المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الإعجاز البياني في القرآن الكريم سورة الأعلى

محمد مبارك المزيودي

صفحة ١ من ٣

الإعجاز البياني في القرآن سورة الأعلى محمد مبارك المزيودي

عدد الصفحات ١

ﭑ ﭒ ﭓ ﭽ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭼ الأعلى: ١ - ١١

عدد الصفحات ٢

الخطاب في هذه السورة ليس خطاباً عاماً، إنما هو خطاب خاص لمحمد ×، يحدد فيه الله عز وجل الأصول العامة التي له وعليه كرسول مكلف بالبلاغ عن رب العالمين. مقاطع السورة 1- تجليات + الأعلى العامة. ﭽ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﭼ الأعلى: ١ - ٥ 2- دلالة + الأعلى في الرسالة ﭽ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﭼ الأعلى: ٦ – ٨ 3- ماعلى الرسول إلا البلاغ ﭽ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﭼ الأعلى: ١ – ١١ 4- تباين الناس أمام البلاغ

عدد الصفحات ٣

ﭽﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭼ الأعلى: ١١ – ١١ 5- إشارة إلى ماسبق بيانه ﭽ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭼ الأعلى: ٨١ – ١١ * المناسبة والإطار العام لقد كان محمد×حريصاًًَ على أن يؤمن الناس بما أرسله الله به، قال تعا ﭽ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﭼ التوبة: ٨٢١ ﭽ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﭼ النحل: ١١ فنزلت هذه السورة لترسم له الخطوط العامة التي يجب أن يكون عليها : * الثبات على ذكر الله : + سبح اسم ربك الأعلى " وماتلاها. * لاتحمل هَمّ حفظ مايوحى إليك : + سنقرئك فلا تنسى " * ماعليك إلا البلاغ : + فذكر إن نفعت الذكرى " * هذه الأصول هي ذات الأصول التي مضى عليها رسل الله: +إن هذا لفي الصحف الأول* صحف إبراهيم وموسى "

عدد الصفحات ٤

أما الإطار العام للسورة، فهو ماتتوجه إليه دلالة + الأعلى" التي جعلها الله اسماً للسورة ولبيان دلالته نقرنه باسميه سبحانه: + العلي والمتعال "، حيث أن دلالة هذين الاسمين حاصلة في ذات الله، لاعتبار لأي شيء من خلقه، فهو العلي المتعال حتى وإن لم يكن هناك شيء من الخلق. أما الأعلى فهو أفعل تفضيل أساسه المفاضلة بين أكثر من ذات في صفة واحدة كالمفاضلة بين محمد وأحمد في صفة الكرم بقولنا : محمد أكرم من أحمد ولهذا فإن صفة + الأعلى" تم النظر فيها إلى كل ماهو موصوف بصفة بصفة العلو في الأرض أو في السماء، فكل ماهو عالٍ في الأرض أو في السماء الله + الأعلى " منه . قال تعالى . ﭽ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﭼ يونس: ١٨ ووجه المناسبة بين دلالة هذه الصفة وبين السياق العام للسورة هو إعلام رسول الله × بأن كلمة الله هي العليابرغم كل مايراه من علو سطوة الكفار، وضعف المسلمين وقلة أعدادهم، وفي ذلك تهوين لما كان يلقاه رسول الله والمسلمون من كفار قريش وعلى هذه الحقيقة إن بنت تلك التوجهات المشار إليها قبل قليل. التفسير والبيان .. 1- تجليات + الأعلى " العامة ﭽ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﭼ الأعلى: ١ - ٥ + سبح اسم ربك الأعلى " * التسبيح هو تنزيه الله عما لايليق به، ولبيان أركان هذا التنزيه نعرض له في مبحثين:

عدد الصفحات ٥

المبحث الأول: التسبيح هو مطلق العبادة لقد خلق الله الإنسان لغاية محددة ، وهي قوله : ﭽ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭼ الذاريات: ٦٥ ولايكون الإنسان عابداً لله تعالى إلا من خلال مجيء فعله وقوله على مراد الله، وإن يكون ذلك خالصاً لوجهة سبحانه. فإن فعل الإنسان ذلك فقد سبح الله، أي نزّهه، وأما إن خالف مراد الله في فعل أو قول، فقد خرج من دائرة التسبيح، وهو قول رسول الله× في الحديث القدسي: + قال الله تبارك وتعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه" رواه مسلم. والشرك المشار إليه في الحديث هو أن تنطوي سريرتك على قدر من الغاية الدنيوية في عمل كانت نيتك الغالبة فيه أنه لله تعالى، وفي هذه الحالة فإنك لن تكون مسبحاً لله، إذ لم تنزهه عن أن يكون له شريك في مكنون نفسك. أي أن قوله سبحانه: ﭽ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﭼ الإسراء: ١١ لايقف فيه معنى التسبيح عند حد النطق به، إنما يتجاوز ذلك إلى أن كل شيء ماضٍ على مراد الله منه، فلا يخالفه أدنى مخالفة.

عدد الصفحات ٦

وليس فيما ذكرته قبل قليل في معنى التسبيح ماينفي أو ما ينتقص من شرف جريان اللسان بالتسبيح، وقد قال رسول الله × + إن أحب الكلام إلى الله: سبحان الله وبحمده " رواه مسلم ومن شواهد جلال قدر التسبيح باللسان قول رسول الله ×في شأن أهل الجنة +.... يُلهمون التسبيح والتحميد كما تُلهمون النفس " رواه مسلم. أي تجري ألسنتهم بالتسبيح بلا قصدٍ منهم كالنفس الذي يتردد في صدر الإنسان بدون توجه منه إليه. المبحث الثاني: مستويات التسبيح جاء فعل التسبيح في الآية على صيغة الأمر :+ سَبِح " وفي كثير من الآيات ورد فعل التسبيح بصيغة المضارع: يُسبح ، يُسبحون، فاستعملت الصيغتان في القرآن استعمالاً حكيماً، صدرت عنه دلالات موافقة لمقتضى الحال. وأساس ذلك كله الدلالة المعنوية لفعلي الأمر والمضارع: فالفعل المضارع يفيد استمرار الأداء، ولاعلاقة له بمستويات ذلك الأداء، قوله تعالى + وإن من شيء إلا يُسبح بحمده " يتوجه إلى أن كل شيء قد ألهمه الله تسبيحه، فهو ماضٍ على ذلك التسبيح بغير زيادة أونقصان .فالحجر، مثلاً، يسبح الله بأستمرار على الوجه الذي قدره الله له، قال تعالى: ﭽ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﭼ النور: ١١

عدد الصفحات ٧

أما فعل الأمر فهو طلب يتوجه إلى المأمور ليفعل أمراً لم يكن متلبساً به، أي أن فعل الأمر + سبح " يتوجه إلى من لم يكن متلبساً بفعل التسبيح، فيُطلب منه أن يكون متلبساً به، فهل كان رسول الله ×كذلك ليأمره ربه بالتسبيح ؟؟ لقد كان ×أعلى الناس تسبيحأً في فعله وفي نطقه ولذلك فإن دلالة الأمر تتوجه إلى مستوى آخر فوق مستوى التلبس به بعد الخُلو منه، ألا وهو مستوى الاستزادة منه، وذلك من مثل قوله تعالى: ﭽ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﭼ النساء: ٦١١ فبعد أن أثبت لهم تلبسهم بصفة الإيمان : + يأيها الذين آمنو " أمرهم بما وصفهم به+ آمنو " فكيف يأمرهم بالإيمان وهم مؤمنون ؟ لقد أمرهم من خلال هذا الأسلوب بالإستزادة من الإيمان، لأن الإيمان حالة قلبية يعتريها النقصان والزيادة. ومن هذا الوجه أمر الله عبده ورسوله بالتسبيح، أي الاستزادة منه. فهل أراد الله تعالى الاستزادة منه نطقاً باللسان أم تعديلاً في الآداء بما يليق به سبحان ه؟ عن عائشة رضي الله عنها قالت: ماصلى رسول الله ×صلاة بعد أن نزلت عليه سورة + إذا جاء نصر الله والفتح إلا يقول : + سبحانك ربنا وبحمدك ، اللهم اغفر لي " رواه البخاري ومسلم

عدد الصفحات ٨

أمر رب العالمين بالتسبيح : + فسبح " فاستجاب لأمر الله، وكان مظهر است جابته الإستزادة منه فوق ماكان عليه من ذكر وتسبيح لله تعالى . فهل يمضي الأمر بالتسبيح في سورة + الأعلى " على نفس الوجه الوارد في سورة + النصر " أم أن له وجهاً آخر ؟ لقد كان محمد ×في مبدأ الدعوة ينساق إلى جملة أحوال لاتتناسب مع مايليق بجلال قدره ومقامه، وذلك برغم أن الباعث على تلك الأحوال هو حرصه البالغ على انتصار دين الله وذيوعه بين الناس، ومن تلك الأحوال أنه عبس وتولى في وجه الأعمى الذي جاء يسأله في دين الله بينما كان منشغلاً ×بدعوة أحد أشراف قريش، إذ كان في تقديره أن الإسلام ذلك الشريف سيكون نصراً و فتحاً لدين الله . فعا تبه الله على مافعل مع الأعمى، وذكره بأنه ليس عليه إلا تذكير الناس: + كلا إنها تذكرة " عبس 11 وفي سورة الأعلى أيضاً ذُكر ذات التوجيه، وهو قوله سبحانه + فذكر إن نفعت الذكرى " فإذا عدنا إلى دلالة التسبيح على مُضي المخلوق في فعاليته على مراد الله تعالى وجدنا أن توجه المصطفى×إلى تكلف. الم يكلفه الله به خروج عن مراد الله، فقال له ربه : + سبح " أي : لتأت فعاليات بما يترجم ثقتك في أن دين الله غالب برغم ماتراه من علوّ كلمة الكفر، لأنه دين + الأعلى " فلا تكلف نفسك أكثر مما كُلفت به، وهو ال تذكير، لأن هذا التكلف سمة من سمات نقص الثقة حتى وإن كنت واثقاً، ولذلك + سبح " . * + اسم ربك الأعلى " اسم : مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة على آخره . ربك : رب: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الكسرة الظاهرة على آخره وهو مضاف والكاف مضاف إليه .

عدد الصفحات ٩

الأعلى: صفة ، تصلح أن تكون وصفاً لكملة + اسم " أو لكلمة +رب " والفيصل في ذلك هو الحركة الإعرابية مثل قوله تعالى: ﭽ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﭼ الرحمن: ٨١ حيث جاءت كلمة + ذي " مجرورة بالياء اتباعاً لكلمة + رب " المجرورة بالإضافة . إلا أن كلمة + الأعلى " منتهية بالألف المقصورة التي يتعذر معها ظهور الحركة الإعرابية، وعلى ذلك فهي تكون صفة منصوبة أو صفة مجرورة، وفي خضوع الكلمة لهذين الاحتمالين إثبات لصفة العلو للكلمتين +اسم " و + رب " فهل ذلك كذلك ؟ أولاً: الاسم الأعلى ليس لله تعالى اسم واحد، إنما هي أسماء عديدة، لايعلم قدرها أحدٌ إلا الله، وقد أنزل منها في كتابه الكريم تسعة وتسعين اسماً، قال تعالى. ﭽ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﭼ الإسراء: ١١١ فأي تلك الأسماء هو الاسم الأعلى ؟ إنه اسمه + الله " وشاهد هذا العلو أنه الاسم الذي لم يتسم به أحد سواه وهوقوله سبحانه: ﭽ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭼ مريم: ٥٦

عدد الصفحات ١٠

وعلى هذا الاسمينبني أحد شقي التوحيد، وهو توحيد الألوهية فإذا علمنا أن كلمة الإله تعني : المعبود . علمنا سر اقتصار الاسم + الله " على الله وحده، وذلك أنه لامعبود سواه . ثانياً : + الرب الأعلى " * الرب في اللغة المالك والسيد ، ومالك الشيء هو الذي يتعاهده ويقوم على جميع شأنه، والناس فيما بينهم بعضهم أرباب لبعض، فهناك رب الأسرة وهناك رب العمل.....ألخ ، وربوبية العبد تنتهي عند ربوبية الله، ومن ذلك قوله ×من أمركم من الولاة بمعصيةٍ فلا تطيعوه " رواه أحمد وابن ماجه والحاكم ، فأولئك الولاة أرباب، فإذا أمروا بأمر فيه مخالفة لأمر رب العالمين لم يكن لأمرهم قيمة أمام أمر الرب الأعلى . * واشتراك الاسم والرب في صفة + الأعلى " مؤشر على أنهما متلازمان حتى أنه لاانفصال بينهما، وذلك أن + اسم " الذي ذكرت أنه لفظ الجلالة + الله " يعني المعبود، والعبادة جملة فعاليات قلبية وأدائية تُعد إقراراً من العبد بأن الله هو مالكه وسيده والقائم على كل شأنه، ومشهد ذلك الإقرار تحقيق دلالات الأسماء الحسنى في تلك الفعاليات، فمن أسمائه سبحانه + الرزاق " وهو وجه من وجوه الربوبية، وتحقيقه في واقع الإنسان أن يعتقد اعتقاداً جازماً بأنه لارزق له إلا ماقدره الله، وأن لايعتقد أن فلاناً أو غيره يملك له رزقاً، فإذا فعل الإنسان ذلك فقد سبح الرب أي نزهه، ومن نزّه مقام الربوبية فقد نوّه مقام الألوهية ، أي عبد الله حق العبودية * عن عقبة بن عامر الجهني قال: لما نزلت + سبح اسم ربك الأعلى " قال رسول الله ×اجعلوها في سجودكم

عدد الصفحات ١١

ذكرت في مناسبة السورة أنها جاءت بلاغاً من الله تعالى لعبده ورسوله بأن لاينزعج لما يراه من تدني عدد المسلمين وضعف قوتهم، لأن مآل ذلك كله إلى علوّ، لأن الدين دين + الأعلى " وعلى هذا الوجه يمضي السجود، لأن الإنسان إذا وضع جبهته على الأرض خضوعاً لذات من الذوات كان بذلك فاقداً لكرامته .. فكان قول المسلم في سجوده + سبحان ربي الأعلى " بأمر من الله تعالى إشارة إلى أنه إذا تلبس بهذا التدني كان في أعلى المراتب، وهو القرب من + الأعلى " وهو قول رسول الله × + أقرب مايكون العبد إلى ربه وهو ساجد " رواه مسلم ﭽ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﭼ الأعلى: ٢ * الخلق هو إيجاد الشيء بعد أن لم يكن شيئاً مذكوراً، قال تعالى ﭽ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﭼ الإنسان: ١ والفعل + خلق " فعل متعدٍ ، أي يأخذ مفعولاً به، ولم تذكر الآية مفعولاً فكان تجرّد الفعل من ذلك توجهً إلى إرادة كل ماخلق الله. وعطف الفعل + سوىّ " على الفعل + خلق " بحرف العطف الفاء الذي يُفيد الترتيب مع التعقيب للدلالة على أن كل خلق خلقه الله قدّر الله له حداً يستوي عنده، وذلك بعد أن يعطيه البداية، قال تعالى : ﭽ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﭼ البروج: ١١ ومن هذه البداية تعرض للمخلوق جملة تحولات إلى أن يبلغ حد الاستواء، وهو الحد الذي يتناسب مع الطور الوجودي، ولأضرب لذلك مثلاً بخلق الإنسان:

عدد الصفحات ١٢

إذا التقت النطفة بالنطفة أصبحتا نطفة واحدة، ذُكرت في القرآن بلفظ النطفة الأمشاج، وهي خلية واحدة ضمنها الله ذلك الإنسان الذي سيخرج إلى الحياة بعد تسعة أشهر . فبتكوين هذه النطفة خُ لق الإنسان ، إلا أنه ليس إنساناً مستوياً، فقد قُدّر له أن يستوي بعد جملةٍ من التحولات: العلقة فالمضغة فالعظام، ثم يكسو الله العظام لحماً، ثم ينشئه الله خلقاً آخر، وهو حد الاستواء . * + الذي " اسم موصول والجملة بعده صلة الموصول، ولو كان لي أن أجترئ على أشياخنا الذين علمونا اللغة لقلت إن + الذي " صلت الوصل وأن الجملة بعده هي الموصول، وذلك أن + الذي " جاءت لتصل مابعدها بما قبلها. فقد أمر عبده ورسوله بأن يسبح اسم ربه الأعلى، ثم أراد أن يذكر له شواهد دالةً على أنه إذا أراد شيءً خلقه وبلغ به حد الأستواء فقال: + الذي خلق فسوى " وفي المثال المذكور لهذا المعنى يبدأ الإنسان خلية واحدة، فتنقسم إلى خليتين فأربع فثمان فست عشرة ...وهذا إلى أن تبلغ الملايين، وبها يكتمل بناء خلق الإنسان في بطن أمه + استواؤه ". فإذا رسمنا خطاً بيانيا ً لهذا الخلق فإن نقطة ا لبداية + النطفة الأمشاج " ستكون في أسفل المدرج، ومع مضي الوقت وتتابع الإنقسام يعلو الخط البياني إلى أن يصل نقطة الأستواء. ووجه صلة هذا البيان بما أمر الله به عبده ورسوله + سبح " أن ماكان يراه رسول الله ×من ضعف المسلمين وقلة انتشار الإسلام مآله إلى العلو ، وهو قوة المسلمين وانتشار الإسلام . * ﭽ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﭼ الأعلى: ١ الهداية مترتبة على التقدير، والمراد بالهداية التمييز بين سبيلين واختيار أحدهما، قال تعالى:

عدد الصفحات ١٣

ﭽﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﭼ البلد: ٨ - ١١ وهذه القدرة التي يشتمل عليها الإنسان، والتي تجعله قادراً على التمييز بين النجدين إنما هي مما قدّره الله في تكوين ذات الإنسان. وهذا المعنى الذي تذكره الآية ذكره الله في موضع آخر على لسان موسى عليه السلام: ﭽ ﰎ ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ ﰓ ﰔ ﰕ ﰖ ﰗ ﭼ طه: ١٥ فقوله + كل شيء " تمضي دلالته إلى كل خلق خلقه الله، للإنسان والحيوان والنبات والجماد ، وهو ماأشارت إليه الآية التي نحن بصددها، تلميحاً لاتصريحاً، بحذف مفعول الفعلين: قدّر، هذى، وذلك أن حذف المفعول أفاد عموم دلالة الفعلين . ووفقاً لذلك فإن التقدير هو المساحة الوجودية لهذا المخلوق أوذاك، فالحجر له حالة وجودية معلومة فلا تراه يفعل فعل الإنسان أو فعل النبات، والنبات أيضاً له مظهر وجودي معلوم، وهو مما قدّره الله، وكذلك الحيوان والإنسان والجن والملائكة . فوفقاً لما قدّره الله للمخلوق في تكوينه يمضي ذلك المخلوق في حالته الوجودية، وهي دلالة الفعل + هدى " . * وبين الفعلين : +قدر وهدى" نجد رسماً لدلالة العلو، ومظهر ذلك الرسم أن تلك التقديرات كامنة في هيكل محدود الأبعاد، ولنفترض أنه الإنسان، ولكن هذا الهيكل يملك، بما يشتمل عليه من تقديرات، فعاليات واسعة المدى، ولو كان الإنسان مشتملاً في نفسه على تقديرات دابة من الدواب لتناقصت فعالياته الآدمية لتكون في مستوى فعاليات تلك الدابة. وأضرب مثلاً لما يودعه الله من تقديرات في هذا الخلق أوذاك بفتيل السراج، حجمه صغير، وناره ضئيلة، وقد قدّر الله في النار فعالية الإنارة، فهُدي ذلك الل هب الضئيل إلى

عدد الصفحات ١٤

إنارة الوسط المحيط به، فمن نقطة صغيرة، وهي موضع ذلك الفتيل امتد الضياء، وامتداده وجهٌ من وجوه العلو. وهو تشبيه يرسم لنا دلالة + قدر فهدى"، وينسجم مع دلالة اسم السورة، ومع ماسبق بيانه من الآيات. ﭽ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﭼ الأعلى: ١ - ٥ * وفي هاتين الآيتين أيضاً يرسم الله عز وجل مشهداً آخر من المشاهد الد الة على دلالة + الأعلى " وتطبيقاتها في خلقه. فأرض المرعى تكون خالية من أي عشب أونبات، فإذا نزل عليها الماء بدأ العشب في الظهور على وجه الأرض، ثم تتجلى سنة + الأعلى " في ذلك التكوين، فيعلو العشب شيئاً فشيئاً ، فإذا بلغ حد ه تواصل السلم البياني في العلو، ولكن من وجه آخر، إذ يصبح غثاء أحوى. * + أخرج المرعى " أسندالمولى عز وجل الفعل + أخرج " إلى نفسه التفاتاً إلى أن ماينبت في المراعي من عشب وكلأ لا تغرسه يد بشرية. ولايتعاهده أحد من الناس، ولذلك ذكر الله عز وجل +المرعى" تحديداً دون غيره مما تنبته الأرض. * + غثاء أحوى " + غُثاء " غثاء الماء يغثو غثواً وغثاء إذا كثر فيه البعر والورق والقصب. والغثاء مايحمله السيل من القماش. وقال القرطبي: يُقال للبقل والحشيش إذا تحطم ويبس: غُثا ء وهشيم. + أحوى " : أسود، إذ أن شدة الخضرة تضرب إلى السواد

عدد الصفحات ١٥

وهنا تعّرض أهل التفسير إلى إشكال، إذ كيف يُوصف الغثاء بأنه أحوى والحال أن الغثاء هو العشب حال يبسه واصفراره ؟ ! فاجتهدوا في الخروج من ذلك الإشكال بقولهم إن في الآية تقديماً وتأخيراً، وهو أن أحوى صفة للمرعى، فجعله الله غثاء . وهو اجتهاد مردود لأنه يخالف نسق البيان. فهل هناك من بديل لذلك التأويل ؟ * يُقال للخضرة إذا اشتدت سواد، وذلك أنها تميل إلى اللون الأسود، واكثر مايقال ذلك في الخضرة الممتدة في مساحات شاسعة، ومن ذلك قول بعض أهل قريش بعد فتوح العراق: إن السَواد. بستان لقريش، ، حتى أن اللفظ أصبح علماً على المكان، وهو قولهم أرض السواد . وسبب تسميتها بهذا الاسم كثرة البساتين فيها، فتبدو للناظر من بعيد وكأنها سوداء. وفي القرآن الكريم وصف الله جنتين من جنان الجنة بهذا المعنى فقال: + مُدهامتان " . فقيل في تأويل ذلك : سَوْدَاون من شدة الخضرة .وقال الخليل : الدّهْمة السواد . ولم يرد في اللسان العربي استخدام الحوّة بمعنى السواد ، إنما هي السُمرة، قال ذو الرمة: لَمْيَاءُ في شَفَتَيْها حُوَة لَعَسٌ وَفي اللَثات وفي أَ نيَا بهَا شَنَبُ والحوة: سمرة الشفة، وليس لنا بأي حالٍ من الأحوال أن نقول سواد الشّفة فالسواد إذا تناقصت نسبته قيل فيه : أسمر، وهو ماشاع استخدامه في وصف ألوان الناس، فالأسمر غير الأسود، أي ان الأحوى لاتعني الأسود، فمــــــــــــــــــــــاذا تعني ؟ يُخرج الله المرعى، أي الكلأ والعشب، وفي العادة يكون المرعى ذا مساحة واسعة، فإذا نظر إليه الناظر من مكان بعيد رآه ، لشدة اخضراره، أ قرب إلى اللون الأسود، فإذا بلغ ذلك

عدد الصفحات ١٦