريُّ وأبوداود: فإمامان في الفقه من أهل الاجتهاد وأما مسلم، والترمذي، والنسائي، وابنُ ماجه..ونحوهم: فهم على مذهب أهل الحديث، ليسوا مقلِّدين لواحدٍ بعين ه من العلماء، ولا هم من الأئمة المجته دين على (1) يقصد شيخَ الإسلام (2) (غنية المحتاج في ختم صحيح مسلم بن الحجاج) للسخاوي (ص36-37)، (ذكر مناقب الإمام مسلم) للقلعي (1/ب-2/أ

عدد الصفحات ٣٩

المدخل إلى صحيح الإمام مسلم   40  الإطلاق، بل هم يميلون (1) إلى قول أئمة الحديث، كالشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي عبيد، وأمثال هم...» (2) . العلماء علي ُ ه، وثناء ُ المبحث الرابع: مكانته الإمامُ مسلمُ بنُ الحجاج أحدُ أركان علم الحديث، وأحدُ أئمت ه البارزين فيه، وممن رفع الله ذكرَه في العالمين. كانت علاماتُ الذكاء والنبوغ باديةً عليه وهو في ح لَق العلم، مما جعلَ أحدَ أجلّة أئمة الحديث يقولُ فيه بالفارسية ما معناه: «أي رجلٍ هذا؟» (3) . وقال له شيخُه إسحاق بن منصور الكوسج: «لن نَعدَمَ الخيرَ ما أبقاكَ ا للمسلمين» (4) . بل قال أحمد بن سلمة بن الفضل«رأيتُ أبا زرعة وأبا حاتم يُقدِّمان مسلمَ بنَ الحجاج في معرفة الصحيح على مشايخ عصر هما » (5) . وهذه شهادة عظيمةٌ من شيخَيه، وهما من أبرز أئمة عصره ما في الحديث على الإطلاق. (1) في المطبوع: (لا يميلون)، وهو خطأ، انظر: (صيانة مجموع الفتاوى) (ص159.) (2) (مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية20/39-40.) (3) (تاريخ بغداد13/102)، وهذه الترجمة– مع أنها هي المتداولة في جميع كتب التراجم التي ذكرت هذا القول – لا أظنها دقيقة؛ وذلك أنّ نصَّ كلام ابن راهويه – كما في (تاريخ بغداد)-هو: «مَرْدَكا بن بوذ »، والظاهر أنه مصحَّفٌ من «مردَكا بود»، والصحيح أن تُكتَب«مردَكَهْ بود»، ومعناه«كان رجلاً»ومعنى الجملتَين متقارب. والله تعالى أعلم. (4) (تاريخ الإسلام6/432.) (5) (تاريخ بغداد13/101)، (تهذيب الكمال27/506.)

عدد الصفحات ٤٠

41    المدخل إلى صحيح الإمام مسلم وقال محمد بن عبد الوهاب الفراء –وهو أكبرُ منه-: «كان مسلم بن الحجاج من علماء الناس وأوعية العلم، ما علمتُه إلاّ خيراً » (1) . وقال أبو قريش الحافظ (2) « :سمعتُ محمدَ بنَ بشار يقول: حُفَّاظُ الدنيا أبو زرعة بالري، ومسلمٌ بنيسابور، وعب د الله الدارمي بسمرقند، ومحمد بن إسماعيل ب بُخارى» ومحمد بن بشار من شيوخ الإمام مسلم، بل هو شيخُ الأربعة المذكورين في كلامه، وكان يفتخرُ بكونهم حملوا عنه (3) . وقال أبو عبد الله محمدُ بنُ يعقوب الأخرم «إنما أخرجَت نيسابور ثلاثةَ رجال محمد بن يحيى الذهلي، ومسلم بن الحجاج، وإبراهيمَ بنَ أبي طالب » (4) . وقال ابنُ أبي حاتم«كتبتُ عنه بالري، وكان ثقةً من الحفاظ، له معرفة بالحديث » (5) . وقال الخطيب«أحدُ الأئمة من حُفَّاظ الحديث » (6) ، وقال السمعا«أحدُ أئمة الدنيا، المشهورُ كتابُه في الشرق والغرب... » (7) . وقال ال قاضي عياض: «هو أحدُ أئمة المسلمين، وحُفَّاظ المحدِّثين، ومُ ـتـق ـني المصنِّ ـفين، أثـنى عليه غيرُ واحدٍ من الأئمة المت ـقـدمين والمتـأخرين، (1) (تاريخ دمشق58/89)، (تهذيب التهذيب10/115.) (2) هو محمدُ بنُ جمعة بن خلف القُه سْتا 313هـ)، وصفَه الذهبيُّ بأنه «العلامة، الحافظ الكبير، صاحب التصانيف» انظر: (سير أعلام النبلاء14/304.) (3) كما صرّحَ به الذهبيُّ في (السير 12/227 )– في ترجمة الدارمي-. (4) (تاريخ الإسلام) للذهبي6/433.) (5) (الجرح والتعديل) له8/182-183.) (6) (تاريخ بغداد13/100.) (7) (الأنساب) للسمعا4/506-القشيري

عدد الصفحات ٤١

المدخل إلى صحيح الإمام مسلم   42  وأجمعوا على إمامت ه، وتقدُّم ه، وصحة حديثه، وتمييز ه، وثقت ه، وقبول كتاب ه » (1) . وقال ابنُ عساكر «الحافظ، صاحبُ الص حيح، الإمام المبرّز، والمصنِّفُ المميز، رحلَ، وجمعَ، وصنَّف » (2) . وقال النووي«أجمعوا على جلالت ه، وإمامت ه، وعلوِّ مرتبت ه، وأكبرُ الدلائل على ذلك: كتابُه (الصحيح)، الذي لم يوجَد في كتابٍ قبله ولا بعده من حسن الترتيب، وتلخيص طرق الحديث » (3) . وقد نعتَه ال ذهبيُّ بأوصافٍ عدّةٍ تدل على مكانة هذا الإمام، فمما قال عنه إنه: «الإمام، الحافظ، حجة الإسلام» (4) ، وقال«الإمام الكبير، الحافظ، المجود، الحجة» (5) ، وقال: «أحدُ أركان الحديث » (6) . بل قال – في ترجمة الإمام يحيى بن يحيى النيسابوري شيخ مسلم -: «لم يكن بخراسان مثلُه إلاّ إسحاق، ولا بعد إسحاق مثل الذهلي، ولا بعد الذهليِّ كمسلم (7) ، و (1) (مقدمة (إكمال المعلم) (ص96.) (2) (تاريخ دمشق) لابن عساكر (58/85.) (3) (تهذيب الأسماء واللغات2/90.) (4) (تذكرة الحفاظ2/588)، وبمثله قال ابنُ عبد الهادي في (طبقات علماء أهل الحديث2/286.) (5) (سير أعلام النبلاء12/557.) (6) (العبر في خبر مَن غبَر2/23.) (7) وجودُ أمثال البخاري في هذه الطبقة لا يُشكل على كلام الذهبي؛ لأن البخاريَّ ليس من أهل خراسان؛ لأن (بخارى) تقع في ما وراء النهر، و(ما وراء النهر) هي الحدُّ الشماليُّ والشمالُ الشرقيُّ لإقليم (خراسان)، ولا يُعكِّرُ على هذا قولُ طاش كبرى زاده –في (مفتاح دار السعادة) (2/119)- عن الإمام مسلم أنه «إمامُ خراسان في الحديث بعد البخاري»؛ لأنه من باب التوسع، وليس دقيقاً في التعبير، ومع ذلك فقد عدَّ كثيرٌ من الأئمة الإمامَ البخاريَّ من أعلام

عدد الصفحات ٤٢

43    المدخل إلى صحيح الإمام مسلم بعد مسلمٍ كمحمد بن نصر المروزي، ولا بعد ابن نصر كابن خزيمة، ولا بعده كأبي حامد بن الشرقي، ولا بعده كأبي بكر الصِّ بْغي» (1) . هذه طائفة يسيرة من أقوال الأئمة في الإمام مسلم بن الحجاج،وهي تبين ما تبوّأه الإمامُ مسلمٌ: من المكانة العالية البارزة في علم الحديث، حتى استحقَّ أن يُقال عنه إنه «إمام أهل الحديث » (2) ، وب ـأن يُحشَرَ مع مَ ـن ح ـازوا على ل ـقب «أمـير المؤمنين في الحديث» (3) . المبحث الخامس: شيوخ الإمام مسلم رحلاتُ الإمام مسلم إلى تلك الأقط ار المختلفة من العالَـم الإسلام مكَّنته من اللقاء بعددٍ كبيرٍ من الأئمة والشيوخ، والأخذ منهم، قال الإمامُ الذهبيُّ –بعد أن ذكرَ بعضَ شيوخه-: «وسمعَ من خلقٍ كثيرٍ من العراقيين، والحجازيين، والشاميين، والمصريين، والخراسانيين، فسمَّى له شيخُنا في (تهذيب الك مال) (4) مئتَين وأربعةَ عشر شيخاً، ورأيتُ بخط حافظ أنه قد روى في (صحيحه) عن مئتَين وسبعةَ عشر» (5) . وسردَ في (السير) شيوخَه على المعجَم، ثم قال «وع دَّتُهم مئتان وعشرون رجلاً، أخرجَ عنهم في الصحيح » (6) . خراسان، وهذا من باب التوسُّع (1) (سير أعلام النبلاء10/519.) (2) كما صرح به النوويذيب الأسماء واللغات) (2/89-90.) (3) انظر: (هدية المغيث في أمراء المؤمنين في الحديث) (ص28)، (الإمام مسلم) للشيخ مشهور1/49.) (4( )27/499-504.) (5) (تاريخ الإسلام) للذهبي6/431 )– بتصرف يسير-. (6) (سير أعلام النبلاء12/558-561.)

عدد الصفحات ٤٣

المدخل إلى صحيح الإمام مسلم   44  ثم قال«وله شيوخٌ سوى هؤلاء، لم يُخرج عنهم في (صحيحه)، كعليِّ بن الجعد، وعليِّ بن المديني، ومحمد بن يحيى الذهلي » قلت: ومن أبرز مَن لم يذكره المزيُّ والذهبيُّ في قائمة شيوخه الطويلة: شيخُه الإمام البخاري؛ فإنهما لم يذكراه لكون مسلم لم يَرو عنه في (صحيحه)، وكذلك محمد بنُ مسلم بن وارة. وقد سردَ الدكتور محمد ط والبة أسماءَ ( 222) من شيوخ ه، مع بيان درجت ه وسنة وفات ه (1) ، وزادَ عليه الشيخ مشهور بن حسن آل سلمان فسردَ أسماءَ 219) شيخاً ممن روى عنهم في (الصحيح) (2) ، و26) ممن روى عنهم خارج(الصحيح)، كما استدركَ على مَن أخطأ فذكرَ غيرَهم مع أنهم ليسوا من شيوخه (3) . وسأذكرُ فيما يلي بعضَ شيوخ ه الذين أكثرَ عنهم في (صحيحه)، مرتَّبين حسب كثرة روايات هم فيه، مع ذكر مراتبهم في التوثيق –حسب ما وردَ في (التقريب)-فمنهم: 1- عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن أبي شيبة بن عثمان بن خواستي، أبو بكر العَبْسي الكوفي، «ثقة حافظ، صاحبُ تصاني ف»، (ت235هـ)، وهو الأولُ من حيث عدد الروايات في (صحيح مسلم)، روى عنه (1540) حديث 2- زهير بن حرب بن شدّاد، أبو خيثمة النسائي الحافظ، «ثقة ثبت»، (ت234هـ)، وهو الثاني من حيث الكثرة، روى عنه (1281) حديث (1) انظر: (الإمام مسلم ومنهجُه في صحيحه) له (ص/ 43-76.) (2) انظر: (الإمام مسلم ومنهجه في الصحيح وأثره في علم الحديث) له1/56-101.) (3) المصدر السابق1/104-111.)

عدد الصفحات ٤٤

45    المدخل إلى صحيح الإمام مسلم 3- محمد بن المثنى بن عبيد بن قيس بن دينار، أبو موسى العَنَزي البصري الزَّم ن، «ثقة ثبت»، ماتَ سنة 252هـ) على الراجح، روى عنه772) حديث 4- قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف الثقفي، أبو رجاء البلخي البَغلاني،«ثقة ثبت»، (ت240هـ)، روى عنه668) حديثاً، سمع منه ببلخ، كما قدمتُ، وبنيسابور أيضاً، كما قال الخليلي (1) . 5- محمد بن عبد الله بن نُمَيْر، أبو عبد الرحمن الهمداني الكوفي، «ثقةٌ حافظٌ فاضل »، (ت234هـ)، روى عنه573) حديث 6- محمد بن العلاء بن كُرَيب، أبو كُرَيب الهَمداني الكوفي، «ثقة حافظ»، (ت248هـ فيما قاله البخاري، وقال غيرُه: (ت 247هـ)، روى عنه556) حديث 7- محمد بنبشار بن عثمان بن داود بن كيسان، الملقَّب بـ(بُندار)، أبو بكر العبدي البصري، «ثقة»، (ت252هـ)، روى عنه460) حديث 8- محمد بن رافع بن أبي زيد، أبو عبد الله القُشيري النيسابوري، «ثقة عابد »، (ت245هـ)، روى عنه362) حديث 9- محمد بن حاتم بن ميمون، أبو عبد الله المؤدب البغدادي، المعروف بالسَّمين، مروزي الأصل، «صدوقٌ ربما وهم »، (ت235هـ)، روى عنه300) حديث 10- علي بن حُجر بن إياس، أبو الحسن السعدي المروزي، «ثقةٌ حافظ»، (ت244هـ [241هـ188) حديث (1) في (الإرشاد3/936.)

عدد الصفحات ٤٥

المدخل إلى صحيح الإمام مسلم   46  11- محمد بن إسحاق بن جعفر، أبو بكر الصاغا (1) ، نزيل بغ داد، «ثقة ثبت »، (ت270هـ)، روى عنه 32) حديثاً، وقد أكثرَ عنه تلميذُه الإمام أبو عوانة (مستَخرَج ه) على صحيح الإمام مسلم. 12- الإمام أحمد بن محمد بن حنبل (ت241هـ)، روى عنه18) حديث ومما يُلاحَظ في علاقة الإمام مسلمٍ مع مشايخِه: أولاً: أنه روى عن بعض هم ف أكثر، كما سبق سردُ أسمائ هم مع بيان عدد مرويات هم. بينما لم يَرو عن بعض هم إلا حديثاً أو حديثين، فمثلاً: لم يَرو عن جعفر بن حميد العبسي، وعبد الملك بن عبد العزيز أبي نصر التمار: إلا حديثاً واحداً، وكذلك عن قطن بن نسير، روى عنه حديثاً واحداً في فضل ثابت بن قيس بن شماس. ثانياً: روى عن بعض شيوخه المذكور ين في س نٍّ مبكّرة، ولذا تجد أنه روى عنهم أنفسهم بواسطة أيضاً، مثل: عبد الله بن مسلمة القعنبي، وعمر بن حفص بن غياث، وإسماعيل بن أبي أويس، ويحيى بن معين. وفي المقابل تأخَّرَ في لُقيِّ بعض المحدثين فلم يُدر كْ هم، وكان بإمكانه الرواية عنهم بغير واسطة، إلا أنه روى عن رجـلٍ عنه، كما وقعَ له مع موسى بن إسماعيل التبوذكي (2) ، (1) ويُقال أيضاً (الصغاني)، نسبة إلى بلادٍ مجتمعةٍ وراء نهر جيحون–المعروف بـ(آمو)-يُقال لها (جغانيان)، وتُعرَّبُ فيُقال لها (الصغانيان). وهي كورةٌ عظيمةٌ واسعة، تقع الآن في جمهورية (أوزبكستان)، وكانت قصبتُها تحملُ اسمَها، تقع إلى الشمال الشرقيِّ من مدينة (ترمذ)، على أربع وعشرين فرسخاً، وقد اختفى اسمُها تماماً من الخريطة بحلول القرن ا لثامن الهجريِّ، وربما كانت تشغلُ الموضعَ الذي تشغلُه مدينةُ (دهن و) الحديثة، في الجنوب الغربيِّ من (أوزبكستان). (2) انظر: (سير أعلام النبلاء10/362.)

عدد الصفحات ٤٦

47    المدخل إلى صحيح الإمام مسلم ومع عبد العزيز بن عبد الله الأويسي (1) . ثالث قال الإمام الذهبي: «ليس في (صحيح مسلم) من العوالي إلا ما قلَّ، كالقعنبي عن أفلح بن حميد، ثم حديث حماد بن سلمة، وهمَّام، ومالك، والليث، وليس في الكتاب حديثٌ عالٍ لشعبة، ولا للثوري، ولا لإسرائيل. وهو كتابٌ نفيس كاملٌ في معناه، فلما رآه الحفاظ أُعج بوا به، ولم يسمعوه لنزوله، فعَمَدوا إلى أحاديث الكتاب، فساقوها من مرويَّات هم عاليةً بدرجةٍ وبدرجتَين، ونحو ذلك، حتى أتوا على الجميع كذلك، وسمَّوه (المستخرج على صحيح مسلم)، فعلَ ذلك عدةٌ من فرسان الحديث...» (2) . وإذا قارنَّا صحيحَ الإمام مسلمٍ بصحيح الإمام البخاريِّ في هذا الجانب -العلو– نرى الفرقَ الشاسعَ بين الكتابَين، ومما يوضِّحُ هذا البونَ بينهما في العلو: م ا ذكرَه الحافظُ ابنُ حجر في (الفتح) عند (ح/ 4473 )–وقد أخرجَه البخاريُّ عن أحمد بن الحسن الترمذيِّ، عن الإمام أحمد -قال الحافظُ: «وكذا أخرجَه مسلمٌ عن أحمدَ نفس ه، وهو أحدُ الأحاديث (الأربعة) التي أخرجَها مسلمٌ عن شيوخٍ أخرجَ البخاريُّ تلك الأحاديثَ بعينها عن أولئك الشيوخ بواسطة، ووقعَ من هذا النمط للبخاريِّ أكثر من مائتَي حديث، وقد جرَّدْتُها في جزءٍ مفرد » (3) . فماذا تمثِّلُ الأربعةُ التي يعلو فيها الإمامُ مسلمٌ على الإمام البخاريِّ على النحو المذكور في مقابل علوِّ البخاريِّ على مسلم على النحو المذكور في أ كثر من مائتَيْ حديث؟! (1) انظر: المصدر السابق1/389.) (2) (سير أعلام النبلاء12/568-569.) (3) (فتح الباري7/760.)

عدد الصفحات ٤٧

المدخل إلى صحيح الإمام مسلم   48  بل إنّ (سننَ الإمام أبي داود) أكثرُ عواليَ نسبةً إلى صحيح الإمام مسلم، ففيه أحاديثُ كثيرة رواها أبو داود عن كبار تلاميذ شعبة والثوري، ولذلك فإنَّ الرُّباعيَّات في (سنن أبي داود) أكثر منها في (صحيح مسلم). الإمام ُ المبحث السادس: تلاميذمسلم تلاميذ الإمام مسلمٍ –رحمه الله تعالى-كثيرون، ولا غرابة في ذلك؛ فهو أحدُ أئمة هذا الشأن، وقد سرد المزيُّ في (تهذيب الكمال) أسماءَ ( 35) منهم (1) ، وسردَ الدكتور محمد طوالبة منهم (38) تلميذاً (2) . وسأذكرُ هنا بعضَ تلاميذِه الكبار أو المشهورين، فمن تلاميذه الأكابر: 1- الإمام أبو حاتم الرازي (ت277هـ 2- الإمام ابنُ أبي حاتم الرازي (ت 327هـ)، صاحبُ كتاب (الجرح والتعديل 3- الإمام أبو بكر ابن خزيمة (ت311هـ)، صاحبُ (الصحيح 4- الإمام أبو عيسى الترمذي (ت 272هـ)، صاحبُ (الجامع)، وقد روى عنه حديثاً واحداً في (جامع ه). 5- الإمامأبو عوانة الإسفراييني (ت316هـ)، صاحبُ (المستَخْرَج الإمام مسلم ُ المبحث السابع: مؤلفات الإمامُ مسلمٌ –رحمه الله تعالى - من المكث رين في التصنيف في الحديث –روايةً ودرايةً -وفي علومه المختلفة، كأوهام المحدِّثين، وأسمائهم، وطبقات هم، وكُناهم، (1) (تهذيب الكمال27504-505)، وكذلك الذهبيُّ في (سير أعلام النبلاء 12/562-563.) (2) انظر: (الإمام مسلم ومنهجه في صحيحه) له (ص77-82)، وزاد عليه الشيخ مشهور حسن في (الإمام مسلم ومنهجه في الصحيح) (1/182-225)، وسردَهم مترج ماً لكل واحدٍ منهم ترجمةً ضافية

عدد الصفحات ٤٨