49 " ليلني منكم أولو الأحلام والنهى ثم الذين يلونهم " فكان أبو هريرة يقرب من النبي صلى الله عليه وسلم وعبد الله بن مغفل يبعد لحداثة سنه ومعلوم أن القارئ يرفع صوته ويجهر بقراءته في أثنائها أكثر من أولها فلم يحفظ عبد الله الجه ر بالبسملة لأنه بعيد وهي أول القراءة وحفظها أبو هريرة لقربه وإصغائه وجودة حفظه وشدة اعتنائه * وأما حديث ابن مسعود رضي الله عنه (فجوابه) أنه ضعيف لأنه من رواية محمد بن جابر التمامى عن حماد عن إبراهيم عن ابن مسعود ومحمد بن جابر ضعيف باتفاق الحافظ مضطرب الحدي ث لاسيما في روايته عن حماد بن أبي سليمان. هذا (وفيه) ضعف آخر وهو أن إبراهيم النخعي لم يدرك ابن مسعود بالاتفاق فهو منقطع ضعيف وإذا ثبت ضعفه من هذين الوجهين لم يكن فيه حجة (ولو كانت) لكانت الأحاديث الصحيحة السابقة المصرحة بالجهر مقدمة لصحتها وكثرتها ولأنها إ ثبات وهذا نفي والإثبات مقدم. وأما قول سعيد بن جبير أن الجهر منسوخ ." (1) "الله عليه وسلم الصبح فقرأ في أول ركعة والنخل باسقات لها طلع نضيد أو ربما قال في ق " رواه مسلم وعن جابر بن سمرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم " كان يقرأ في الفجر بقاف والقرآ ن المجيد وكان ص لاته بعد تخفيفا " رواه مسلم وعن ابن حريث رضي الله عنه " أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في الفجر والليل إذا عسعس " رواه مسلم وعن معاذ بن عبد الله الحفني أن رجلا من جهينة أخبره " أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في الصبح إذا زلزلت الارض في الركعتين كلها فلا أدري أنسي رسول الله صلى الله عليه وسلم أم قرأ ذلك عمدا " رواه أبو داود بإسناد صحيح وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال " كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في الفجر الجمعة الم تنزيل السجدة وهل اتي علي الإنسان " رواه البخاري ومسلم ورواه مسلم أيضا عن ابن عباس رضي الله عنهما. وأما الجمع بين سورتين في ركعة ففيه حديث أبي وائل قال " جاء رجل إلى ابن مسعود فقال قرأت المفصل الليلة في ركعة فقال ابن مسعود رضي الله عنه هذا كهذا لشعر لقد عرفت النظائر التي كان رسول الله صلي الله تعالي عليه وسلم يقرن بينهن فذكر عشرين سورة من المفصل سورتين في كل ركعة " رواه البخاري ومسلم فهذه جملة م ن الأحاديث الصحيحة في المسألة وفي الصحيح أحاديث كثيرة بنحو ما ذكرناه: وأما الأحاديث الحسنة والضعيفة فيه فلا تنحصر والله أعلم: قال العلماء واختلاف قدر القراءة في الأحاديث كان بحسب الأحوال فكان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم من حال المأمومين في وقت أنهم يؤثرون التطويل فيطول وفي وقت لا يؤثرونه لعذر ونحوه فيخفف وفي وقت يريد إطالتها فيسمع بكاء الصبي كما ثبت في الصحيحين والله أعلم: وأما ضبط ألفاظ الكتاب وبيانها فالمفصل سمي بذلك لكثرة الفصول فيه بين سوره وقيل لقلة المنسوخ فيه وآخره (قل أعوذ برب الناس) وفي أوله مذاهب قيل (سورة القتال) وقي ل من (الحجرات) وقيل من (قاف) وقال الخطابي وروي هذا في حديث مرفوع وهذه المذاهب مشهورة وحكى القاضي عياض قولا أنه من (الجاثية) وهو غريب والسورة تهمز لغتان الهمز أشهر وأصح وبه جاء القرآن العزيز قوله وقرأ فيها بالواقع ة هذا الحديث أشار إليه الترمذي فقال روي أن النبي صلى الله عليه وسلم " قرأ في الصبح بالواقعة " وفيما ذكرناه من الأحاديث (1) المجموع شرح المهذب 3/355
عدد الصفحات ٤٩50 الصحيحة كفاية عنه قوله يقرأ فيها (الم تنزيل السجدة) أما تنزيل فمرفوعة اللام على حكاية التلاوة وأما السجدة فيجوز رفعها على أنه ا خبر مبتدأ ويجوز نصبها على البدل من موضع الم أو بإضمار أعني وسورة السجدة ثلاثون آية مكية وقوله يقرأ في الاولبين والأخريين هو بالياء المثناة من تحت المكررة في حزرنا قيامه في الظهر قدر ثلاثين آية يعني في كل ر كعة كما سبق بيانه في الرواية الأخرى قوله العشاء الآخرة صحيح وقد أنكره الأصمعي وقال لا يقال الآخرة وليس كما بل ثبت في مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " أيما امرأة أصابت." (1) "تحريرا وافيا رحمه الله وأجزل مثوبته وقد تابعه علي هذا الامام المحقق أبو عمر وبن الصلاح فقال بعد أن ذكر حديث النهي عن الإقعاء هذا الإقعاء محمول على أن يضع أليتيه على الأرض وينصب ساقيه ويضع يديه علي الارض وهذا الافعاء غير ما صح عن ابن عباس وابن عمر أنه سنة فذلك الإقعاء أن يضع أليتيه على عقبيه قاعدا عليها وعلى أطراف أصابع رجليه وقد استحبه الشافعي في الجلوس بين السجدتين في الإملاء والبويطي قال وقد خبط في الإقعاء من المصنفين من يعلم أنه نوعان كما ذكرنا قال وفيه في في المهذب تخليط: هذا آخر كلام أبي عمرو رحمه الله وهذا الذي حكاه عن البويطي والإملاء من نص الشافعي قد حكاه عنهما البيهقي في كتابه معرفة السنن والآثار وأما كلام الخطابي فلم يحصل له ما ح صل للبيهقي وخلاف في هذا الحديث عادته في حل المشكلات والجمع بين الأحاديث المختلفة بل ذكر حديث ابن عباس ثم قال وأكثر الأحاديث على النهي عن الإقعاء وأنه عقب الشيطان وقد ثبت من حديث أبي حميد ووائل بن حجر أن النبي صلى الله عليه وسلم " قعد بين السجدتين مفترشا قدمه اليسرى " قال ورويت كراهة الإقعاء عن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم وكرهه النخعي ومالك والشافعي واحمد واسحق وأهل الرأي وعامة أهل العلم قال والإقعاء ان يضع اليتيه علي عقبيه ويعقد مستوفزا غير مطمئن إلى الأرض وهذا إقعاء الكلاب والسباع قال أحمد بن حنبل وأهل مكة يستعلمون الإقعاء قال الخطابي ويشبه أن يكون حديث ابن عباس منسوخا والعمل على الأحاديث الثابتة في صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم هذا آخر كلام الخطابي وهو فاسد من وجه (منها) أنه اعتمد على أ حاديث النهي فيه وادعى أيضا نسخ حديث ابن عباس والنسخ لا يصار إليه إلا إذا تعذر الجمع بين الأحاديث وعلمنا التاريخ ولم يتعذر هنا الجمع بل أمكن كما ذكره البيهقي ولم يعلم أيضا التاريخ وجعل أيضا الإقعاء نوعا واحدا وإنما هو نوعان فالصواب الذي لا يجوز غيره أن الإقعاء نوعان كما ذكره البيهقي وأبو عمرو (أحدهما) مكروه (والثاني) جائز أو سنة وأما الجمع بين حديثي ابن عباس وابن عمر وأحاديث أبي حميد ووائل وغيرهما في صفة صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ووصفهم الاقتراش على قدمه اليسرى فهو أن النبي صلى الله عليه وسلم كانت له في الصلاة أحوال حال يفعل فيها هذا وحال يفعل فيها ذاك كما كانت له أحوال في تطويل القراءة وتخفيفها وغير ذلك من أنواعها (1) المجموع شرح المهذب 3/384
عدد الصفحات ٥٠51 وكما توضأ مرة مرة ومرتين مرتين وثلاثا ثلاثا وكما طاف راكبا وطاف ماشيا وكما أوتر أول الليل وآخره وأوسطه وانتهى وتره إلى الحسر وغير ذلك كما هو معلوم من." (1) "الله عليه وسلم وهو في الصلاة فيرد علينا فلما رجعنا من عند النجاشي سلمت عليه فلم يرد علي فقلت يا رسول الله كنا نسلم عليك في الصلاة فترد علينا فقال إن في الصلاة شغلا " رواه البخاري ومسلم وفي رواية أبي داود وغيره زيادة " وإن الله يحدث من أمره ما يشاء وإنه قد أحدث أن لا تكلموا في الصلاة " وعن جابر رضي الله عنه قال " بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم في حاجة فانطلقت ثم رجعت فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فسلمت عليه فلم يرد علي فوقع في قلبي ما الله أعلمتم به ثم سلمت فلم يرد علي فوقع في قلبي أش د من المرة الأولى ثم سلمت عليه فق ال إنما منعني أن أرد عليك أني كنت أصلي وكان على راحلته متوجها إلى غير القبلة " رواه البخاري ومسلم وعن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال " إن كنا لنتكلم في الصلاة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يكلم أحدنا صاحبه بحاجته حتى ن ز لت (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين) فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام " رواه البخاري ومسلم وليس في رواية البخاري ونهينا عن الكلام وفي رواية الترمذي كنا نتكلم خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم وبحديث معاوية بن الحكم " إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شئ من كلام الناس " رواه مسلم كما بيناه وبحديث جابر المذكور في المهذب " الكلام ينقض الصلاة " ولكنه ضعيف كما بيناه وبحديث " من قاء في صلاته أو قلس فلينصرف وليتوضأ وليبن على صلاته ما لم يتكلم " وهو أيضا ضعيف كما بيناه وبالقياس على الحديث * واحتج أصحابنا بحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال " صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر والعصر فسلم فقال له ذو اليدين أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم لم تقصر ولم أنس فقال بلى قد نسيت يا رسول الله فقال النبي صلى الله عليه وسل م أحق ما يقول قالوا نعم فصلي ركعتين أخرتين ثم سجد سجدتين " رواه البخاري ومسلم من طرق كثيرة جدا وهكذا هو في مسلم وفي مواضع من البخاري " صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم " وفي رواية لمسلم صلى لنا وعن عمران ابن حصين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الع صر فسلم في ثلاث ثم دخل منزله فقام إليه رجل يقال له الخرباق وكان في يده طول فقال يا رسول الله فذكر له صنيعه وخرج غضبان يجر رداءه حتى انتهى إلى الناس فقال أصدق هذا قالوا نعم فصلى ركعة ثم سلم ثم سجد سجدتين ثم سلم " رواه مسلم قال أصحابنا ومن الدليل لنا أيضا حديث معاوية بن الحكم فإنه تكلم جاهلا بالحكم ولم يأمره النبي صلى الله عليه وسلم بالاع ادة قالوا وقياسا علي اللام سهوا وعمدة المذهب حديث ذي اليدين واعترض القائلون بالبطلان عليه هذا الحديث منسوخ بحديث ابن مسعود وزيد ابن أرقم قالوا لأن ذا اليدين قتل يوم بدر ونقلو ا عن الزهري أن ذا اليدين قتل يوم بدر و أن." (2) "قصته في الصلاة كانت قبل بدر ولا يمنع من هذا كون أبي هريرة رواه وهو متأخر الإسلام عن بدر لأن الصحا قد يروي ما لا يحضره بأن يسمعه من النبي صلى الله عليه وسلم أو صحابي وأجاب أصحابنا وغيرهم من العلماء عن هذا (1) المجموع شرح المهذب 3/439 (2) المجموع شرح المهذب 4/86
عدد الصفحات ٥١52 بأجوبة صحيحة حسنة مشهورة أحسنها وأتقنها ما ذكره الإمام الحافظ أبو عمر بن عبد البر في التمهيد قال أما دعواهم أن حديث أبي هريرة منسوخ بحديث ابن مسعود فغلط لأنه لا خلاف بين أهل الحديث والسير أن حديث ابن مسعود كان بمكة حين رجع من الحبشة قبل الهجرة وأن حديث أبي ه ريرة في قصة ذي اليدين كان بالمدينة وإنما أسلم أبو هري رة عام خيبر سنة سبع من الهجرة بلا خلاف وأما حديث زيد بن أرقم فليس فيه بيان أنه قبل حديث أبي هريرة أو بعده والنظر يشهد أنه قبله قال وأما قولهم إن أبا هريرة لم يشهد ذلك فغلط بل شهوده له محفوظ من روايات الث قاة الحفاظ ثم ذكر بأسانيده الروايات الثابتة في صحيحي البخاري ومسلم وغيرهما أن أبا هريرة قال " صلى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم " وفي رواية " صلى بنا " وفي رواية صحيح مسلم وغيره عن أبي هريرة قال " بينا أنا أصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الظهر سلم رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الركعتين فقام رجل من بني سليم: وذكر الحديث " قال ابن عبد البر وقد روى قصة ذي اليدين مع أبي هريرة ابن عمر وعمران بن الحصين ومعاوية بن حريح بضم الحاء المهملة وابن مسعدة رجل من الصحابة وكلهم لم يحفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا صحبه إلا بالمدينة متأخرا ثم ذكر أحاديثهم بطرقها قال قال وابن مسعدة هذا يقال له صاحب الجيوش اسمه عبد الله معروف في الصحابة له رواية قال وأما قولهم إن ذا اليدين قتل يوم بدر فغلط وإنما المقتول يوم بدر ذو الشمالين ولا ننازعهم في أن ذا الشمالين قتل يو م بدر لأن ابن إسحاق وغيره من أهل المغازي ذكروه فيمن قتل ببدر قال ابن اسحق ذو الشمالين هو عمير بن عمرو بن غبشان من خزاعة فذو اليدين غير ذي الشمالين المقتول ببدر لأن ذا اليدين اسمه الخرباق بن عمر وذكره مسلم في رواية وهو من بني سليم كما ذكره مسلم في صحيحه قال غير ابن عبد البر وقد عاش ذو اليدين الخرباق بن عمرو بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم زمانا قال ابن عبد البر فذو اليدين المذكور في حديث السهو غير المقتول ببدر هذا قول أهل الحذق والفهم من أهل الحديث والفقه قال وأما قول الزهري إن المتكلم في حديث السهو ذو الش مالين فلم يتابع عليه قال وقد اضطرب الزهري في حديث ذي اليدي ن اضطرابا أوجب عند أهل العلم بالنقل تركه من روايته خاصة ثم ذكر طرقه وبين اضطرابها في المتن والإسناد وذكر عن مسلم بن الحجاح تغليطه الزهري في هذا الحديث قال ابن عبد البر لا أعلم أحدا من أهل العلم." (1) "بالحديث المصنفين فيه عول على حديث الزهري في قصة ذي اليدين وكلهم تركه لاضطرابه وإن كان إماما عظيما في هذا الشأن فالغلط لا يسلم منه بشر وكل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا النبي صلى الله عليه وسلم فقول الزهري إنه قتل يوم بدر متروك لتحقق غلطه فيه هذا مختصر قول عبد البر وقد بسط رحمه الله شرح هذا الحديث بسطا لم يبسطه غيره مشتملا علي التحقيق والاتفاق والفوائد الجمة رحمه الله ورضي عنه وذكر البيهقي رحمه الله بعض هذا مختصرا فمما قال إنه لا يجوز أن يكون حديث أبي هريرة منسوخا بحديث ابن مسعود لتقدم حديث ابن مسعود فإنه كان حين رجع من الحبشة ورجوعه منها كان قبل هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ثم هاجر إلى المدينة وشهد بدرا فحديثه في التسليم كان قبل الهجرة ثم روى البيهقي ذلك بأسانيده ثم نقل اتفاق أهل المغازي على أن (1) المجموع شرح المهذب 4/87
عدد الصفحات ٥٢53 ابن مسعود قدم مكة من هجرة الحبشة قبل هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وأنه شهد بدرا بعد ذلك ثم روى البيهقي بإسناده عن الحميدي شيخ البخاري أنه حمل حديث ابن مسعود على النهي عن الكلام عامدا قال لأنه قدم من الحبشة قبل بدر وإسلام أبي هريرة سنة سبع من الهجرة وإسلام عمران بن الحصين بعد بدر وقد حضرا قصة ذى اليدين وحضرها معاوية ابن حديج وكان إسلامه قبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بشهرين وذكر حديث ابن عمر أيضا قال فعلمنا أن حديث ابن مسعود في العمد لو كان في العمد والسهو لكانت صلوات رسول الله صلى الله عليه وسلم ه ذه ناسخة له لأنها بعده ثم روى البيهقي عن الاوزاعي قال كان اسلام معاوية ابن الحكم في آخر الأمر فلم يأمره النبي صلى الله عليه وسلم بإعادة الصلاة وقد تكلم جاهلا وذكر الشافعي في كتاب اختلاف الأحاديث نحو ما سبق من كلام الأئمة قال ذو الشمالين المقتول ببدر غير ذي اليدين قال البيهقي ذو اليدين بقي حيا بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه و سلم فإن قيل كيف تكلم ذو اليدين والقوم وهم بعد في الصلاة فجوابه من وجهين (أحدهما) أنهم لم يكونوا على يقين من البقاء في صلاة لأنهم كانوا مجوزين لنسخ الصلاة من أربع إلى ركعتين ولهذا قال ق صرت الصلاة أم نسيت (والثاني) أن هذا خطاب وجواب للنبي صلى الله عليه وسلم وذلك لا يبطل الصلاة وفي رواية لأبي داود وغيره أن القوم لم يتكلموا وتحمل رواية " نعم " عليها والله أعلم (فرع) في مذاهبهم فيمن سبح الله تعالى أو حمده في غير ركوع وسجود مذهبنا أنه لا تبطل صلاته سواء قصد به تنبيه غيره أم لا وبهذا قال جمهور العلماء حكاه ابن المنذر عن الأوزاعي والثوري وأحمد وإسحاق وأبي ثور قال وقال أبو حنيفة إن قاله ابتداء فليس بكلام وإن قاله جوابا فهو كلام دليلنا حديث سهل بن سعد وهو في الصحيحين كما سبق __________ (1) كذا صل فلعله (لمنافاة الصلاة) اه *." (1) "إلى الآن وهي مستمرة إلى آخر الزمان قال الشيخ أبو حامد وسائر أصحابنا وبهذا قالت الأمة بأسرها إلا أبا يوسف والمزني فقال أبو يوسف كانت مختصة بالنبي صلى الله عليه وسلم " ومن يصلي معه وذهبت بوفاته " وقال المزني كانت ثم نسخت في زمن النبي صلى الله عليه وسلم * واحتج لأبي يوسف بقول الله تعالى (وإذا كنت فيهم فاقمت لهم الصلاة) الآية قال والتغيير الذي يدخلها كان ينجبر بفعلها مع النبي صلى الله عليه وسلم بخلاف غيره (1) المجموع شرح المهذب 4/88
عدد الصفحات ٥٣54 * واحتج المزني بأن النبي صلى الله عليه وسلم فاته صلوات يوم الخندق ولو كانت صلاة الخوف جائزة لفع لها ولم يفوت الصلاة * واحتج أصحابنا بالآية الكريمة والأصل هو التأسي به صلى الله عليه وسلم والخطاب معه خطاب لأمته وبقوله صلى الله عليه وسلم " وصلوا كما رأيتموني أصلي " رواه البخاري كما سبق وهو عام وبإجماع الصحابة فقد ثبتت الآثار ال صحيحة عن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم أنهم صلوها في مواطن بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في مجامع بحضرة كبار من الصحابة ممن صلاها علي بن أبي طالب في حروبه بصفين وغيرها وحضرها من الصحابة خلائق لا ينحصرون ومنهم سعد بن أبي وقاص وأبو موسى الأشعري وعبد الرحمن بن سمرة وحذيفة وسعيد بن العاص وغيرهم وقد روى أحاديثه م البيهقي وبعضها في سنن أبي داود وغيره قال البيهقي والصحابة الذين رأوا صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في الخوف لم يحملها أحد منهم على تخصيصها بالنبي صلى الله عليه وسلم ولا بزمنه بل رواها كل واحد وه و يعتقدها مشروعة على الصفة التي رآها (وأما الجواب) عن احتجاجهم بالآية فقد سبق أنها حجة لنا لان الخطاب والأصل التأسي (وأما الجواب) عن انجبار الصلاة بفعلها خلف النبي صلى الله عليه وسلم فقد قال أصحابنا الصلاة خلفه صلى الله عليه وسلم فضيلة ولا يجوز ترك واجبات الصلاة لتحصيل فضيلة فإن لم تكن صلاة الخوف جائزة مطلقا لما فعلوها (وأما دعوى) المزني النسخ (فجوابه) أن النسخ لا يثبت إلا إذا علمنا تقدم المنسوخ وتعذر الجمع بين النصين ولم يوجد هنا." (1) "شى من ذلك بل المنقول المشهور أن صلاة الخوف نزلت بعد الخندق فكيف ينسخ ب ه ولأن صلاة الخوف على هذه الصفة جائزة ليس واجبة فلا يلزمه من تركها النسخ ولأن الصحابة أعلم بذلك فلو كانت منسوخة لما فعلوها ولا نكروا علي فاعليها والله أعلم * * قال المصنف رحمه الله * (وإذا أراد الصلاة لم يخل اما أن يكون العدو في جهة القبلة أو في غيرها فان كان في غيرها ولم يأمنوا وفى المسلمين كثرة جعل الامام الناس طائفتين طائفة في وجه العدو وطائفة يصلى معهم ويجوز أن يصلى بالطائفة التي معه جميع الصلاة ثم تخرج إلي وجه العدو وتجئ الطائفة الاخرى فتصلى معه فيكون متنفلا في الثانية وهم مفترضون والدليل عليه ما روى ا بو بكرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم " صلي صلاة الخوف بالذين معه ركعتين وبالذين جاؤا ركعتين فكانت للنبى صلي الله عليه وسلم اربعا وللذين جاؤا ركعتين " ويجوز أن يصلي باحدى الطائفتين بعض الصلاة وبالاخرى البعض وهو أفضل من أن يصلي بكل واحدة منهما جميع الصلاة لانه أخف فان كانت الصلاة ركعتين صلي بالطائفة التى معه ركعة وثبت قائما وأتمت الطائفة لانفسهم وتنصرف إلى وجه العدو وتجئ الطائفة الاخرى فيصلى معهم الركعة التى بقيت من صلاته وثبت جالسا واتمت الطائفة لانفسهم ثم يسلم بهم والدليل عليه ما روى صالح بن خوات " عن من صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم ذات الرقاع صلاة الخوف فذكر مثل ما قلنا ") (1) المجموع شرح المهذب 4/405
عدد الصفحات ٥٤55 * (الشرح) حديث أبي بكرة صحيح رواه أبو داود بإسناد صحيح كما هو في المهذب ورواه البخاري ومسلم من رواية جابر بمعناه ورواه مسلم في باب صلاة الخوف ورواه البخاري في كتاب المغ ازي وإنما ذكرت موضعه لأني رأيت إمامين كب يرين أضافاه إلى رواية مسلم خاصة فأوهما أن البخاري لم يروه وغلطا في ذلك وأما حديث صالح بن خوات فرواه البخاري ومسلم كما في المهذب عن من صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم (وقوله) عمن صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم هو سهل بن أبي خيثمة كذا جاء مبينا في الصحيحين وخوات - بخاء معجمة مفتوحة وواو مشددة ثم ألف ثم تاء مثناة فوق - وصالح." (1) "(أحدهما لا تصح لكثرة الأفعال فيها بلا ضرورة احترازا من صلاة شدة الخوف وزعم المحتج بهذا القول أن رواية ابن عمر منسوخة (والقول الثاني) وهو الصحيح المشهور صحة الصلاة لصحة الحديث وعدم معارضه فإن رواية سهل لا تعارضه فكانت هذه في يوم وتلك في يوم آخر ودعوى الأول النسخ باطلة لأنه محتاج إلى معرفة التاريخ وتعذر الجمع بين الروايتين وليس هنا واحد منهما وهذا القول نص عليه الشافعي في الجديد في كتاب الرسالة وأما قول الغزالي قاله بعض أصحابنا وهو بعيد فغلط في شيئين (أحدهما) نسبته إلى بعض الأصحاب والثاني تضعيفه والصواب أنه قول الشافعي الجديد الصحيح واختار أبو حنيفة رواية ابن عمر قال أصحابنا وفعل الصلاة على هذا الوجه على اختلاف الروايتين ليس واجبا بل مندوب فلو ص لى الإمام ببعضهم كل الصلاة وبالباقين غيره أو صلى بعضهم أو كلهم منفردين جاز بلا خلاف لكن كانت الصحابة رضي الله عنهم لا يسمحون بترك الجماعة لعظم فضلها فسنت لهم هذه الصفة ليحصل لكل طائفة حظ من الجماعة والوقوف قبالة العدو وتختص الاولى بفضيلاه إدراك تكبيرة الإح رام والثانية بفضيلة السلام معه قال أصحابنا وإنما تستحب هذه الصلاة إذا كان العدو في غير جهة القبلة أو فيها وبين المسلمين حائل يمنعهم لو هجموا * * قال المصنف رحمه الله * (وتفارق الطائفة الاولى الامام حكما وفعلا فان لحقها سهو بعد المفارقة لم يتحمل عنهم الامام وان سها الامام لم يلزمه سهوه وهل يقرأ الامام في حال انتظاره قال في موضع إذا جاءت الطائفة الثانية قرأ وقال في موضع يطيل القراءة حتي تدركه الطائفة الثانية فمن أصحابنا من قال فيه قولان (أحدهما) لا يقرأ حتى تجئ الطائفة الثانية فيقرأ معها لانه قرأ مع الطائفة الاولي قراءة تامة فيجب ان يقرأ مع الثانية ايضا قراءة تامة (والقول الثاني) انه يقرأ وهو الاصح لان افعال الصلاة لا تخلو من ذكر والقيام لا يصلح لذكر غير القراءة فوجب ان يقرأ ومن اصحابنا من قال ان اراد ان يقرأ سورة قصيرة لم يقرأ حتى لا يفوت القراءة علي الطائفة الثانية وان اراد ان يقرأ سورة طويلة قرأ لانه لا يفوت عليهم القراءة وحمل القولين علي هذين (1) المجموع شرح المهذب 4/406
عدد الصفحات ٥٥56 الحالين واما الطائفة الثانية فانهم يفارقون الامام فعلا ولا يفارقونه حكما فان سهوا تحمل عنهم الامام وإن سها الامام لزمهم سهوه ومتى يفارقونه قال الشافعي رحمه الله في سجو د السهو يفارقونه بعد التشهد لان المسبوق لا يفارق الامام الا بعد التشهد وقال في الام يفارقونه عقيب السجود في الثانية وهو." (1) "على أن الصحيح هنا وجوب الإعادة قال الخراسانيون وتجرى القولان في كل سبب جهلوه بحيث لو علموه امتنعت صلاة شدة الخوف كالأمثلة السابقة وكما لو كان بقربهم حصن يمكن التحصين فيه أو كان العدو قليلا وظنوه كثيرا أو كان هناك مدد للمسلمين قال البغوي وغيره ولو صلوا في هذه الأحوال صلاة عسفان جرى القولان ولو صلوا صلاة ذات صلاة الرقاع فإن جوزناها في الأمن فهنا أولى وإلا جرى القولان قال أصحابنا القولا ن هنا يشبهان القولين في نسيان ترتيب الوضوء ونسيان الماء في رحله ونسيان الفاتحة ومن صلى بالاجت هاد أو صام فصادف ما قبل الوقت ومن تيقن الخطأ في القبلة ومن صلى بنجاسة جهلها وكذا لو نسيها على طريقة لبعض الخراسانيين وكذا لو دفع الزكاة إلى من ظنه فقيرا فبان غنيا أو استناب المغصوب في الحج فبرئ ونظائرها وقد س بقت في باب أبوابها (1) * (فرع في مذاهب العلماء في صلاة شدة الخوف: هي جائزة بالإجماع إلا ما حكاه الشيخ أبو حامد عن بعض الناس أنها لا تجوز بل يجب تأخير الصلاة حتى يزول الخوف كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم يوم الخندق وهذا غلط فإنه قد يموت وتبقى في ذمته مع أن هذا القول مخالف للقرآن والأحاديث للقياس على إيماء المريض ونحوه وأما قصة الخندق فمنسوخة فإنها كانت قبل نزول آية صلاة الخوف كما سبق ويجب أن يصلي صلاة شدة الخوف سواء التحم القتال أم لا ولا يجوز تأخيرها عن الوقت هذا مذهبنا ومذهب الجمهور * وقال أبو حنيفة إن اشتد ولم يلتحم القتال فإن التحم قال يجوز التأخير: دليلنا عموم قوله تعالى (فإن خفتم فرجالا أو ركبانا) ويجوز عندنا صلاة شدة الخوف رجالا وركبانا جماعة كما يجوز فرادى وبه قال أحمد وداود وقال مالك وأبو حنيفة لا تجوز * (فرع) لو صلى صلاة الخوف في الأمن قال أصحابنا إن صلوا صلاة شدة الخوف لم تصح بلا خلاف لكثرة المنافيات فيها وإن صلوا صلاة بطن نخل صحت بلا خلاف لأنه ليس فيها إلا صلاة مفترض خلف متنفل وهو جائز عندنا وإن صلوا صلاة عسفان فصلاة الإمام ومن سجد معه صحيحة." (2) "شاء منها * قال المصنف رحمه الله { * (1) المجموع شرح المهذب 4/409 (2) المجموع شرح المهذب 4/433
عدد الصفحات ٥٦57 رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الجنائز حتى توضع وقام الناس معه ثم قعد بعد ذلك وأمرهم بالقعود { رضي الله عنه صحيح رواه مسلم في صحيحه بمعناه قال " قام رسول الله صلى الله عليه وسلم ي في الجنازة ثم قعد " وفي رواية لمسلم أيضا " قام فقمنا وقعد فقعدنا ورواه البيهقي من طرق كثيرة في بعضها كما رواه مسلم وفي بعضها كما وقع في المهذب بحروفه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم " قام مع الجنازة حتى توضع وقام ال ناس معه وأمرهم بالقعود " وفي رواية أن عليا رضي الله عنه " رأى ناسا قياما ينتظرون الجنازة أن توضع فأشار إليهم بدرة معه أو سوط أن اجلسوا فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جلس بعدما كان يقوم " وعن عبادة بن الصا مت رض ي الله عنه في سبب القعود قال " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم في الجنازة حتى توضع في اللحد فمر حبر من اليهود فقال هكذا نفعل فجلس رسول صلى الله عليه وسلم وقال اجلسوا خالفوهم رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه والبيهقي وإسناده ضعيف * أما حكم المسألة فقد ثبتت الا حاديث الصحيحة في الصحيحين وغيرهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم " أمر بالقيام لمن مرت به جنازة حتى تخلفه أو توضع وأمر من تبعها أن لا يقعد عند القبر حتى توضع " ثم اختلف العلماء في نسخه فقال الشافعي وجمهور أصحابنا هذان القيامان منسوخان فلا يؤمر أحد بالقيام اليوم سواء مرت به أم تبعها إلى القبر ثم قال المصنف وجماعة هو مخير بين القيام والقعود وقال آخرون من أصحابنا يكره القيام لها إذا لم يرد المشي معها ممن صرح بكراهته سليم الرازي في الكفاية والمحاملي وصاحب العدة والشيخ نصر المقدسي قال المحاملي في المجموع القيام للجنازة مكروه عندنا وعند الفقهاء كلهم قال وحكي عن أبي مسعود البدري رضي الله عنه أنه كان يقوم لها وخالف صاحب التتمة الجماعة فقال يستحب لمن مرت به جنازة أن يقوم لها وإذا كان معها لا يقعد حتى توضع وهذا الذي قاله صاحب التتمة هو المختار فقد صحت الأحاديث بالأمر بالقيام ولم يثبت في القعود شئ إلا حديث علي رضي الله عنه وهو ليس صريحا في النسخ بل ليس فيه نسخ لأنه محتمل القعود لبيان الجواز والله أعلم * (فرع) في مذاهب العلماء في ذلك * قد ذكرنا ان مذهبنا في ذلك وبه قال مالك وأحمد وقال أبو حنيفة يكره له ال قعود حتى توضع الجنازة وبه قال الشعبي والنخعي وداود * * قال المصنف رحمه الله { *(1) (1) المجموع شرح المهذب 5/280
عدد الصفحات ٥٧58 "صلي الله عليه وسلم ليس في المال حق سوى الزكاة " ولانها عبادة فلا يجب بالامتناع منها أخذ شطر ماله كسائر العبادات وحديث بهز بن حكيم منسوخ فان ذلك حين كانت العقوبات في الاموال ثم نسخت وان امتنع بمنعة قاتله الامام لان أبا بكر الصديق رضي الله عنه قاتل مانعي الزكاة { * شطر ماله كما في المهذب وإسناده إلى بهز بن حكيم صحيح على شرط البخاري ومسلم (وأما) بهز فاختلفوا فيه فقال يحيى بن معين ثقة وسثل أيضا عنه عن أبيه عن جده فقال اسناد صحيح إذا كان دونه ثقة وقال على بن المدينى ثقة وقال أبو حاتم يكتب حديثه ولا يحتج به وقال أبو زرع ة صالح وقال الحاكم ثقة وروى البيهقي عن الشافعي رحمه الله أنه قال هذا الحديث لا يث بته أهل العلم بالحديث ولو ثبت قلنا به هذا تصريح من الشافعي بأن أهل الحديث ضعفوا هذا الحديث والله أعلم (وأما) حديث ليس في المال حق سوى الزكاة " فضعيف جدا لا يعرف قال البيهقي في السنن الكبيرة والذي يرويه أصحابنا في التعاليق ليس في المال حق سوى الزكاة لا أحفظ فيه إسنادا رواه ابن ماجه لكن بسند ضعيف. (قلت) وقد روى الترمذي والبيهقي عن فاطمة بنت قيس إن النبي صلى الله عليه وسلم قال " إن في المال حقا سوى الزكاة " لكنه ضعيف ضعفه الترمذي والبيهقي وغيرهما والضعف ظاهر في إسناده * واحتج البيهقي وغيره من المحققين في المسألة بحديث أبي هريرة في قصة الأعرابي الذي قال للنبي صلى الله عليه وسلم " دلني على عمل إذا عملته أدخل الجنة قال تعبد الله لا تشرك به شيئا وتقيم الصلاة وتؤدي الزكاة وتصوم رمضان قا ل والذي بعثك بالحق لا أزيد على هذا فلما أدبر قال من أراد أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا " رواه البخاري ومسلم وفي معناه أحاديث صحيحة مشهورة (وأما) حديث قتال أبي بكر رضي الله عنه مانعي الزكاة فرواه البخاري ومسلم من رواية أبي هريرة رضي الله عنه ( وقوله) حق يجب صرفه إلى الآدمي احتراز من الحج (وقوله) توجهت المطالبة به احتراز من الدين المؤجل (وقوله) جاحدا قال اهل اللعة الجحود هو الانكار بعد الاعتراف (وقوله) بهز بن حكيم عن أبيه عن جده هو بهز - بفتح الباء الموحدة وبالزاى - بن حكيم ابن معاوية بن حندة - بفتح الحاء المهملة - العشيوى وجده الراوي هو معاوية (وقوله) صلى الله عليه وسلم عزمة - بإسكان الزاي - من عزمات ربنا - بفتحها - ومعناه حق لا بدمنه وفي بعض روايات البيهقي عزيمة - بكسر الزاي - وز يادة ياء والمشهور عزمة وقوله في أول الحديث ومن منعها هكذا هو بالواو ومن معطوف على أول الحديث فإن أوله " في كل أربعين من الإبل سائمة ابنة لبون من أعطاها مؤتجرا فله أجره ومن منعها فأنا آخذها وشطر ماله " وقد ذكر المصنف أوله في الفصل الرابع من الباب (قوله) امتنع." (1) "كصلاة وأكل ونحوهما ذكره البغوي وغيره والله أعلم (المسألة الثانية) إذا امتنع من أداء الزكاة منكرا لوجوبها ف إن كان ممن يخفى عليه ذلك لكونه قريب عهد بالإسلام أو نشأ ببادية بعيدة أو نحوه ذلك لم يحكم بكفره بل يعرف وجوبها وتؤخذ منه فإن جحدها بعد ذلك حكم بكفره (فإن قيل) كيف أهمل المصنف التنبيه على أنه إنما يكفر إذا نشأ مسلما بين (1) المجموع شرح المهذب 5/332
عدد الصفحات ٥٨59 المسلمين (فالجواب) أنه لم يهمله بل نبه عليه بقوله جاحدا لوجوبها قال أهل اللغة الجحد إنكار ما اعترف به المنكر قال ابن فارس في الجمل لا يكون الجحود إلا مع علم الجاحد به والله أعلم * وإن كان ممن لا يخفى كمسلم مختلط بالمسلمين صار بجحدها كافرا وجرت ع ليه أحكام المرتدين من الاستتابة و القتل وغيرهما ودليله ما ذكره المصنف وقد سبق في أول كتاب الصلاة بيان ما يكفر بجحده وغير ذلك مما يتعلق بهذا (الثالثة) إذا منع الزكاة بخلابها وأخفاها مع اعترافه بوجوبها لم يكفر بلا خلاف ولا يجئ فيه الوجه السابق في الكتاب في الممتنع من الصلاة مع اعتقاد وجوبها أنه يكفر والفرق أن هناك أحاديث تقتضي الكفر بخلاف هذا ولكن يعزر وتؤخذ منه قهرا كما إذا امتنع من دين آدمي قال الشافعي رحمه الله في المختصر والأصحاب كلهم إنما يعزر مخفيها ومانعها إذا لم يكن له عذر في إخفائها ومنعها بأن كان الإ مام عادلا يصرفها في وجوهها بعد أخذها على وجهها فان كان عذر بأن كان الإمام جائرا بأن يأخذ فوق الواجب أو يضعها في غير مواضعها فإنها تؤخذ منه ولا يعزر لأنه معذور وإذا منعها حيث لا عذر أخذت منه قهرا كما ذكرناه وهل يؤخذ معها نصف ماله عقوبة له فيه طريقان (أحدهما ) القطع بأنه لا يؤخذ وممن صرح بهذا الطريق القاضي أبو الطيب في تعليقه والماوردي والمحاملي في كتبه الثلاثة والمصنف في التنبيه وآخرون وحكو ا الأخذ عن مالك قيل وليس هو مذهبه أيضا (والطريق الثاني) وهو المشهور وبه قطع المصنف هنا والا كثرون فيه قولان (الجديد) لا يؤخذ (والقديم) يؤخذ وذكر المصنف دليلهما واتفق الأصحاب على أن الصحيح أنه لا يؤخذ وأجابوا هم والشافعي والبيهقي في معرفة السنن والآثار عن حديث بهز بن حكيم بأنه منسوخ وأنه كان حين كانت ال عقوبة بالمال كما ذكره المصنف وهذا الجواب ضعيف لوجهين (احدهما) انما ادعوه من كون العقوبة كانت بالأموال في أول الإسلام ليس بثابت ولا معروف (والثاني) أن النسخ إنما يصار إليه إذا علم التاريخ وليس هنا علم بذلك (والجواب) الصحيح تضعيف الحديث كما سبق عن الشافعي رضي الله عنه وأبي حاتم والله أعلم (الرابعة) إذا منع واحد أو جمع الزكاة وامتنعوا بالقتال وجب على الإمام قتالهم لما ذكره المصنف وثبت في الصحيحين من رواية أبي هريرة أن الصحابة رضي الله عنهم اختلفوا أولا في قتال مانعي الزكاة ورأى أبو بكر رضي الله عنه قتالهم واستدل عليهم فلما ظهرت لهم الدلائل وافقوه فصار قتالهم مجمعا عليه وقد نقل المصنف في كتاب ه وغيره." (1) "وقد ذكرنا في كتاب الحج وغيره ما يدل على صحة سماع عمرو من أبيه وسماع أبيه من جده عبد الله ابن عمرو قال وقد انضم إلى حديثه هذا حديث أم سلمة وحديث عائشة في الفتخات قال البيهقي من قال لا زكاة في الحلي زعم أن الأحاديث والآثار الواردة في وجوب زكاته كانت حين كان التحلي بالذهب حراما على النساء فلما أبيح لهن سقطت زكاته قال البيهقي وكيف يصح هذا القول مع حديث عائشة إن كان ذكر الورق فيه محفوظا غير ان ر واية القسم وابن أبي مليكة عن عائشة في تركها إخراج زكاة الحلي مع ما ثبت من مدهبها من إخراج زكاة أموال اليتامى يوقع ريبة في هذه الرواية المرفوعة (1) المجموع شرح المهذب 5/334
عدد الصفحات ٥٩60 فهي لا تخالف النبي صلى الله عليه وسلم فيما روته عنه الافيما علمتهمنسوخا قال البيهقي ومن العلماء من قال زكاة الحل ي عاريته روي هذا عن ابن عمر وسعيد بن المسيب قال البيهقي والذي يرويه فقهاؤنا عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم ليس في الحلي زكاة لا أصل له إنما روي عن جابر من قوله غير مرفوع والذي يروى عن عافية بن أيوب عن الليث عن أبي الزبير عن جابر مرفوعا لا أصل له وعافي ة بن أيوب مجهول فمن احتج به مرفوعا كان مغررا بدينه داخلا فيما نعيب به المخالفين من الاحتجاج برواية الكذابين والله يعصمنا من أمثاله هذا آخر كلام البيهقي فهذا مختصر ما يتعلق بأحاديث الباب وحصل في ضمنه بيان الحديثين اللذين ذكرهما المصنف وهما حديث عمرو بن شعيب وحديث جابر و الله تعالى أعلم * أما أحكام الفصل فمقصوده بيان ما يجوز لبسه من الحلي للرجال والنساء وما يجوز للرجال خاصة أو للنساء خاصة وما تجب فيه الزكاة منه: قد سبق بيان جمل منه في باب ما يكره لبسه وإنما ذكر الشافعي والأصحاب رحمهم الله تعالى ما يحل من الحلي ويحرم في هذا الباب ليعلم حكم الزكاة فيه قال الشافعي والأصحاب فكل متخذ من الذهب والفضة من حلي وغيره إذا حكم بتحريم استعماله أو كراهته وجبت فيه الزكاة بلا خلاف ونقلوا فيه إجماع المسلمين وإن كان استعماله مباحا كحلي النساء وخاتم الفضة للرجل والمنطقة وغير ذلك مما سنوضحه إن شاء الله تعالى ففي وجوب الزكاة فيه قولان مش هوران أصحهما عند الاصحاب لا كمالا تجب في ثياب البدن والأثاث وعوامل الإبل والبقر وهذا مع الانار السابقة عن الصحابة رضي الله عنهم وهذا نصه في البويطي والقديم قال السرخسي وغيره وبه قال أكثر أهل العلم ومم ن صححه من أصحابنا المزني وابن القاص في المفتاح والبندنيجي والماوردي والمحاملي." (1) "وقال أبو سعيد الاصطخرى إن منعوا حقهم من الخمس جاز الدفع إليهم لانهم انما حرموا الزكاة لحقهم في خمس الخمس فإذا منعوا الخمس وجب أن يدفع إليهم والمذهب الاول لان الزكاة حرمت عليهم لشرفهم برسول الله صلي الله عليه وسلم وهذا المعنى لا يزول بمنع الخمس وفى مواليهم وجهان (أحدهما) يدفع إليهم (والثانى) لا يدفع إليهم وقد بينا وجه المذهبين في سهم العامل) * (الشرح) الحديث الأول رواه البخاري ومسلم بمعناه ولفظ روايتهما عن أبي هريرة رضي الله عنه أن الحسن ابن علي رضي الله عنهما " أخذ تمرة من تمر الصدقة فجعلها في فيه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كخ كخ ليطرحها ثم قال أما شعر ت أنا لا نأكل الصدقة " وفي رواية لمسلم " أنا لا تحل لنا الصدقة " وفي رواية البخاري " أما علمت أن آل محمد لا يأكلون الصدقة " وعن المطلب بن ربيعة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " إن هذه الصدقات إنما هي أوساخ الناس وإنها لا تحل لمحمد ولا لآل محمد " رواه مسلم وسبق بيانه بطوله في أول هذا الباب في بعث الامام للسعاة (وأما) الحديث الآخر " أن بني هاشم وبني المطلب شئ واحد وشبك بين أصابعه " فرواه البخاري في صحيحه من رواية جبير بن مطعم (وقوله) (1) المجموع شرح المهذب 6/35
عدد الصفحات ٦٠61 صلي الله عليه وسلم شئ واحد روي بشين معجمة مفتوحة وهمز آخره وروي سي بسين مهملة مكسورة وياء مشددة ب همز والسى بالمهملة المثل (وأما) الحديث الذي رواه أبو داود في سننه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال " بعث بي أبي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في إبل أعطاه إياها من الصدقة يبدلها " (فجوابه) من وجهين أجاب بهما البيهقي (أحدهما) أن يكون قبل تحريم الصدقة على بني هاشم ثم صار منسوخا بما ذكرناه (والوجه الثاني) أن يكون قد اقترض من العب اس للفقراء إبلا ثم أوفاه إياها من الصدقة وقد جاء في رواية أخرى ما يدل على هذا وبهذا الثاني أجاب الخطابي والله تعالى أعلم * أما قوله وقد بينا وجه المذهبين في سهم العامل فمراده أنه بينه في أول الباب في فصل بعث السعاة ولم يذكره في سهم العامل وعبارته موهمة ولو قال في أول ال باب لكان أجود * (أما) الأحكام فالزكاة حرام على بني هاشم وبني المطلب بلا خلاف إلا ما سبق فيما إذا كان أحدهم عاملا والصحيح تحريمه وفي مواليهم وجهان (أصحهما) التحريم ودليل الجميع في الكتاب ولو منعت بنوا هاشم وبنوا المطلب حقهم من خمس الخمس هل تحل الزكاة فيه ال وجهان المذكوران في الكتاب (أصحهما) عند المصنف والأصحاب لا تحل (والثاني) تحل وبه قال الإصطخري قال الرافعي وكان محمد ابن يحيى صاحب الغزالي يفتي بهذا ولكن المذهب الأول وموضع الخلاف إذا انقطع." (1) "ابن الزبير رواية عن أبي هريرة أنه إن علم جنابته قبل الفجر نام حتى أصبح لم يصح وإلا فيصح و قال النخعي يصح النفل دون الفرض وعن الأوزاعي أنه لا يصح صوم منقطعة الحيض حتى تغتسل احتجوا بحديث " من أصبح جنبا فلا صوم له " رواه أبو هريرة في صحيحي البخاري ومسلم * دليلنا نص القرآن قال الله تعالى (فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم ا لخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلي الليل) ويلزم بالضرورة أن يصبح جنبا إذا باشر إلى طلوع الفجر والأحاديث الصحيحة المشهورة (منها) حديث عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما قالتا " كان رسول الله صلى الله عل يه وسلم يصبح جنبا من غير حلم ثم يصوم " رواه البخاري ومسلم وفي روايات لهما في الصحيح " من جماع غير احتلام " وعن عائشة رضي الله عنها قالت " كان النبي صلى الله عليه وسلم يدركه الفجر في رمضان وهو جنب من غير حلم فيغتسل ويصوم " رواه البخاري ومسلم وعنها " أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يستفتيه وهي تسمع من وراء الباب فقال يارسول الله تدركني الصلاة وأنا جنب أفأصوم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا تدركني الصلاة وأنا جنب فأصوم فقال لست مثلنا يارسول الله قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر فقال والله إني لارجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم بم ا أتقي " رواه مسلم والأحاديث بمعنى هذا كثيرة مشهورة (وأما) حديث أبي هريرة رضي الله عنه فأجاب أصحابنا عنه بجوابين (1) المجموع شرح المهذب 6/227
عدد الصفحات ٦١62 (أحدهما أنه منسوخ قال البيهقي: روينا عن أبي بكر بن المنذر قال أحسن ما سمعت فيه أنه منسوخ لأن الجماع كا ن في أول الإسلام محرما على الصائم في الليل بعد النوم كالطعام والشراب فلما أباح الله تعالى الجماع إلى طلوع الفجر جاز للجنب إذا أصبح قبل الاغتسال أن يصوم فكان أبو هريرة يفتى بما سمعه من الفضل ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم على الأمر الأول ولم يعلم النسخ فلما سمع خبر عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما رجع إليه هذا كلام البيهقي عن ابن المنذر وكذا قال إمام الحرمين في النهاية قال قال العلماء الوجه حمل حديث أبي هريرة رضي الله عنه على أنه منسوخ (والجواب الثاني) أنه محمول على من طلع الفجر وهو مجامع فاستدام مع علمه بالفجر والله تعالى أعلم * قال الماوردي وغيره وأجمعت الأمة على أنه إن احتلم في الليل وأمكنه الاغتسال قبل الفجر فلم يغتسل وأصبح جنبا بالاحتلام أو احتلم في النهار فصومه صحيح وإنما الخلاف في صوم الجنب بالجماع والله تعالى أعلم (السادسة) إذا طلع الفجر وفي فيه طعام فليلفظه فإن لفظه صح صومه فإن ابتلعه أفطر فلو لفظه في الحال فسبق منه شئ إلى جوفه بغير اختياره فوجهان مخرجان من سبق الماء في المضمضة لكن الأصح هنا أنه لا يفطر والأصح في." (1) "الخدري قال " رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم في القبلة للصائم والحجامة " رواه الدارقطني و قال إسناده كلهم ثقات ورواه من طريق آخر قال كلهم ثقات وعن أنس قال " أول ما كرهتت الحجامة للصائم أن جعفر بن أبي طالب احتجم وهو صائم فمر به النبي صلى الله عليه وسلم فقال أفطر هذان ثم رخص النبي صلى الله عليه وسلم بعد في الحجامة للصائم " وكان أنس يحت حم وهو صائم " رواه الدارقطني وقال رواته كلهم ثقات قال ولا أعلم له علة وعن عائشة " أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وهو صائم " قال البيهقي وروينا في الرخصة في ذلك عن سعد بن أبي وقاص وابن مسعود وابن عباس وابن عمر والحسين بن على وزيد ابن أرقم وعائشة وأم سلمة رضي الله عنهم واستدل الأصحاب أيضا بأحاديث أ خر في بعضها ضعف والمعتمد ما ذكرنا واستدلوا بالقياس على الفصد والرعاف (وأما) حديث " أفطر الحاجم والمحجوم " فأجاب أصحابنا عنه بأجوبة (أحدها) جواب الشافعي ذكره في الأم وفيه اختلاف وتابعه عليه والخطابى البيهقى وسائر أصحابنا وهو أنه منسوخ بحديث ابن عباس وغيره مما ذكرنا ودليل النسخ أن الشافعي والبيهقي روياه بإسنادهما الصحيح عن شداد بن أوس قال " كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم زمان الفتح فرأى رجلا يحتجم لثمان عشرة خلت من رمضان فقال وهو آخذ بيدي أفطر الحاجم والمحجوم " وقد ثبت في صحيح البخاري في حديث بن عباس " أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وهو محرم صائم " قال الشافعي وابن عباس إنما صحب النبي صلى الله." (2) "وقد يحتج لهم بحديث ابن مسعود السابق * ودليلنا عليهم الأحاديث الصحيحة السابقة في النهي وسبق الجواب عن حديث ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم (1) المجموع شرح المهذب 6/308 (2) المجموع شرح المهذب 6/351
عدد الصفحات ٦٢63 كان يصوم الخميس والجمعة فلا يفرده (وأما) قول مالك في الموطأ أنه ما رأى من ينهى فيعارضه أن غيره رأى فالسنة مقدمة على ما رآه هو وغيره وقد ثبتت الأحاديث بالنهي عن إفراده فيتعين العمل بها لعدم المعارض لها ومالك معذور فيها فإنها لم تبلغه قال الداوودى من أصحاب مالك لم يبلغ مالكا حديث النهي ولو بلغه لم يخالفه { * أو بعده معه لم يكره صرح بكراهة إفراده أصحابنا منهم الدارمي والبغوي والرافعي وغيرهم لحديث عبد الله بن بسر بضم الباء الموحدة والسين المهملة عن أخته الص ماء رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم فإن لم يجد أحدكم إلا لحاء عنبة أو عود شجرة فليمضغه " رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والحاكم والبيهقي وغيرهم وقال الترمذي هو حديث حسن قال ومعنى النهي أن يختصه الرجل بالصيام لأن اليهود يعظمونه وقال أبو داود هذا الحديث منسوخ وليس كما قال وقال مالك هذا الح ديث كذب وهذا القول لا يقبل فقد صححه الأئمة قال الحاكم أبو عبد الله هو حديث صحيح على شرط البخاري قال وله معارض صحيح وهو حديث جويرة السابق في صوم يوم الج معة قال وله معارض آخر بإسناد صحيح ثم روى بإسناده عن كريب مولى ابن عباس " أن ابن عباس وناسا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثوه إلى أم سلمة يسألها أي الأيام كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر صياما لها قالت يوم السبت والأحد فرجعت إليهم فأخبرتهم ف كأنهم أنكروا ذلك فقاموا بأجمعهم إليها فقالوا إنا بعثنا إليك هذا في كذا وكذا فذكر أنك قلت كذا وكذا فقالت صدق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر ما كان يصوم من الأيام يوم السبت." (1) "ويوم الأحد وكان يقول إنهما يوما عيد للمشركين وأنا أريد أن أخالفهم " هذا آخر كلام الحاكم وحديث أم سلمة هذا رواه النسائي أيضا والبيهقي وغيرهما وعن عائشة رضي الله عنها قالت " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم من الشهر السبت والأحد والاثنين ومن الشهر الآخر الثلاثاء والأربعاء والخميس " رواه الترمذي وقالت حديث حسن والصواب علي الجلة ما قدمناه عن أصحابنا أنه يكره إفراد السبت بالصيام إذا لم يوافق عادة له لحديث الصماء (وأما) قول أبي داود إنه منسوخ فغير مقبول وأي دليل على نسخه (وأما) الأحاديث الباقية التي ذكرناها في صيام السبت فكلها واردة في صومه مع الجمعة والأحد فلا مخالفة فيها لما قاله أصحابنا من كراهة إفراد السبت وبهذا يجمع بين الأحاديث وقوله صلى الله عل يه وسلم في حديث الصماء لحاء عنبة هو بكسر اللام وبالحاء المهملة وبالمد وهو قشر الشجرة ويمضغه بفتح الضاد وضمها لغتان * قال المصنف رحمه الله { * فيه لم يصح لما روى عمر رضي الله عنه " أن رسول الله صلى الله عل يه وسلم نهى عن صيام هدين اليومين أما يوم الاضحى فتأكلون من لحم نسككم وأما يوم الفطركم من صيامكم { * أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم " نهى عن صيام يومين يوم الفطر ويوم النحر " ورويا معناه من رواية (1) المجموع شرح المهذب 6/439
عدد الصفحات ٦٣64 ابن عمر ورواه البخاري من رواية أبي هريرة ومسلم من رواية عائشة وأجمع العلماء على تحريم صوم يومي العيدين الفطر والأضحى لهذه الأحاديث فإن صام فيهما لم يصح صومه وإن نذر صومهما لم ينعقد نذره ولا شئ عليه عندنا وعند العلم اء كافة إلا أبا حنيفة فقال ينعقد نذره ويلزمه صوم يوم غيرهما قال فإن صامهما أجزأه مع أنه حرام ووافق علي انه يصح صومهما عن نذر مطلق * دلينا نه نذر صوما محرما فلم ينعقد كمن نذرت صوم أيام حيضها *." (1) "والطيور ضربان (أحدهما) ما ليس في أصله مأكولا (والثاني) ما أحد أصليه مأكولا فالأول لا يحرم التعرض له بالإحرام فيجوز للمحرم قتله ولا جزاء عليه وكذلك يجوز قتله للحلال والمحرم في الحرم ولا جزاء عليه للاحاديث السابقة قال أصحابنا وهذا للضرب ثلاثة أقسام (أحدها) ما يستحب قتله للمحرم وغيره وهي المؤذيات كالحية والفأرة والعقرب والخنزير والكلب العقور والغراب والحدأة والذئب والأسد والنمر والدب والنسر والعقاب والبرغوث والبق والزنبور والقراد واللكة والقرقش وأشباهها (القسم الثاني) ما فيه نفع ومضرة كالفهد والعقاب والبازي والصق ر ونحوها فلا يستحب قتلها ولا يكره لما ذكره المصنف قال القاضي نفع هذا الضرب أنه يعلم للاصطياد وضرره أنه يعدو على الناس والبهائم (الثالث) ما لا يظهر فيه نفع ولا ضر كالخنافس والدود والجعلان والسرطان والبغاثة والرخمة والعضا واللحكاء والذباب وأشباهها فيكره قتله ا ولا يحرم هكذ ا قطع به المصنف والجمهور * وحكى إمام الحرمين وجها شاذا أنه يحرم قتل الطيور دون الحشرات ودليل الكراهة أنه عبث بلا حاجة وقد ثبت في صحيح مسلم عن شداد بن أوس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (ان الله كتب الاحسان على كل شئ فإذا قتلتم فأحسنوا) إلى آخره وليس من الإحسان قتلها عبثا وروى البيهقي عن قطبة بن مالك الصحابي رضي الله عنه قال (كان يكره أن يقتل الرجل ما لا يضره) قال أصحابنا ولا يجوز قتل النحل والنمل والخطاف والضفدع وفي وجوب الجزاء بقتل الهدهد والصرد خلاف مبني على الخلاف في جواز أكلهما إن جاز وجب وإلا فلا * واستدل البيهقي وغيره في المسألة بحديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم (نهى عن قتل أربع من الدواب النملة والنحلة والهدهد والصرد) رواه أبو داود بإسناد صحيح على شرط البخاري ومسلم وعن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (أن نملة قرصت نبيا من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم فأمر بقرية النمل فأحرقت فأوحي الله تعالى إليه في أن قرصتك نملة أهلكت أمة من الأمم تسبح) رواه البخاري ومسلم والله أعلم (وأما) الكلب الذي ليس بعقور فإن كان فيه (1) المجموع شرح المهذب 6/440
عدد الصفحات ٦٤