أ َد َب َََالاخت َلافَ ________________________________________________ 17 فقال: قد أذنت، ثم أفتاه، فكان ذلك يعد من أدب الطحاوي وفضله»«1». 3. إفتاء المستفتي بما يفطن له: قال سليمان بن سالم: «كنت عند زيدبن بشر« »، فسأله سائل عن رجل صلى الظهر فتذكر في الرابعة سجدة لا يدري من أين هي؟ فقال له: تأتي بركعة بسجدتيها، وتسجد السهو. قال سليمان: فرآني تحركت فقال: ما بك أصلحك الله؟ أثم جواب عن هذا، ثم قال: لعلك تريد جواب ابن القاسم يسجد الآن سجدة يتحرى أن يكون من هذه ثم تأتي بركعة؟ قلت: نعم . فقال: إني رأيت السائل لا يفطن لمثل هذا، فأتيته بقول أشهب»«7». 4. عدم رد أو عيب حكم الغير أو اجتهاده فيما ليس فيه نص واحتمل الاجتهاد: عن عمر أنه لقي رجلاً فقال: «ما صنعت؟ فقال: قضى علي و زيد بكذا. فقال عمر: لو كنت لقضيت بكذا. قال: فما يمنعك والأمر إليك؟ قال: لو كنت أردك إلى كتاب الله أو إلى سنة رسول الله لفعلت، ولكني أردك إلى رأيي، «1» ترتيب المدارك « /1». « »هو زيد بن بشر بن عبد الرحمن الأزدي، أصله من مصر، وعداده في أهل تونس، كان فقيهًا ثقة، سمع من ابن القاسم ووهب وأشهب، وغيرهم، مات في تونس سنة « هـ». «7» ترتيب المدارك «1/730».
عدد الصفحات ١٧أ َد َب َََالاخت َلافَ ________________________________________________ 18 والرأي مشترك،فلم ينقض ما قال علي وزيد، وهو يرى خلاف ما ذهبا إليه «1». قال الأثرم: «سمعت أباعبد الله - يعني أحمد بن حنبل - يسأل عن رجل يقدم وعليه جلود الثعالب، أو غيرها من جلود الميتة المدبوغة. فقال: إن كان لبسه وهو يتأول «أيما إهاب دبغ فقد طهر»، فلا بأس أن تصلي خلفه. قيل له: فتراه أنت جائزًا ؟ قال: لا، نحن لا نراه جائزًا لقول النبي :«لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب»،ولكنه إذا كان يتأول فلا بأس أن يصلي خلفه. قيل له: كيف وهو مُطئ في تأويله؟ قال: وإن كان مُطئًا في تأويله، ليس من تأول كمن لا يتأول. ثم قال: كل من تأول شيئًا جاء عن النبي وعن أصحابه، أو عن أحدهم فذهب إليه فلا بأس أن يصلى خلفه، وإن قلنا نحن خلافه من وجه آخر لأنه قد تأول»« ». وقال الأوزاعي في الذي يقبل امرأته: «إن جاء يسألني قلت: يتوضأ. وإن لم يتوضأ لم أعب عليه»«7». وقال الإمام أحمد في الركعتين بعد الع: «لا نفعله،ولا نعيب من فعله»« ». وتناظر عبن المديني ويحيى بن معين في مسجد الخيف بحضور أحمد بن حنبل، وقال يحيى: يتوضأ منه وا حتج بحديث بسرة بنت صفوان، واحتج علي بحديث قيس بن طلق و هو «1» جامع بيان العلم« / 1». « » التمهيد لابن عبد البر « /130». «7» التمهيد لابن عبد البر « 1/137». « » التمهيد لابن عبد البر « / 01».
عدد الصفحات ١٨أ َد َب َََالاخت َلافَ ________________________________________________ 19 قوله :«إنما هو منك»،ثم احتج يحيى بقول ابن عمر، واحتج علي بقول عمار، فقال أحمد: عمار وابن عمر استويا فمن شاء أخذ بهذا، ومن شاء أخذ بهذا»«1». وذكر أبو داود في مسألة عن الإمام أحمد قال: «قلت لأحمد: فرجل لا يرى من مس الذكر وضوءً ا، أصلي خلفه وقد علمت أنه مس؟ قال: نعم». وقال ابن قدامة : «فأما المخالفون في الفروع، كأصحاب أبي حنيفة ومالك والشافعي، فالصلاة خلفهم صحيحة غير مكروهة، نص عليه أحمد؛ لأن الصحابة والتابعين ومن بعدهم لم يزل بعضهم يأتم ببعض مع اختلافهم في الفروع، فكان ذلك إجماعًا ... فإن علم أنه يترك ركنًا أو شرطًا يعتقده المأموم دون الإمام، فظاهر كلام أحمد صحة الائتمام به. قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يسأل عن رجل صلى بقوم وعليه جلود الثعالب؟ فقال: إن كان بلبسه وهو يتأول «أيما إهاب دبغ فقد طهر»يص خلفه. قيل له: أفتراه جائزً ا؟ قال: نحن لا نراه جائزًا ، ولكن إذا كان هو يتأول فلا بأس أن يصلي خلفه. ثم قال أبو عبد الله – يعني أحمد بن حنبل -: لو أن رجلاً لم ير الوضوء من الدم لم يصل خلفه؟! ثم قال: نحن نرى الوضوء من الدم أفلا نصلي خلف سعيد بن المسيب ومالك ومن سهل في الدم؟! أي بلى نصلي»« ». وقال ابن عبد البر في التمهيد - بعد أن ذكر قول الأئمة الثلاثة وغيرهم في حكم صلاة «1» السنن الكبرى للبيهقي باختصار «1/173». « »المغني« /11».
عدد الصفحات ١٩أ َد َب َََالاخت َلافَ ________________________________________________ 21 الَمعة قبل الزوال-: «كل هؤلاء يقول: لا تجوز الَمعة قبل الزوال، ولا يخطب لها إلا بعد الزوال، وعلى هذا جمهور الفقهاء وأئ مة الفتوى، وقد كان أحمد بن حنبل يقول: من صلاها قبل الزوال لم أعبه. وقال الأثرم: قلت له: يا أبا عبد الله، ما ترى في صلاة الَمعة قبل زوال الشمس؟ فقال: فيها من الاختلاف ما قد علمت»«1». وقال الإمام أحمد: «إنما ينبغي أن يؤمر الناس بالأمر البين الذي لا شك فيه»« ». 5. احترام قول المخالفين والأخذ بها عند الحاجة: كان أبو حنيفة يفتي بأن المزارعة لا تجوز، ثم يفرع على القول بجوازها، ويقول: «إن الناس لا يأخذون بقولي في المنع». ولهذا صار صاحباه إلى القول بجوازها«7». والإمام أحمد كان يرى الوضوء من الحجامة والفصد، فسئل عمن رأى الإمام احتجم وقام إلى الصلاة ولم يتوضأ، أيصلي خلفه؟ قال: «كيف أصلي خلف مالك وسعيد بن المسيب!». ومذهب أ حنيفة وأصحابه، الوضوء من خروج الدم، ورأ ى أبو يوسف هارون الرشيد احتجم وصلى ولم يتوضأ، وكان مالك أفتاه بأنه لا وضوء عليه إذا احتجم، وصلى أبو يوسف خلفه ولم يعد الصلاة. واغتسل أبو يوسف في الحمام وصلى الَمعة، ثم أخبر بعد الصلاة أنه كان في بئر الحمام فأرة ميتة فلم يعد الصلاة وقال: «نأخذ بقول إخواننا من أهل الحجاز: «إذابلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث». «1» التمهيد لابن عبد ال «1/3 ». « » الآداب الشرعية لابن مفلح« /3 ». «7» مجموع الفتاوى«70/11».
عدد الصفحات ٢٠أ َد َب َََالاخت َلافَ ________________________________________________ 21 وروي أن الشافعي-رحمه الله- ترك القنوت في صلاة الصبح لما صلى مع جماعة الحنفية في مسجد إمامهم، فقال الحنفية: «إنه فعل ذلك أدبًا مع الإمام»«1». ونقل عن الإمام الشافعي أنه اشترى الباقلاء من منادي السكك فأكل، وهو يرى حرمة الأكل من الباقلاء وغيرها مما تجب فيه الزكاة قبل إخراجها وقت الوجوب، وأنه صلى بعدما حلق وعلى ثوبه شعر كثير، وكان وقتئذ يرى نجاسة الشعر على مذهبه القديم، فقيل له في ذلك فقال: «حيث ابتلينا نأخذ بمذهب أهل العراق»« ». وقال المناوي : «حكى الزركشي أن القاضي أبا الطيب - من الشافعية - أقيمت صلاة الَمعة فهم بالتكبير، فذ رق عليه طير، فقال : أنا حنبلي، فأحرم ولم يمنعه عمله بمذهبه من تقليد المخالف عند الحاجة»«7». وقال ابن تيمية: «ثم من المعلوم المتواتر عن سلف الأمة أن بعضهم ما زال يصلي خلف بعض ... فما زال الشافعي وأمثاله يصلون خلف أهل المدينة وهم لا يقرؤون البسملة ر،ا ا ولا جهرً ا»« ». وقال أيضًا: «مذهب أهل المدينة أن الإمام إذا صلى ناسيً ا لَنابته وحدثه ثم علم، أعاد هو ولم يعد المأموم، وهذا هو المأثور عن الخلفاء الراشدين كعمر وعثمان، وعند أبي حنيفة يعيد الَميع، وقد ذكر ذلك رواية عن أحمد والمنصوص المشهور عنه كقول مالك وهو مذهب الشافعي، وا ستخلف الخليفة أبو يوسف - صاحب أبي حنيفة - في صلاة الَمعة ف صلى بالناس ثم ذكر أنه كان محدثًا، فأعاد ولم يأمر الناس بالإعادة، فقيل له في ذلك فقال: ربما ضاق «1» مقدمة المغني للشيخ محمد رشيد رضا «ص/1 ». « » عمدة التحقيق في التقليد والتلفيق للشيخمحمد سعيد الباني «ص/17». «7» فيض القدير«1/ 11» عند شرح حديث«اختلاف أمتي رحمة». « » مجموع الفتاوى« 0/73 » .
عدد الصفحات ٢١أ َد َب َََالاخت َلافَ ________________________________________________ 22 علينا الء فأخذنا بقول إخواننا المدنيين، مع أن صلاة الَمعة فيها خلاف كبير لكون الإمامة شرطً ا فيها». وعند الحنفية يجمعون الوتر ثلاث ركعات، وينصون على من أوتر خلاف إمام شافعي وفرق الوتر فلا مانع. وينص الفقهاء في كتبهم أن الأمر في هذه المسألة كذا وكذا، والأحوط كذا للخروج من خلاف الغير. قال صاحب الكشاف من الحنابلة في القطع في السرقة: «وإن عجز رب دينعن استيفائه، أو مجني عليه من أر ش جناية فسرق قدر دينه، أو حق في أرش جناية فلا قطع، لأن بعض العلماء أباح له الأخذ، فيكون الاختلاف في إباحة الأخذ شبهة تدرأ الحد، كالوطء في نكاح مُتلف في صحته»«1». وقال النووي في شرح المهذب ما نصه : «وإذا تزوج المحرم فنكاحه باطل عندنا وعند الَمهور، ويفرق بينهما تفرقة الأبدان بغير طلاق»« ». وقال مالك وأحمد: «يجب تطليقها لتحل لغيره بيقين لشبهة الخلاف في صحة النكاح». قال في المغني بعد أن ذكر مذهب أحمد في بطلان نكاح المحرم وعن أحمد: «إن زوج المحرم لم أفسخ النكاح وكلام أحمد يحمل على أنه لا يفسخه لكونه مُتلفً ا فيه. قال القاضي : ويفرق بينهما بطلقة، وهكذا كل نكاح مُتلف فيه»«7». قال محمد العاقب- من المالكية - في نوازل سيدي عبد الله صاحب مراقي السعود: «1 »كشاف القناع«3/1 7». « »المجموع«3/ 3». «7 » المغني«7/1 1».
عدد الصفحات ٢٢أ َد َب َََالاخت َلافَ ________________________________________________ 23 وَغَ سْ لُ فَ ضْ لاتِ المبَ احِ يُ سْ تَ حَ ب ْ لأنَّ خُ لْ فَ الشَّ افِ عِ يِّ يجُ تَ نَ بْ «1» وذكر صاحب «كشاف القناع» في«باب رد الشهادة»: أن من عمل من الفروعالمختلف فيها عند الأئمة اختلافً ا شائعً ا، كمن تزوج بلا ولي أو بلا شهود، أو شرب من النبيذ ما لا يسكر، أو أخر الزكاة، أو حج متأولاً أو مقلدً ا لمن يرى حله، لم تر د شهادته؛ لأن الصحابة كانوا يختلفون في الفروع ، وقبلوا شهادة كل مُالف لهم فيها، ولأنه اجتهاد شائع لا يفسق به المخالف كالمتفق عليه»« ». 6. ترك بعض السنن والمستحباتئتلاف الناس وعدم مخالفتهم. عن عبد الرحمن بن يزيد قال: «كنا مع عبد الله بن مسعود بجمع، فلما دخل مسجد منى قال: كم صلى أمير المؤمنين؟ قالوا: أربعًا. فصلى أربعًا، قال: فقلنا أما تحدثنا أن النبي ص ركعتين و أبا بكر صلى ركعتين؟ ! قال: بلى، وأنا أحدثكموه الآن، ولكن عثمان ك ان إمامًا فيما أخالفه، والخلاف شر»«7». وروي أن الإمام الشافعي – رحمه الله - ترك القنوت في صلاة الصبح مع جماعة من الحنفية في مسجد إمامهم. وقال الإمام أحمد في الركعتين قبل المغرب: «رأيت الناس يكرهونهافتركتها، فلا نسمع من جاهل يرى مثل هذه الأشياء رياء، إنما هذه صيانة للعلم»« ». وقال ابن عبد ال: «سمعت شيخنا أبا عمر أحمد بن عبد الملك بن هاشم- رحمه الله - يقول: كان أبو إبراهيم إسحاق بن إبراهيم - شيخنا - يرفع يديه كلما خفض ورفع، على حديث «1» موقف الأمة من اختلاف الأئمةللشيخ عطية سالم «ص/117». « » كشاف القناع«3/ ». «7 » أخرجه البيهقي في السنن الكبرى«7/1 ». « » الآداب الشرعية لابن مفلح« /713»، صيد الخاطر«1/ 70».
عدد الصفحات ٢٣أ َد َب َََالاخت َلافَ ________________________________________________ 24 ابن عمر في الموطأ، وكان أ فضل من رأيت وأفقههم وأصحهم علماً ودينً ا، فقلت له : فلم لا ترفع أنت فنقتدي بك؟ قال لي: لا أخالف رواية ابن القاسم؛ لأن الَماعة لدينا اليوم عليها، ومُالفة الَماعة فيما قد أبيح لنا ليس من شيم الأئمة»«1». قالمد بن رافع: «كنت مع أحمد بن حنبل وإسحاق عند عبد الرزاق، فجاءنا يوم الفطر، فخرجنا مع عبد الرزاق إلى مصلى ومعنا ناس كثير، فلما رجعنا من المصلى دعانا عبد الرزاق إلى الغداء، فقال عبد الرزاق لأحمد وإسحاق: رأيت اليوم منكما عجبًا لم تكبرا؟!، قال أحمد وإسحاق: يا أبا بكر نحن كنا ننظر إليك هل تكبر؟ فلما رأيناك لم تكبر أمسكنا، قال: وأنا كنت أنظر إليكما هل تكبران فأكبر»« ». قال شيخ الإسلام: «إذا اقتدى المأموم بمن يقنت في الفجر أو الوتر قنت معه، سواء قنت قبل الركوع أو بعده، وإن كان لا يقنت لم يقنت معه، ولو كان الإمام ير ى استحباب شيء، والمأمومون لا يستحبونه فتركه لأجل الاتفاق والائتلاف كان قد أحسن. ثم استدل – رحمه الله- بقول النبي لعائشة: «لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية لنقضت الكعبة، ولألصقتها بالأرض، ولجعلت لها با بين بابًا يدخل الناس منه، وبابًا يخرجون منه »«7»، فترك الأفضل عنده؛ لئلا ينفر الناس. وكذلك لو كان رجل يرى الَهر بالبسملة فأم قومً ا لا يستحبونه أو بالعكس، ووافقهم فقد أحسن»« ». وقال رحمه الله في مسألة الَهر بالبسملة وإظهارها : «ويستحب للرجل أن يقصد إلى تأليف القلوب بترك هذه المستحبات؛ لأن مصلحة التأليف في الدين أع ظم من مصلحة فعل «1 »التمهيد لابن عبد ال«1/ 7». « » تاريخ دمشق«73/13 »، سير أعلام النبلاء «1/ 33». «7 »أخرجه البخاري«1 3»، ومسلم«1777». « » مجموع الفتاوى« / 31».
عدد الصفحات ٢٤أ َد َب َََالاخت َلافَ ________________________________________________ 25 مثل هذا»«1». وقال رحمه ا: «ويسوغ أيضًا أن يترك الإنسان الأفضل لتأليف القلوب واجتماع الكلمة؛ خوفً ا من التنفير»« ». وقال رحمه ا: «ولذلك استحب الأئمة أحمد وغيره، أن يدع الإمام ما هو عنده أفضل، إذا كان فيه تأليف المأمومين، فلو كان من يرى المخافتة بالبسملة أفضل أو الَهر بها وكان المأموم على خلاف رأيه، ففعل المفضول عنده لمصلحة الموافقة والتأليف التي هي راجحة ع لى مصلحة تلك الفضيلة كان جائزًا حسنًا »«7». وقال ابن عقيل في الفنون : «لا ينبغي الخروج من عادات الناس إلا في الحرام، فإن الرسول ترك الكعبة وقال: «لولا حدثان قومكالجاهلية»« ». وترك أحمد الركعتين قبل المغرب؛ لإنكار الناس لهما، وذكر في الفصول عن الركعت قبل المغرب، وفعل ذلك إمامنا أحمد ثم تركه وا عتذر بتركه بأن قال : «رأيت الناس يعرفونه»« ». 7. عدم الإنكار على ما اجتمع عليه أهل الأمصار: عن أبي عبيدة قال : «قالعلي بن أبي طالب :اقضوا ما كنتم تقضون فإني أكره الاختلاف حتى يكون للناس جماعة أو أموت كما مات أصحابي»«3». «1» مجموع الفتاوى« / 03». « » مجموع الفتاوى« / 73». «7» مجموع الفتاوى« /11 ». « » الآداب الشرعية« / 3»، ويعني ترك الكعبة كما بنيت في الَاهلية ناقصة عن بناء إبراهيم عليه السلام، وكان يود أن يعيدها على أساس إبراهيم ويجعل لها بابين متقابلين. « » المصدر السابق. «3» تاريخ بغداد«1/ ».
عدد الصفحات ٢٥أ َد َب َََالاخت َلافَ ________________________________________________ 26 وكتب عمر بن عبد العزيز - رحمه الله - إلى الأمصار : «ليقضِ كل قوم بما اجتمع عليه فقهاؤهم»«1». وقال الإمام مالك للرشيد: «إن اختلاف العلماء رحمة من الله على هذه الأمة، كل يتبع ما صح عنده، وكل على هدى، وكل يريد الله»« » . وفي رواية قال : «إن الناس قد سبقت إليهم أقاويل، وسمعوا أحاديث، ورووا روايات، وأخذ كل قوم بما سبق إليهم وعملوا به، ودانوا به من اختلاف الناس وما هم عليه، وما اختار كل بلد لأنفسهم»«7». وفي رواية الزبير بن بكار: «قال مالك: يا أمير المؤمنين قد رسخ في قلوب أهل كل بلد ما اعتقدوه وعملوا به، ورد العامة عن مثل هذا عسير»« ». قال إ سماعيل ابن بنت السدي : «كنت في مجلس مالك، فسئ ل عن فريضة فأجاب بقول زيد، فقلت : ما قال فيها علي وابن مسعود ... فقال مالك : إن علياا وعبد الله لا ينكر فضلهما، وأهل بلدنا على قول زيد بن ثابت، وإذا كنت بين قوم فلا تبدأهم بما لا يعرفون، فيبدأك منهم ما تكره»« » . قال القاضي عياض-رحمه الله-: «روي أن عمر بن الخطاب قال على المنبر: أحرج بالله على رجل روى حديثًا العمل على خلافه»قال ابن القاسم وابن وهب: رأيت العمل عند مالك أقوى من الحديث. قال مالك : «وقد كان رجال من أهل العلم من التابعين يحدثون بالأحاديث وتبلغهم عن «1» سنن الدارمي«1/1 1». « » كشف الخفاء للعجلو«1/31». «7» الانتقاء لابن عبد ال«10-11»، وسير أعلام النبلاء«1/31». « » الانتقاء لابن عبد ال«10-11»، وسير أعلام النبلاء«1/31». « » الَليس الصالح الناصح الفرج المعافى بن زكريا النهرواني « / 33»،سير أعلام النبلاء «11/133».
عدد الصفحات ٢٦أ َد َب َََالاخت َلافَ ________________________________________________ 27 غيرهم فيقولون: ما نجهل هذا، ولكن مضى العمل على غيره». قال مالك: «رأيت محمد بن أبي بكر بن عمرو بن حزم وكان قاضيًا وكان أخوه عبد الله كثير الحديث، رجل صدق، فسمعت عبد الله إذا قضى محمد بالقضية قد جاء فيها الحديث مُالفًا للقضاء يعاتبه ويقول له : ألم يأت في هذا حديث كذا؟ فيقول : بلى، فيقول أخوه : فما لك لا تقضي به فيقول: فأين الناس عنه؟ يعني ما أجمع عليه من العلماء بالمدينة، يريد أن العمل أقوى من الحديث». وقال ابن المعذل : «سمعت إنسانًا سأل ابن الماج شون: لم رويتم الحديث ثم تركتموه؟ قال: ليعلم أنا على علم تركناه». قال ربيعة: «ألف عن ألف أحب إلى من واحد عن واحد، لأن واحدً ا عن واحد ينتزع السنة من أيديكم». قال ابن أبي حازم : «كان أبو الدرداء يسأل فيجيب فيقال : إنه بلغنا كذا وكذا - بخلاف ما قال-فيقول: وأنا قد سمعته، ولكني أدركت العمل على غير ذلك». قال ابن أبي الزناد: «كان عمر بن عبد العزيز يجمع الفقهاء ويسألهم عن السنن والأقضية التي يعمل بها فيثبتها، وما كان منه لا يعمل به الناس ألغاه، وإن كان مُرجه من ثقة»«1». قال ابن وهب : «قال مالك : سمعت من ابن شهاب أحاديث كثيرة ما حدثت به ا قط ولا أحدث بها، قيل له: لـِمَ ؟ قال: ليس عليها العمل»« ». قال مهنا: «قلت لأحمد في مسألة، فقال لي: قد ترك الناس هذا اليوم ومن يعمل بهذا اليوم، قلت له : وإن ترك الناس هذا فلا يترك معرفة علم لا يعرفه الناس حتى لا يموت، قال : نعم، حدثني بقية بن الوليد قال: قال لي الأوزاعي: تعلم من الأحاديث ما لا يؤخذ به، كما تعلم ما «1» ترتيب المدارك«1/33» للقاضي عياض باب ما جاء عن السلف والعلماء في وجوب الرجوع إلى عمل أهل المدينة. « » ما رواه الأكابر عن مالك لمحمد بن مُلد المروزي«1/ 1»، وترتيب المدارك «1/37» باب تحريه في العلم والفتيا والحديث.
عدد الصفحات ٢٧أ َد َب َََالاخت َلافَ ________________________________________________ 28 يؤخذ به، فقال أحمد: يقول تعرفها»«1». وقال عبد الرزاق: «لقيت مالكًا فقلت له: إن سفيان الثوري حدثنا عنك عن ابن قسيط عن ابن المسيب أن عمر وعثمان قضيا في الملقاة بنصف الموضحة، قال : صدق قد حدثته، قلت: حدثني به، قال: لا أحدث به اليوم، قلت: لـِمَ لا تحدثني به وقد حدثت به غيري؟، قال: إن العمل اليوم على غيره»« ». 8. اعتذارهم لمن ظنوه بأنه خالف السنة بما يليق بحاله. قال العباس : «رأيت عبد الرحمن بن مهدي جاء يوم الَمعة فجلس خارجًا عن الحلقة، فقال له يحيى: ادخل الحلقة، فقال: أنت حدثتني عن ابن عجلان عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي نهى عن الحلق يوم الَمعة قبل خروج الإمام . قال يحيى : فإني رأيت حبيب بن الشهيد وهشامً ا وابن أبي عروبة يتحلقون، قال ابن مهدي: فهؤلاء بلغهم أن النبي قاله ففعلوه؟! فسكت يحيى»«7». عن أد بن حنبل قال: «بلغ ابن أبي ذئب أن مالكًا لم يأخذ بحديث: «البيعان بالخيارما لم يتفرقا»فقال: يستتاب وإلا ضربت عنقه، قال أحمد: ومالك لم يرد الحديث ولكن تأوله على غير ذلك»« ». نعم، رحم الله الإمام أحمد، هذا هو اللائق في حق إمام عظيم، أن نحسن الظن به، فالإمام مالك لم يرد الحديث وإنما تأوله، فرأى أن المقصود بالتفرق هو التفرق بالأقوال، وهو مذهب أبي حنيفة، وذهب الشافعي وأحمد إلى العمل بظاهر الحديث، وهو التفرق بالأبدان. «1» الآداب الشرعية لابن مفلح« /31». « » السنن الكبرى للبيهقي«1/17-1 »، تاريخ دمشق«3 / 33». «7» ترتيب المدارك«1/ 7 ». « » المعرفة والتاريخ «1/313».
عدد الصفحات ٢٨أ َد َب َََالاخت َلافَ ________________________________________________ 29 فصلحكم الإنكار في مسائل الاختلاف سبق أن ذكرنا في الباب السابق إقرار أهل الأمصار على ما اجتمعوا عليه ، وعدم الإ نكار عليهم فيما اجتمعوا عليه من مسائل الخلاف. ونكمل في هذا الفصل أقوالاً أخرى لأهل العلم في عدم الإنكار فيما يسوغ فيه الاختلاف من مسائل الاجتهاد، ومسائل الاجتهاد هي ما لم يكن فيها دليل يجب العمل به وجوبًا ظاهرًا ، مثل: حديث صحيح لا معارض له من جنسه، أو إجماعٍ قديم «1». قال سفيان الثوري-رحمه الله-: «إذا رأيت الرجل يعمل العمل الذي اختُلِ فَ فيه، وأنت ترى غيره فلا تنهه»« ». وفي رواية قال: «مااختلف فيه الفقهاء فلا أنهى أحدًا من إخواني أن يأخذ به». قال أبو وائل شقيق بن سلمة: «ألم أنبأ بأنكم صبيان، لقد رأيتني ومسروقًا بالسكسكة يرى رأيًا وأرى غيره، ما نتناكر- أو كلمة نحوها-»«7». وقال النووي: «إن المختلف فيه لا إنكار فيه، لكن إن ندبه على وجه النصيحة إلى الخروج من الخلاف، فهو حسن محبوب مندوب إلى فعله برفق». وقال أ يضًا : «ليس للمفتي ولا للقاضي أن يعترض على من خالفه إذا لم يخا لف نصاا أو إجماعًا أو قياسً ا جلياا»« ». قال ابن مفلح : «لا إنكار فيما يسوغ اختلاف فيه من الفروع على من اجتهد فيه، أو قلد «1» أما إن كان يخالف سنة أو إجماعًا قديماً وجب الإنكار، وإن قال به بعض أ ئمة السل ف؛ لأنه تيقن خطؤه فيها كزواج المتعة، وربا الفضل. « » حلية الأولياء«1/1 1»، الفقيه والمتفقه« /31». «7» تاريخ دمشق« 7/13 ». « » شرح صحيح مسلم« / 7».
عدد الصفحات ٢٩أ َد َب َََالاخت َلافَ ________________________________________________ 31 مجتهدًا فيه، كذا ذكره القاضي والأصحاب وصرحوا بأنه لا يجوز، ومثلوه بشرب يسير النبيذ، والتزوج بغير ولي، ومثله بعضهم بأكل متروك التسمية... قال: وذكر في المغني : أنه لا يملك منع امرأته الذمية من يسير الخمر على نص أحمد لاعتقادها إباحته- ثم قال- : وذكر أيضً ا في مسألة مفردة: أنه لا ينبغي لأحد أن ينكر على غيره العمل بمذهبه، فإنه لا إنكار على المجتهدات. انتهى كلامه. وقد قال أحمد في رواية المروذي: لا ينبغي للفقيه أن يحمل الناس على مذهبه، ولا يشدد عليهم. وقال مهنا : سمعت أحمد يقول : من أراد أن يشر ب هذا النبيذ يتبع فيه شرب من شرب ه فليشربه وحده»«1». وسئل أحمد عن رجليصلي في مسجد وهو يشرب من النبيذ ما يسكر منه أيصلى خلفه؟ قال: إذا كان متأولاً ولم يسكر فأرجو، فإن سكر لم يصل خلفه، قال : ونحن نروي عمن كان يشرب»« ». قال ابن الَنيد : «سمعت يحيى بن معين يقول : تحريم النبيذ صحيح، ولكن أقف ولا أحرمه، قد شربه قوم صالحون بأحاديث صحاح، وحرمه قوم صالحون بأحاديث صحاح»«7». ودخل أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وزهير بن حرب على خلف بن هشام يسألونه، فلما أرادوا الانصراف قال لأحمد: «أي شيء تقول في هذا يا أبا عبد الله؟ - لقنينة نبيذ كانت أمامه وكانت الَارية تريد أخذها لما رأت قدومهم - فقال لها: دعيها يرى الله عز وجل شيئًا فأكتمه عن الناس -، قال أحمد: ليس ذاك إلي، ذاك إليك، قال: كيف، قال أحمد: قال النبي :«كلكم «1 »الآداب الشرعية«1/111- 111». « » مسائل الإمام أحمدلابنه صالح « /1 1»، ومسائل أبي داود«ص/ »، ومسائل ابن هانئ«1/ 1». «7» سير أعلام النبلاء«11/11» .
عدد الصفحات ٣٠أ َد َب َََالاخت َلافَ ________________________________________________ 31 راع وكلكم مسئول عن رعيته، والرجل راع في منزله ومسؤول عما فيه»، وليس للخارج أن يغير على الداخل شيئًا»«1». وقال الأوزاعي في الذي يقبل امرأته: «إن جاء يسألني قلت: يتوضأ. وإن لم يتوضأ لم أعب عليه». وقال الإمام أحمد في الركعتين بعد الع: «لا نفعله،ولا نعيب من فعله»« ». وسئل ابن تيمية عمن ولي أمرًا من أمور المسلمين، ومذهبه لا يجوز شركة الأبدان، فهل يجوز له منع الناس؟ فأجاب: «ليس له منع الناس من مثل ذلك ولا من نظائره مما يسوغ فيه الاجتهاد، وليس معه بالمنع نص من كتاب ولا سنة ولا إجماع ، ولا ما هو في معنى ذلك ... وهذا كما أن الحاكم ليس له أن ينقض حكم غيره في مثل هذه المسائل، ولا للعالم والمفتي أن يلزم الناس باتباعه في مثل هذه المسائل، ولهذا كان بعض العلماء يقول : إجماعهم حجة قاطعة، واختلافهم رحمة واسعة. وقال غير واحد من الأئمة : ليس للفقيه أن يحمل الناس على مذهبه، ولهذا قال العلماء المصنفون في الأم ر بالمعروف والنهي عن المنكر من أ صحاب الشافعي وغيره: إن مثل هذه المسائل الاجتهادية لا تنكر باليد، وليس لأحد أن يلزم الناس باتباعه فيها، ولكن يتكلم فيها بالحجج العلمية، فمن تبين له صحة أحد القولين تبعه، ومن قل د أهل القول الآخر فلا إنكار عليه. ونظائر هذه المسائل كثيرة، م ثل: تنازع الناس في بيع ا لباقلاء الخضراء في قشريه ، وبيع المعاطاة والسلم الحال، واستعمال الماء الكثير بعد وقوع النجاسة فيه إذا لم تغيره، والتوضؤ «1» طبقات الحنابلة«1/1 ». « » التمهيد لابن عبد البر «17/73».
عدد الصفحات ٣١أ َد َب َََالاخت َلافَ ________________________________________________ 32 من مس الذكر والنساء، وخروج النجاسات من غير السبيلين، والقهق هة، وترك الوضو ء من ذلك، والقراءة بالبسملة ر،اا وجهرًا وترك ذلك، وتنجيس بول ما يؤكل لحمه وروثه، أو القول بطهارة ذلك، وبيع الأعيان الغائبة بالصفة وترك ذلك، والتيمم بضربة أو ضربتين إلى الكوعين أو المرفقين، وا لتيمم لكل صلاة ، أو لوقت كل صلاة، أو الاكتفاء بتيمم واحد، وقبول شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض، أو المنع بقبول شهادتهم»«1». وسئل– رحمه الله- عمن يقلد بعض العلماء في مسائل الاجتهاد، فهل ينكر عليه أم يهجر، وكذلك من يعمل بأحد القولين؟ فأجاب: «مسائل الاجتهاد من عمل فيها بقول بعض العلماء لم ينكر عليه ولم يهجر، ومن عمل بأحد القولين لم ينكر عليه»« ». وقال في معرضجوابه عن سؤال: «كما تنازعالمسلمون أيما أفضل الترجيع في الأذان أو تركه، أو إفراد الإقامة أو إ ثنائها، وصلاة الفجر بغلس أو الإسفار بها، والقنوت في الفجر أو تركه، والَهر بالتسمية أو المخافتة بها، أو ترك قراءتها، ونحو ذلك، فهذه مسائل الاجتهاد التي تنازع فيها السلف والأئمة، فكل منهم أقر الآخر على اجتهاده، من كان فيها أ صاب الحق فله أجران، ومن كان قد اجتهد فأخطأ فله أجر وخطؤه مغفور له، فمن ترجح عنده تقليد الشافعي لم ينكر على من ترجح عنده تقليد مالك، ومن ترجح عنده تقليد أحمد لم ينكر على من ترجح عنده تقليد الشافعي ونحو ذلك»«7» . وسئل يحيى بن فرس عن ذبيحة رميت عقدة حلقها إلى أسفل، فقال يحيى : «حرام تؤكل. فقال له إبراهيم بن حسين: لا تقل حرام، إنما الحرام ما حرم الله ورسوله، وأما ما اختلف «1» مجموع الفتاوى«70/31 - 10». « » مجموع الفتاوى« 0/ 03». «7» مجموع الفتاوى« 0/ 1 ».
عدد الصفحات ٣٢