المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الإعجاز البياني في القرآن الكريم سورة الأعلى

محمد مبارك المزيودي

صفحة ٢ من ٣

العشب حده وزمنه المقرر له بدأت هذه الخضرة في التناقص، أي أن اللون الأخضر تتناقص حدته، فإذا كان السواد صفة للاخضرار حال شدته، فإن تناقصه يوازي التناقص في اللون الأسود، لتكون الأحوى إشارة إلى تناقص خضرة المرعى. وبالنظر إلى السياق العام الذي تنتظمه دلالة + الأعلى " في قوله تعالى : + الذي خلق فسوى* والذي قدّر فهدى " فإن وصف المرعى بأنه غثاء أحوى يوجب أن تكون دلالة الأحوى مؤشراً على أن أعلى مايكون عليه عشب المرعى من نماء إذا تناقصت خضرته بفقدان قدر من مائيته ورطوبته، وكأنه، وفقاً لهذا ال سياق، يكون في ذروة جودته وهو في هذه الحالة. أما كلمة + غثاء " فتتوجه إلى معنيين متلازمين: الأول: الكثرة، لقولهم : غثاء الماء يغثوا وغثاء إذا كثر فيه البعر والورق والقصب، وقد ورد هذا المعنى في حديث الرسول ×يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعىالأكلة إلى قصعتها " قالوا أمن تله يارسول الله نحن يومئذ ؟ قال + بل أنتم كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل " ...رواه أحمد وأبو داود. وهذا هو حال المرعى، ينبت العشب متلاصقاً بعضه إلى بعض الثاني: قلة النفع، ومستند هذه الدلالة أن غثاء السيل الغالب عليه ا لبعر والورق والقضب ومالاينتفع به الناس، ولكن هذا لاينفي أن يكون في ذلك الغثاء بعض ماينتفع به الناس، وهو مايكون في ذلك الغثاء من بذور تستقر على حواشي السيل، فتنبت لاحقاً، فينتفع بها الناس أو الدواب.

عدد الصفحات ١٧

وموضع هذا المعنى في المرعى أن الدواب لاتستغني به عن الشعير وسواه مما تقتات منه. فإذا اقتصرت عليه هزلت وضعفت ، أما فائدته القليلة فتظهر مع وجود الحبوب في طعام الدواب. ملمح لطيف وصفت الملمح بأنه لطيف لدقته البالغة، وأساس هذا الملمح أنني سألت نفسي: لماذا ذكر العليم الحكيم هذه المشاهد تحديداً في معرض تذك ير عبده ورسوله بأن مايراه من ضعف المسلمين وقلة أعدادهم مآله إلى علو ، وهو القوة وكثرة العدد ؟ فلمع في ذهني أن هذه المشاهد تم اختيارها موافقة لما ألمح إليه سبحانه من علوّ شأن الإسلام والمسلمين، وسوف أتتبع فيما يلي الخيط الواصل بين الدلالة المباشرة لتلك المشاهد وبين مواقعها في أمة محمد × + الذي خلق فسوى " ذكرتُ بياناً لها فيما سبق، وأما موقعها من الدلالة على أمة محمد ×، فبيانه أن الأمم خلق من خلق الله يسري عليها الميلاد والموت مثلما يسري على الإنسان، قال تعالى: ﭽ ﮞ ﮟ ﮠﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧﮨ ﮩ ﮪ ﭼ الأعراف: ١١ وقد وُلدت أمة محمد ×خُلقت " فجاء قوله تعالى: + فسوى " ليكون مؤشراً على استواء أمرها من جهةٍ، وعلى أنها بلغت في علم الله أعلى مقامات الاستواء، قال تعالى: ﭽ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭼ آل عمران: ١١١

عدد الصفحات ١٨

وقال تعا ﭽ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭼ البقرة: ١١١ وهذا الاستواء إنما هو تبع لاستواء الملة، التي رفع الله عنها كل حرج كان في الملل السابقة، قال تعالى + ..وماجعل عليكم في الدين من حرج " + والذي قدر فهدى " كل ماأراده الله لأمة محمد ×إنما هو جملة تقديرات منه سبحانه أودعها فيما شرع ه لهم وفيما سخرهم له، فهداهم بتلك التقديرات إلى الفعاليات التي يتجلى معها ذلك الاستواء. ﭽ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﭼ الأعلى: ١ - ٥ ذكرت أن المرعى لايد لأحد في إخراجه، ولذلك أسند جل شأنه الفعل + أخرج " إلى نفسه، وقد أخرجه الله رزقاً للدواب، وكل رزق يُخرجه لله لخلق من خلقه إنما هو رحمة منه.وكل ذلك سارٍ على أمة محمد ×، فهي أمة أخرجها الله للناس رحمة منه، فهم يرتعون في + مرعى " النعيم الدنيوي بسبب أمة الإسلام وذلك أنه لاأحد في الأرض يوحّد الله إلا أمّة الإسلام وقد قال × + لاتقوم الساعة حتى لايقال في الأرض : الله ا وكل ذلك إنما هو قبس من الغاية التي بُعث من أجلها محمد ×وهو قوله تعا ﭽ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﭼ الأنبياء: ١١١

عدد الصفحات ١٩

والمرعى في أول أمره يهتزّ اخضراراً، فإذا شارف أوانه على الانتهاء بدأ ذلك الاخضرار في النقصان، ليكون + غثاء أحوى " وكذلك هو الشأن مع أهل الإسلام، إذ قال رسول الله × + خير أمتي قرني، ثُم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم " رواه البخاري ومسلم وقد اقترن اللون الأخضر بالإسلام وصفاً له، فخير الأمة أولها، أي أن الاخضرار يكون في ذروته، وهو مااصطلح العرب على تسمية بالسواد، فإذا تقدم الزمان تناقص ذلك الاخضرار في أمة الإسلام، وهو قوله ×في حديث سابق: + بل أنتم كثير، ولكنكم غُثاءٌ كغثاء السيل ×وهي دلالة غثاء أحوى " لقلة الخير فيهم ... 2- دلالة + الأعلىفي الرسالة. ﭽ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﭼ الأعلى: ٦ - ٨ هذه الآيات من الله لعبده ورسوله بأنه سيتم نعمته عليه فيما اختاره له، وهو البلاغ عنه، وفي ذلك التمام توافق وانسجام مع دلالة الأعلى: ﭽ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﭼ الأعلى: ٦ تبين لنا مما سبق أن هذه السورة المكية كانت خطاباً من الله عز وجل لعبده ورسوله في مبدأ الدعوة، وقد كان القرآن المكي معنياً بذكر بعض الأصول التي تعالج بعض ماكان يكابده ×في معرض الدعوة إلى الإسلام، فكان الأمر في أول السورة + سبح " إشارة إ ما كان يجده × في نفسه وهو يرى ضعف المسلمين وقلة أعدادهم، فكان يكلف نفسه ما

عدد الصفحات ٢٠

يُكلف، فنبهه الله عز وجل بذكر صفته + الأعلى " إلى أن الإسلام إلى قوة وإلى انتشار، وذكر له شواهد على ذلك . وفي هذا المقطع نبّهه المولى عز وجل إلى أمر آخر وهو أنه سيقُرئه، وذلك أن فكرة + ماأ نا بقارئ " كانت لها بقايا في نفسه، فكان يخشى أن ينسى بعض مايُوحى إليه، وقد ورد في القرآن والسنة مايرسم لنا ذلك المشهد، وهو قوله تعالى: ﭽ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﭼ القيامة: ٦١ – ١١ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان النبي ×إذا نزل عليه الوحي حرك به لسانه يُريد أن يحفظه، فأنزل ا + لاتحرك به لسانك لتعجل به " رواه البخاري ومسلم. وبهذا المعنى جاء قوله تعالى: + سنقرئك فلا تنسى " + سنقرئك " السين للم ستقبل القريب الذي يبدأ من اللحظة التالية مباشرة لنهاية الجملة . والفعل : نُقرئ فعل مضارع ماضيه: أقرأ، وفي ذلك إشارة إلى أن محمد ×لم يكن قارئاً، وأن ماقرأه على الناس إنما قرأه بمدد من الله. والقراءة لاتعني النظر في صحيفة وتلاوة مافيها، إنما تعني جمع الشيء إلى بعضه البعض ، وعدم إسقاط جزء منه، وقد كان القرآن يتنزل على قلب رسول الله ×بدون كتابة في صحيفة ، فكان يقرؤه على الناس أي يتلوه بدون أن يُسقط منه آية أو كلمة أوحرفاً. + فلا تنسى " لا. نافية وليست ناقصة، إذ لو كانت ناهية لكان جهد عدم النسيان مسنداً إلى قدرته الشخصية ×، يأمره ربه بأن لاينسى، وماعليه إلا بذل المجهود في تنفيذ النهي، مثل ذلك الجهد المروي في تأويل: + لاتُحرك به لسانك ليعجل به" ، فتم استخدام

عدد الصفحات ٢١

+لا " النافية ، وليس الناهية، لبيان أن هذه النتيجة + لاتنسى " إنما هي مما سيقدره ا قلب عبده ورسوله، فلا يجد مشقة في استذكار كل مايوحى إليه من ربه وقد اقترنت + فلا تنسى " بالفاء لبيان أنها نتيجة لأن الله أقرأه. ﭽ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﭼ الأعلى: ١ + إلا ماشاء الله " فيه مسألتان: * الأولى: وعد الله عبده ورسوله بأن يرفع من قدرة القرأة لديه إلى الحد الذي لايحصل معه نسيان ، ولو وقف البيان عند هذا الحد لكان الوعد مطلقاً ، أي لايقع منه أدنى نسيان فيما أقرأه الله، ولكنه سبحانه حكيم عليم، إذ كان في تقديره أن يكون هناك بعض من النسيان يتأسس عليه ماأراد الله إقراره من القرآن ومن الشريعة: فهو ليس نسيان نقصان، بل نسيان تمام . وفي شأن تمام القرآن قال تعالى: ﭽ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭼ البقرة: ٦١١ فذكر لفظ + ننسها " إشارة إلى أن هناك آيات أُنزلت وتعبّد بها الصحابة ولكن الله غيبها عن قلب رسوله لاحقاً، لأنه لم يُرد لها أن تكون مُدرجة في القرآن، وقد رُوي عن أبي كعب وعائشة رضي الله عنهما أن سورة الأحزاب كانت تعدل سورة البقرة في الطول، فأقرّ الله منهما في كتابه الكريم ثلاثاً وسبعين آية وقد كانت آية الرجم آية من آياته

عدد الصفحات ٢٢

+ الشيخ والشيخة إذا زينا فارجموهما ألبتة نكالاً من الله والله عزيز حكيم " فكيف أُنسيها رسول الله ×؟ عن فاطمة بنت النبي ×قالت أسرّ إلى النبي ×أن جبريل كانيعارضني بالقرآن كل سنة ، وإنه عارضي العام مرتين ، ولاأُراه مرتين، ولا أُراه إلا حضر أجلي " رواه البخاري ومسلم . فكان جبريل يقرأ على رسول الله ×ماأُنزل عليه من القرآن وفق مراد الله تعالى. و آخر أيامه عارضه القرآن مرتين، فقرأه عليه بما أقره الله، فقرأ الأحزاب ثلاثاً وسبعين آية أنه قرأ القرآن على الهيئة التي هو عليها الآن، فإذا انصرف عنه جبريل قرأ رسول الله × القرآن على أصحابه على ماأقرأه جبريل بدون تكبد مشقة تذكر مانسخه الله من الآيات، فقد أنساه الله ذلك المنسوخ، وبذلك الإنساء أحكم الله آياته. ومما شرعه الله بذلك الإنساء ماورد في الحديث: أن النبي ×صلى الفجر، فترك آيه، فلما صلى قال: + أفي القوم أُبي بن كعب " قال أُبي: يارسول الله، نُسخت آية كذا وكذا أوأنُسيتها ؟ قال : + نُسيتها " رواه أحمد . لقد نسي رسول الله ×آية ولم يكن نسيانه لها أو لغيرها سُنةً فيه، إنما أنساه الله إياها، ليدور لاحقاً ذلك الحوار بينه وبين الصحابي أُبي بن كعب رضي الله عنه، لتعلم الأمة من ذلك أن المأموم عليه أن يرد الإمام إذا نسي أو أخطأ. أي أنه انبنى على ذلك الإنساء تشريع يٌعد من تمام الدين .

عدد الصفحات ٢٣

المسألة الثانية: قوله + إلا ماشاء الله " استثناء ذكر منه ركنان : أداة الاستثناء واستثنى، أما الركن الثالث، وهو المستثنى منه فقد ذكر في الآية السابقة وهو قوله : + فلا تنسى " . ولأن جلمة الاستثناء جملة واحدة فإن قوله + إلا ماشاء الله " سرى عليه وصل وفصل : أما الفصل فهو ذلك الفاصل الرقمي بعد قوله تعالى + سنقرئك فلا تنسى " وبذلك الفاصل تكون الجملة آية مستقلة، وهذا الاستقلال يحعل الدلالة دلالة مطلقة بمعنى نفي النسيان عنه مطلقاً، فهل لهذه الدلالة من موقع ؟ نعم، وموقعها هو هذا القرآن الذي توارثته الأمة جيلاً بعد جيل، فهل يستطيع أحد أن يقول إن محمداً ×نسي حرفاً واحداً من القرآن الذي أراد الله بقاءه في الأرض ؟ إطلاقاً، ألبتة، فهو لم ينس حرفاً، أي أن دلالة + فلا تنسى " دلالة مطلقة من هذا الوجه. أما الوصل فهو من خلال النظر إلى أن + إلا" تصل ماقبلها بما بعدها على سبيل الاستثناء، أي أن دلالة + فلاتنسى " لن تكون مطلقة، إذ قد استثنى الله منها قدراً لحكمة عالية، وهو مابينته مُفصلاً فيما سبق ... فسبحان الله ! * + إنه يعلم الجهر ومايخفى " وصف أهل التفسير هذه الجملة بأنها تعريش، أي هي السقف الذي تدلت منه دلالة + سنقرئك فلا تنسى * إلا ماشاء الله ..." ومدار هذا الجزء من الآية هو الكلام، فهو إما أن يكون مُعلن اً + الجهر " أو يكون خفياً، وهذا الخفاء له وجهان، صوت خفي، أو دورانه في الصدر بدون النطق به، فبين الله عز وجل أنه على علم بالكلام في جميع أحواله، وعلمه به علم خبير، وهو قوله تعالى:

عدد الصفحات ٢٤

ﭽ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭼ الملك: ١١ وبين أصل ذلك العلم بقوله : ﭽ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭼ الملك: ١١ فالله هو الذي أبدع الإنسان، مادق منه وماعظم، وعمله سبحانه بالجهر وبما يخفي، بل وعلمه بذات الصدور يُفضي إلى أمرين : الأول أنه يتحكم في بواعث الكلام + القلب " فيحول بين المرء وقلبه، والثاني أن كل كلام، جهراً كان أم سراً يعلمه الله، فلا يُمضي منه إلا ماشاء، وعلى هذا الأساس وعد عبده ورسوله أن يُقرئه فلا ينسى إلا ماشاء الله. ﭽ ﯤ ﯥ ﯦ ﭼ الأعلى: ٨ هذا هو الموعود الثاني لرسول الله ×بعد موعود + سنقرئك فلاتنسى " . فما معنى + نيسرك " ؟ عن علي رضي الله عنه عن النبي ×أنه كان في جنازة، فأخذ عُوداً، فجعل ينكث في الأرض فقال: + مامنكم من أحد إلا كُتب مقعده من النار أو من الجنة " قالوا : ألا نتكل ؟ قال : اعملوا فكل مُيسر" ثم قرأ قوله تعالى: ﭽ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﭼ الليل: ٥ - ١١ " رواه البخاري ومسلم .

عدد الصفحات ٢٥

فعلى الحالين : اليُسرى والعسرى، يتم تيسير إلانسان، أي يمضي في قوله وفعله في الحياة الدنيا على ماسبق في علم الله قبل خلق الخلق. وقد اختار الله محمد ×خاتماً للانبياء ورحمة منه للعالمين ، وبالنظر إلى أن التيسير يعني إعداد الذات لتكون متلبسة في فعلها وقولها بما قدره الله فإن تيسير رسول الله ×لليسرىيعني إعداد ذاته لتكون متلبسة في فعلها وقولها بكل مايندرج في باب اليسرى، وهي سنته ×القولية والفعلية . ومن شواهد تيس رسول الله ×لليسرى قوله تعا ﭽ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭼ آل عمران: ١٥١ فالإسلام دين يُسر، لادين عسر، قال تعالى : ﭽ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﭼ الحج: ٨١ ودين الله كائن في مصدرين : القرآن والسنة، فكان الوعد الأول: + سنقرئك فلا تنسى " متوجهاً إلى القرآن، وجاء الوعد الثاني: + ونيسرك لليسرى " لما كان عليه ×من قول ومن فعل ، والذي هو المصدر الثاني للتشريع . وتتجلى دلالة + الأعلى" في هذين الوعدين في تتابع الوحي على قلب رسول الله، فسورة + الأعلى " كانت من السور المكية الأولى، ثم بدأ مؤشر القرآن في الارتفاع شيئاً فشيئاً على مدى عقدين من الزمان إلى أن غدا في ذلك الحد العظيم الذي نجده بين أيدينا، وكذلك هو الشأن مع السنة المطهرة. 3- ماعلى الرسول إلا البلاغ

عدد الصفحات ٢٦

ﭽﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﭼ الأعلى: ١ – ١١ + فذكر إن نفعت الذكرى " * اقتران هذه الجملة بالفاء يجعلها مترتبة على ماسبقها، فقد آذن الله عبده ورسوله : إني سأتم ديني وسأظهره على الدين كله ولو كره الكافرون، فدع ماتجده في نفسك من قلق على الإسلام وعلى المسلمين، فإذا فعلت ذلك فذكر إن نفعت الذكرى، ولاتنشغل إلا بتذكير الناس. * وظاهر الآية يوحي بأن ا لأمر بالتذكير م شروط بأن يتوجه إلى من يُظن بأن الذكرى سيكون لها وقع في نفسه، وهو معنى يتعارض مع ماهو ثابت في الشريعة من أن التذكير يتوجه إلى الجميع، من يً ظَن أنه قد ينتفع به ومن لايً ظَن فيه ذلك . وهذا الثابت تُؤيده الآيات التالية لتلك الآية، حيث ذكرت أن الذكرى سيقابلها الناس على وجهين : + من يخشى " و + ويتجنبها الأشقى " وبسبب هذا البناء اختلفت أقوال المفسرين في تلك الآية، وأقربها جميعاً إلى الصواب ماجاء لدى ابن كثير رحمه الله ، إذ قال: من هاهنا يؤخذ الأدب في نشر العلم، فلا يضعه عند غير أهله كما قال أمير المؤمنين على رضي الله عنه: ماأنت بمحدثٍ قوماً حديثاً لاتبلغه عقولهم إلا كان فتنة لبعضهم. وقال أيضاً : حدّث الناس بما يعرفون ، أتحبون أن يُكَ ذَب الله ورسوله. وقبل أن أقرأ كلمات ابن كثير كانت قد تشعبت بي السبل في فهم الآية، ولم يستبن لي وجه البيان إلا من بعد تلك القراءة، وذلك كما يلي :

عدد الصفحات ٢٧

إن التذكير + الذكرى " له طرفان: المذكِ ر + بكسر الكاف " والمذكَ ر + بفتح الكاف " وقد نظر أهل التفسير في قوله تعالى : + إن نفعت الذكرى " إلى من تُلق ى إليهم الذكرى، ولذلك وقع الاختلاف في التأويل، ولكن توجيه دلالة الكلمات إلى المذكر + الذي يُلقي الذكرى " يحل ذلك اٍلإشكال، وينتهي معه الخلاف، أي أن الله عز وجل يأمره أن يُذ كر على وجه العموم بعد ملاحظة الظ روف المصاحبة لذلك التذكير، أهي من اسبة ليكون التذكير حكيماً أم هي غير مناسبة لإلقاء الذكرى ، أي أن الله تعالى يضع لرسوله المنهج الذي يجب عليه اتباعه في التذكير ، وقد فصل جل شأنه ذلك في قوله تعالى ﭽ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﭼ النحل: ٥٢١ * لقد أودع المولى عز وجل مجمل الدعوة إليه في لفظ واحد، وهو قوله + ذَ كِر " فبم يذكرهم ، وماعلاقة هذا التذكير بدعوة الإسلام ؟ أمر الله عبده ورسوله بأن يذكر الناس بأن ربهم هو الله، لاتلك الأوثان التي لاتملك ضراً ولانفعاً . فهل مرّ على الإنسان زمن شهد فيه أن الله هو ربه ثم نسي ذلك مع مرور الزمن ؟ نعم ، ودليل ذلك قوله تعالى : ﭽ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳﭴ ﭵ ﭶﭷ ﭸ ﭼ الأعراف: ٢١١

عدد الصفحات ٢٨

وهذا الميثاق أخذه الله على الناس جميعاً في عالم الذر، وكنت قد فصلت ذلك عند بيان قوله تعالى: + كلا إنها تذكرة " فالإسلام دين الفطرة التي فطر الناس عليها، فإذا انحرفوا عن تلك الفطرة أرسل الله رسولاً يذكرهم بهذه الفطرة ... ﭽ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﭼ الأعلى: ١١ - ١١ * + سيذكر " أي أنه إذا أقرّ بما يدعو إليه محمد ×كان ذلك الإقرار بمثابةرجوع منه إلى ماكان عليه إذ كان في عالم الذر +ويتجنبها " الضمير { ها} يعود على + الذكرى " وهي الدعوة إلى الإيمان با وحده. وتجنبها هو الإعراض عنها ، أي عدم الإقرار بهذه { الذكرى} * المشركون قبل الذكرى سواء، أي غير خاضعين لصفتي الخشية والشقاوة فهم جميعاً غ مؤمنين، فكيف يخبر الله عبده ورسوله بأنه لن يتذكر إلا من كان على خشية من ربه ؟ وماالغاية من هذا البيان ؟ قال أهل التفسير إن الله ذكر صفة من يتذكر وصفة من لايتذكر ليس من قبيل ماهم عليه في الحياة الدنيا، فقد كانوا جميعاً مشركين، إنما ذكر هاتين الصفتين من خلال النظر إلى ماهو مدرج في علمه سبحانه من إيمان من آمن وإعراض من كفر. وهو قول صحيح . إلا أنه بالإمكان صياغته من وجه آخر وذلك كما يلي: الوجود عالمان: عالم الغيب وعالم الشهادة. والإنسان لايملك إلا أن يطلع على شريحة واحدة ، ألا وهي شريحة عالم الشهادة، ولذلك فإن نسقه البياني محكوم بقوانين هذه الشريحة، فليس في منطقه أن يطلق الصفة على شيء ما إلا بعد شهودها، ومن ذلك أنه

عدد الصفحات ٢٩

لايملك أن يصف المشرك بأنه سوف يتذكر لأنه يخشى الله،وواقع الحال أنه غير متلبس بهذه الصفة. أنا بالنسبة للأول والآخر والظاهر، والباطن فقد وصف نفسه بأنه عالم الغيب والشهادة، أي أن الغيب والشهادة أمامه مشهد واحد، تظهر فيه تقلبات أحوال الإنسان من منشئه إلى مماته، فاستدعى مشهد من آمن لاحقاً ثم أسنده إلى الفعل + سيذكر " وكذلك فعل مع مشهد +الأشقى " الذي أعرض عن دعوة الإسلام . بل إن المشهد يمتد إلى الحد الذي تُستجعي فيه حالة من حالات يوم القيامة، أي لايقف فقط عند حد مايعرض للإنسان في دنياه، بل يستدعي مشهداً من مشاهد القيامة، ومستند ذلك قوله سبحانه في وصف + الأشقى " ﭽ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﭼ الأعلى: ٢١ * + يصلى النار " يتقلب في حرها ولهبها . والفعل + يَصْلَى " فعل مضارع يدل على أن صاحبه متلبس به، فقولك : فلان يأكل، لايعني أنه قد أنهى طعامه، ولاأنه خال منه وسوف يأكل لاحقاً، بل هو مشهد حاصل ومستمر، ومن هذا الوجه جاء الفعل + يصل ى " إذ لم يقل جل شأنه سيصلى، أي أن الله عز وجل ربط بين مشهدين: دنيوي وأخروي فأخبر عبده ورسوله أن من + يتجنبها " أي يتجنب الذكرى في الحياة الدنيا هو ذلك + الأشقى " الذي أراه يتقلب في النار الكبرى . * + النار الكبرى "

عدد الصفحات ٣٠

استخدم جل شأنه لفظ + الكبرى " موافقة للفظ + الأشقى " فكل منهما أفعل تفضيل، إذ أن + الأشقى " تدل على أكثر الناس شقاء، وأكثرهم شقاء هو الذي لايؤمن بأن الله ربه، وذلك قوله تعالى: ﭽ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﭼ النساء: ٨١ ولذلك وُصفت النار بأنها كبرى إشارة إلى أن دركات العذاب متفاوتة قدراً وزمناً، وليس هناك من هو أشد عذاباً من الكافر بالله. الذي تجنب الذكرى ﭽ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﭼ الأعلى: ١١ اسُ تخدم حرف العطف + ثم " الذي يفيد الترتيب مع التراخي، فالإنسان في الح ياة الدنيا إذا وقع عليه أذى فإنه سيجد فرجاً من ذلك مهما طال به الزمن، فهو إما أن يموت، وإما أن ينصرف عنه ذلك الأذى فيحيا حياة سوية .ومن هذا الوجه تم استخدام + ثم " وذلك لقطع الرجاء لدى كل من كفر، فإذا طال زمن عذاب الكافر فإنه لن يجد بعد ذلك الزمن الطويل فرجاً، فلا هو يدركه الموت، ولاهو يُرفع عنه ذلك العذاب وهذا المعنى ذُكر صراحة في قوله تعالى لمن كُ تب عليهم الخلود في النار ﭽ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﭼ النبأ: ١١ * وفي آيات هذا المقطع توجيهات لرسول الله × 1- ماعليك سوى البلاغ، فلا تكلف نفسك مالم تُكلف 2- تحرّي الأحوال التي تجعل للذكرى وقعاً ونفعاً

عدد الصفحات ٣١

3- أن لايأسى على أولئك الذين يتجنبون الذكرى، لأنه سبق في علم الله أنهم من الأشقياء الذين يصلون النار يوم القيامة . 4- تبـــــــــــــــــــاين الناس أمام البلاغ ؟ ﭽ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭼ الأعلى: ١١ – ١١ هذه الآيات الأربع بلاغ من الله للناس أجمعين، يخبرهم فيه بالمنهج المفضي إلى الفلاح، وماهم عليه أمام ذلك المنهج . أما مناسبة تقديم هذا البلاغ فهو شهادة من الله يؤيد بها تلك الذكرى التي كان يرددها محمد ×علىأسماع الناس . ﭽ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﭼ الأعلى: ١١ + قد " حرف تحقيق يفيد التوكيد . + أفلح " بمعنى فاز، وأصلها من فلح الأرض، إذا شقها لغرس ينال ثمرته لاحقاً، وقد زيد الفعل همزة، فأفادت هذه الزيادة أنه صار ذا فلح أي له أرض وبذر يبذره فيها، فينتفع به لاحقاً. وهذا حال من يؤمن بالله، قال : + قد افلح المؤمنون " ، وثمرة هذا الإيمان هي الجنة. + تزكى " تطهر، وبما أن البيان يتوجه إلى الإنسان حال خلوه من الإيمان بالله، فإن تزكيه + طهارته " تكون بالإيمان، ودليل ذلك قوله تعالى : + إ نما المشركون نج س " التوبة22

عدد الصفحات ٣٢