33 و يمكنه أن يحدد سلوكه دون مساعدة الكبار من حوله، ويدل على هذا المعنى قول الرسول كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه. ـ أنها مرحلة قابلة للتكوين والتوجيه والبناء حيث يأتي الطفل إلى الحياة الدنيا وهو مزود بطاقات واستعدادات وميول وقدرات مختلفة ومواهب طبيعية، وقادر على الملاءمة بين نفسه من ناحية، وبين ما تتطلبه مواقف الحياة في البيئة التي ينشأ فيها من ناحية أخرى؛ لذا كان من الضروري التعرف على خصائص هذه المرحلة والفوارق بينها في كل فترة منها، وإدراك احتياجاتها وما يتناسب معها، فقد أكدت كثير من البحوث التربوية النفسية أن أسس الصحة الجسمية والعقلية والنفسية والدينية في بناء شخصية الطفل وتفتحها إنما توضع كلها في مرحلة الطفولة؛لاسيما في فترة الحضانة ذات القابلية للتعلم وتطور المهارات، وفي فترة التمييز ذات النشاط الحركي والعقلي، يقول أرنولد جيزل لن تتاح أبدا مرة أخرى للعقل والخُلُق والروح أن تسير قدما بنفس السرعة التي كانت تسير بها في فترة التكوين والتشكيل لما قبل المدرسة. ــ أنها مرحلة إعداد المستقبل حيث تعد هذه المرحلة حجر الزاوية لبناء الإنسان وتشييد حضارته وضمان تقدمه، فالعناية بالطفل تؤدي إلى حسن تكوينه وبناء شخصيته من كل نواحيها، والعمل المستمر على رعايتها وحفظها من كل ما يعوقها عن الوصول إلى أقصى طاقاتها.
عدد الصفحات ٣٥34 ــ مؤشر حضاري للأمة التي تعلق آمالها ومستقبلها على أجيالها الناهضة،فهي تستهدف من تلك العناية وهذا العمل إيجاد الإنسان الصالح القادر على تحمل الأعباء والتكاليف بقوة وجدارة، والمضي بها من أجل بناء مستقبل زاهر؛ فمن الحقائق التي تتأكد يوما بعد يوم أن للإدراكات والمعلومات التي يحصل عليها الطفل والتجارب التي تقع له في هذه المرحلة تأثيرا قويا في مستقبل حياته، وأنها تعد أساسا لاستقامته وفساده وسعادته وشقائه طيلة أيام العمر، وبهذا يتبين أن مستقبل الإنسان مبني على تكوين مرحلة طفولته والعناية بها، وأن مستقبل المجتمع مرتبط بمستوى هذا التكوين والعناية بهذه المرحلة. وسائل الإعلام المؤثرة في ثقافة الطفل : نكاد نجزم أن كل وسائل الإعلام مؤثرة مقروءة كانت أم مسموعة أم مشاهدة، وأنه من الضروري أن تعتنى هذه الوسائل بالطفل، وتتفق مع الوسائل التربوية الأخرى من منزل ومدرسة ومسجد على هدف واحد هو إعداد الطفل إعدادا صحيحا ، ورعايته عقديا وفكريا وسلوكيا ، ومن الضروري أن يكون عمل كل وسائل الإعلام متناسقا ومتكاملا حتى تتأكد الغاية من الإعلام،وتتحقق رسالته، فإذا كان في المجتمع صحافة ملتزمة بالإسلام فإن التزام باقي أجهزة الإعلام يصبح أمرا ضروريا ؛ لأن عدم التزام التليفزيون فيما يعرضه على المشاهد يعزل تلك الصحافة عن المجتمع وبالتالي يبدو التناقض في التأثير
عدد الصفحات ٣٦35 وتكون النتيجة الطبيعية لهذا حيرة وتخبطا ، إذا لابد من التنسيق والتعاون بين هذه الأجهزة والوسائل من خلال سياسة ثابتة ومنهج واضح وخطط مرسومة. إن وسائل الإعلام متفاوتة التأثير، يأتي في مقدمتها الوسيلة المرئية من رسومات في كتاب أو تليفزيون؛ لأنها تتعلق بعين الطفل في سنواته الأولى، فنحن نلحظ أن الأطفال مغرمون في بداية تفتح أذهانهم بمطالعة الكتب والقصص المصورة والفيلم لما فيها من جاذبية تشدهم بألوانها الزاهية وصورها البراقة، يقول الباحث بلومري : إن التليفزيون والفيلم يستحوذان على اهتمام كامل من جانب الجماهير خاصة الأطفال، ويميلون إلى قبول جميع المعلومات التي تظهر في الأفلام وتبدو واقعية ، ويمكن إرجاع ذلك إلى أن الطفل يستمد غالبا خبراته ومعارفه عن طريق حاستي العين والأذن، ومن ثم تبقى المادة الإعلامية المصورة في مقدمة ما يجذب انتباه الأطفال، وتعود هذه الجاذبية في نظر ماري وين إلى أن آليات فسيولوجية معينة في العينين والأذنين والدماغ تستجيب للمثيرات المنبعثة على شاشة التليفزيون بصرف النظر عن مضمون البرامج لذا كان التليفزيون مستأثرا بوقت طويل من حياة الطفل، وفي هذا تقول ماري وين الواقع أنه ليس هناك تجربة أخرى في حياة الطفل تسمح بمثل هذا القدر الكبير من المشاهدة في حين تقتضي القليل جدا من التدفق الخارجي.
عدد الصفحات ٣٧36 لقد كانت نتائج دراسات علماء الاجتماع والنفس مؤكدة على تأثير التليفزيون على ثقافة الأطفال، ومن تلك الدراسات ما قامت به البيرتا سيجل المتخصصة في علم النفس في هذا المجال حيث قالت لقد ظل العالم مدة غير مهتم بوصول هذا الوسيط إلى منازلنا، إلا أنه بات اليوم مؤكدا أن التليفزيون قد غيَّر كثيرا من نظمنا وترتيباتنا الاجتماعية والتربوية وهي نتيجة نهائية لدراسات أخرى قد قررت أنه لا مفر من تأثير التليفزيون،وأنه أصبح أعظم الوسائل المؤثرة في المعتقدات والاتجاهات والقيم، فقد أظهرت بعض الدراسات في مصر أن بعض الأطفال كانوا يقلدون ممثلي فيلم مدرسة المشاغبين لفترات ليست قصيرة في التمرد على نظام التعليم وعدم احترام المدرس والأب. إن على التليفزيون الذي تبوأ مكانه في الصف الأول بين وسائل الإعلام الأخرى، وبلغ هذه الدرجة من التأثير على الطفل؛ وعلى المشاهد عموما أن يكون في المجتمعات الإسلامية أداة فعالة في المساهمة في تنشئة الطفل ورعايته ثقافيا وحماية المجتمع من فساد القيم والخلق،وأن يصون نفسه من أن يكون أداة ضياع وإهدار للوقت والجهد والأموال،وأن يستشعر دوره فى أنه واجهة قوية ومؤثرة على الطفل إلى جانب الأسرة والمسجد والمدرسة،فيخصه ببرامج تثقيفية وتعليمية وترفيهية هادفة ومشبعة لحاجاته، تتناسب مع عقله وبيئته ومبادئه؛ لتكون بديلا عن تلك الأفلام والبرامج الأجنبية بكل ما فيها من قيم ومفاهيم وتقاليد غربية، وَرَّث ت غموضا وحيرة عند أطفالنا، وتبعية مطلقة لكل وافد.
عدد الصفحات ٣٨37 والحقيقة التي لا يجوز أن نعيش بعيدين عنها في ظل توهم المفسدة والتخوف منها؛وهما سلبيتان تعودنا عليهما معشر المسلمين في التعامل مع الجديد الذي غالبا ما ينتهي بقبولنا له على أنه مما عمت به البلوى دون غربلة وتمحيص تؤديان إلى اصطفاء الملائم لديننا ثم لمصلحتنا وتطويره،فالحقيقة التي ينبغي أن نضعها في حساباتنا الحاضرة والمستقبلة وفي تقديرنا للأمور أن التلفزيون في عصرنا الحاضر عصر البث الفضائي سيكون الأكثر سيطرة على الرأي العام، والأهم في صياغة عقل المجتمع وتفكيره وسلوكياته، والأخطر من ذلك أنه سيكون له دور كبير في التأثير على العقائد والأخلاق وعلى رؤي الإنسان أيا كان؛ لواقعه ولمستقبله ولمسلماته ولعل ذلك سيكون أكثر أهمية وخطورة على الأجيال التي يتشكل وعيها وتكوينها من خلال هذا البث المكثف. واجب الإعلام نحو الأطفال : الإعلام أداة مهمة للتعبير عن آمال الإنسان وطموحاته، والبوح بما تختزنه الصدور من أحاديث وخواطر، وما يجول في العقول من آراء وأفكار، والانتفاع بها في حياة الناس ومعالجة مشكلاتهم، وهو في الإسلام رسالة ودعوة قبل أن يكون فنا وصناعة، يعتمد على الصدق في القول، والمباح من العمل، والنصح في الهدف، والنفع في المضمون، ويصان عن اللغط والفضول واللغو؛ فضلا عن الحرام من الفاحش البذيء، وقد قام الرسول بوظيفة التبشير والإنذار، وأدى واجب الإبلاغ
عدد الصفحات ٣٩38 قال تعالى { يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا ، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا } وقال تعالى : { فإن توليتم فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين } ولم يكن واجب الدعوة والإبلاغ خاصا بالرسول وحده؛ بل تعدى التكليف به إلى أتباعه من بعده، قال تعالى { ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون }، وما واجب الكفاية هذا إلا لتأكيد فريضة نشر الإسلام بكل عقائده وتشريعاته ومضامينه عن طريق وسائل الإعلام المباحة، وبيان أن التعبئة لهذا النشر أو الاعلام ضرورة في كل وقت وفي كل مكان، وأن الأمة إذا لم تجند له الطاقات، وتهيء له الإمكانات الكافية،وتستثمره في صالح الدعوة إلى الإسلام، وتربية النفوس على الخير، وإعداد الأجيال الصالحة تكن آثمة، مؤاخذة على التقصير في هذا الجانب الحيوي. واليوم أصبح الإنسان تحت تأثير وسائل الإعلام المختلفة رضي أم أبى؛لاسيما وهو في مرحلة الطفولة؛ لأنها أكثر مراحل عمر الإنسان تأثرا وقابلية، فما واجب الإعلام نحو هذه الفئة التي تمثل أكبر نسبة في الهرم العمري في المجتمعات الإسلامية؛ حيث تتجاوز نسبتها 43% من العدد السكاني لهذه المجتمعات؟ نسبة كبيرة قريبة من نصف المجتمع، أليست هذه النسبة التي تتبوأ مثل هذه الكثافة من العدد السكاني جديرة بالاهتمام والرعاية الخاصة من قبل وسائل الإعلام والقائمين عليها ؟ إذا كنا نعي الدور الخطير لوسائل الإعلام في تكوين الإنسان وتوجيه ميوله وتنمية مواهبه، وندرك أن مستقبلنا مرهون بمستقبل أطفالنا
عدد الصفحات ٤٠39 فماذا أعددنا لهم من إعلام يبني مستقبلنا المتمثل في أطفالنا اليوم؟ وهل استطاع إعلامنا أن يؤكد انتماءنا إلى مبادئ الإسلام ؟ وأن يشيد لنا في مستقبل الأيام مجتمعا متماسكا يقوم على مرتكزات الدين والعزة والكرامة والأخلاق؛ أم أنه إعلام يعمل من غير انتماء ولا هوية ؟. إن من الطبيعي أن يسير الإعلام وفق سياسة مرسومة ونهج واضح، يخدم مبادئ القائمين عليه والمُسَيرين لوسائله وبرامجه، فقد كان الإعلام الشيوعي في الاتحاد السوفيتي سابقا يقوم بدور تثقيف جماهيره بالنظرية الشيوعية، ويدحض الأفكار التي تخالفها، ولا يزال الإعلام الغربي يجعل من الركض وراء المادة بأنواعها قاعدة أساسية في سياسته ونشاطه، ومن أجل ذلك تحلل من كل القيم والأخلاق بعد أن قطع صلته بالدين والأخلاق، وسلك مسلك العلمنة في الإعلام والتربية. لقد نشأ الإعلام في المجتمعات الإسلامية في زمن كان الاستعمار الغربي يجثم على غالبها، والفكر الإسلامي غائبا عن ساحة التأثير الثقافي، مما جعل الإعلام في هذه المجتمعات ينطبع بطابع الفكر الغربي من حيث مظهره وجوهره، وينشأ غريب النزعة والهدف، يُعنى بتنوع الوسيلة ومظهرها أكثر من عنايته بالمضمون والمحتوى، ويسخر لتذويب شخصية الأمة الإسلامية، وتغذية ناشئتها بعناصر الفكر الفاسد، لقد بدأ الإعلام نشاطه وهو يعاني من محنة وعجز، محنة في الأخلاق والقيم؛ إذ نشأ بعيدا عنها، وعجز عن استقلال هذه الصناعة الحديثة؛ إذ نشأ عاجزا عن الاستقلال في توظيف وسائلها فيما يخدم الأمة
عدد الصفحات ٤١40 ويرسخ انتماءها إلى الإسلام، ويعود على الأمة بالخير والمنفعة، ولايزال غالب إعلام أمتنا إلى يومنا هذا يعاني من آثار هذه النشأة التي انعكست سلبا على مستقبله حتى بعد رحيل المستعمر من بلاده، وحتى بعد اتساع خبراته في صناعة الإعلام ووسائله؛ لأن هذا الإعلام بقي تابعا مرتبطا بالتقدم التكنولوجي الغربي السريع وأساليب الإعلام الغربي، ولم يُع نَ ببناء ذاته، ويكرس انتماءه إلى دينه، ويؤكد على هويته مما أخر تحرره من ربقة الفكر الغربي والتخلص من هيمنته، فنظرة متجردة وفاحصة إلى المضامين الإعلامية وحدها تكفي للحكم، بأن إعلامنا الإسلامي متأثر بمنهج وافد إن لم يكن ممسوخ أو منسوخ تماما ، فالمضمون الإعلامي عندنا لا يعدو أن يكون نسج غربي بلسان عربي،وذا توليفة في أفكاره وطرقه لا تعتمد على نضج ووعي بمشكلة الأصالة الإعلامية والمعاصرة، ولا بأهمية الإعلام ودوره في بناء الانتماء للأمة وتأكيد هويتها، فهو إعلام نشأ ويعيش في ظل تبعية الإعلام الغربي إلا ما رحم ربي في بعض وسائل الإعلام ومجالاته وبرامجه الهادفة وتظهر آثار هذه التبعية للفكر الغربي فيما يقدمه الإعلام للطفل في المجتمعات الإسلامية من قصص خيالية تدور حول المبالغات والخوارق والأساطير الكاذبة، يقرؤها أو يستمع إليها، أو يشاهدها من خلال أفلام الكرتون والمسلسلات؛ لتكرس في نفسه الصراع، أو تشككه في عقيدة الإيمان بأن الله القوي وحده،وأنه المدبر للكون والمهيمن عليه؛ إذ يرى أشخاصا لهم قدرة على إيقاف حركة الكون أو منع الموت وفعل الخوارق والمعجزات
عدد الصفحات ٤٢41 كما في السوبرمان وبو بَّاي وغيرها، بل من هذه القصص ما يقوم على أساس الأوثان وتعدد الآلهة، ومنها ما يدور حول الخيانة وحوادث العنف والسرقة والقتل وحيل المجرمين وترويج المخدرات، والدعوة الصريحة أو المبطنة إلى الخروج على القيم والأخلاق وإشاعة العادات والآداب الغربية، ولم يقف الإعلام عند هذا الحد بل تحول إلى وسيلة تغالط في تاريخ الأمة وتثير الشبه والشكوك في نفوس القراء والمستمعين والمشاهدين حوله،وتسعى إلى تلميع كثير من دعاة السفور والتحلل ومهدري الأوقات من فنانين ولاعبين وغيرهم على أنهم نجوم وأبطال فلقد زخرفت تلك الوسائل جميع القيم الهابطة والمبادئ الرديئة في عيون أبنائنا، فما عادت تجدي النصائح أو القيم التربوية التي يمليها البيت، وتغرسها المدرسة للتناقض الذي يحسه النشء بين ما يشاهد ويسمع ويقرأ في وسائل الإعلام، وبين ما تقدمه المدرسة ويقوم به المنزل. إن من حق الأجيال الناشئة على قادة الفكر ورجال الأدب والقائمين على الإعلام أن يرسموا لهم منهجا إعلاميا خاصا مستمدا من عقيدتهم ومبادئ دينهم الحنيف، ولعل أهم الجوانب التي ينبغي عليهم أن يولوها اهتمامهم ما يلي : ــ صياغة المادة الإعلامية وفق مستوى تفكير الطفل ونوعية ميوله وخصائصه النفسية وحاجاته التربوية رغبة في استثمارها بما يعود عليه بالنفع وينمي ميوله واستعداداته، فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه : ما أنت بمحدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة.
عدد الصفحات ٤٣42 ــ العناية بالأسلوب الفني وطريقة التشويق في العرض؛ لما لها من أثر في جذب الطفل إلى القراءة والاستماع والمشاهدة والمتابعة والانتفاع بالمادة الإعلامية. ــ الاهتمام بصحة المضمون وتنوعه؛ فإن مدار صلاح الإعلام وكشف شخصيته على مضمونه، فالوسيلة الإعلامية أداة ذات حدين، لها نتائجها ومحصلتها في توجيه الطفل وتنشئته ورسم مستقبله؛ لذا يمكن صياغة هذا المضمون وفق الحكم الشرعي،وضبطه برقابة حازمة حكيمة تستهدف ما يحقق صلاحه واستقامته، وتربيته على الخير والهدى، وجاذبية الإعلام في تنوع موضوعاته وبرامجه يقتضيها تنوع الميول وتعرض الطفل للسأم والملل. ــ بناء الإعلام على أساس أنه وسيلة للرعاية الثقافية النقية من كل دخيل أو غريب على الإسلام تمد الطفل بالخبرات والمعارف الأصيلة، والأفكار والآراء الحديثة،وغير ذلك مما يعود بالنفع والخير عليه، وتحصنه من سموم الأفكار المنحرفة من غير أن يكون للأمة خيارا فيها ولا رغبة، وتبصرهم بأضرارها ليأخذوا حذرهم منها ومن أمثالها. إعلام الطفل وتثبيت القيم العقدية: بإمكان إعلام الطفل إنجاز الكثير في مجال تثبيت القيم العقدية لدى الأطفال,لما له من تأثير في توجيه سلوكهم وبما أن مرحلة الطفولة هي حجر الأساس في بناء وتكوين القاعدة العقدية
عدد الصفحات ٤٤43 حيث يولد الطفل سهل الانقياد سريع التأثر هيِّنا لينا ، يستطيعُ المربي توجيهه كيفما أراد ، لذا كان لزاما علينا العناية بهذه الشريحة وبنائها عقديا على أُسُس متينة مِّن العقيدة الصحيحة ؛ لأن الطفل يتشرب عقائده من الجو المحيط به تشربا تلقائيا وأطفالنا هم اللبنة الأولى للمجتمع المسلم لذلك أوجب الله تعالى علينا الاهتمام بهم منذ أولى مراحل خلقهم ،كي نحيطهم بسياج رباني ونحميهم به بإذنه تعالى من الشيطان الرجيم وغير خاف على أحد ما استجد في عصرنا الحاضر من انتشار وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة ومالها من أثر عظيم على خُلُق وسلوك الأطفال ، حيثُ باتت تلعبُ دورا مُهِّما في صياغةِّ العقولِّ والمعتقداتِّ إنَّ الدور الكبير الذي تلعبه الرسوم المتحركة في جذب أطفالنا ، وشَدِّّ انتباههم،والقدرة على إمتاعهم لساعاتِّ جعلهم ينصرفون عن أساسيات مِّ نها : التعاملُ الأسريُّ ، حيثُ أثَّرَت الرسومُ المتحرِّّكةُ على مشاهديها الصغارِّ فاتخذوها سَل وَانا عن الأهل والإخوان ، حتى أصبحت تحتلُّ المركز الأول في أساليب تفكيرهم ، وكذلكَ غمس الطفلُ في بيئة غير بيئتهِّ وثقافة غير ثقافته مِّمَّا قد يخلق لدى الطفلِّ عَدَمَ توافق مع الحياةِّ مِّن حو لـه لأنَّها تُ خَالِّفُ قناعاته ، وهذه فكرة خطيرة جِّدًّا لو خُلِّّيَ بينها وبينَ الطفلِّ ، كما أنَّ النسبةَ الأعلى لِّمَا يُتَابِّعُهُ الأطفالُ هى الرسومُ المتحرّك ة المستوردة من بلاد غير عربية
عدد الصفحات ٤٥44 ان المواقع الإباحية التي تعرض الرذيلة بشكل سافر على صفحاتها على هيئة رسومات كارتون موجهة للأطفال تعتبر تدخلا سافرا في الحياة الشخصية للأسرة ؛ مما يؤدي إلى اكتشاف مبكر لبعض الأمور التي تحتاج إلى صياغة من الأسرة كما أنها تشجع الجرائم الخبيثة والتحرش الجنسي؛ مما يؤدي إلى ارتفاع نسبة الجريمة في المجتمع والتنشئة الاجتماعية يقع عليها دور كبير في الحد من مشاهدة هذه المواقع حيث غالبا ما تتحول إلى إدمان؛ نظرا لكثرة الجلوس أمام الإنترنت وفي النهاية الأسرة والدولة كلاهما يقع على عاتقه دور كبير فى الحد من مشاهدة هذه المواقع التي تثبت الرذيلة لأطفالنا مستقبل الوطن. وظيفة الإعلام وضرره على الأطفال : - إن الوظيفة المأمولة في الإعلام تجاه الأطفال تربوية وثقافية، فلقد أيقنت دول العالم المختلفة أن الاستثمار في مجال رعاية الطفل وتنشئته من أهم الاستثمارات على الإطلاق؛ لهذا يأتي الإعلام مع الأسرة في مقدمة العوامل التي تحقق هذه الرعاية التربوية والتنشئة الثقافية. - الرعاية التربوية للإعلام وتتميز مرحلة الطفولة بأنها مرحلة بناء المعارف وتأسيس القيم، وهي بحاجة إلى رعاية خاصة، بدءا بالوالدين اللذين يقومان بمراقبة تصرفات ولدهما وتهذيب حاجاته؛ فإن الوالدين أقدر أفراد الأسرة رعاية وإسعادا لولدهما
عدد الصفحات ٤٦45 يقول ابن القيم فكم ممن أشقى ولده وفلذة كبده في الدنيا والآخرة بإهماله وترك تأديبه، وإعانته على شهواته وإذا اعتبرت الفساد في الأولاد رأيت عامته من قبل الآباء، نعم الطفل بحاجة إلى تأديب، لاسيما إذا بلغ سن التمييز أو المراهقة؛ لكون هاتين الفترتين من مرحلة الطفولة تزداد فيهما قواه العقلية، ويتسع خياله، وتنمو فيهما مفاهيمه، ويرتقي حسه الخلقي، ويتهيأ جنسيا ،فيرى ابن القيم أنه بحاجة فيهما إلى مزيد من الاهتمام في الرعاية والتأديب؛ لذا ينصح أن يجنب الصبي إذا عقل مجالس اللهو الباطل والغناء وسماع الفحش والبدع ومنطق السوء؛ فإنه إذا علق بسمعه عسر عليه مفارقته في الكبر، وعزَّ على وَلِّ يِّّه استنقاذه منه، فتَغ يير العادات من أصعب الأمور، يحتاج صاحبه إلى تجديد طبيعة ثانية، والخروج عن حكم الطبيعة عسر جدا ، فإذا أردنا أن نعرض هذه النصيحة على البرامج الإعلامية التي تقدم للأطفال فماذا يمكن أن نأذن لطفلنا منها أو ندع ؟ سنجد أن نسبة كبيرة منها سيكون من قسم ما يجتنب شفقة على عقله ووجدانه، فضلا على صحته ووقته. لقد أصبحت وسائل الإعلام في الوقت الحاضر بما لها من تأثير شريكة للأسرة والمدرسة في تربية الطفل،؛ بل أصبحت تمارس دورا تربويا فعالا تجاه أبنائنا، كاد أن ينافس أو يقلل من شأن وظيفة الوالدين التربوية، وقد دلت الدراسات العلمية على أن الظروف الأسرية وانشغال الوالدين كان لها أثر كبير في إتاحة الفرصة ليمارس الإعلام وظيفته التربوية وهذا بالتالي يجعل للوسيلة الإعلامية ومحتواها أهمية عظيمة في تحديد الإيجابيات والسلبيات لرعاية الإعلام التربوية.
عدد الصفحات ٤٧46 إذا كانت وسائل الإعلام بهذا التأثير فلماذا لا توظف لتكون وسائل فعالة في تربية النشء وتعليمهم، إن الأمر لا يحتاج إلى أدلة تثبت أن الطفل يتعلم من وسائل الإعلام ؛إننا معشر الآباء نلحظ أن أبناءنا يكتسبون من التليفزيون بعض العبارات اللغوية وبعض آداب السلوك، ويذكرون جيدا بعض المعلومات والأخبار والأسماء التي يشاهدونها، فأطفالنا يكتسبون هذه الأمور ولايشعرون أنهم يتعلمون،أليس من الجدير بالقائمين على هذا الجهاز المؤثر أن يجعلوه وسيلة تعليمية، وأن يتحكموا في مضمونه وطريقة عرضه بما يتناسب مع قيمنا، ويحقق الهدف التربوي منه؟ ألا نتوقع أنه يمكن بهذه الوسيلة الجذابة أن ننمي ميول الأطفال،ونفتح مداركهم،ونوسع معارفهم،ونعمق في نفوسهم الإيمان والفضيلة والخير؟ بل يمكن أن نرعى الموهوبين منهم، ونحتضنهم ببرامج خاصة، إنه متى فعل الإعلام ذلك ستكون أجهزته مدارس مشرعة الأبواب لكل طالب. - رعاية الإعلام الثقافية حيث يتميز الإعلام بأنه الوسيلة التي تعبر عن الشخصية الثقافية لأي أمة من الأمم، فهو مؤتمن على المحافظة على هذه الثقافة ومقوماتها، والذود عنها، ووقايتها من الأفكار الفاسدة، وتغييرات الزمن العارضة، فلا يعرف في تاريخ الأمم ـ ماضيها وحاضرها ـ أن واحدة منها أهملت في نشر ثقافتها، أو تركتها تذوب في ثقافة غيرها،أو تتلاشى في عقول أبنائها لتحل محلها ثقافات أخرى طارئة غريبة والثقافة الإسلامية لها سمات خاصة تميزها عن غيرها؛ تنتظم في عقيدتها ومبادئها وقيمها الخاصة بها، والتي استمدتها من كتاب الله تعالى وسنة رسوله.
عدد الصفحات ٤٨47 إن الإعلام لن يستطيع أن يعبر عن ثقافة الأمة إلا إذا كان مدركا لها، ومميزا لها عن سائر الثقافات الأخرى،لاسيما الثقافة الغربية التي تواجه ثقافتنا بصلف وكبر؛ ولابد من تناغم العمل الثقافي مع الإعلامي، وأن يتحرر كلاهما من النزعة الذاتية، وألا يتناقضا ويتنافرا؛ لكيلا يصطدم الجمهور بأعمال من الجانبين مشوهة، لا علاقة لها بقيمه ولا بتطلعاته. وإذا كانت وسائل الإعلام ذات تأثير تربوي فإن لها أيضا تأثيرا في صياغة الوجهة الثقافية للطفل، فلم تعد وسائل الإعلام غريبة علينا ولا على أطفالنا، ومهما تكن فهي تحمل ثقافة ما، وهم متأثرون بما تنقله إليهم، فإذا كانت هذه الثقافة غريبة عنا أليس من الطبيعي أن نرفضها ونحاول أن تكون هذه الوسائل أداة لتقديم ثقافتنا الأصيلة، وما تحتضنه من معارف وعلوم وخبرات لمختلف الأعمار فالإعلام مطالب أن يقدم هذه الرعاية الثقافية لنشئنا، على أن تكون رعاية فاحصة تميز بين الأصيل والدخيل، وتعي مسؤوليتها تجاه ذلك، فتنقل كل ما هو صحيح ونافع وموثوق فيه من المعتقدات والقيم والأفكار، وتعمل على غرس الفكر الصحيح في عقول أبنائنا، وتسعى إلى تنمية الحس الخلقي النبيل لديهم؛ وينبغي أن يربأ الإعلام بنفسه أن يكون وسيلة لصالح ثقافة غريبة، تحاول أن تفرض هيمنتها ووجهتها علينا، أو أن يكون وسيلة لإشاعة المنكر والرذيلة بيننا، أو أداة لتعويد أبنائنا على سلوك منحرف وعادات فاسدة،أو تلقينهم معلومات باطلة أو مشككة في دينهم ومبادئهم.
عدد الصفحات ٤٩48 و ريب أن تحقيق هذه الرعاية يتطلب دراسة واعية، وتفهما عميقا لجدوى الوظيفة الثقافية، ويقتضي اتخاذ وسائل مشوقة لإعداد البرامج المتنوعة والهادفة بالكم المناسب والإخراج المتميز، وهذا يتطلب تضافر جهود المربين والمثقفين والإعلاميين والمؤسسات الفنية ورجال الأعمال، فإنه إذا تضافرت الجهود في هذا المنحى فسيتوافر لنا مناخ ثقافي صحي، يدفعنا إلى مزيد من الإنتاج والإبداع، مع تقديم أعمال إعلامية وأطر ثقافية تنمي ذاتنا، وتدفعنا إلى الاعتزاز بهويتنا، والخروج بها إلى دائرة أرحب، فماذا كان يمكن أن نفعل كي نصد خطر الفكر الوافد وكيف نحرر ثقافتنا وإعلامنا من القوالب الغربية إنه ليس بوسعنا إلا استثمار إعلامنا في بناء ثقافتنا. ضرر الإعلام على ثقافة أطفالنا : يتعرض أطفالنا لضرر بالغ نتيجة تبعية غالب أجهزة الإعلام في المجتمعات الإسلامية للفكر الغربي بصفة عامة؛ وإعلام الطفل بصفة خاصة، ومن أبرز مظاهر هذا الضرر ما يلي : ــ تغريب شخصية الطفل فلايخفى على أحد أثر الإعلام الوافد في تكوين شخصية أبنائنا؛ فقد وقعوا فريسة لهذا الإعلام، واصطبغت حياتهم بثقافته وطرق تفكيره وعاداته وتقاليده، فتحققت أمنية التغريب، يقول المستشرق الإنجليزي جب حين استعرض أنجح الوسائل لتغريب المسلمين للوصول إلى هذا التطور الأبعد الذي تصبح الأشكال الخارجية بدونه مجرد مظاهر سطحية يجب ألا ينحصر تخطيطنا في الاعتماد على التعليم في المدارس
عدد الصفحات ٥٠