أ َد َب َََالاخت َلافَ ________________________________________________ 1 بسم الله الرحمن الرحيم المقدمة إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ^. أما بعد: فالحمد لله الذي رحم هذه الأمة، فأرسل إليهم نبي ا لرحمة، وجعل اختلاف علمائهم توسعة ورحمة؛ ذلك لأن سنة الله في البشر أن يختلفوا ﴿وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَََعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُُْتَلِفِينَ إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ﴾ [هود 111 -111.] وسأذكر في هذه الرسالة أخبار السلف في مراعاتهم لأدب الاختلاف، وأن اختلافهم يؤد إلى خلاف، كما هو حاصل في زمننا هذا. قال عبدة ابن أبي لبابة: «كنت في سبعين من أصحاب عبد الله بن مسعود، وقرأت عليهم القرآن، ما رأيت منهم اثنين يختلفان، يحمدون الله على الخير، ويستغفرونه من الذنوب»«1». «1» تاريخ دمشق«73/713».
عدد الصفحات ١أ َد َب َََالاخت َلافَ ________________________________________________ 2 فصل: في مشروعية الاختلاف والأدب فيه إن الاختلاف في فروع الأحكام الشرعية واقع من زمان الصحابة إلى يومنا هذا. قال الشاطبي في الاعتصام : «إن الخلاف من زمان الصحابة إلى الآن واقع في المسائل الاجتهادية، وأول ما وقع الخلاف في زمان الخلفاء الراشدين المهديين، ثم في سائر الصحابة، ثم في التابعين، ولم يعب أحد ذلك منهم، وبالصحابة اقتدى من بعدهم في توسيع الخلاف، فكيف يمكن أن يكون الافتراق في المذاهب مما يقتضيه الحديث؟!«1»»« ». قال القاسم بن محمد«7» :«كان اختلاف أصحاب رسول ا^رة للناس»« ». وعنه: «لقد نفع الله باختلاف أصحاب النبي^في أعمالهم، لا يعمل العامل بعمل رجل منهم، إلا رأى أنه في سعة، ورأي أن خيرًا منه قد عمله ». وقال عمر بن عبد العزيز: «ما أحب أن أصحاب رسول ا^لم يختلفوا؛ لأنه لو كان قولاً واحدًا كان الناس في ضيق، و إنهم أئمة يقتدى بهم، ولو أخذ رجل بقول أحدهم كان في سعة». وعنه قال: «ما يسرني أن لي باختلافهم حمر النعم»« ». وعن يحيى بن سعيد قال : «ما برح المستفتون يستفتون، فيحل هذا ويحرم هذا، فلا يرى «1» يعني بذلك حديث الافتراق، وهو ما أخرجه الترمذي من حديث أبي هريرة مرفوعًا : «تفرقت اليهود على إحدى وسبعين أو اثنتين وسبعين فرقة والنصارى مثل ذلك، وتفترق أمتي ثلاث وسبعين فرقة»، وروي بألفاظ مُتلفة. « » الاعتصام للشاطبي«1/111». «7» القاسم بن محمد بنأبي بكر الصديق، وهو أحد فقهاء المدينة السبعة، والخبر انظره في طبقات ابن سعد « /111»، وجامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر « /101». « » طبقاتابن سعد « /111»،وجامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر « /101». « » جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر « /101-10 ».
عدد الصفحات ٢أ َد َب َََالاخت َلافَ ________________________________________________ 3 المحرم أن المحلل هلك لتحليله، ولا يرى المحلل أن المحرم هلك لتحريمه»«1». وعن محمد بن عبد الرحمن الصيرفي قال: «قلت لأحمد بن حنبل: إذا اختلف أصحاب رسول الله ^في مسألة، هل يجوز لنا أن ننظر في أقوالهم لنعلم مع من الصواب فنتبعه؟ قال: لا يجوز النظر في أصحاب رسول الله ^. فقلت: كيف الوجه في ذلك؟ قال: تقلد أيهم أحببت. قال أبو عمر: «و ير النظر فيما اختلفوا فيه؛ خوفًا من التطرق إلى النظر فيما شجر بينهم، وحارب بعضهم بعضًا »« ». وذكر شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى: «أنه صنف رجل كتابًا في الاختلاف فقال أحمد: لا تسمه «كتاب الاختلاف»، ولكن سمِّهِ كتاب السعة »«7». وفي سنن الدرامي: «باب في اختلافالفقهاء»، عن حميد قال: قلت لعمر بن عبدالعزيز: لو جمعت الناس على شيء؟ فقال: «ما يسرني أنهم لم يختلفوا، ثم كتب إ الآفاق - أو إلى الأمصار- ليقضِ كل قوم بما اجتمع عليه فقهاؤهم». وعن عون بن عبد الله قال: «ما أحب أن أصحاب النبي^لم يختلفوا، فإنهم لو اجتمعوا على شيء فتركه رجل ترك السنة ، ولو اختلفوا فأخذ رجل بقول أحد أخذ بالسنة»« ». «1» تاريخ بغداد «1/ ». « » جامع بيان العلم وفضله « /10 ». «7» مجموع الفتاوى«70/31». « » سنن الدارمي«7/1 1».
عدد الصفحات ٣أ َد َب َََالاخت َلافَ ________________________________________________ 4 وفي حلية الأولياء قال : «كان طلحة بن مصرف إذا ذكر عنده الاختلاف قال : «لا تقولوا : الاختلاف، ولكن قولوا: السعة»«1». وما قاله عمر بن عبد العزيز : «ليقضِ كل قوم بما اجتمع عليه فقهاؤهم »،أي: إقرار أهل الأمصار بما اجتمعوا عليه. وعن أبي عبيدة قال : «قال علي بن أبي طالب :اقضوا ما كنتم تقضون، فإني أكره الاختلاف حتى يكون للناس جماعة، أو أموت كما مات أصحابي»« ». وعمر بن الخطاب رأى في ميراث الَد غير ما كان أبو بكر يراه، فقال: «إن رأيتم أن تتبعوه فاتبعوه»، ولم يحمل الناس عليه، وهو أميرهم، فأجابه عثمان بالتوسعة في الأمر وأن كلاا منهما مصيب، فعن مروان بن الحكم قال : «قال لي عثمان بن عفان: إن عمر قال لي: إني قد رأيت في الَد رأيـًا، فإن رأيتم أن تتبعوه فاتبعوه. قال عثمان: إن نتبع رأيك فإنه رشد، وإن تتبع رأي الشيخ قبلك، فنعم ذو الرأي كان». قال: وكان أبو بكر يجعله أبًا»«7». وأخرج الخطيب «رواة مالك »عن إسماعيل بن أبي المجالد قال : قال هارون الرشيد لمالك بن أنس: «يا أبا عبد الله نكتب هذه الكتب– يعني الموطأ – وتفرقها في الآفاق لتحمل عليها الأمة. قال: يا أمير المؤمنين، إن اختلاف العلماء رحمة من الله تعالى على هذه الأمة، كل يتبع ما صح عنده، وكل على هدى، وكل يريد الله تعالى»« ». «1» حلية الأولياء« /11». « » تاريخ بغداد«1/ ». «7» سنن الدارمي«7/1 1». « » كشف الخفاء للعجلو«1/31».
عدد الصفحات ٤أ َد َب َََالاخت َلافَ ________________________________________________ 5 وفي الحلية قال مالك : «شاورني الرشيد في ثلاثة فذكرها، ومنها : أن يعلق الموطأ، ويحمل الناس على ما فيه فقال له: إن أصحاب رسول الله ^اختلفوا في الفروع، وتفرقوا الآفاق، وكل عند نفسه مصيب»«1». فانظر- رحمك الله - إقرار مالك اختلاف الصحابة ومن بعدهم، ورفضه حمل الناس على مذهب واحد يعتقد فيه الصواب، وإقراره مُالفيه على ما هم عليه، وكذلك كان الأئمة . قال الإمام أبو حنيفة: «قولنا هذا رأي، وهو أحسن ما قدرنا عليه، فمن جاء بأحسن من قولنا، فهو أولى بالصواب منا»« ». وقال الإمام أحمد: «لم يعبر الَسر إلى خرسان مثل إسحاق– ابن راهويه -، وإن كان يخالفنا في أشياء، فإن الناس لم يزل يخالف بعضهم بعضًا »«7». وقال سفيان الثوري : «إذا رأيت الر جل يعمل العمل الذي اختلف فيه، وأنت ترى غيره، فلا تنهه»« ». وقال عبد الله بن المبارك: «إني لأسمع الحديث فأكتبه، وما من رأيي أن أعمل به، ولا أن أحدث به، ولكن أتخذه عدة لبعض أصحابي، إن عمل به أقول: عمل بالحديث»« ». وقال سفيان : «إذا بلغكم عن موضع رخص، فارتحلوا إليه، فإنه أسلم لدينكم، وأقل لتهمتكم»«3». «1» حلية الأولياء«3/77 ». « »تاريخ بغداد«17/7 ». «7» تاريخ دمشق«1/1 1». « » حلية الأولياء«3/731»،التمهيد لابن عبد البر «1/ 1». « » الكفاية للخطيب« 0 ». «3» حلية الأولياء«3/13».
عدد الصفحات ٥أ َد َب َََالاخت َلافَ ________________________________________________ 6 وقالابن قدامة في مقدمة كتابه «المغني»:«أما بعد: فإن الله برحمته وطوله وقوته وحوله ... جعل في سلف هذه الأمة أئمة من الأعلام، مهد بهم قواعد الإسلام، وأوضح بهم مشكلات الأحكام، اتفاقهم حجة قاطعة، واختلافهم رحمة واسعة»«1». ونحوه قاله شيخ الإسلام، وذكر قول الإمام مالك للرشيد في عدم حمل الناس على موطأه، ثم قال: وكذلك قال غير مالك من الأئمة، ليس للفقيه أن يحمل الناس على مذهبه». ثم قال: «ولهذا قال العلماء المصنفون في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أصحاب الشافعي وغيره : إن مثل هذه المسائل الاجتهادية لا تنكر با ليد، وليس لأحد أن يلزم الناس باتباعه فيها، ولكن يتكلم فيها بالحجج العلمية، فمن تبين له صحة أحد القولين تبعه، ومن قلد أهل القول الآخر فلا إنكار عليه»« ». وقال الشاطبي: «إن جماعة من السلف الصالح جعلوا اختلاف الأمة في الفروع ضربًا من ضروب الرحمة، وإذا كان من جملة الرحمة فلا يمكن أن يكون صاحبه خارجًا من قسم أهل الرحمة»«7» . وقالأيضًا : «إنا نقطع بأن الخلاف في مسائل الاجتهاد واقع فيمن حصل له محض الرحمة، وهم الصحابة، ومن تبعهم بإحسان» . قال الشافعي في الأم: «الاختلاف وجهان، فما كان لله فيه نص حكم، أو لرسوله سنة، أو للمسلمين فيه إجماع، لم يسع أحدً ا عَ لِ مَ من هذا واحدً ا أن يخالف ه، وما لم يكن فيه من هذا واحد ، كان لأهل العلم الاجتهاد فيه، بطلب الشبهة بأحد هذه الوجوه الثلاثة، فإذا اجتهد من له «1» ويدل عليه ما رواهأحمد «3/713»، والترمذي « 133»، وأبو داود« 7»، والحاكم«1/ 01/71 » من حديث ابن عمر: «إن ا يجمع أمتي – أو قال : أمة محمد – على ضلالة ». وعن أ مالك الأشعري مرفوعً ا: «إن الله أجاركم من ثلاث، أن لا يدعوا عليكم نبيكم فتهلكوا جميعًا، وأن لا يظهر أهل الباطل على أهل الحق، وأن لا تجتمعوا على ضلالة» .وينظر: التلخيص الحبير لابن حجر «7/1 ». « » مجموع الفتاوى«70/10». «7» الاعتصام« /130».
عدد الصفحات ٦أ َد َب َََالاخت َلافَ ________________________________________________ 7 أن يجتهد وسعه أن يقول بما وجد الدلالة عليه بأن يكون في معنى كتاب، أو سنة، أو إجماع، فإن ورد أمر مشتبه يحتمل حكمين مُتلفين، فاجتهد فخالف اجتهاده اجتهاد غيره، يسعه أن يقول بشيء وغيره بخلافه، وهذا قليل إذا نظر فيه»«1». «1 »الأم للشافعي «3/ 1 ».
عدد الصفحات ٧أ َد َب َََالاخت َلافَ ________________________________________________ 8 فصل: الاختلاف السائغ والاختلاف المذموم مما لا شك فيه أن الاختلاف في العموم غير محمود، لكن هناك اختلاف سائغ يرجع إلى اختلاف الأفهام والعقول في فهم النصوص، وتأويل الآيات، وهو ليس اختلافً ا يؤدي إلى فرقة وهجر، إنما هو توسعة ورحمة، كما جاء الخبر في ذلك عن غير واحد من السلف، فقد اختلف الصحابة في أمور كثيرة، فاختلفوا في القرء ، هل هو ا لطهر أو الحيض ؟ واختلفوا في المواريث، في ميراث الَد مع الإخوة، وفي ميراث ذوي الأرحام، واختلفوا في رؤية النبي ^ ربه ليلة المعراج، واختلفوا في عدة الحامل المتوفى عنها زوجها، ونحو ذلك مما يطول ذكره، وهذا كله اختلاف سائغ. أما الاختلاف المذموم فهو: 1. الاختلاف العق ائدي «أو الاختلاف في الأصول مثل : القدرية، والَبرية، والَهمية، والخوارج، والشيعة، وهو ضلال». . ما كان فيه نص حكم لله، أو لرسوله، أو إجماع المسلمين، لم يسع من علمه أن يخالفه. 7. في الآراء والحروب، ويشير عليه قوله ^لمعاذ بن جبل وأبي موسى الأشعري لما بعثهما إلى اليمن: «تطاوعا ولا تختلفا»«1». فالاختلاف في هذه الأمور الثلاثة منهي عنه وحرام، وإليه تشير الآيات والأحاديث الناهية عن الاختلاف والتفرق. قال تعالى:﴿وَلاَ يَزَالُونَ مُُْتَلِفِين إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ﴾ [هود: 111]. وقال تعا:﴿إِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فيِ الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ [البقرة: 133]. وقال تعا:﴿أنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: 17]. «1» أخرجه البخاري «7/110 »، ومسلم «7/17 1».
عدد الصفحات ٨أ َد َب َََالاخت َلافَ ________________________________________________ 9 وقال:﴿ إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فيِ شيَْءٍ ﴾ [الأنعام: 1 1]. فأما الاختلاف في فهم نصوص الشرع فالأمر فيه واسع. قال الإمام الشافعي: أجد أهل العلم قديماً وحديثً ا مُتلفين في بعض أمورهم، فهل يسعهم ذلك. فقلت له: الاختلاف من وجهين أحدهما محرم، ولا أقول ذلك في الآخر. قال: فما الاختلاف المحرم؟ قلت: كل ما أقام الله به الحجة في كتابه، أو ع لى لسان نبيه منصوصً ا بيننا، لم يحل الاختلاف فيه لمن علمه، وما كان م ن ذلك يحتمل التأويل ويدرك قياسً ا، فذهب الم تأول أو القياس إلى معنى يحتمله الخبر، أو القياس، إن خالفه فيه غيره ، لم أقل إنه يضيق الخلاف في المنصوص. قال: فهل في هذا حجة تبين فرقك بين الاختلافين؟ قلت: قال الله في ذم التفرق:﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتهُْمُ الْبَيِّنَة﴾ [البينة: ] وقال جل ثناؤه:﴿وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولََٰئِكَ لهَُمْ عَذَاب عَظِيم ﴾ [آل عمران: 10 ] . فذم الاختلاف فيما جاءتهم البينات، فأما ما كلفوا فيه الاجتهاد، فقد مثلته لك بالقبلة، والشهادة، وغيرها. قال: فمثل لي بعض ما افترق عليه من روى قوله من السلف، مما لله فيه نص حكم احتمل التأويل، فهل يوجد على الصواب فيه دلالة؟ قلت: قل ما اختلفوا فيه إلا وجدنا فيه عندنا دلالة من كتاب الله، أو سنة رسوله، أو قياسً ا
عدد الصفحات ٩أ َد َب َََالاخت َلافَ ________________________________________________ 11 عليها، أو ع واحدٍ منهما. قال: فاذكر منه شيئًا؟ فقلت له: قال الله تعالى: ﴿وَالمُْطَلَّقَاتُ يَترََبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: 1.] فقالت عائشة: الإقراء: الإطهار. وقال بمثل قولها زيد بن ثابت، وابن عمر ،وغيرهما. وقال نفر من أصحاب النبي :الإقراء الحيض، فلا يحلوا المطلقة حتى تغتسل من الحيضة الثالثة ...»«1». وقال البغوي مبينًا أن اختلاف العلماء رحمة: «أما الاختلاف بين العلماء، فاختلاف رحمة أراد الله أن لا يكون على المؤمنين حرج في الدين، فذلك لا يوجب الهجران والقطيعة؛ لأن هذا الاختلاف كان بين أصحاب رسول الله ،مع كونهم إخوانً ا مؤتلفين، رحماء بينهم، وتمسك بقول كل فريق منهم طائفة من أهل العلم بعدهم، وكل في طلب الحق وسلوك سبيل الرشد مشتركون»« ». وقال الخطيب: «حدثني الوزير أبو القاسم علي بن الحسن بن أحمد المسلمة قال: رأيت أبا الحسن الحذاء«7»في المنام بعد موته ثلاث دفعات، وكأني أقول له في كل دفعة: ما فعل الله بك؟ فيقول: غفر لي، وقلت له في آخر دفعة: كيف عندكم الاختلاف في القراءات؟ فقال: كله واحد، قلت: فالاختلاف في أمور ا لدين؟ فقال : كله واحد، فأردت أن أ قول: فالاختلاف في الأصول، فاعتقل لساني ولم أقدر على الكلام، فاعتقدت أني ممنوع من ذلك السؤال، ونويت «1» هو علي بن محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن محمد، أبو الحسن الحذاء المقرئ، كان صدوقًا فاضلاً عالمًا بالقراءات، مات سنة « 1 هـ». « » شرح السنة«1/ 1». «7» شرح السنة«1/ 1».
عدد الصفحات ١٠أ َد َب َََالاخت َلافَ ________________________________________________ 11 أن لا أسأل عنه، فانطلق لساني فقلت: هذا عارض عرض لي وراجعت العزم على أن أسأل عن الاختلاف في أصول الدين ، فاعتقل لساني فنويت ترك السؤال عنه فانطلق لساني، فراجعني العزم على المسألة فاعتقل لساني، فنويت ترك السؤال فانطلق لساني وانتبهت»«1». ونذكر هنا قول ابن القيم– رحمه الله – في بيان الاختلاف المباح، الذي لا يعنف فيه من فعله، ولا من تركه قال: «وهذا رد على أهلالكوفة، الذين يكرهون القنوت في الفجر مطلقًا عند النوازل وغيرها، ويقولون: هو منسوخ، وفعله بدعة، فأهل الحديث متوسطون بين هؤلاء، وبين من استحبه عند النوازل وغيرها ... ومع هذا فلا ينكرون على من داوم عليه، ولا يكرهون فعله، ولا يرونه بدعة، ولا فاعله مُالفًا للسنة، كما لا ينكرون على من أنكره عند النوازل، ولا يرون تركه بدعة، ولا تاركه مُالفًا للسنة، بل من قنت فقد أحسن، ومن تركه فقد أحسن». ثم قال: «وهذا من الاختلاف المباحالذي لا يعنف فيه من فعله، ولا من تركه، وهذا كرفع اليدين في الصلاة وتر كه، وكالخلاف في أنواع التش هدات، وأنواع الأذان والإقامة، وأنواع النسك من الإفراد، والقران، والتمتع». ثم قال: «فإذا قلنا: لم يكن من هديه المداومة على القنوت في الفجر، ولا الَهر بالبسملة، لم يدل ذلك على كراهية غيره، ولا أنه بدعة، ولكن هديه أكمل الهدي وأفضله»« ». «1» تاريخ بغداد«1 /13». « » زاد المعاد «1/ 3 ».
عدد الصفحات ١١أ َد َب َََالاخت َلافَ ________________________________________________ 12 قرار مجلس المجمع الإسلامي بشأن موضوع الخلاف الفقهي الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، سيدنا ونبينا محمد . أما بعد: فإن مجلس المجمع الفقهي الإسلامي، برابطة العالم الإسلامي، في دورته العاشرة، المنعقدة بمكة المكرمة، في الفترة من يوم السبت / /1 01هـ ، المواف ق 13/ اكتوبر/1113م، إلى يوم الأربعاء 1/ /1 01هـ، الموافق 1/ اكتوبر/ 1113م، قد نظر في موضوع الخلاف الفقهي بين المذاهب المتبعة، وفي التعصب الممق وت من بعض أتباع المذاهب لمذهبهم ؛ تعصبً ا يخرج عن حدود الاعتدال، ويصل بأصحابها إلى ال طعن في المذاهب الأخرى وعلما ئها، واستعرض المجلس المشكلات التي تقع في عقول الناشئة العصرية، وتصوراتهم حول اختلاف المذاهب الذي لا يعرفون مبناه ومعناه ، فيوحي إليهم المضللون بأنه ما دام الشرع الإسلامي واحدً ا، وأصوله من القرآن العظيم، والسنة النبوية الثابتة متحدة أ يضً ا، فلماذا اختلاف المذ اهب؛ ول ـِمَ لا توحد حتى يصبح المسلمون أمام مذهب واحد، وفهم واحد لأحكام الشريعة. كما استعرض المجلس أيضً ا أمر العصبية المذهبية، والمشكلات التي تنشأ عنها، لا سيما بين أت باع بعض الاتجاهات الحديثة اليوم في عصرنا هذا، حيث يدعو أصحابها إلى خط اجتهادي جديد، ويطعنو ن في المذاهب القائم ة التي تلقتها الأمة بالقبول من أ قدم العصور الإسلامية، ويطعنون في أئمتها، أو بعضهم ضلالاً ، ويوقعون الفتنة بين الناس. وبعد المداولة في هذا الموضوع ووقائعه، وملابساته، ونتائجه في التضليل والفتنة، قرر المجمع الفقهي توجيه البيان إلى كلا الفريقين المضللين والمتعصبين تنبيهً ا وتبصيرًا : أولاً : اختلاف المذاهب. إن اختلاف المذاهب الفكرية القائم في البلاد الإسلامية نوعان:
عدد الصفحات ١٢أ َد َب َََالاخت َلافَ ________________________________________________ 13 1. اختلاف في المذاهب الاعتقادية. 2. اختلاف في المذاهب الفقهية. فأما الأول وهو الاختلاف الاعتقادي، فهو في الواقع مصيبة جرت إلى كوارث في البلاد الإسلامية، وشقت صفوف المسلمين، وفرقت كلمتهم، وهي مما يؤسف له ويجب أن لا يكون، وأن تجتمع الأمة على مذهب أهل السنة والَماعة الذي يمثل الفكر الإسلامي النقي السليم، في عهد الرسول ،وعهد الخلافة الراشدة التي أعلن الرسول أنها امتداد لسنته بقوله: «عليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ». وأما الثا وهو اختلاف المذاهب الفقهية في بعض المسائل، فله أسباب علمية اقتضته، ولله سبحانه في ذلك حكمة بالغة، ومنها الرحمة بعباده، وتوسيع مجال استنباط الأحكام من النصوص، ثم هي بعد ذلك نعمة وثروة فقهية تشريعية تجعل الأمة الإسلامية في سعة من أمر دينها وشريعتها، فلا تنحصر في تطبيق شرعي واحد حصرًا لا مناص لها منه إلى غيره، بل إذا ضاق بالأمة مذهب أحد الأئمة الفقهاء في وقت ما، أو في أمرها، وجدت في المذهب الآخر سعة ورفقًا ويسرً ا، سواء أكان ذلك في شؤون العبادة أم في المعاملات وشؤون الأر،، والقضاء، والَنايات على ضوء الأدلة الشرعية. فهذا النوع الثاني من اختلاف المذاهب - وهو الاختلاف الفقهي - ليس نقيصة ولا تناقضً ا في ديننا ولا يمكن أن لا يكون، فلا يوجد أمة فيها نظام تشريعي كامل بفقهه واجتهاده، ليس فيها هذا الاختلاف الفقهي الاجتهادي، فالواقع أن هذا الاختلاف لا يمكن أن لا يكون؛ لأن النصوص الأصلية كثيرً ا ما تحمل أكثر من معنى واحد، كما أن النص لا يمكن أن يستوعب جميع الوقائع المحتملة؛ لأن النصوص محدودة والوقائع غير محدودة، كما قال جماعة من العلماء - رحمهم الله -، فلا بد من اللجوء إلى القياس والنظر إلى علل الأحكام، وغرض الشارع والمقاصد العامة للشريعة، وتحكيمها في الوقائع والنوازل المستجدة، وفي هذا تختلف
عدد الصفحات ١٣أ َد َب َََالاخت َلافَ ________________________________________________ 14 فهوم العلماء، وترجيحاتهم بين الاحتمالات ، فتختلف أحكامهم في الموضوع الواحد وكل منهم يقصد الحق ويبحث عنه، فمن أصاب فله أجران، ومن أخطأ فله أجر واحد، ومن هنا تنشأ السعة، ويزول الحرج. فأين النقيصة في وجود هذا الاختلاف المذهبي، الذي أوضحنا ما فيه من الخير والرحمة، وأنه في الواقع نعمة ورحمة من الله بعباده المؤمنين، وهو في الوقت ذاته ثروة تشريعية عظمى، ومزية جديرة بأ ن تتباهى بها الأمة الإسلامية، ولكن المضللين من الأجانب الذين يستغلون ضعف الثقافة الإسلامية لد ى بعض الشباب المسلم ، ولا سيما الذين يدرسون لديهم في الخارج، فيصورون لهم اختلاف المذاهب الفقهية هذا كما لو كان اختلافً ا اعتقادياا ليوحوا إليهم ظلماً و زورً ا بأنه ي دل على تناقض الشريعة دون أن ينتبهوا إلى الفرق بين النوعين ، وشتان ما بينهما. ثانيًا: وما تلك الفئة الأخرى التي تدعو إلى نبذ المذاهب وتريد أن تحمل الناس على خط اجتهادي جديد لها، وتطعن في المذاهب الفقهية القائمة وفي أئمتها أو بعضهم، ففي بياننا الآنف عن المذاه ب الفقهية ومزايا وجودها وأئمتها، ما يوجب عليهم أن يكفوا عن هذا الأسلوب البغيض الذي ينتهجونه ويضللون به الناس، ويشقون صفوفهم، ويفرقون كلمتهم في وقت نحن أحوج ما نكون إلى جمع الكلمة في مواجهة التحديات الخطيرة من أعداء الإسلام، بدلاً من هذه الدعوة المفرقة التي لا حاجة إليها. رئيس مجلس المجمع: عبد العزيز بن عبد الله بن باز . نائب الرئيس: د/عبد الله عمر نصيف. محمد بن جبير د/بكر عبد الله أبو زيد عبد الله العبد الرحمن البسام صالح بن فوزان الفوزان محمد بن عبد الله بن سبيل مصطفى أحمد الزرقاء محمد محمود أبو الحسن علي د/محمد رشيد راغب
عدد الصفحات ١٤أ َد َب َََالاخت َلافَ ________________________________________________ 15 الصواف الندوي قباني محمد الحبيب بن خوجة محمد سالم بن عبد الودود د/طلال عمر بافقيه صلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم ت سليماً كثيرً ا، والحمد لله رب العالمين.
عدد الصفحات ١٥أ َد َب َََالاخت َلافَ ________________________________________________ 16 فصل: من آداب السلف في الاختلاف 1. إحالة المفتي المستفتي إلى من يخالفه «أو تخيير المستفتي بعد الفتيا»: إن للمفتي إذا ا ستفتي وكانت فتواه ليس فيها سعة، ف له أن يحيل المستفتي إلى من عنده سعة. قال أبو بكر الخلال: «أخبرني الحس بن بشار المخرمي، قال : سألت أحمد بن حنبل عن مسألة في الطلاق، فقال: إن فعل حنث، فقلت: يا أبا عبد الله اكتب لي بخطك، فكتب لي في ظهر الرقعة : قال أبو عبد الله: إن فع ل حنث، قلت : يا أبا عبد الله إن أ فتاني إنسان؟ «يعني يحنث»، فقال: تعرف حلقة المدنيين؟ قلت : نعم- وكانت للمدنيين حلقة عندنا في الرصافة في المسجد الَامع- فإن أفتوني حل؟ قال: نعم»«1». 2. إفتاء المستفتين بمذهب من حضر من العلماء وإن خالف مذهبه. كان أبو عثمان أحمد بن إبراهيم بن حماد « »في ولايته الق ضاء بمصر يلازم أبا جعفر الطحاوي يسمع عليه الحديث، فدخل رجل من أهل أسوان، فسأل أبا جعفر عن مسألة فقال أبو جعفر: «من مذهب القاضي أيده الله كذا وكذا. فقال: ما جئت إلى القاضي إنما جئت إليك. فقال له: يا هذا، من مذهب القاضي ما قلت لك. فأعاد القول، فقال أبو عثمان: تفتيه أيدك الله برأيك. فقال: إذا أذن القاضي-أيده الله- أفتيته . «1» طبقات الحنابلة «1/1 »، روضة الناظر وجنة المناظر« 03». « » أبو عثمان هذا بصري بغدادي مالكي المذهب، ولي قضاء مصر سنة «71 هـ»، ثم عزل سنة «713هـ»، ثم ولي مرة أخرى، وكان في طول ولايته يتردد إلى أبي جعفر الطحاوي، وأبو جعفر الطحاوي اسمه أحمد بن محمد بن سلامة، توفي سنة «7 1هـ»، وله التصانيف المشهورة، وهو من كبار فقهاء المذهب الحنفي، من مصنفاته: كتاب اختلاف العلماء، وأحكام القرآن، والعقيدة الطحاوية، وشرح معاني الآثار، وغيرها.
عدد الصفحات ١٦