17 المدخل إلى صحيح الإمام مسلم الباب الأول ة َّ اج الشخصي َّ حياة الإمامِ مسلمِ بنِ الحج وفيه فصلان الفصل الأول: سيرة الإمام مسلم بنِ الحجَّاج الشخصِيِّة. الفصل الثاني: حياة الإمام مسلم بن الحجَّاج العِلْمِيَّة.
عدد الصفحات ١٧المدخل إلى صحيح الإمام مسلم 18 الفصل الأول ة َّ اج الشخصي َّ سيرة الإمام مسلم بن الحج وفيه ستةُ مباحث: المبحث الأول: اسمُه، ونسبُه، ونسبتُه، وكنيتُه. المبحث الثاني: بلده. المبحث الثالث: ولادتُه. المبحث الرابع: نشأتُه وأسرتُه. المبحث الخامس: شمائلُه. المبحث السادس: وفاتُه.
عدد الصفحات ١٨19 المدخل إلى صحيح الإمام مسلم المبحث الأول: ه ُ ه وكنيت ُ ه ونسبت ُ ه ونسب ُ اسم هو الإمام مُسلِمُ بن الـحَجَّاج بن مُسملِم بن ورد بن كوشاذ، القشيري، أبو الحس الخراساني النيسابوري. وقد ذهب أكثرُ المؤرخ (1) إلى أن الإمام مسلماً–رحمه الله تعالى- قشيريُّ صَلِيبَةً، وهذه النسبةُ إلى بني قُشَيرم، إحدى القبائل العربية المعروفة، التي يُنسَب إليها كثيرٌ من العلماء. ونسبةُ الإمامِ مسلمٍ هذه نسبةُ أصل، بفيلاف الإمام البفياريِّ؛ فإن نسبتَه إلى الجُعمفيِّ نسبةُ ولاء، ولهذا لَـماَّ ذَكَرَ الإمامُ ابنُ الصلاح أن أولَ مَن ألَّفَ في الصحيحِ هو الإمامُ البفياريُّ، ثم الإمام مسلم؛ قال: «أولُ مَن صَنَّفَ الصحيحَ: البفياريُّ أبو عبد الله محمد بن إسماعيل الجعفيُّ مولاهم، وتلاه أبو الحس مسلمُ بنُ الحجَّاج النيسابوريُّ الق شيريُّ من أنفسِهم » (2) . المبحث الثاني: بلده الإمامُ مسلمٌ خراسانيٌِّ، من مدينة (نيسابور)، وهي مدينةٌ عظيمةٌ ذات فضائل جسيمة، معدن الفضلاء، ومنبع العلماء، وكانت قبل تدمير التتار لها من المراكز العلمي ةِ المهمة، لا سيما في علم الحديث، وصفَها الإمام الذهبيُّ ب أنها «دار السنة والعوا» (3) ، (1) لم أرَ مَن خالف ذلك إلا ما نقله التجيبيُّ في (برنامجه) (ص/ 93) عن العلامة عبد المؤمن بن خلف الدمياطي (ت705هـ)، ومال إليه تلميذُه الإمامُ الذهبيُّ في (السير) ( 12/558) أنّ الإمامَ مسلماً كان من موالي قشير، ولم أرَ مَن تابعَهما على ذلك، فالصحيحُ أنه قشيريٌّ صَليبةً. راجع ما كتبه الشيخ عبد الرحمن السديس في بحثه المعنون (التعريف بالإمام مسلم، وكتابه الصحيح: منهجه، ميزاته، طبعاته، شروحه، وما ألف حوله)، وهو منشورٌ في موقع (أهل الحديث). (2) (علوم الحديث) المعروف بـ(مقدمة ابن الصلاح) (ص29.) (3) (امصار ذوات الآثار) للإمام الذهبي (ص/205)، وعنه السخاويُّ في (الإعلان بالتوبيخ) (ص 666.)
عدد الصفحات ١٩المدخل إلى صحيح الإمام مسلم 20 وتخر جَ منها أئمةٌ لا يَُصون من الفقهاء والمحدث والعلماء، وقد أفردَ الإمامُ الحاكمُ النيسابوريُّ (ت 405هـ) لترجْة علمائها كتابَه العظيم (تاري نيسابور)،وهذا الكتاب من أهمِّ كتب الرجال التي لا تزال مفقودةً إلى الآن (1) . قال السمعاني: «وقد جْعَ الحاكمُ تاري َ علمائِها في ثمان ية للداتٍ ضفيمة » (2) ، وقال السبكي: «كانت نيسابور من أجلِّ البلاد وأعظمِها، ولم يكن بعد بغداد مثلها، وقد عملَ لها الحافظُ أبو عبد الله الحاكم تاريخاً تخضعُ له جهابذةُ الحفاظ، وهو عندي سيدُ التواري » (3) . وقال أيضاً: «وهو عندي أعود الـتواري على الـفقهاء بفائـدة، ومَن نظـرَه عرفَ تفنُّنَ الرجل في العلوم جْيعِها» (4) . واختصََه عددٌ من الأئمة، منهم الحافظُ أبو بكر محمد بن موسى الحازمي (ت 584هـ)، وسماَّه «مقتضب تاري نيسابور» (5) ، ومنهم الإمام الذهبي، كما ذكرَ في مقدمته لتاري الإسلام وسير أعلام النبلاء. واختصََه أيضاً الإمام أبو الحسن عبدُ الغافر بن إسماعيل الفارسي (ت529هـفي كتابه (السياق لتاري نيسابور)، وقام بعمل منتفيبٍ منه الحافظُ أبو إسحاق إبراهيم بن محمد (1) لم يوجد منه إلا ترجمة فارسية مختصرة، لمحمد بن حسين بن أحمد المعروف بالخليفة النيسابوري (كان حيا سنة 717هـ)، وقد جمعَ الباحث مازن البيروتي الطبقةَ السابعةَ من تا ريخ نيسابور – وهم شيوخُ الحاكم – وطبعها في مجلد مستقل. (2) (الأنساب5/550.) (3) (طبقات الشافعية الكبرى1/173.) (4) المصدر السابق4/155.) (5) المصدر السابق1/295.)
عدد الصفحات ٢٠21 المدخل إلى صحيح الإمام مسلم بن الأزهر الصَ يفيني (ت 641هـوهو مطبو باسم (المنتفيب م ن السياق لتاري نيسابور)، وقد ترجمَ فيه لـ( 1678) عالِـماً ومدينةُ نيسابور من أجلِّ المدن وأعظمِها، قال عنها البشَّاريُّ (ت نحو 380هـ «بلدٌ جليلٌ، ومصٌَ نبيل، لا أعرفُ له في الإسلام من عديل؛ لما قد اجتمعَ فيه من الخلال، واتفقت فيه من الخصال، مثل سعة الرزق، ووسـع البقعة، وصحـة الـماء، وقو ة الهواء، وكثرة العلم ـاء، بلدُ الأجلَّ ـة والراسفي من الأئمة...» (1) . وقال عنها السمعاني (ت 562هـ«وهي أحسنُ مدينةٍ وأجْعُها للفييرات بفيراسان، والمنتسب إليها جْاعةٌ لا يَُصَون » (2) . وقال ابنُ حوقل (ت بعد 580هـ«وليس بفيراسان مدينة أصح هواءً، وأفسح فضاء، وأشد عمارةً، وأدوم تُارةً، وأكثر سابلةً، وأعظم قافلةً؛ من نيسابور » (3) . وقال عنها ياقوت الحموي (ت626هـ«وهي مدينةٌ عظيمةٌ ذاتُ فضائل جسيمة، معدن الفضلاء، ومنبع العلماء، لم أرَ فيما طوَّفتُ من البلادِ مدينةً كانت مثلها » (4) . وقال الحافظ عبد القادر الرهاوي«أمهاتُ مدائن خراسان أربع: نيسابور، ومرو، وبل ، وهراة» (5) . (1) (أحسن التقاسيم) للبشّاري (ص 314.) (2) (الأنساب5/550.) (3) (صورة الأرضبن حوقل (433.) (4) (معجم البلدان) له5/382.) (5) وهذه المدن الأربعة تقع– الآن-في ثلاثة دول، اثنتان منها – وهي: بلخ، وهراة – في أفغانستان، ونيسابور في إيران، ومرو في تركمانستان.
عدد الصفحات ٢١المدخل إلى صحيح الإمام مسلم 22 وقال هلالُ بنُ العلاء الرَّقِّي «شجرةُ العلم أصلُها بالحجاز، ونُقِلَ ورقُها إلى العراق، وثمرُها إلى خراسان » (1) . وهي مدينةٌ قديمةٌ جدًّا، بناها سابور الأول بن أردش ير بابكان، وجدَّدَ بناءَها سابور الثاني الساساني في المائة الرابعة للميلاد، وإليه تنسبُ المدينة، حيث إن (نيسابور) معرَّب من الفارسية «نِيمشَا ﭘُـومرم »، وهو مشتقٌّ من (نيوشاه ﭘُـومرم )، ومعناه: (شيء-أو عمل، أو موضع- سابور الطيب) (2) . وكانت تُعرَف أيضاً -في صدر العهد الإسلامي- بـ«أبرشَهمرم »، وبهذه التسمية ظهرت في الدراهم القديمة التي ضربهَا فيها الخلفاءُ الأمويون والعباسيون، وفيها يقولُ أبو تمَّام حبيب بن أوس الطائي: أَيَا سَهَري بليلَةِ أَبْرَشَهْرٍ ذَمَ ـمْتَ إليَّ نوماً في سواها وسماَّها المقدسيُّ وغيرُه باسم (إيرانمشَهمر)، أي: مدينة إيران، وذكرَ البشَّاريُّ أن هذا الاسم-(إيرانمشَهمر) -كان لقصبة مدينة نيسابور (3) . فُتِحت أيام عثمان بن عفان على يدِ ابن خالتِه الأمير عبدِ الله بن عامر بن كُرَيمز سنة 29هـ31هـ وقيل: فُتحت في أيام عمر بن الخطاب، على يد الأحنف بن قيس، وإنما انتقضت في أيام عثمان، فأرسلَ إليها عبدَ الله بن عامر ففتحَها ثانيةً. (1) (الإرشاد) للخليلي2/802.) (2) (بلدان الخلافة الشرقية) لـ(كي لسترنج(ص/424.) (3) (أحسن التقاسيم) للبشاري (ص314)، وانظر: (بلدان الخلافة الشرقية) لـ(كي لسترنج) (ص424.)
عدد الصفحات ٢٢23 المدخل إلى صحيح الإمام مسلم وقد اتَّسعت نيسابور بعد نقل الطاهريَّةِ دارَ إمارةِ خراسان من مدينتَي (مرو) و(بل ) إليها، يقول ابنُ حوقل: «وكانت دار الإمارة في قديم الأيام بمرو وبل إلى أيام الطاهرية، فإنهم نقلوها إلى نيسابور، فَعَمِرَت وكَبرَِت وغَزُرَتم، وعَظُمَت أموالهُا عند توطُّنِهم إيَّاها وقُطونهِم بها، حتى انتابهَا الكُتَّابُ والأدباءُ بمُقامِهم بها، وطرأ إليها العلماءُ والفقهاءُ عند إيثارِهم لها، وقد خرَّ جَت نيسابور من العلماء كثرةً، ونشأ بها على مَرِّ الأيام من الفقهاء من شُهِرَ اسمُه وسمقَ قدرُه وعلا ذكرُه » (1) . واستمرَّت نيسابور في ازمدِهارِها إلى سنة 548هـ، وفيها سُوِّيَت بالأرض، حيث أحرقَها الغُزُّ لـما أسروا الملكَ سَنجر ، قال الإمام الذهبي: «دار السنة والعوا ...وما زال يُرحلُ إليها، إلى أن دخلَها التتارُ، ثم مضَت كأن لم تكن » (2) . ثم استولى عليها أحدُ مُاليك سنجر فنقلَ الناسَ إلى محلةٍ منها يُقال لها «شاذيا»، وعمَّرَها وسَوَّرَها واستعادَت بذلك عمرانهَا . يقولُ ابنُ حوقل: «وسمعتُ في سنة ثمان وخمسمائة أن العمارةَ قد ات صلت إلى الموضع القديم» (3) . ثمبقيت على ذلك إلى سنة 618هـ، وفيها خرَّبها المغولُ وألحقوها بالأرض، ثم أعيد بناؤها، وما زالت إلى الآن. وهي تقع الآن في إيران، على بعد (50) ميلاً غربي مدينة«مشهد»، في أقصى الشمال الشرقيِّ من إيران، على الطري ق الرئيسية التي تصل طهران بمشهد، وهي قاعدة القسم (1) كتاب (صورة الأرض) (ص434.) (2) (الأمصار ذوات الآثار) (ص205.) (3) كتاب (صورة الأرض) (ص431.)
عدد الصفحات ٢٣المدخل إلى صحيح الإمام مسلم 24 الإيراني من خراسان اليوم، وعددُ سك انها اليوم يناهز المائة ألف نسمة، وتُسَمَّى الآن «نِيمشَا ﭘُـومرم » أمَّا (خراسان فمنطقةٌ واسعةٌ، وتقع الآن ضمن ثلاث دول، وهي : أفغانستان، وتركمانستان، وإيران. يََُدُّها م ن الجنوب الشرقيِّ: سلسلةُ جبال (هِندُ وكُ وش) الواقعةُ في أفغانستان، والتي تمتدُّ من الشرقِ إلى الغرب، لخذةً إلى الجنوب، فتفصل الشمالَ الأفغانيَِّ من جنوبِه، وجْيعُ الولايات (المناطق) الواقعةُ شمالَ هذه الجبالِ في أفغانستان، من (بدخشان) شرقاً إلى (هراة) غرباً : داخلةٌ في خراسان، وهي عبارةٌ عن السفوحِ الشمالي ةِ والغربي ةِ لجبالِ (هندوكوش) العالية. ويََدُّها من الجنوب الغربيِّ: مناطقُ (قوهِسم تان) في إيران، وهي الإقليمُ الجَبَلُِّّ ب هراة ونيسابور، ومناطقِ (قومس)، وهي كورةٌ كبيرةٌ واسعةٌ ب الريِّ (طهران) وني سابور في سفوح جبالِ طبرستان (البرز) الجنوبي ة. وهذا الجزءُ كلُّه في إيران، ويشملُ منطقت : الأولى: إقليم طبرستان، ويسم ى اليومَ (مازِنمدَران)، ويشملُ المنطقةَ المحصورةَ ب جبال (البرُز) وسواحلِ بحر (الخزر)، وأشهرُ مُدُنها -الآن−: ساري، وبَنمدَرم شاه، وجرج ان. الثانية: منطقة نيسابور، وتسم ى الآن (نيشابور)، وقد ضُمَّ إليها إقليمُ (قوهِستان)، وهي المعروفةُ اليومَ باسم (خراسان). ومِن أهمِّ مدُنه -الآن−: مَشمهَدم، طوس، نيسابور، سرخس
عدد الصفحات ٢٤25 المدخل إلى صحيح الإمام مسلم ويََُدُّها من الشرق: نهَرُ (جيحون)، والذي يُعرَفُ الآن بنهر (لمو)، وهذا النهرُ يُ سايِرُ أرضَ خراسان من الشرق، من بدايتها إلى نهايتها، فالمنطقةُ التي تُعرَفُ قديماً بـ(ما وراء النهر) ليست داخلةً في خراسان. ويََُدُّها من الشمال: صحراءُ (قراقوم) الواقعةُ في تركمانستان. ومن الغربِ: بحرُ الخزر، المعروف -الآن-ببحر (قزوين). والخلاصةُ: أن خراسان تشملُ الآن: 1 = جْيعَ الولاياتِ (المناطق) الواقعةَ على السفوح الشمالي ةِ والغربي ةِ لجبال (هندوكوش) في أفغانستان، وتزيدُ مساحةُ (خراسان الأفغانية) على ثلث مساحة أفغانستان، ومن مدنها: بل ، مزار شريف، هراة، بغلان، قندز، طالقان، جوزجان. 2 = وإقليمَي: (ماز ندران) و (خراسان) الواقعتَ في الشمال الشرقيِّ من إيران. 3 = وجْيعَ المناطقِ الواقعةَ جنوبَ صحراء (قراقوم) في تركمانستان ، وتشملُ القسم الأكبرَ من خراسان من حيث المساحة (1) . ه ُ المبحث الثالث: ولادت اختلفوا في ولادة الإمام مسلم على الرغم من اتفاقهم على سنةِ وفاتِه، والأقوال في ذلك أربعة: (1) ملخصاً من: (معجم البلدان2/401-405)، (خراسان) لمحمود شاكر، وخرائط المنطقة.
عدد الصفحات ٢٥المدخل إلى صحيح الإمام مسلم 26 القول الأول: إنه ولد سنة 201هـ القول الثاني: إن ولادتَه كانت سنة 202هـ القول الثالث: أنها كانت سنة 204هـ، جزم به ابنُ كثير وابن حجر في (التهذيب)، وغيرُهِا. القول الرابع : إنها كانت سنة 206هـ، وبه جزم الحاكمُ وابن الصلاح والن ووي وغيرُهم. وهذا القولُ هو الراجح، والقائلون به هم المعروفون بشدة عنايتِهم بالإمام مسلمٍ ومصنَّفاتِه (1) . ه ُ ه وأسرت ُ المبحث الرابع: نشأت نشأ الإمامُ مسلمٌ –رحمه الله تعالى- في بيت علم وجاه، فقد كان والدُه متصدِّراً لتربية الناس وتعليمِهم، قال تلميذُه محمدُ بنُ عبد الوهاب الفر اء (ت 272هـ«وكان أبوه الحجاج بن مسلم من المشيفية» (2) . ولا شك أن خيرَ والده في التعليم والتوجيه من شأنه أن يعُمَّ أهلَ بيته، فهم أولى الناس بفييره، وهذا الوسط العلمي المباشر من شأنه أن يغرس البذرة الأولى من بذر التعليم الأولية، ويكون دافعاً نحو حلقات التعليم واستكمالِ العلم من جهةٍ أخرى. (1) انظر التفصيل في: (الإمام مسلم) للشيخ مشهور بن حسن آل سلمان 1/16-19)، (الإمام مسلم ومنهجه صحيحه) للدكتور محمد طوالبة (ص/15-17.) (2) انظر: (تهذيب التهذيب10/127.)
عدد الصفحات ٢٦27 المدخل إلى صحيح الإمام مسلم وكانت عادةُ أهل ذلك العصَ أن يبعثوا بأبنائهم إلى الكُتَّاب لتعلُّم القرلن الكريم وحفظِه، وما يلزم ذلك من علوم اللغة العربية، وبعد الفراغ من هذه المرحلة: يخرجُ الطالبُ من الكُت اب ويبدأ الاختلافُ إلى الشي و والسمـا منهم، ولا أظنُّ مسلماً – رحمه الله تعالى- شذَّ عن ذلك المنهج. هذا الذي يمكن أن يُقال هنا، ولم تُسعِفنا المصادرُ عن طفولتِه بأكثر من هذا. أمّا أسرتُه: فلم يَرِد في المصادر التي ترجْت لهذا الإمام تفصيلٌ عن حياته العائلية، ولا عن أسرتِه، سوى ما ذكرَه الحاكم: «رأيتُ من أعقابِه من جهة البنات في داره » (1) ، وقال«و يُعقِب ذَكَراً » (2) . ه ُ المبحث الخامس: شمائل كان الإمامُ مسلمٌ –رحمه الله تعالى - عا َ الهِمَّة، كثيرَ النشاط، ذا صبرٍ في الطلبِ والتحصيل، وليس أدلَّ على ذلك من كثرة رحلاتِه وتطوافِه في ا لبلدان الإسلامية، كما سيأتي. ويدلُّ – أيضاً – على علوِّ هَِِّتِه، وصبرِه ونشاطِه: بحثُه الطويلُ عن حديث، حتى استغرقَ منه ليلةً بتمامِها، وقيل: إن وفاتَه كانت بسبب غَمٍّ أصابَه لعدم عثورِه على هذا الحديث، كما سيأتي عند الحديثِ عن وفاتِه ¬. ووُصِفَ ¬ بأنه ما اغتابَ أحداً في حياتِه، ولا ضربَ، ولا شتم (3) . (1) (سير أعلام النبلاء12/570.) (2) (معرفة علوم الحديث) (ص/52.) (3) انظر: (غنية المحتاج في ختم صحيح مسلم بن الحجاج) (ص29)، (فتح الملهم1/100.)
عدد الصفحات ٢٧المدخل إلى صحيح الإمام مسلم 28 وكان ¬ إماماً ثقة، جليل القدر، من كبار العلماء، يت سِمُ بالور والعبادة، والعلم الواسع، والاحتياطِ لدينه، لذلك عظُم في أع الناس، وعَلَت منزِلَتُه، وسَمَت مكانتُه. وكان إلى جانبِ ذلك شجاعاً، صدوقاً، وفِـي اً ، يقف إلى جانب الحقِّ وأهلِه في الشدائد والملِما ت، لقد وقفَ: إلى جانب الإمام البفياريِّ ينصَُه ويؤازِرُه، ويذودُ عنه، متحدِّياً في ذلك الموقفِ النبيلِ خصومَ البفياري، ولم يُبالِ بما لهم من نفوذٍ وقوةٍ وسلطان (1) . قال الخطيب«وكان مسلمٌ أيضاً يُناضِلُ عن الب فياريِّ حتى أوحشَ ما بينه وب محمد بن يَيى الذهلِّّ بسببِه »، ثم ذكرَ قصَّتَه مع الإمام محمد بن يَيى الذه (2) . أما صفاتُه الـخَلْقِيَّة : فقال الحاكم: «سمعتُ أبي يقول: رأيتُ مسلِمَ بن الحجاج يََُدِّثُ في (خان محمِش) (3) ، فكان تامَّ القامة، أبيض الرأسِ واللحي ة، يُرخِي طرفَ عمامتِه ب كتفيه» (4) . وقـال الـحاكم: سمعتُ أبا عبد الرحمن ال ـسلمي يقول: «رأيتُ شيفياً حسنَ الوجه (1) انظر: (الإمام مسلم) للشيخ مشهور1/24.) (2) (تاريخ بغداد13/103.) (3) هو متجرُه –رحمه الله تعالى-. ومن غرائب التصحيفات هنا: ما وقعَ في في المطبوع من (العبر) للذهبي (2/23) عن الإمام مسلم أنه«كان صاحب تجارة، وكان محسن نيسابور»، هكذا وقع في المطبوع، والصحيح أنّ الذهبيَّ قال «وكان صاحبَ تجارةٍ بخان محمش بنيسابور، وله أملاكٌ وثروة»، كما نقلَه عنه ابنُ العماد في (شذرات الذهب3/272 )– وقد تصحفمطبوعة الشذرات – هي الأخرى – إلى «بخان بحمس»- . وبناءً على هذا الخطأذكرَ الدكتور محمد طوالبة في كتابه القيم (الإمام مسلم ومنهجه في صحيحه) (ص/ 20 )– وتبعَه الشيخ مشهور بالحرف في (الإمام مسلم) (1/33 )– أن الإمام مسلم«كان كثيرَ الإحسان إلى الناس، ح تى وصفَه الذهبيُّ بأنه (محس نُ نيسابور)... »، ثم أحالا إلى (العبر) للذهبي (4) (سير أعلام النبلاء12/570)، (تهذيب التهذيب10/115.)
عدد الصفحات ٢٨29 المدخل إلى صحيح الإمام مسلم والثياب، عليه رداءٌ حسَن، وعمامةٌ قد أرخاها ب كَتفَيه، فقيل: هذا مسلمٌ، فتقدَّمَ أصحابُ السلطان، فقالوا: قد أمرَ أميرُ المؤمن أن يكون مسلمُ بن الحجاج إمامَ المسلم ، فقدَّموه في الجامع، فكبرَّ، وصلىَّ بالناس » (1) . والشاهد من القصةِ قولُه«حسن الوجه». ه ُ المبحث السادس: وفات توفي الإمامُ مسلمٌ –رحمه الله تعالى-عشيَّةَ يوم الأحد، ودُفنَ يوم الاثن ، لخمسٍ بق من رجب، سنة (261هـ)،6/5/875م55) سنة، على الصحيح من أقوال أهل العلم في سنة ولادتِه (2) . قال ابنُ الصلاح «وكان لموتِه سببٌ غريب، نشأ عن غمرةٍ فكريَّةٍ علمي ة »، ثم أسندَ إلى الحاكمِ أنه قال: «سمعتُ أبا عبد الله محمدَ بنَ يعقوب، سمعتُ أحمدَ ابنَ سلمة يقول: عُقِدَ لأبي الح س مسلمِ بن الحجاج للسٌ للمذاكرة، فذُكِرَ له حديثٌ لم يَعرفه، فانصََفَ إلى منزِله، وأوقدَ السّاج، وقال لـِمَن في الدار: لا يَدمخلنَّ أحدٌ منكم هذا البيت، فقيل له: أُهدِيَت لنا سَلَّةٌ فيها تمر، فقال: قَدِّموها إ ، فقد موها، فكان يطلبُ الحديثَ ويأخذُ تم رةً تمرةً يمضغُها؛ وأصبحَ وقد فَني التمر، ووجدَ الحديث ». قال الحاكم«زادَني الثقة من أصحابِنا: أنه منها مرضَ ومات » (3) . (1) (تاريخ دمشق58/91-92)، (سير أعلام النبلاء12/566.) (2) انظر: (صيانة صحيح مسلم) (ص62)، ومصادر ترجمته (3) (صيانة صحيح مسلم) (ص/65-66)، وانظر: (تاريخ بغداد13/103)، (تهذيب الكمال27/507.)
عدد الصفحات ٢٩المدخل إلى صحيح الإمام مسلم 30
عدد الصفحات ٣٠31 المدخل إلى صحيح الإمام مسلم الفصل الثاني ة َّ مِـي ْ حياة الإمام مسلم بن الحجاج العِل وفيه سبعةُ مباحث: المبحث الأول: طلبُه للحديث. المبحث الثاني: رحلاتُه. المبحث الثالث: مذهبُه في الفروع. المبحث الرابع: مكانتُه، وثناءُ العلماء عليه. المبحث الخامس: شيوخ الإمام مسلم. المبحث السادس: تلاميذُ الإمام مسلم. المبحث السابع: مؤلفات الإمام مسلم.
عدد الصفحات ٣١المدخل إلى صحيح الإمام مسلم 32
عدد الصفحات ٣٢