المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

وقف النقود في الفقه الإسلامي

أحمد علي أحمد موافي

صفحة ٣ من ٤

32 المطلب الثا أدلة جواز وقف النقود مع المناقشة والترجيح الخلاف بين الفقهاء ـــــــ رحمهم الله ــــــ في ر بنا في بداية هذا المطلب أن نشير إلى أن يجد ا على الحكم بجواز إجارتها أو المنع من ذلك، لم تفريع ،ي والوزنوقف الدراهم والدنانير للتحل خ يـ غه، ويبرر تناول البحث له بالتفصيل، حيث إنه د ــــــ في واقعنا المعاصر ــــــ ما يسو خ وج ي د ع واسع، ووجوده في أضيق الحدود، فأكثر النقود هي هذه دني على نطاقٍ ع دخم هذا النقد المع ) الراءالعملات المتخذ ة من الو ر قخ النقدي المعروف (بفتح هذا أولا. وثانياولهذا لا تضمن في ؛له الأثمان لقت لأن تلك المنفعة ليست المقصود الذي خ : " والغنم على دوس الطين، ،الغصب، فلم يجز الوقف له، كوقف الشجر على نشر الثياب "ل بهتجم والشمع لي (1)، كما قد فطن إلى ذلك الفقهاء في الأزمنة المتقدمة. وهذا بخلاف وقف النقود للإفادة من ن بِا الأشياء ثمَّ باعتبارها أثمانً ت تها التبادليةقوَّ والموجودات؛ فإنه الذي يوافق مقصود الشرع، أما إجارتها بقصد كما في القرض والقراض: به عادة، والنقود لم تخلق لهذا المقصد، وهو التحلي لإظهار غنى المستأجر ومنزلته فلم تجرخ فه والعبث!!أقرب إلى الس دخم ـــــــ كما وزنإجارتها للوزن؛ لأنها لم تعد واردة اليوم، فالذهب الذي كان ي كذلكو ع النقد الورقي محله، وهذا وحل ،م ـــــــ على نطاق واسع، ووجوده على في أضيق الحدودتقد السلطة العامة قوة النقد ليس له قيمة في ذاته، بل تتوقف قيمته على هذه العوامل الثلاثة: (عامل سياسي)، ومدى ما يتمتع به هذا النقد في المجتمع من ثقة عامة (عامل نفسي)، للبلد المصدر لهذا النقد (عامل اقتصادي)، لناتج المحلي (القدرة الإنتاجية)مجموع اوأخيرا تغير الواقع ، وبهذا فإنه معالوزن الجديد للنقود المتبادلة تمثلفهذه العوامل الثلاثة بمجموعها سواء أكان ذلك للوزن، أم للتحلي. ،انعدمت الحاجة إلى إجارة النقود بقي إذ ا ، : "للقراض"، "للاتجار بِا"، والتنميةلسلف": "اوقف النقود للقرض .فهذا محل الاستدلال له في هذا المطلب"للمضاربة"، 1)) المغني لابن قدامة،6/34)، والشرح الكبير، 6/192)، وانظر: الوسيط للغزالي،4/241.) ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t 

عدد الصفحات ٣٤

33 بـــــ "استدل فقهاء مذهب جواز وقف النقود القرآن "، و" السنةو" "،القياس"، و"العرف": "التعامل"، و"الاستحسان". فأما القرآن : تعالىفقول الله ــــــ ﱡﭐ ﲅ ﲆ ﲇ ﲈ ﲉ ﲊ ﲋ ﲌ ﲍ ﲎ ﲏ ﲐﱠ (1)، وقوله ـــــ سبحانه: ﱡﱫ ﱬ ﱭ ﱮ ﱯ ﱰ ﱱ ﱲ ﱳ ﱴ ﱵ ﱶ ﱷﱸ ﱹ ﱺ ﱻ ﱠ(2). ووجه الاستدلال ل ذلك سبب ا لحصول ع وج بفعل الخير فيها أمر الآية الأولى: أن فيه، ولا شك أن وقف النقود ب يبالإحسان وترغ فيها أمر، والآية الثانية الفلاح للقرض: أخرى، البدل للقرض مرة "للسلف" ورد خ والتنميةللاتجار بها" "للقراض" "للمضاربة" " : به، وهو كذلك من فعل الخير المأمور كله شك أن ذلك والصرف من الغلة: الربح، أقول: لا ب فيه.رغ الذي أمر الله ــــ تعالى ــــ به و من الإحسان وأما السنة: ــــ صلى الله عليه وسلمفحديث النبي ــ إذا مات ابن آدم، انقطع عمله " "ينتفع به بعد موته، وصدقة جارية ن ثلاث: ولد صالح يدعو له، وعلممإلا (3) . "وليس ذلك إلا الوقف"، الوقف على وجوه الخير :قال العلماء: الصدقة الجارية هي (4)، ولا شك أن من وجوه الخير وقف النقود للقرض: "للسلف"، ورد خ البدل للقرض مرة أخرى، والتنمية: "للقراض" "للمضاربة" " للاتجار بها"، والصرف من الغلة: الربح ، كما تقدم. وأما القياسفعلى المنصو عليه: فقد احتبس أفراسه، وأدرعه في سبيل "فأما خالد الله... الحديث" (5)، بجامع ما بين النقود والأفراس والأدرع من الوصف المشترك: أنها منقولات ت ستهلك بالانتفاع بمضي الوقت، ومع هذا لم ير النبي ـــــ صلى الله عليه وسلم ـــــ ذلك مانع ا لها من الوقف؛ لأن الأفراس يمكن أن ت باع لو هرمت وضعفت، ومثل هذا الأدرع إن انكسرت ، وي شترى بثمنها ما يقوم مقامها ويكون بدلا عنها. 1)) سورة الحج، آية رقم 77.) 2)) سورة النحل، آية رقم 90.) 3) )تقدم تخريجه 4)) انظر: الوسيط في المذهب،4/237)، ونهاية المطلب،8/339.) 5)) تقدم تخريجه ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t 

عدد الصفحات ٣٥

34 وكذلك وقف النقود للقرض، والتنمية؛ فإن بدلها يقوم مقامها؛ لا تتعين فالنقود " بدلها قائم مقامها لعدم تعينها، نتفع بِا مع بقاء عينها لكنَّ بالتعيين، فهي وإن كانت لا ي "فكأنها باقية (1)؛ ففي حالة قرضها أو إقراضها "تذهب عينها، ويقوم بدلها مقامها سواء أكان ذلك من المال المساوي لها في القرض، أو المال وربحه في القراض؛ فيبقى مثل الأصل، و يعاد بالربح على الموقوف عليه"(2). وأما العرف : "التعامل" "الأكثر استعمالا"؛ هذا الأصل معروفف : أن ما تعارفه الناس، وليس في عينه نص يبطله فهو جائز (3)، فــــ "العرف حجة شرعية"(4). في البلاد الرومية وغيرها في وقف الدراهم التعامل لما جرى ": ابن عابدين أنه وقد نقل "كما لا يفى ،به في وقف كل منقول فيه تعامل تحت قول محمد المفت والدنانير دخلت (5) . لمبادلاتبِا في اولرواج التعامل بِذه النقود المعاصرة والرضا التام أكثر أموال ؛ فهي توسيع للوقف، وتشجيع عليه، ، وذلك وقفها للقرض، والتنمية: الاستثمار يصح هفإن ؛الناس فضلا عن تأكيده مرونة ،مع متطلباته يًّالمقتضيات العصر وتمش وتنويع لمصادره، وأكثر موافقة ما يحقق المصلحة العامة، هو الفقه وقدرته على ملاحقة ما يجري في الواقع من التطور، و ونهى عن الفساد، ،والأصل في العقود مراعاة مصلحة الناس؛ فإن الله ـــــ تعالى ـــــ أمر بالصلاح الرسل بـــــ "وبعث وتقليلهافاسد تحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل الم "(6)، فقد قالنبي الله موسى لأخيه هارون: ﱡﭐ ﲕ ﲖ ﲗ ﲘ ﲙ ﲚ ﲛ ﲜ ﱠ(7)، وقال ن شعيب: ﱡﭐ ﳁ ﳂ ﳃ ﳄ ﳅ ﳆﳇ ﱠ(8). (1) حاشية رد المحتار لابن عابدين على الدر المختار، (4/364.) (4) مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام بن تيمية، 31/234.) 3)) انظر: المبسوط للسرخسي، 12/45.) 4)) انظرالموافقات، (2/488)، ونشر العرف ضمن رسائل ابن عابدين،2/114)، والوجيز أصول الفقه الإسلامي، (1/267.) 5)) انظر: حاشية رد المحتار لابن عابدين،4/363.) 6)) مجموع فتاوى ابن تيمية، 10/512)،28/284)،30/193.) 7)) سورة الأعراف، آية رقم 142.) 8)) سورة هود، آية رقم ( 88 .) ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t 

عدد الصفحات ٣٦

35 وأما الاستحسان؛ فـــ "لأن القياس أن لا يجوز وقف النقود؛ لأنه وقف المنقول"(1)؛لأنه ت ستهلك عينه ا بالانتفاع ، وهذا خلاف قياس الوقف: أن يكون الموقوف مما يبقى بقاء متطاولا : "يدوم"، و"يتأبد"، لا ت ستهلك عينه بالانتفاع، فالوقف: "تحبيس الأصل، وتسبيل المنفعة"، فالقياس: عدم صحة وقف المنقول؛ لأن من شرط الوقف التأبيد، والمنقول لا يدوم : لا يتأب د؛ لكونه على شرف الهلاك، فإن كان المنقول شيئ ا جرت العادة بوقفه: كوقف المر والقدوم لحفر القبور، ووقف المرجل لتسخين الماء، ووقف الجنازة وثيابها ، ولو وقف أشجارا قائمة فالقياس أن لا يجوز؛ لأنه وقف المنقول(2). "الاستحسان"و لتعامل الناس ذلك، و ؛يجوز ا فهو عند رآه المسلمون حسنا ما" "الله حسن (3)، فيجوز وقف النقود استحسانا للتعامل ، ويترك القياس؛ تحصيلا للمصاح وتكميلها، و تيسير ا على الناس ، ورفع ا للحرج والمشقة ا لواقعين فيما لو ق طعوا عن عاداتهم وأ بطل ت تعاملاتهم. كانت هذه أدلة فقهاء مذهب جواز وقف النقود رضللق: السلف، والتنمية: لي لمناقشة هذه الأدلة، والترجيح.ونعرض فيما يالاستثمار،  المناقشة والترجيح: من دليلهمفأما القرآن والسنة عموم احتمل الجوازو فههذا بأن ه ، ويمكن الجواب عن العموم لا حجة لهم فيه على جواز وقف النقود ؛ لأن فعل الخير المأمور به، والإحسان و الصدقة الجارية لا شك في أن الشارع لم يـ ع نخ بها في باب الوقف إلا ما أجازه وصححه من الأوقاف: أن يكون الموقوف مما ي نتفع به مع بقاء عينه، فالوقف "تحبيس الأصل، وتسبيل المنفعة"، لا كل ما يظنه المرء : كمن وقف محرم ا، أو شرط في وقفه شرط ا ليس في كتاب الله -فإن وقفه هذا لا يصح، ويقع باطلا. ،وجلعز 1) )انظر: البدائع،6/220)، والمبسوط للسرخسي، ( 12 /45)، والبحر الرائق شرح كنز الدقائق، ( 5/216.) 2) )انظر: بدائع الصنائع، 6/220)، والمبسوط للسرخسي، ( 12 /45)، والبحر الرائق شرح كنز الدقائق، (5/216.) 3) )تقدم تخريجه ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t 

عدد الصفحات ٣٧

36 يستدعي أصلا يح ب س لت ستوفَ منفعته على مر خ الزمان، فإذا كانت منفعته في الوقفف استهلاكه لم يصح . فلابد إذ ا أن يكون الموقوف عين ا مملوكة ملك ا يقبل النقل يحصل منها مع بقاء عينها فائدة ، أو منفعة تصح إجارتها. والمقصود بــــــ "دوام المنفعة": أن تحصل منه فائدة مع بقائه مدة تط ول، وضابط المنفعة: "ما يصح استئجاره على شرط ثبوت حق الملك في الرقبة". العموم فصح أنه ليس في هذا وأنه قد دخله التخصيص على جواز وقف النقود، حجة شروط صحة الوقف كما في قوله ـــــ صلى الله عليه التي استفاد منها جماعة الفقهاءبالنصو لعمر ـــــ رضي الله عنه: وسلم ـــــ حبس الأصل، وسبل الثمرة"". من العموم "السنة"و "القرآن"وبهذا الجواب يظهر أن دليل فقهاء مذهب الجواز من ز ، وأنه بهذا قد تطرق إليه الاحتمال، وضعفت حجيته على جواالذي دخله التخصيص به. قويٌّ وقف النقود، فلم يعد لفقهاء مذهب الجواز متعلق وأما دليلهم من القياس "فالذي ـــــ يبدو لي ـــــ أنه دليل قوي صحيح" " على جواز " وقف النقود؛ فقد قاسوا الجواز على المنصو عليه: "فأما خالد فقد احتبس أفراسه، وأدرعه في سبيل الله... الحديث" (1)، بجامعما بين النقود والأفراس والأدرع من الوصف المشترك: أنها منقولات ت ستهلك بالانتفاع بمضي الوقت، ومع هذا لم ير النبي ـــــ صلى الله عليه وسلم ـــــ ذلك مانع ا لها من الوقف؛ لأن الأفراس يمكن أن ت باع لو هرمت وضعفت، ومثل هذا الأدرع إن انكسرت، وي شترى بثمنها ما ي قوم مقامها ويكون بدلا عنها. لا تتعين وكذلك وقف النقود للقرض، والتنمية؛ فإن بدلها يقوم مقامها؛ فالنقود ؛ ففي حالة قرضها أو إقراضها تذهب بدلها قائم مقامها لعدم تعينها، فكأنها باقيةو بالتعيين، سواء أكان ذلك من المال المساوي لها في القرض، أو المال وربحه ،عينها، ويقوم بدلها مقامها يعاد بالربح على الموقوف عليه.و في القراض؛ فيبقى مثل الأصل، وبهذا فإنه يكون قد سلم للمجوزين دليل القياس ، وهذا مما يقوي ويعضد مذهب 1)) تقدم تخريجه ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t 

عدد الصفحات ٣٨

37 جواز وقف النقود الاستحسانكذلك ، و وأما دليلهم من التعامل: العرف فــــهو حيلةالفقه والفقهاء ل منعهم من تحصيلا لمصاح الوقف، ورفعا للحرج والمشقة عن الناس في حا ؛على الجواز وقطعهم عن مألوفهم وعادتهم؛ ،ذلك فالشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها ودفع وقضاء المفاسد وتقليلها، والتيسير على الناس في أمور معايشهم، والوفاء بمتطلباتهم، .حوائجهم وذلك بعد أن استبدت الصنعة الفقهية بجماعة الفقهاء في هذا الباب كما في غيره من حديث النبي ــــــ صلى الله :الأبواب!! فقد خلص الفقهاء من مطالعة النص الأصل في الوقف فقال فيما يفعل في أحب ماله إليه عليه وسلم ـــــ لعمر ــــــ رضي الله عنه ــــــ لما جاء إليه يستأمره له: "حبس الأصل، وسبل الثمرة... الحديث"إلى هذا أقول قد خلصوا ــــــ المبدأ العام لما نتفع وتسبيل المنفعة، وما لا ي ،أن الوقف تحبيس الأصل يصح من الأوقاف وما لا يصح: .وقفهلا يصح ــــــ : "لا ينتفع به إلا باستهلاك عينه"به إلا في الإتلاف وجملة ذلك ، (النقود) كالدنانير والدراهم :أن ما لا يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه .والمطعوم والمشروب، والشمع، وأشباهه، لا يصح وقفه فالوقف ـــــ كما تقدم ـــــ يستدعي أصلا يح ب س لت ستوفَ منفعته على مر خ الزمان، فإذا يصح . كانت منفعته في استهلاكه لم يحصل منها مع بقاء عينها ،عين ا مملوكة ملك ا يقبل النقل لابد أن يكون فالموقوف فائدة ، أو منفعة تصح إجارتها. مع بقائه مدة تط ول، وضابط المنفعة: والمقصود بــــــ "دوام المنفعة": أن تحصل منه فائدة "ما يصح استئجاره على شرط ثبوت حق الملك في الرقبة". ثم كان أن اختلفوا في مدة بقاء الموقوف مدة تطول، عمر أدنًه في قدر هذا الطول: " حيوان"(1)، "مدة منفعة إجارة: بأن يبقى مدة ت قصد بالاستئجار غالبا ا، وعليه يحمل ما أفاده كلام القاضي أبي الطيب أنه لا يكفي فيها نحو ثلاثة أيام (2). 1)) انظر: الإنصاف للمرداوي،7/7). قاله أبو محمد الجوزي من الحنابلة 2)) انظر: تحفة المحتاج في شرح المنهاج وحاشيتي الشرواني والعبادي، 6/237.) ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t 

عدد الصفحات ٣٩

38 في ذلك ثم مضى عامة الفقهاء علىتصحيحق هذا المالأوقاف حال تحق ، العامبدأ وإبطال ما اختل فيه هذا المبدأ وكان مناقضاا له كما هو الشأن في وقف النقود؛ فطرد هذا ، ـــــ وقفهلا يصح : "لا ينتفع به إلا باستهلاك عينه"نتفع به إلا في الإتلافما لا ي المبدأ: أن فوقفها على خلاف قياس هذا المبدأ المستقر الذي يصح وقف النقود؛ يقتضي حتم ا أن لا يلزم للحكم على الوقف بالصحة وإلا فإنه يكون باطلا؛ لأنها لا يمكن الانتفاع بها إلا باستهلاك عينها. ونتيجة ذلك: وقطعهم عن مألوفهم ،لمنعهم من ذلكوقوع الناس في الحرج والمشقة !! ، وتفويت مصالحهموعادتهم  الاحتيال بـــــ "التعامل": العرف، و"الاستحسان" على جواز وقف النقود: كانت حيلةالضيق الذي هذا حكم منع وقف النقود، الفقه والفقهاء للخروج من بجواز وقف النقود "فقد حكموا وقعوا فيه ــــــ "التعامل": العرف، للتعاملإذا كانت عادة ،" ترك به القياس: "ي فالتعاملفي الاستعمال، ذلك ، وكثر به الناس جارية المبدأ المستقر في وقفهلا يصح لا ينتفع به إلا باستهلاك عينه"ما أن الوقف: فيصح وقف النقود على أن ؛ ستهلاك عينها؛ لأن القياس ي ترك للتعامل؛ تحصيلا للمصاح ؛ الانتفاع بها لا يكون إلا با وتلبية ،ووفاء بحاجاتهم ،في أمور المعايشا على الناس ا للحرج، وتيسير ا للمضار؛ ورفع ودفع للدولة في توفير ا لأبواب الوقف، وإشاعة للخير في المجتمع، ومعاونة لمتطلباتهم؛ وتوسيع .ويجبر العجز ،بما يسد الخلة ،خدمات التعليم، والصحة، والمرافق العامة تعالى ـــــ احتالوا على الجواز بـــــ " ــــ كذلك فإن الفقهاء ـــــ رحمهم الله الاستحسان؛ لأن " ، لما بيناه من قبلوقف النقود أن لا يجوز فيما يصح وقفه: ه و الذي قرر العامالمبدأ قياس وجه الاستحسانو عليه الصلاة والسلام: ـــــ قوله كما في الآثار المشهورة : "وأما خالد فقد حبس أدرعا وأفراسا له في سبيل الله -"تعالى (1)، فيترك القياس، ويجوز وقف النقود استحسانا؛ لهذه الآثار المشهورة، وتحصيلا لمصاح الوقف التي تقدمت، وتيسيرا على الناس في أمور معايشهم، ورفعا للحرج والمشاق عنهم. 1)) تقدم تخريجه ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t 

عدد الصفحات ٤٠

39 وأيضا فإنه يجوز وقف النقود وي ترك القياس "استحسانًا " للتعامل: لجريان عادة الناس بذلك وكثرة استعمالهم له ؛ فـــفي "الاستحسان": يجوز ترك القياس الجلي خفي الأثر؛ لتعامل الناس ذلك، و "ما رآه المسلمون حسنا ا فهو عند الله حسن "(1)؛ تحصيلا للمصا وتكميلها، وتيسير ا على الناس ، ورفع ا للحرج والمشقة الواقعين فيما لو ق طعوا عن عاداتهم ومألوفهم. ؛ تحصيلا لمنافع الوقف وموافقة النقودكانت هذه حيلة هؤلاء الفقهاء لجواز وقف : "لمقصود الشرع تحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المضار وتقليلها"؛ فحاجة الناس إلى بها من تيسير أمور معايشهم، وبدونها يقعون في الحرج مثل هذه الأوقاف ماس ة؛ لما يتعلق والمشقة.  وجهة البحث في احتيال الفقهاء بالعرف، والاستحسان على جواز وقف النقود: هذا المسلك في الجواز ـــــ من قبل الفقهاء ـــــ لــــ "جريان التعامل"، و"استحسانً" خلاف ا !! كما تقدم التكل ف للقياس ــــــ فيه هذا القدر الظاهر من والأولى أن يكون الجواز قياساا على المنصوص عليه في حديث: "أما خالد فقد احتبس أدرعه، وأفراسه... الحديث"؛ فالحديث نصَّ على جواز وقف المنقول فيما ذ ك ر، وي قاس عليه كل ما في معناه من المنقولات: كوقف النقود حديث خالد ــــــ رضي الله عنه ــــــ على المانعين ، وأنه لا وجه لجواب ولا يتأبد غير العقار، غير أنه ترك في الجهاد؛ لأنه سنام ،الوقف الشرعي التأبيد أن حكمبــــــ " وقف فيهما الفلا يلزم من شرعية ؛أقوى (السلاح، والكراع) الدين، فكان معنى القربة فيهما معناهما"دلالة أيضا؛ لأنه ليس في ا)(بهما غيرهم شرعيته فيما هو دونهما، ولا يلحق (2)؛ ذلك أن الأصل: أنه لابد أن يوجد في الوقف معنى "القربة"، وكون هذه القربة أقوى من قربة أخرى أمر لا ينضبط، فلا ي سل م لهم بهذا الجواب.  مناقشة البحث المبدأ الفقهي العام لما يصح من الأوقاف وما لا يصح: والحق الفقهاء من هذا المبدأ العام أن ما خلص إليه لما يصح من الأوقاف وما لا يصح: أن الوقف تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة، و أن ما لا ي نتفع به إلا باستهلاك عينه لا 1) )تقدم تخريجه 2)) فتح القدير للكمال بن الهمام،6/219.) ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t 

عدد الصفحات ٤١

40 وقفه ـــــ يصح ليس شرعاا واجب الاتباع ، وغاية ما فيه أنه: اجتهاد منهم ــــــ رحمهم الله ــــــ في فهم حديث النبي ـــــ صلى الله عليه وسلم ـــــ لسيدنا عمر -، جانبهم الصواب فيه رضي الله عنه ـــــ فيما يظهر لي ــــــ لهذه الأمور: أولا: نةالفهم للسلمخالفة هذا :، فالسنة صريحة في جواز وقف المنقول "فأما خالد فقد وأفراسه في سبيل الله" حبس أدرعه ، والأدرع، والأفراس لا شك أنها من المنقول الذي ت ستهلك عينه بالانتفاع، فالأدرع يعرض لها بالاستعمال أن تنكسر وتتلف، والأفراس تكبر ه؛يمنع من وتضعف مع مضي الزمن، ومع ذلك أجاز النبي ــــــ صلى الله عليه وسلم ــــــ وقفها ولم الفقهاء على المحققون من ، وقد قرر هالمنوطة ب وتحصيلا للمصلحة ،في الجهادللحاجة إليه أنه في حال أن هرمت الأفراس وضعفت، وأن تلفت الأدرع، ت باع وي شترى اختلاف مذاهبهم بثمنها ما يقوم مقامها، ويكون بدلا عنها(1). هم بمحضر النبي ـــــ صلى الله عليه وهذا عمل ،لصحابة ـــــ رضي الله عنهمفهذه أوقاف ا المدة أو لم يروا بأسا بوقف المنقول والانتفاع به مدة بقائه بقطع النظر عن طول هذه ،وسلم !! ولم يقع حائلا بينهم وبين أن يقفوا !! وقد أقرهم النبي ـــــ صلى الله قصرها؛ فذلك لم يشغلهم وذلك كله تحصيلا للمصاح المنوطة بها، ؛الأوقافذلك، وصحح هذه عليه وسلم ـــــ على ودفع ا للحاجة، وسد ا للخل ة. ثانيا:: ــــــ صلى الله عليه وسلمفهم حديث النبي الأولى كان لأنه "حبس الأصل، وسبل الثمرة"على أنه خرج مخرج " ـــــ في ضوء ما سبقـــــ التوجيه" و"الإرشاد عمر ــــــ رضي لسيدنا " جاء إليه "يستأمره" في أحب ماله إليه: ما يفعل به؟ وذلك ليحصل على أجزل فقدالله عنه، الثواب، وأعظم الجزاء الذي يدوم ولا ينفد، فكان أن دل ه النبي ــــــ صلى الله عليه وسلم ــــــ على ، ويحصل له بها مراده ،السبيل التي يتحقق بها مبتغاه ا لما يصح لحديث قرر مبدأ عاما لا أن ا وقفه!! جماعة الفقهاء لصحة الوقف: أنه اجتهاد منهم خلص إليه الذي المبدأ فغاية ما في هذا في فهم الحديث النبوي احتمل الصواب والخطأ، وحمله على الصواب ليس بأولى من حمله 1)) انظر: المغني لابن قدامة،6/28)، وبدائع الصنائع، (6/220.) ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t 

عدد الصفحات ٤٢

41 على الخطأ، بل إن حمله على الخطأ أولى؛ يناقض مقصود الشرع في المبدألأن هذا وتلبية متطلباته في ق طاعات ،للوفاء بحاجات المجتمع ؛الترغيب في الوقف وتوسيع دائرته ، ونحو ذلك مما يفوق العدَّ؛الحياة المختلفة وميادينها المتعددة: صحةا، وتعليماا، ومرافق ا للدولة المسلمة في الوفاء بكل ذلك، ونهوضاا بالأمة .معاونة ثالثا:لما في ذلك من إهمالفي موضعه، ببعضهاالعمل ترك الجمع بين أحاديث الباب و "قرر: بخلاف الموذلك من الإهمالأن الإعمال أولى ث عمر ــــــ رضي الله "، فقد أعملوا حدي وجعلوه شرعا واجب الاتباع، في الوقت الذي ،وخلصوا منه إلى هذا المبدأ الذي قرروهعنه، الد ـــــ رضي الله عنه ــــــتأولوا فيه حديث خ بأنه لا حجة فيه؛ "لأنه ليس فيه أنه وقف ذلك، فاحتمل قوله: "احتبس أكراعا وأفراسا" . أي: أمسكه للجهاد لا للتجارة "(1)!! :رابعا لأن هذا المبدأ العام لما يصح من الأوقاف يناقض مقصود الشرع في وما لا يصح وتلبية ،للوفاء بحاجات المجتمع ؛وفتح أبواب الخيرالترغيب في الوقف وتوسيع دائرته، ا، وتعليماا، ومرافق ،متطلباته في ق طاعات الحياة المختلفة ونحو ،وميادينها المتعددة: صحة ا للدولة المسلمة في الوفاء بكل ذلك، ونهوضاا بالأمة. العدَّ؛ذلك مما يفوق معاونة :خامسا بالكلية، أو وتتعطل منافعه الزمن أن يرب لأنه في وقف العقار لا يلو مع تطاول ، فيجوز إبداله للحاجة، والمصلحة الراجحة فيفوت على الموقوف عليه الانتفاع ؛أنها تنقص اعة الفقهاء على اختلاف مذاهبهمكما هو قول المحققين من جم(2)، وذلك بأن يباع وي شترى 1)) بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع،6 /220.) 2)) انظر: مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام بن تيمية -رحمه الله -تعالى (31/220)،31/252)، وتيس الفقه الجامع للاختيارات الفقهية لشيخ الإسلام بن تيمية للمؤلف (2/619)، وفتح القدير للكمال بن الهمام، (6/224)، وحاشية ابن عابدين، 4/384). هذا إن كان ذلك أحسن للوقف، فإن كان لا لذلك، بل اتفق أنه أمكن أن يؤخذ بثمن الوقف ما هو خير منه مع كونه منتفعا به؛ فينبغي أن لا يجوز؛ لأن الواجب إبقاء الوقف على ما كان عليه دون زيادة، وشرح الخرشي على خليل، ( 7/95)، وحاشية العدوي على الخرشي، 7/95). فعن مالك: إن رأى الإمام بيع ذلك لمصلحة جاز، والمهذب، (1/331)، وهذا أحد الوجهين عندهم بخلاف فإنه لا يستبدل به، والمغني لابن قدامة، ( 6/28)، والمنح الشافيات، 2/253)، والمبدع، 5/353). غير أن الحنابلة يشترطون لذلك ان تتعطل مصلحة الوقف بالكلية، فإن لم تتعطل لكن قلت، وكان غيره أنفع منه وأكثر رد على أهل الوقف ــــــ لم يجز بيعه. ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t 

عدد الصفحات ٤٣

42 فهذا كالمسجد الذي خرب ما حوله، :نقل آلته إلى مكان آخربثمنه ما يقوم مقامه، أو أن ت والضرورةالإبدال للحاجة بالكلية.فيما لو تعطل الوقف وأما الإبدال للمصلحة الراجحة آخر ني بدله مسجد : كما في المسجد الموقوف إذا ب وقف ثمنه على الثاني.وي ،باع الأولأصلح لأهل البلد منه؛ فإنه ي منه: كأن يقف دارا، أو حانوتا، أو بستانا، أو قريةبخير بدل لة إذا أ وكالموقوف للغ .ويجعل ثمنها فيما هو أنفع للوقف ،مغلها قليلا، فتباع يكون يعضد ويقوي مذهب جواز وقف النقود، فلا مانع من وقفها وإن كانت كله فهذا تذهب بالقرض أو القراض؛ فإن بدلها يقوم مقامها: كما أنه في حالة بيع العقار نهااعيأ فمبدأ بقاء الموقوف بقاء دائما متصلا لا يمكن حت واستبداله يقوم ما ي شترى بعوضه مقامه؛ !!يعرض له أن يرب أو أن تنقص غلتهفي العقار؛ فإنه  اختلاف النقود عن سائر المنقولات تختلف عن سائر المنقولات كذلك فإنه يعضد ويقوي مذهب جواز وقف النقود: أنها كما ت ستهلك السلع ،الأخرى من حيث إن الإفادة منها لا تكون باستهلاكها حقيقة ولا قيمة ،الأخرى: كما هو الشأن في المطعوم، والمشروب، فالنقود في حد ذاتها لا منفعة فيها من أكلٍ أو شربٍ، أو لباسٍ أو غير ذلك، وإنما فائد و تها لها، ولا ت شبع حاجة تها في قـ وتقويمها المالي للسلع والخدمات؛ إذ إنها وسيلة للمبادلات، ولقياس القيم المختلفة ،التبادلية للأشياء. ففي حالة وقف النقود للقرض: السلف، أو للتنمية: للقراض، للمضاربة، للاتجار بها، للاستثمار ـــــ يكون بدلها قائم ا مقامها، فكأن عينها لم تذهب. يكون قائما مقامها؛ فكأن الموقوفة للقرض: السلف، أو للقراض: التنمية ـــــــ النقود دلبف .عينها لم تذهب  قرض النقود يشبه التبرع بالمنافع التبرع وأيضا فإنه مما يقوي مذهب جواز وقف النقود في القرض: أن ذلك يشبه ــــــ بالمنافع، والعارية، والمنيحة؛ ولهذا فإن النبي ــــــ صلى الله عليه وسلم ــــــ سماه منيحة، فقال : صلى الله عليه وسلمكان له مثل عتق ؛اقاقا ز ىد ، أو ه ق ر و لبن، أو :"من منح منيحة ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t 

عدد الصفحات ٤٤

43 رقبة(1)؛لأن المال إذا دفع لمن ينتفع به مدة ثم يعيده إلى صاحبه، كان هذا تبرعا من صاحبه بمنفعة تلك المدة، على أن لمنح كل نوع من هذه الأموال اسم ا خاصا به، فيقال في منح النخلة: عارية، وفي منح ما يشرب كاللبن: منيحة. العارية والمنيحة، غير أن تسليم المثل قام :بابهذا اللقرض من جنس ا فوقف النقود لإذ !!الحقيقة بدلها في وإن كان رد ،ها بذاتهاثم رد ،كأنه انتفع بالعين مدة مقام تسليم العين، ف نتفع بها مع بقاء عينها لا تتعين بالتعيين، فهي وإن كانت لا ي "هذا أن النقود ويقوي "بدلها قائم مقامها لعدم تعينها، فكأنها باقية لكن (2)؛ فت دفع الدراهم في القرض، أو للمضاربة؛ لأنه في حالة قرضها أو إقراضها "تذهب عينها، ويقوم بدلها مقامها ، سواء أكان ذلك من المال المساوي لها في القرض، أو المال وربحه في القراض؛ فيبقى مثل الأصل، ويصرف الربح إلى الموقوف عليه بحسب شرط الواقف.  الترجيح من أدلة المجوزين والاعتراضات عرض له البحث من خلال ما والذي يظهر رجحانه : الواردة عليها ومناقشة ذلكصحة مذهب فقهاء جواز وقف النقود للقرض: "السلف"، وللتنمية: الاستثمار، لـــ "القراض"، لــ "المضاربة"، لـــ "الاتجار" لمجموع ما يلي:؛ أولا:"عموم الدليل من أن القرآن "و" السنةمن المعارض لم ي س لمدخله التخصيص و وإن " ، كما سبق بيانه لضعف المخصص ؛لكنه بقي احتمالا للجواز ،المقاوم ن هذا ى موقوَّ "أما خالد فقد احتبس أدرعه، قياس وقف النقود على المنصوص عليه: الاحتمال وأفراسه... الحديث" ؛ بجامع ما بين النقود والأفراس والأدرع من الوصف المشترك: أنها بالانتفاع بمضي الوقت، ومع هذا لم ير النبي ـــــ صلى الله عليه وسلم ـــــ منقولات ت ستهلك ذلك مانع ا لها من الوقف؛ لأن الأفراس يمكن أن ت باع لو هرمت وضعفت، والأدرع إن ويكون بدلا عنها. ،انكسرت فكذلك، وي شترى بثمنها ما يقوم مقامها (1) أخرجه الترمذي في سننه من حديث البراء بن عازب -رضي الله عنه، (3/404)، في البر والصلة، باب: "ما جاء في المنحة"، حديث رقم ( 1957). وقال: هذاحديث حسن صحيح غريب، ومعنى قوله: من منح منيحة ورق إنما يعني به: قرض الدراهم، قوله: أو هدى زقاقا: يعني به هداية الطريق. (1) حاشية رد المحتار لابن عابدين على الدر المختار،4/364.) ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t 

عدد الصفحات ٤٥

44 يقوم مقامها؛ وكذلك وقف النقود للقرض، والتنمية؛ فإن بدلها لا تتعينفالنقود بدلها قائم مقامها لعدم تعينها، نتفع بها مع بقاء عينها لكن بالتعيين، فهي وإن كانت لا ي ؛ ففي حالة قرضها أو إقراضها تذهب عينها، ويقوم بدلها مقامها سواء أكان فكأنها باقية يعاد و راض؛ فيبقى مثل الأصل،ذلك من المال المساوي لها في القرض، أو المال وربحه في الق بالربح على الموقوف عليه، فهذا قياس "قوي " "صحيح" يقو ي وي عض د مذهب الجواز. ثانيا:: "ينالدليل أن العرف": التعامل، و"الاستحسان، فهما وإن كان البحث قد لاحظ " قويين في إفادة ف إلا أنهما سلما من المعارض المقاوم، وكانا فيهما هذا القدر من التكل الجواز. ثالثا:أن الوقف تحبيس :المبدأ العام المانع من الصحةفقهاء من هذا ما خلص إليه الن أ وقفه ـــــ لا يصح باستهلاك عينهنتفع به إلا ما لا ي أن الأصل وتسبيل المنفعة، و ليس شرعاا واجب الاتباع اجتهاد منهم في فهم حديث النبي ـــــ صلى الله عليه وسلم ـــــ وغاية ما فيه أنه ، لسيدنا عمر -؛ السابقةللأمور رضي الله عنه، جانبهم الصواب فيه ــــــ كما قد تبين ــــــ فيكون غير صواب، ويرجح الجواز.ما ب ني عليه من الحكم بالمنع النقود ــــــ كما تقدم ــــــ تختلف عن سائر وحت لو س ل خم هذا المبدأ لجماعة فقهاء المنع؛ فإن المنقولات الأخرى من حيث إن الإفادة منها لا تكون باستهلاكها حقيقة كما ت ستهلك السلع الأخرى: كما هو الشأن في المطعوم، والمشروب، فالنقود في حد ذاتها لا منفعة فيها من أكلٍ أو شربٍ، أو لباسٍ أو غير ذلك، وإنما فائدتها في ولا قيمة لها، ولا ت شبع حاجة و تها التبادلية وتقويمها المالي للسلع والخدمات؛ إذ إنها وسيلة للمبادلات، ولقياس القيم ،قـ المختلفة للأشياء. ففي حالة وقف النقود للقرض: السلف، أو للتنمية: للقراض، للمضاربة، للاتجار بها، امها، فكأن عينها لم تذهب.للاستثمار ـــــ يكون بدلها قائم ا مق فبدل النقود الموقوفة للقرض: السلف، أو للقراض: التنمية ـــــــ يكون قائما مقامها؛ فكأن عينها لم تذهب. رابعا: التبرع يشبه وقف النقود في القرض أن بالمنافع: العارية، والمنيحة ؛ فوقف النقود للقرض من جنس هذا الباب: العارية والمنيحة، غير أن تسليم المثل قام مقام تسليم العين، ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t 

عدد الصفحات ٤٦

45 ولهذا فإن النبي ــــــ صلى ؛وإن كان رد بدلها في الحقيقة ،فكأنه انتفع بالعين مدة ثم رد ها بذاتها : وسلم ــــــ صلى الله عليهالله عليه وسلم ــــــ سماه منيحة، فقال لبن، أو و ر ق ، :"من منح منيحة كان له مثل عتق رقبة" ؛أو ه د ى ز قاقاا . خامسا:ن مذهب جواز وقف النقود هو ما أ ،يوافق مقصود الشرع في الترغيب في الوقف وتلبية متطلباته في ق طاعات الحياة المختلفة ،للوفاء بحاجات المجتمع ؛وتوسيع دائرته ا، وتعليماا، ومرافق ونحو ذلك مما يفوق العدَّ، معاونةا للدولة وميادينها المتعددة: صحة المسلمة في الوفاء بكل ذلك، ونهوضاا بالأمة. وبهذا فإنه تتضافر الأدلة من عموم "القرآن"، و"السنة"، و"القياس"، و"العرف"، ها بعضاا على إفادة صحة مذهب فقهاء جواز ي بعض قو ن"، وتتعاضد، وي و"الاستحسا وقف النقود، وهو ما يوافق مقصود الشريعة؛ فالوقف أداة الشريعة، وآلة الفقه في قيام المجتمع بهذا الدور الإيجابي في معاونة الدولة المسلمة ممثلا في أفراده القادرين من ذوي الملاءة المالية ا تيسير ؛الضرورية، والحاجيـة، والتحسينية لعموم المسلمين والمتطلبات ،للوفاء بالخدمات اللازمة طاعات لسبل الحياة، ورفعا للحرج والمشقة، ودفعا للضرر والمفسدة؛ للنهوض بالدولة في كل ق لعلمي، والدعوة والإرشاد، وسائر الخدمات من طرق، الحياة: الصحة، والتعليم، والبحث ا في مصاف الدول المتقدمة؛ فــــ ة ـ ـومياه ونحو ذلك، حت تكون الدولة المسلمة قوي "المؤمن خير، وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف"القوي (1) . 1)) أخرجه مسلم في صحيحه 4/2052) ، في كتاب: "القدر"، باب: "في الأمر بالقوة، وت رك العجز، والاستعانة بالله، وتفويض المقادير لله"، حديث رقم ( 2664.) ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t 

عدد الصفحات ٤٧

46 الخاتمة بعد أن عرض البحث لمذاهب الفقهاء في هذه المسألة: " وقف النقود "، مذاهب فقهاء المنع ، ومذ اهب فقهاء الجواز ، وفص ل القول في أدلتهم دليلا دليلا من "القرآن"، و"السنة "، و"القياس"، و"العرف": التعامل، و"الاستحسان"، و فيما ورد على هذه الأدلة من أجوبة واعتراضات والرد على ذلك -لنا هذه النتائج المهمة التي نشير إليها قد اتضحتف يلي: فيما "النتيجة الأولى": أن الصنعة الفقهية كان لها هذا التأثير الكبير على جماعة الفقهاء في الحكم على المسائل، وليس من المبالغة القول بأنه كانت تبل غ منهم ــــــ أحيانا ــــــ مبلغ الاستبداد كما في هذا الباب و غيره من الأبواب!! فقد صاغ الفقهاء مبدأ عاماا لما يصح من الأوقاف وما لا يصح: أن الوقف تحبيس الأصل، وتسبيل المنفعة، وما لا ي نتفع به إلا في الإتلاف: "لا ي نتفع به إلا باستهلاك عينه" ــــــ لا يصح وقفه، وهذا المبدأ اجتهاد منهم في فهم النصو كان للصنعة الفقهية أثرها الكبير في ذلك!! و لم يأت به نص من "قرآن"، و "لا سنة "، وليس شرعا واجبا. ثم مضوا على ذلك في تصحيحلا ما تحقق فيه هذا المبدأ من الأوقاف، وإلا فإنها كما هو الشأن في وقف النقود؛ فالنقود لا يمكن الانتفاع بها إلا باستهلاك عينها. تصح ونتيجة ذلكوقطعهم عن مألوفهم ،لمنعهم من ذلك ؛: وقوع الناس في الحرج والمشقة من خلال مشروعية تحصيلها لهم الشريف التي قصد الشرع، وتفويت مصالحهم وعادتهم الوقف. ":ثانية"النتيجة ال أن الفقه الإسلامي يتمتع بهذا الق در من "المرونة"، وهذه الق درة على "التطور"، و" التجديد"، التي تجعله صالحا للتطبيق في كل زمان ومكان مع تغير العوائد، وتجدد الحوادث، فهو يملك هذه الأدلة التصحيحية التي تتكفل تصحيح خطأ الفقهاء في الاجتهاد، فدليل "العرف": الأكثر في الاستعمال ـــــــ يصحح خطأ الاجتهاد الفقهي في منع الناس عن عاداتهم ومألوفهم، ما لم تكن مناقضة للمنصو عليه؛ فــــ "إن ما تعارفه الناس، وليس في عينه نص يبطله فهو جائز". ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t 

عدد الصفحات ٤٨

47 وكذلك دليل الاستحسانالذي لا "؛ فإنه يصحح خطأ القياس الجلي خفي الأثر في تحقيق مقصود الشرع من تحصيل المصاح وتكميلها وتعطيل ظهور لا و مناسبة لهتضح ت حت وإن كان هذا ،وأكثر مناسبةقياس آخر يكون ظاهر الأثر ا، وذلك بالمضار وتقليله ؛ لـــ القياس الجلي لـــ "التعامل": العرفترك ن ي بأا في ذاته، أو القياس الثاني دون الأول: خفيًّ "أن القياس ي ترك للتعامل" استحسانا. النقود؛ فكثرت أوقافهم فالناس في الأزمنة الأولى كان العقار أكثر أموالهم وقل ت فيهم في العقار، فكان أن صحح الشرع هذه الأوقاف لتعامل الناس بذلك وجريان العرف به، وهذا بخلاف زمننا حيث كثرت فيه النقود وصارت أكثر أموال الناس، ففي المنع من وقفها قف وتوسيع دائرة الو اح الناس، ومناقضة مقصود الشرع من فتح أبواب الخير،تفويت لمص وتنويع مصادره. نع وقف النقود، هذا الضيق الذي وقعوا بم كملتصحيح الحالفقه والفقهاء كانت حيلةف ، فقد حكموا بجواز وقف النقود "لتعامل: االعرف"فيه ــــــ " للتعامل" إذا كانت عادة الناس جارية به، وكثر ذلك في الاستعمال، فالتعاملي ترك به القياس: " المبدأ المستقر في الوقف: لا ينتفع به إلا باستهلاك عينه"ما أن وقفه؛ فيصح وقف النقود على أن الانتفاع لا يصح .بها لا يكون إلا باستهلاك عينها؛ لأن القياس ي ترك للتعامل "وكان الاستحسانخر وحيلة الفقهاء لتصحيح الحكم بمنع وقف الآدليل الفقه " لما بيناه وقف النقود أن لا يجوز الذي قرروه فيما يصح وقفه: العامالمبدأ قياس ؛ لأن النقود ، من قبل وجه الاستحسانو عليه الصلاة والسلام: ـــــ قوله كما في الآثار المشهورة : "وأما ا وأفراسا له في سبيل الله خالد فقد حبس أدرع -"تعالى ترك القياس، ويجوز وقف النقود ، في الآثار المشهورة.استحسانا؛ لهذه وأيضا فإنهم احتالوا على جو از وقف النقود بترك القياس "استحسانًا " للتعامل: لجريان عادة الناس بذلك وكثرة استعمالهم له؛ فـــفي "الاستحسان": يجوز ترك القياس الجلي خفي الأثر لتعامل الناس. كله ذلكو تحصيلا للمصالح، ودفعاا للمضار، ورفعاا للحرج، وتيسيراا على الناس في أمور المعايش ووفاء بحاجاتهم، اا لأبواب الوقف وتوسيع ، وتنويعا لمصادره، وإشاعة للخير ﺷﺒﻜﺔ www.alu kah.n e t 

عدد الصفحات ٤٩