المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الطريق إلى التوبة

محمد بن إبراهيم الحمد

صفحة ٤ من ٥

51 الطريقإلي التوبة الواجبين ليس مسوغاً لترك الآخر ، والذم الوارد في النصوص إنما هو لترك المعتروف، لا للأمر بالمعروف. قال ت تعالى ت : [لُعِنَ الَذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ ] (المائدة: ، 38 31 .) فانظر كيف ذمهم الله بترك التناهي عن المنكر مع أنهم مشتركون فيه. قال سعيد بن جبير × :=لو كان المرء لا ي مر بالمعروف، ولا ينهى عن المنكر حتى لا يكون فيه شيء ت ما أمر أحد بمعروف، ولا نهى عن منكر+. وقال الحسن لمُطرّف بن عبد الله : =عظْ أصحابك ، فقال: إني أخاف أن أقول ما لا أفعل ، قال الحسن : يرحمك الله ، وأيُنا يفعل ما يقول ؟ يود الشيطان أنه قد ظفر منا بهذا ؛ فلم ي مر أحد بمعروف، ولم ينه أحد عن منكر+. وعلى هذا فعلى من ابتتلي بمعصيتة، أو قصتر في طاعتة_أ

عدد الصفحات ٤٩

52 الطريقإلي التوبة يدع الأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، والدعوة إلى الله حسب قدرته واستطاعته؛ فلربما اهتتتدى على يده عتاص، أو أسلم كافر، أو تسبب في ذلك؛ فكان له من الأجر مثل ما لهم من غير أن ينقص ذلك من أجورهم شيئاً . بل قد يكون أمره ، ونهيه، ودعوته سبباً في هدايته واستقامته بنفسه. ولا يفهم مما سبتق أنه لا ب س في تترك المعتروف ، وفعتل المنكر للآمر والناهي والداعي. بل يجب عليه فعل المعروف، وترك المنكر. وغاية ما في الأمر أن فعل المعروف، وترك المنكر ليس شرطاً للآمر والناهي؛ فلا يقال لمن أمر بالمعروف، ولم يفعله، أو نهى عن المنكر وفعله: لا ت مر ولا تنهَ . وإنما يقال له: داوم على أمرك ونهيك، واتق الله فيما ت تي وما تذر. 44_من أخفى خبيئة ألبسه الله ثوبها : فالجزاء من جنس

عدد الصفحات ٥٠

53 الطريقإلي التوبة العمل، ومن يعمل ستوءاً يجتز به ؛ فقتد يختفى الإنسان ما لا يرضاه الله، فيظتهره الله ت عز وجل ت ولو بعد حين، وينطق به الألسنة وإن لم يشاهده الناس. وإن قلوب الناس لَتَعْرِفُ حتال الشتخّص ، وتحبته أو ت بتاه، وتذمته أو تمدحه وفْقَ ما يت حقق بينه وبين الله؛ فإنه ت سبحانه ت يكفيه كلَ همٍ ويدفع عنه كل شر . وما أصلح عبد ما بينه وبين الخلق دون أن ينظر إلى الله ت عز وجل ت إلا انعكس مقصوده، وعاد حامده ذامَتاً .

عدد الصفحات ٥١

54 الطريقإلي التوبة وبعد أن تبين لنا معنى التوبة، وأهميتُها ، وفضلُها ، وشيءٌ من أحكامها، ومسائلها، وأخطاء الناس في ش نها ت هذه أمور معينة على التوبة ؛ عسى الله أن يذكر بها ناسياً ، وينبه بها غافلاً ؛ فمن تلك الأمور ما يلي: 4_الإخلاص لله، والإقبال عليه ت عز وجل ت: فالإخلاص لله أنفع الأدوية؛ فإذا أخلص الإنسان لربه ، وصدق في طلب التوبة أعانه الله عليها، وأمده ب لطاف لا تخطر بالبال، وصرف عنه الآفات التي تعترض طريقه، وتصده عن التوبة؛ ذلك أن القلب إذا ذاق طعم عبادة الله ، والإخلاص له لم يكن شيء عنده، أحلى، ولا ألذ، ولا أمتع، ولا أطيب من ذلك. والإنسان لا يترك محبوباً إلا بمحبوب آخر يكون أحبَ إليه ، أو خوفاً من مكر وه؛ فالحب الفاسد إنما ينصرف القلب عنه بالحب الصالح، أوبالخوف من الضرر. أمور تعين على التوبة

عدد الصفحات ٥٢

55 الطريقإلي التوبة قال الله ت تعالى ت في حق يوسف: [وَلَقَدْ هَمَ ْ بِهِ وَهَمَ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُ خّْلَصِينَ ] (يوسف: 42 .) فالله يصرف عن عبده ما يسوؤه من الميل إلى الصور ، والتعلق بها، ويصرف عنه الفحشاء بإخلاصه لله. ولهذا تغلب الإنسان نفسُه على اتباع هواها قبل أن يذوق حلاوة العبودية لله والإخلاص له، فإذا ذاق طعم الإخلاص، وقوي قلبه ت انقهر قلبه بغير علاج. قال ابن تيمية × :=وإذا كان العبد مخلصاً لله اجتباه ربه ف حيا قلبه ، واجتذبه إليه ؛ فينصرف عنه ما يضاد ذلك من السوء والفحشاء، ويخاف من ضد ذلك+. بخلاف القلب الذي لم يخلص لله؛ فإن فيه طلباً ، وإرادة، وحباً مطلقاً ، فيهوى كل ما يسنح له ، ويتشبث بما يهواه كالغصن أي نسيم مرّ به عطفه ، وأمالَهُ ؛ فتارة تجتذبه الصور المحرمة وغير المحرمة ، فيبقى أسيراً عبداً لمن لو اتخذه هو عبداً

عدد الصفحات ٥٣

56 الطريقإلي التوبة لكان ذلك عيباً ونقصاً وذماً . وتارة يستعبده الدرهم والدينار ، وأمثال ذلك من الأمور التي تستعبد القلوبَ ، والقلوبُ تهواها ، فيتخّذ إلهه هواه ، ويتبع بغير هدى من الله. ومن لم يكن خالصاً لله ، عبداً له ، قد صار قلبه معبداً لربه وحده لا شريك له بحيث يكون الله أحب إليه مما سواه ، ويكون ذليلاً له خاضعاً ، وإلا استعبدته الكائنات، واستول على قلبه الشياطين ، وصار فيه من السوء والفحشاء ما لا يعلمه إلا الله، وهذا أمر ضروري لا حيلة فيه+. 4_امتلاء القلب من محبة ا ت عز وجل ت : فالمحبة أعظم محركات القلوب؛ فهي الباعث الأول للأفعال والتروك. وما أُتي من اسْتُذِل واستعبد لغير الله بمثل ما أُتي من باب المحبة؛ فالقلب إذا خلا من محبة الله تناوشته الأخطار ، وتسلط عليه سائر الرغائب والمحبوبات ، فشتَتته ، وفرقته، وذهب به كل مذهب.

عدد الصفحات ٥٤

57 الطريقإلي التوبة فإذا امتلأ القلب من محبة الله ت بسبب العلوم النافعة والأعمال الصالحة ت كمل أنسه ، وطاب نعيمه ، وسلم من التعلق بسائر الشهوات، وهان عليه فعل سائر القربات؛ فمن المتقرر أن في القلب فقراً ذاتياً ، وجوعة، وشعثاً ، وتَفَرُقاً . ولا يغني هذا القلب ، ولا يلم شعثه ، ولا يسد خلته إلا عبادة الله، ومحبته. ف جدر بمن يريد الإقبال على الله، والإنابة إليه أن يملأ قلبه من محبة الله ؛ ففي ذلك سروره ، ونعيمه، وأنسه، وفلاحه؛ فمحبة الله ت عز وجل ت أقوى الأسباب في الصبر عن مخالف ته؛ فإن المحب لمن يحب مطيع، وكلما قوي سلطان المحبة في القلب كان اقتضاؤه للطاعة ، وترك المخّالفة أقوى ، وإنما تَصْدُر المعصية والمخّالفة من ضعف المحبة؛ فالمحب الصادق عليه رقيب من محبوبه يرعى جوارحه، وعلامة صدق هذه المحبة شهود هذا المراقبِ ، ودوامُه . وههنا مس لة لطيفة يجب التنبه لها، وهي أن تلك المحبة لابد

عدد الصفحات ٥٥

58 الطريقإلي التوبة أن تقرن بإجلال الله وتعظيمه؛ فذلك يوجب الحياء والطاعة؛ ذلك أن المحبة الخالية عنهما لا تحمل على ترك المعاصي، وإن أوجب نوعَ أنسٍ واشتياق ؛ فما عَمَر القلبَ شيءٌ كالمحبة المقترنة بإجلال الله وتعظيمه. 7_المجاهدة: فهي عظيمة النفع، كثيرة الجدوى؛ معينة على الإقصار عن الشر ، دافعة إلى المبادرة إلى الخير ؛ ذلك أن النفوس طلعة إلى الشرور، مؤثرة للكسل والبطالة؛ فإذا راضها الإنسان، وجاهدها في ذات الله فليبشر بالخير ، والإعانة، والهداية [وَالَذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَ هُمْ سُبُلَنَا وَإِنَ اللَهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ](العنكبوت: 61 .) قال ابن المبارك× :ويقولون: إن سليمان بن عبد الملك لم يقل بي شعر قط إلا هذا البي : إذا أن لم تعصِ الهوى قادك الهوى إلى بعض ما فيه عليك مقال ولا تعني المجاهدة أن يجاهد المرء نفسه مرة أو مرات، وإنما يجاهدها في ذات الله حتى الممات.

عدد الصفحات ٥٦

59 الطريقإلي التوبة 2_قِصَر الأمل ، وتذكُر الآخرة : فإذا تذكر المرء قِصَرَ الدنيا ، وسرعة زوالها ، وأدرك أنها مزرعة للآخرة ، وفرصة لكسب الأعمال الصالحة، وتذكر ما في الجنة من النعيم المقيم، وما في النار من النكال والعذاب الأليم ت أقصر عن الاسترسال في الشهوات، وانبعث إلى التوبة النصوفي وتدارك ما فات بالأعمال الصالحات. عن ابن عمر ت رضي الله عنهما ت قال : =أخذ رسول الله "بمنكبي، فقال: =كن في الدنيا ك نك غريب أو عابر سبيل+. وكان ابن عمر يقول: =إذا أمسي فلا تنتظر الصبافي، وإذا أصبح فلا تنتظر المساء ، وخذ من صحتك لمرضك ، ومن حياتك لموتك+(4). قال ابن عقيل × :=ما تصفو الأعمال والأحوال إ بتقصير الآمال ؛ فإن كل من عدَ ساعته التي هو فيها كمرض الموت ت حسُنَ ْ أعمالُه ، فصار عمره كله صافياً +. (4 )أخرجه البخّاري(1246.)

عدد الصفحات ٥٧

60 الطريقإلي التوبة 4_الاشتغال بما ينفع ، وتجنب الوحدة والفراغ : ذلك أ ن الفراغ ي تي على رأس الأسباب المباشرة للانحراف ؛ فالقطاع الكبير من الشباب يعاني من فراغ قاتل يؤدي إلى الانحراف والشذوذ، وإدمان المخّدرات ، ويقود إلى رفقة السوء ، وعصابات الإجرام ، ويتسبب في تدهور الأخلاق ، وضيعة الآداب؛ فإذا اشتغل الإنسان بما ينفعه في دينه ودني اه قلَ بطالته، ولم يجد فرصة للفساد والإفساد. 6_البعد عن المثيرات ، وما يُذكِر بالمعصية : فيبتعد عن كل ما يثير دواعي المعصية، ونوازع الشر، ويبتعد عن كل ما يثير شهوته، ويحرك غريزته من مشاهدة للأفلام، وسماع للأغاني الخليعة الماجنة، وقراءة للكتب السيئة، والمجلات الداعرة. كما عليه أن يقطع صلته بكل ما يذكره بالمعصية من أماكن الخنا؛ فالشيء إذا قطع أسبابه التي تمده زال واضمحل ؛ فالقرب من المثيرات بلاء وشقاء ، والبعد عنها جفاء وعزاء ؛ فكل بعيد عن البدن يؤثر بعده في القلب؛ فليصبر على مضض

عدد الصفحات ٥٨

61 الطريقإلي التوبة الفراق صبر المصاب في بداية ا لمصيبة، ثم إن مر الأيام يُهَوِن الأمر، خصوصاً إذا كان ذلك مما يثير العشق والغرام . ومن البعد عن المثيرات أن يبتعد الإنسان عن الفتن ؛ لأن البعد عنها نجاة وسلامة ، والقرب منها مدعاة للوقوع فيها ؛ فمن قارب الفتنة بعدت عنه السلامة، ومن ادعى الصبر وكل إلى نفسه. وأحق الأشياء بالضبط والقهر ت اللسان والعين ؛ فإيّاك أن تغتر بعزمك على ترك الهوى مع مقاربة الفتنة ؛ فإن الهوى مكايد، وكم من شجاع في الحرب اغتيل ف تاه ما لم يحتسب. فَتَبَصَرْ ولا تَشَمْ كلَ برق رُبَ برقٍ فيه صواعقُ حَيْنٍ (4) واغضضِ الطرفَ تس من غرام تكتسي فيه ثوب ذلٍ وشينِ فبلاء الفتى موافقة النفت س وبدءُ الهوى طموفي العين 3_مصاحبة الأخيار ومجانبة الأشرار : فمصاحبة الأخيار (4 )ح: هلاك.

عدد الصفحات ٥٩

62 الطريقإلي التوبة تحيي القلب ، وتعين على الخير ، وتبعث على الاقتداء ب هل الصلافي، وتكف الإنسان عن الفساد. بعكس رفقة السوء ؛ فإنها تحسن القبيح ، وتقبح الحسن ، وتقود الإنسان إلى الاقتداء ب هل السوء ؛ فالصاحب ساحب، والطبع استراق. 8_النظر في العواقب : فذلك يوقف الإنسان على حقائق الأشياء، ويريه الأمور كما هي. وما أُتي أكثر الناس إلا من قبل غفلته وجهله بالعواقب ، ولو أوتي حظَتاً من النظر لما آثر اللذة ال عاجلة الفانية على اللذات الآجلة الباقية. قال ابن الجوزي × :=لو ميز العاقل بين قضاء وطره لحظةً ، وانقضاء باقي العمر بالحسرة على قضاء ذلك الوطر ت لما قرب منه ، ولو أعطي الدنيا ، غير أن سكرة الهوى تحول بين الفكر وذلك+. 1_استحضار فوائد ترك المعاصي : قال ابن القي م ت رحمه

عدد الصفحات ٦٠

63 الطريقإلي التوبة الله_ :=سبحان الله رب العا ! لو لم يكن في ترك المعاصي إلا إقامة المروءة ، وصون العرض ، وحفظ الجاه ، وصيانة المال الذي جعل الله قوامًا لمصالح الدنيا والآخرة ، ومحبةُ الخلق ، وجوازُ القول بينهم ، وصلافي المعاش ، وراحة البدن ، وقوة القلب، وطيب النفس ، ونعيم القلب ، وانشرافي الصدر ، والأمن من مخاوف الفساق والفجار ، وقلة الهم والغم والحزن، وعزّ النفس عن احتمال الذل ، وصون نور القلب أن تطفئة ظلمة المعصية ، وحصول المخّرج له مما ضاق على الفساق والفجار ، وتيسير الرزق عليه من حيث لا يحتسب ، وتيسير ما عسر على أرباب الفسوق و المعاصي، وتسهيل الطاعات عليه، وتيسير العلم، والثناء الحسن في الناس، وكثرة الدعاء له، والحلاوة التي يكتسبها وجهه، والمهابة التي تلقى له في قلوب الناس، وانتصارهم وحميتهم له إذا أوذي أو ظلم، وذبُهم عن عرضه إذا اغتابه مغتاب ، وسرعة إجابة دعاءه ، وزوال الوحشة التي بينه وبين الله، وقرب الملائكة منه، وبعد

عدد الصفحات ٦١

64 الطريقإلي التوبة شياطين الجن والإنس منه، وتنافس الناس على خدمته وقضاء حوائجه، وخطبتهم لمودته وصحبته، وعدم خوفه من الموت، بل يفرفي به لقدومه على ربه، ولقائه له، ومصيره إليه، وصغرُ الدنيا في قلبه، وكبر الآخرة عنده، وحرصه على الملك الكبير، والفوز العظيم فيها ، وذوقُ حلاوة الطاعة ، ووَجْدُ حلاوة الإيمان، ودعاء حملة العرش ومَنْ حولَه من الملائكة له ، وفرفي الكاتبين به ، ودعاؤهم له ، وحصول محبة الله له ، وإقباله عليه ، وفرحه بتوبته ، وهكذا يجازيه بفرفي وسرور لا نسبة له إلى فرحه وسروره بالمعصية بوجه من الوجوه. فتهذه بعض آثار تترك المعاصي فتي الدنيتا، فتإذا متات تَلَقَتْه الملائكة بالبشرى من ربه بالجنة ، وب نه لا خوف عليه ولا حزن، وينتقل من سجن الدنيا وضيقها إلى روضة من رياض الجنة ينعم فيها إلى يوم القيامة، فإذا كان يوم القيامة كان الناس في الحرّ وال عرق، وهو في ظل العرش ، فإذا انصرفوا من بين يدي الله أخذ به ذات اليمين مع أوليائه المتقين وحزبه المفلحين،

عدد الصفحات ٦٢

65 الطريقإلي التوبة [ذَلِكَ فَضْلُ اللَهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ] (الجمعة: 2)+. 44_استحضار أن الصبر عن الشهوة أسهل من الصبر على ما توجب ه الشهوة : فإنها إما أن توجب ألماً وعقوبة ، وإما أن تقطع لذة أكمل منها ، وإما أن تضيع وقتاً إضاعتُه حسرة وندامة، وإما أن تثلم عرضاً توفيرُه أنفع للعبد من ثلمه ، وإما أن تُذْهب مالاً بقاؤه خير له من ذهابه ، وإما أن تضع قدراً وجاهاً قيامة خير من وضعه ، وإما أن تسلب نعمة بقاؤها ألذّ وأطيبُ من قضاء الشهوة ، وإما أن تُطَرّقَ لِوضيع إليك طريقاً لم يكن يجدها قبل ذلك ، وإما أن تجلبَ همّاً وغماً وحزناً وخوفاً لا يقارب لذة الشهوة ، وإما أن تنسي علماً ذِكْرُه ألذُ من نيل الشهوة، وإما أن تشم عدواً وتحزن وليَتاً ، وإما أن تقطع الطريق على نعمة مقبلة ، وإما أن تحدث عيباً يبقى صفة لا تزول؛ فإن الأعمال تورث الصفات والأخلاق. 44_استحضار أضرار الذنوب والمعاصي : فمن أضرارها

عدد الصفحات ٦٣

66 الطريقإلي التوبة حرمان العلم والرزق، والوحشةُ التي يجدها العاصي في قلبه ، وبينه وبين ربه، وبينه وبين الناس. ومنها تعسير الأمور ، وظلمة القلب ، ووهن البدن ، وحرمان الطاعة، وتقصير العمر، ومحق بركاته. ومنها أن المعاصي تزرع أمثالها ، وتُقَوِي في القلب إرادة المعصية، وتضعف إرادة التوبة شيئاً فشيئاً إلى أن تنسلخ إرادة التوبة من القلب بالكلية، فيستمرئ صاحبها المعصية، وينسلخ من استقباحها. ومنها أن المعصية سبب لهوان العبد على ربه، وأن شؤمها لا يقتصر على العاصي ، بل يعود على غيره من الناس والدواب. ومنها أن المعصية تورث الذل ، وتفسد العقل ، وتدخل العبد تح اللعنة ، وتحرمة من دعوة الرسول "، ودعوة الملائكة، ودعوة المؤمنين. كما أنها تطفئ نار الغيرة من القلب، وتذهب الحياء ،

عدد الصفحات ٦٤