33 "(باب اجتناب المجذوم ونحوه قوله [2231] الآخر في صحيح البخاري وفر من المجذوم فرارك من الأسد وقد سبق شرح هذا الحديث في باب لاعدوى وأنه غير مخالف لحديث لايورد ممرض على مصح قال القاضي قد اختلف الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم في قصة المجذوم فثبت عنه الحديثان المذكوران وعن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم أكل مع المجذوم وقال له كل ثقة بالله وتوكلاعليه وعن عائشة قالت مولى مجذوم فكان يأكل في صحافي ويشرب في أقداحي وينام على فراشي قال وقد ذهب عمر ر ضي الله عنه وغيره من السلف إلى الأكل معه ورأوا أن الأمر باجتنابه منسوخ والصحيح الذي قاله الأكثرون ويتعين المصير إليه أنه لانسخ بل يجب الجمع بين الحديثين وحمل الأمر باجتنابه والفرار منه على الاستحباب والاحتياط لا للوجوب وأما الأكل معه ففعله لبيان الجواز والله أعلم قال القاضي قال بعض العلماء في هذا الحديث وما في معناه دليل على أنه يثبت للمرأة الخيار في فسخ النكاح إذا وجدت زوجها مجذوما أو حدث به جذام واختلف أصحابنا وأصحاب مالك في أن أمته هل لها منع نفسها من استمتاعه إذا أرادها قال القاضي قالوا ويمنع من المسجد والاختلاط بالناس قال وكذلك اختلفوا في أنهم إذا ك ثروا هل يؤمرون أن يتخذوا لأنفسهم موضعا منفردا خارجا عن الناس ولا يمنعوا من التصرف في منافعهم وعليه أكثر الناس أم لايلزمهم التنحي قال ولم يختلفوا في القليل منهم في أنهم لايمنعون قال ولايمنعون من صلاة الجمعة مع الناس ويمنعون من غيرها قال ولو استضر أهل قرية فيهم جذمى بمخالطتهم في الماء فإن قدروا على استنباط ماء بلاضرر أمروا به وإلا استنبطه لهم الآخرون أو اقاموا من يستقى لهم والا فلايمنعون والله أعلم." (1) "عنده من معنى المسألة لغة ولا نظرا ولا شك عند القائلين بأن الاسم هو المسمى من أهل السنة وجماهير أئمة اللغة أو مخالفيهم من المعتزلة أن الاسم قد يقع أحيانا والمراد به التسمية حيث كان في خالق أو مخلوق ففي حق الخالق تسمية المخلوق له باسمه وفعل المخلوق ذلك بعباراته المخلوقة وأما أسماؤه سبحانه وتعالى التي سمى بها نفسه فقديمة كما أن ذاته وصفاته قديمة وكذلك لا يختلفون أن لفظة الاسم إذا تكلم بها المخلوق فتلك اللفظة والحروف والأصوات المقطعة المنفهم منها الاسم أنها غير الذات بل هي التسمية وإنما الاسم الذي هو الذات ما يفهم منه من خالق ومخلوق هذا آخر كلام القاضي قوله [2440( ]عن عائشة أنها كانت تلعب بالبنات عند رسول الله صلى الله عليه وسلم) قال القاضي فيه جواز اللعب بهن قال وهن مخصوصات من الصور المنهي عنها لهذا الحديث ولما فيه من تدريب النساء في صغرهن لأمر أنفسهن وبيوتهن وأولادهن قال وقد أجاز العلماء بيعهن وشراءهن وروي عن مالك كراهة شرائهن وهذا محمول على كراهة الاكتساب بها (1) شرح النووي على مسلم 14/228
عدد الصفحات ٣٣34 وتنزيه ذوي المروآت عن تولي بيع ذلك لا كراهة اللعب قال ومذهب جمهور العلماء جواز اللعب بهن وقالت طائفة هو منسوخ بالنهي عن الصور هذا كلام القاضي قولها (وكانت تأتيني صواحبي فكن ينقمعن من رسول الله صلى الله عليه وس لم فكان يسر بهن إلي) معنى ينقمعن يتغيبن حياء منه وهيبة وقد يدخلن في بيت ونحوه وهو قريب من الاول ويسر بهن بتشديد الراء أي يرسلهن وهذا." (1) "(باب مؤاخاة النبي صلى الله عليه وسلم بين أصحابه رضي الله عنهم [2528]الإسلام [2529] لا يجوز الحلف اليوم فإن المذكور في الحديث والموارثة به وبالمؤاخاة كله منسوخ لقوله تعالى وأولوا." (2) "ثم أجمع المسلمون على جوازها وزال ذلك ا لخلاف واختلفوا في المراد بهذا الحديث الوارد في النهي فقيل هو في حق من يوثق بحفظه ويخاف اتكاله على الكتابة إذا كتب ويحمل الأحاديث الواردة بالاباحة على من لايوثق بحفظه كحديث اكتبوا لأبي شاه وحديث صحيفة علي رضي الله عنه وحديث كتاب عمرو بن حزم الذي فيه الفرائض و السنن والديات وحديث كتاب الصدقة ونصب الزكاة الذي بعث به أبو بكر رضي الله عنه أنسا رضي الله عنه حين وجهه إلى البحرين وحديث أبى هريرة أن بن عمرو بن العاص كان يكتب ولا أكتب وغير ذلك من الأحاديث وقيل إن حديث النهي منسوخ بهذه الأحاديث وكان النهي حين خيف اختلا طه بالقرآن فلماأمن ذلك أذن في الكتابة وقيل إنما نهى عن كتابة الحديث مع القرآن في صحيفة واحدة لئلا يختلط فيشتبه على القارىء في صحيفة واحدة والله أعلم وأما حديث من كذب علي فليتبوأ مقعده من النار فسبق شرحه في أول الكتاب والله أعلم (باب قصة أصحاب الأخدود والساحر والراهب والغلام [3005] نفسه أو نفس غيره ممن له حرمة والأكمه الذي خلق أعمى والمئشار مهموز في رواية الأكثرين ويجوز تخفيف الهمزة بقلبها ياء وروي المنشار بالنون وهما لغتان صحيحتان سبق بيانهما قريبا وذروة الجبل أعلاه وهى بضم الذال وكسرها ورجف بهم الجبل أي اضطرب وتحرك)." (3) (1) شرح النووي على مسلم 15/204 (2) شرح النووي على مسلم 16/81 (3) شرح النووي على مسلم 18/130
عدد الصفحات ٣٤35 "الراء أي شاركته والعذق بفتح العين وهو النخلة قولها [3019]ليتيم بالمعروف إذا كان محتاجا هو أيضا مذهب الشافعى والجمهور وقالت طائفة لايجوز وحكى عن بن عباس وزيد بن أسلم قالا وهذه الآية منسوخة بقوله تعالى إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما الآية وقيل بقوله تعالى ولاتأكلوا اموالكم بينكم بالباطل واختلف الجمهور فيما إذا أكل هل يلزمه رد بدله وهما وجهان لأصحابنا أصحهما لايلزمه وقال فقهاء." (1) "المتقنين فنظر مذاهبهم وسبرها وتحققها وخبرها فلخص منها طريقة جامعة للكتاب والسنة والإجماع والقياس و يقتصر على بعض ذلك وتفرغ للاختيار والترجيح والتكميل والتنقيح مع كمال قوته وعلو همته وبراعته في جميع أنواع الفنو ن واضطلاعه منها أشد اضطلاح وهو المبرز في الاستنباط من الكتاب والسنة البارع في معرفة الناسخ والمنسوخ والمجمل والمبين والخاص والعام وغيرها من تقاسيم الخطاب فلم يسبقه أحد إلى فتح هذا الباب لأنه أول من صنف أصول الفقه بلا خلاف ولا ارتياب وهو الذي لا يساوى بل لا يدانى في معرفة كتاب الله تعالى وسنة رسول الله صلى الله عليه و سلم ورد بعضها إلى بعض وهو الإمام الحجة في لغة العرب ونحوهم فقد اشتغل في العربية عشرين سنة مع بلاغته وفصاحته ومع أنه عربي اللسان والدار والعصر وبها يعرف الكتاب والسنة: وهو الذي قلد المنن الجسيمة جميع أهل الآثار وحملة الأحاديث ونقلة الأخبار بتوقيفه إياهم على معاني السنن وتنبيههم وقذفه بالحق على باطن مخالفي السنن وتمويههم فنعشهم بعد أن كانوا خاملين وظهرت كلمتهم على جميع المخالفين ودمغوهم بواضحات البراهين حتى ظلت أعناقهم لها خاضعين * قال محمد بن الحسن رحمه الله إن تكلم أصحاب الحديث يوما ما فبل سان الشافعي يعني لما وضع من كتبه * وقال الحسن بن محمد الزعفراني كان أصحاب الحديث رقودا فأيقظهم الشافعي فتيقظوا * وقال أحمد بن حنبل رحمه الله ما أحد مس بيده محبرة ولا قلما إلا وللشافعي في رقبته منة فهذا قول إمام أصحاب الحديث وأهله ومن لا يختلفون في ورعه وفض له * ومن ذلك أن الشافعي رحمه الله مكنه الله من أنواع العلوم حتى عجز لديه المناظرون من الطوائف وأصحاب الفنون واعترف بتبريزه وأذعن الموافقون والمخالفون في المحافل المشهورة الكبيرة المشتملة على أئمة عصره في البلدان وهذه المناظرات معروفة موجودة في كتبه رضي الله عنه وفي كتب الائمة المتقدمين والمتأخرين وفي كتاب الأم للشافعي رحمه الله من ه ذه (1) شرح النووي على مسلم 18/157
عدد الصفحات ٣٥36 المناظرات جمل من العجائب والآيات، والنفائس الجليلات، والقواعد المستفادات * وكم من مناظرة وقاعدة فيه يقطع كل من وقف عليها وأنصف وصدق أنه لم يسبق إليها * ومن ذلك أنه تصدر في عصر الأئمة المبرزين للإفتاء والتدريس والتصنيف وقد أمره بذلك شيخه أبو خالد مسلم بن خالد الزنجي إمام أهل مكة ومفتيها وقال له افت يا أبا عبد الله فقد والله آن لك أن تفتي وكان للشافعي إذ ذاك خمس عشرة سنة: وأقاويل أهل عصره في هذا كثيرة مشهورة وأخذ عن الشافعي العلم في سن الحداثة مع توفر العلماء في ذلك العصر وهذا من الدلائل الصريحة لعظم جلالته وعلو مرتبته وهذا كله من المشهور المعروف في كتب مناقبه وغيرها * ومن ذلك شدة اجتهاده في نصرة الحديث واتباع السنة وجمعه في مذهبه بين أطراف الأدلة مع الإتقان والتحقيق والغوص التام على المعاني والتدقيق: حتى لقب حين قدم العراق بناصر الحديث وغلب في عرف العلماء المتقدمين والفقهاء الخراسانيين على متبعي مذهبه لقب أصحاب الحديث في القديم والحديث: وقد روينا عن الإمام أبي بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة المعروف بإمام الأئمة وكان من حفظ الحديث ومعر فة السنة بالغاية العالية أنه سئل هل تعلم سنة صحيحة لم يودعها الشافعي كتبه قال لا: ومع هذا فاحتاط الشافعي رحمه الله لكون الإحاطة ممتنعة على البشر فقال ما قد ثبت عنه رضى عنه من أوجه من وصيته." (1) "كقولنا إذا اجتمع سبب ومباشرة قدمنا المباشرة: وإذا اجتمع أصل وظاهر ففي المسألة غالبا قولان: وإذا اجتمع قولان قديم وجديد فالعمل غالبا بالجديد إلا في مسائل معدودة سنذكرها قريبا إن شاء الله تعالى: وأن من قبض شيئا لغرضه لا يقبل قوله في الرد إلى المالك: ومن قبضه لغرض المالك قبل قوله في الرد إلى المالك لا إلى غيره: وأن الح دود تسقط بالشبهة: وأن الأمين إذا فرط ضمن: وأن العدالة والكفاية شرط في الولايات: وأن فرض الكفاية إذا فعله من حصل به المطلوب سقط الحرج عن الباقين وإلا أثموا كلهم بالشرط الذي قدمناه: وأن من ملك إنشاء عقد ملك الإقرار به: وأن النكاح والنسب مبنيان على الاحتياط: وأن الرخص لا تباح بالمعاصي: وأن الاعتبار في الإيمان بالله أو العتاق أو الطلاق أو غيرها بنية الحالف الا ان كان يكون المستحلف قاضيا فاستحلفها لله تعالى لدعوى اقتضته فإن الاعتبار بنية القاضي أو نائبه إن كان الحالف يوافقه في الاعتقاد فإن خالفه كحنفي استحلف شا فعيا في شفعة الجوار ففيمن تعتبر بيته وجهان: وأن اليمين التي يستحلف بها القاضي لا تكون إلا بالله تعالى وصفاته: وأن الضمان يجب في مال المتلف بغير حق سواء كان مكلفا أو غيره بشرط كونه من أهل الضمان في حق المتلف عليه: فقولنا من أهل الضمان احتراز من إتلاف المسلم مال حربي ونفسه وعكسه: وقولنا في حقه احتراز من إتلاف العبد مال سيده إلا أن يكون المتلف قاتلا خطأ أو شبه عمد فإن الدية على عاقلته: وأن السيد لا يثبت له مال في ذمة عبده ابتداء: وفي ثبوته دواما وجهان: وأن أصل الجمادات الطهارة إلا الخمر وكل نبيذ مسكر: وأن الحي وان على الطهارة إلا الكلب والخنزير وفرع أحدهما * ويبين له جملا مما يحتاج إليه وينضبط له من أصول الفقه وترتيب الأدلة من الكتاب والسنة والإجماع والقياس واستصحاب (1) المجموع شرح المهذب 1/10
عدد الصفحات ٣٦37 الحال عند من يقول به * ويبين له أنواع الأقيسة ودرجاتها وكيفية استثمار الأدلة: ويبين حد الأمر والن هي والعموم والخصوص والمجمل والمبين والناسخ والمنسوخ : وأن صيغة الأمر على وجوه: وأنه عند تجرده يحمل على الوجوب عند جماهير الفقهاء: وأن اللفظ يحمل على عمومه وحقيقته حتى يرد دليل تخصيص ومجاز: وأن أقسام الحكم الشرعي خمسة الوجوب والندب والتحريم والكراهة والإباحة : وينقسم باعتبار آخر إلى صحيح وفاسد: فالواجب ما يذم تاركه شرعا على بعض الوجوه احترازا من الواجب الموسع والمخير * وقيل ما يستحق العقاب تاركه فهذان أصح ما قيل فيه: والمندوب ما رجح فعله شرعا وجاز تركه: والمحرم ما يذم فاعله شرعا: والمكروه ما نهى عنه الشرع نهيا غير جازم: والمباح ما جاء الشرع بأنه لا فرق بين فعله وتركه في حق المكلف: والصحيح من العقود ما ترتب أثره عليه: ومن العبادات ما أسقط القضاء: والباطل والفاسد خلاف الصحيح * ويبين له جملا من أسماء المشهورين من الصحابة رضي الله عن جميعهم فمن بعدهم من العلماء الأ خيار وأنسابهم وكناهم وأعصارهم وطرف حكاياتهم: ونوادرهم وضبط المشكل من أنسابهم وصفابهم وتمييز المشتبه من ذلك: وجملا من الألفاظ اللغوية والعرفية المتكررة ( 1) في الفقه ضبطا لمشكلها وخفي معانيها فيقول هي مفتوحة أو مضمومة أو مكسورة مخففة أو مشددة __________ (1 )وفي نسخة بدل المتكررة: المذكورة (1) "صاحب الحاوي أن المفتي إذا نابذ في فتواه شخصا معينا صار خصما حكما1) معاندا فترد فتواه على من عاداه كما ترد شهادته عليه: واتفقوا على أن الفاسق لا تصح فتواه ونقل الخطيب فيه إجماع المسلمين: ويجب عليه إذا وقعت له واقعة أن يعمل باجتهاد نفسه: وأما المستور وهو الذي ظاهره العدالة ولم تختبر عدالته باطنا ففيه وجهان أصحهما جواز فتواه لأن العدالة الباطنة يعمر معرفتها على غير القضاة: والثاني لا يجوز كالشهادة والخلاف كالخلاف في صحة النكاح بحضور المستورين: قال الصيمري وتصح فتاوى أهل الأهواء والخوارج ومن لا نكفره ببدعته ولا نفسقه ونقل الخطي ب هذا ثم قال وأما الشراة والرافضة الذين يسبون السلف الصالح ففتاويهم مردودة وأقوالهم ساقطة: والقاضي كغيره في جواز الفتيا بلا كراهة. هذا هو الصحيح المشهور من مذهبنا: قال الشيخ ورأيت في بعض تعاليق الشي خ أبي حامد أن له الفتوى في العبادات وما لا يتعلق بالقضاء: وفي القضاء وجهان لأصحابنا أحدهما الجواز لأنه أهل والثاني لا لأنه موضع تهمة: وقال ابن المنذر تكره الفتوى في مسائل الأحكام الشرعية ( 2) : وقال شريح أنا أقضي ولا أفتي * فصل قال أبو عمر والمفتون قسمان مس تقل وغيره فالمستقل شرطه مع ما ذكرنا أن يكون قيما ( 3) بمعرفة أدلة الأحكام الشرعية من الكتاب والسنة والإجماع والقياس وما التحق بها على التفصيل وقد فصلت في كتب الفقه فتيسرت ولله الحمد: وأن يكون عالما بما يشترط في الأدلة ووجوه دلالتها وبكيفية اقتباس الأحكام منها وهذا يستفاد من أصول الفقه: عارفا من علوم القرآن والحديث والناسخ و المنسوخ (1) المجموع شرح المهذب 1/32
عدد الصفحات ٣٧38 والنحو واللغة والتصريف واختلاف العلماء واتفاقهم بالقدر الذي يتمكن معه من الوفاء بشروط الأدلة والاقتباس منها: ذا دربة وارتياض في استعمال ذلك: عالما بالفقه ضابطا لأمهات مسائله وتفاري عه فمن جمع هذه الأوصاف فهو المفتي المطلق المستقل الذي يتأدى به فرض الكفاية وهو المجتهد المطلق المستقل لأنه يستقل بالأدلة بغير تقليد وتقيد بمذهب أحد: قال أبو عمرو وما شرطناه من حفظه لمسائل الفقه لم يشترط في كثير من الكتب المشهورة لكونه ليس شرطا لمنصب الاجته اد لأن الفقه ثمرته فيت أخر عنه وشرط الشئ لا يتأخر عنه: وشرطه الاستاذ أبو إسحق الاسفراينى وصاحبه أبو منصور البغدادي وغيرهما: واشتراطه في المفتي الذي يتأدى به فرض الكفاية هو الصحيح وإن لم يكن كذلك في المجتهد المستقل: ثم لا يشترط أن يكون جميع الأحكام على ذهنه بل يكفيه كونه حافظا المعظم متمكنا من إدراك الباقي على قرب: وهل يشترط أن يعرف من الحساب ما يصحح به المسائل الحسابية الفقهية حكى أبو اسحق وأبو منصور فيه خلافا لأصحابنا والأصح اشتراطه: ثم __________ (1) وفي نسخة باسقاط حكما2) وفي نسخة باسقاط الشرعية 3... ) قيما هكذا في نسخة الاذرعي وفي نسخة أخرى فقيها بدل قيما." (1) "بالحديث من أصحابنا أبو يعقوب البويطي وأبو القاسم الدراكي وممن نص عليه أبو الحسن إلكيا الطبري في كتابه في أصول الفقه وممن استعمله من أصحابنا المحدثين الإمام أبو بكر البيهقي وآخرون: وكان جماعة من متقدمي أصحابنا إذا رأوا مسألة فيها حديث ومذهب الشافعي خلافه عملوا بالحديث وأفتوا به قائلين مذهب الشافعي ما وافق الحديث ولم يتفق ذلك إلا نادرا ومنه ما نقل عن الشافعي فيه قول على وفق الحديث: * وهذا الذي قاله الشافعي ليس معناه ان كل أحد رأى حديثا صحيحا قال ه ذا مذهب الشافعي وعمل بظاهره: وإنما هذا فيمن له رتبة الاجتهاد في المذهب على ما تقدم من صفته أو قريب منه: وشرطه أن يغلب على ظنه أن الشافعي رحمه الله لم يقف على هذا الحديث أو لم يعلم صحته: وهذا إنما يكون بعد مطالعة كتب الشافعي كلها ونحوها من كتب أصحابه الآخذين عنه وما أشبهها وهذا شرط صعب قل من ينصف به: وإنما اشترطوا ما ذكرنا لأن الشافعي رحمه الله ترك العمل بظاهر أحاديث كثيرة رآها وعلمها لكن قام الدليل عنده على طعن فيها أو نسخها أو تخصيصها أو تأويلها أو نحو ذلك: قال الشيخ أبو عمرو رحمه الله ليس العمل بظاهر ما ق اله الشافعي بالهين فليس كل فقيه يسوغ له أن يستقل بال عمل بما يراه حجة من الحديث وفيمن سلك هذا المسلك من الشافعيين من عمل بحديث تركه الشافعي رحمه الله عمدا مع علمه بصحته لمانع اطلع عليه وخفي على غيره كأبي الوليد موسى بن أبي الجارود ممن صحب الشافعي قال صح حدي ث أفطر الحاجم والمحجوم فأقول قال الشافعي افطر الحاجم والمحجوم فردوا ذلك على أبي الوليد لأن الشافعي تركه مع علمه بصحته لكونه منسوخا عنده وبين الشافعي نسخه واستدل عليه وستراه في كتاب الصيام إن شاء الله تعالى: وقد قدمنا عن ابن خزيمة أنه قال لا أعلم سنة لرسول الله صلى الله عليه وسلم في الحلال والحرام لم يودعها الشافعي كتبه وجلالة ابن خزيمة وإمامته في (1) المجموع شرح المهذب 1/42
عدد الصفحات ٣٨39 الحديث والفقه ومعرفته بنصوص الشافعي بالمحل المعروف: قال الشيخ أبو عمرو فمن وجد من الشافعية حديثا يخالف مذهبه نظران كملت آلات الاجتهاد فيه مطلقا: أو في ذلك الباب أو المسألة كان له الاستقلال بالعمل به وان لم يك ن وشق عليه مخالفة الحديث بعد أن بحث فلم يجد لمخالفته عنه جوابا شافيا فله العمل به إن كان عمل به إمام مستقل غير الشافعي ويكون هذا عذرا له في ترك مذهب إمامه هنا وهذا الذي قاله حسن متعين والله أعلم * فصل اختلف المحدثون وأصحاب الأصول في جواز اختصار الحديث في الرواية على مذاهب أصحها يجوز رواية بعضه إذا كان غير مرتبط بما حذفه بحيث لا تختلف الدلالة ولا يتغير الحكم بذلك ولم نر أحدا منهم منع من ذلك في الاحتجاج في التصانيف: وقد أكثر من ذلك المصنف في المهذب وهكذا أطبق عليه الفقهاء من كل الطوائف وأكثر منه أبو عبد الله البخاري في صحيحه وهو القدوة *." (1) "جماهير السلف والخلف من الصحابة فمن بعدهم وحكى أصحابنا عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى وأبي بكر الأصم أنه يجوز رفع الحدث وإزالة النجس بكل مائع طاهر قال القاضي أبو الطيب إلا الدمع فإن الأصم يوافق على منع الوضوء به وقال أبو حنيفة يجوز الوضوء بالنبيذ على شرط سأذكره في فرع مستقل وأذكر إزالة النجاسة في فرع آخر إن شاء الله تعالى: واحتج لابن أبي ليلى بأنه مائع طاهر فأشبه الماء واحتج الأصحاب بالآية التي ذكرها المصنف وبأن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يعدمون الماء في أسفارهم ومعهم الدهن وغيره من المائعات وما نقل عن أحد منهم الوضوء بغير ماء ولا يصح القياس على الماء فإن الماء جمع اللطافة وعدم التركيب من أجزاء وليس كذلك غيره: وأما قول الغزالي في الوسيط طهارة الحدث مخصوصة بالماء بالاجماع فمح صول على أنه لم يبلغه قول ابن أبي ليلى ان صح عنه وأما الاصل لا يعتد بخلاء: وقد أضحت حال الأصم في تهذيب الأسماء واللغات: وقد قال ابن المنذر في الأشراف وكتاب الإجماع أجمع أهل العلم على أنه لا يجوز الوضوء بماء الورد والشجر والعصفر وغيره مما لا يقع عليه اسم ماء وهذا يوافق نقل الغزالي (فرع) أما النبيذ فلا يجوز الطهارة به عندنا على أي صفة كان من عسل أو تمر أو زبيب أو غيرها مطبوخا كان أو غيره فإن نش وأسكر فهو نجس يحرم شربه وعلى شاربه الحد وإن لم ينش فطاهر لا يحرم شربه ولكن لا تجوز الطهارة به هذا تفصيل مذهبنا وبه قال مالك وأحمد وأبو يوسف والجمهور وعن أبي حنيفة أربع روايات إحداهن يجوز الوضوء بنبيذ التمر المطبوخ إذا كان في سفر وعدم الماء: والثانية يجوز الجمع بينه وبين التيمم وبه قال صاحبه محمد بن الحسن: والثالثة يستحب الجمع بينهما: والرابعة أنه رجع عن جواز الوضوء به وق ال يتيمم وهو الذي استقر عليه مذهبه كذا قاله العبدري قال وروي أنه قال الوضوء بنبيذ التمر منسوخ وحكي عن الأوزاعي الوضوء بكل نبيذ وحكى الترمذي عن سفيان الوضوء بالنبيذ: واحتج لمن جوز برواية شريك عن أبي فزارة عن أبي زيد مولى عمرو بن حريث عن ابن مسعود إن النبي ص لى الله عليه وسلم قال له ليلة الجن هل في إداوتك ماء قال لا إلا نبيذ تمر قال ثمرة طيبة وماء طهور وتوضأ به: رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه في سننهم: (1) المجموع شرح المهذب 1/64
عدد الصفحات ٣٩40 وعن ابن عباس رفعه النبيذ وضوء من لم يجد الماء: وعن علي وابن عباس وغيرهما موقوفات واحتج اصحابنا بالآية فلم دوا ماء فتيمموا وقد سبق وجه." (1) "بظهر الكف وبطنها وأخرى أن الوضوء مستحب وأخرى يشترط المس بشهوة وهو رواية عن مالك وقالت طائفة لا ينقض مطلقا وبه قال علي بن أبي طالب وابن مسعود وحذيفة وعمار وحكاه ابن المنذر أيضا عن ابن عباس وعمران بن الحصين وأبي الدرداء ور بيعة وهو مذهب الثوري وأبي حنيفة وأصحابه وابن القاسم وسحنون قال ابن المنذر وبه أقول وقال بعض أهل العلم ينقض مسه ذكر نفسه دون غيره * واحتج لهؤلاء بحديث طلق بن علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن مس الذكر في الصلاة فقال (هل هو الابضعة منك) وعن أبي ليلى قال كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فأقبل الحسن يتمرغ عليه فرفع عن قميصه وقبل زبيبته ولانه مس عضو منه فلم ينقض كسائر الأعضاء * واحتج أصحابنا بحديث بسرة وهو صحيح كما قدمنا بيانه وبحديث أم حبيبة قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (من مس فرجه فليتوضأ) قال البيهقي قال الترمذي سألت أبا زرعة عن حديث أم حبيبة فاستحسنه قال ورأيته يعده محفوظا وعن زيد بن خالد إن النبي صلى الله عليه وسلم قال (من مس ذكره فليتوضأ) قال القاضي أبو الطيب قال أصحابنا روى الوضوء من مس الذكر بضعة عشر نفسا من الصحابة عن رسو ل الله صلى الله عليه وسلم: فإن قيل قال يحيى بن معين ثلاثة أحاديث لا تصح أحدها الوضوء من مس الذكر: فالجواب أن الأكثرين على خلافه فقد صححه الجماهير من الأئمة الحفاظ واحتج به الأوزاعي ومالك والشافعي وأحمد وهم أعلام أهل الحديث والفقه ولو كان باطلا لم يحتجوا به : فإن قالوا حديث بسرة رواه شرطي لمروان عن بسرة وهو مجهول: فالجواب أن هذا وقع في بعض الروايات وثبت من غير رواية الشرطي: روى البيهقي عن إمام الائمة محمد بن اسحق بن خزيمة قال أوجب الشافعي الوضوء من مس الذكر لحديث بسرة وبقول الشافعي أقول لأن عروة سمع حديث بسرة منها: فإن قالوا الوضوء هنا غسل اليد قلنا هذا غلط فإن الوضوء إذا أطلق في الشرع حمل على غسل الأعضاء المعروفة هذا حقيقته شرعا ولا يعدل عن الحقيقة إلا بدليل * واحتج أصحابنا بأقيسة ومعان لا حاجة إليها مع صحة الحديث: وأما الجواب عن احتجاجهم بحديث طلق بن علي فمن أوجه أحدها أنه ضعيف باتفاق الحفاظ وقد بين البيهقي وجوها من وجوه تضعيفه: الثاني أنه منسوخ فان وفادة." (2) "كتفا ثم صلى ولم يتوضأ) رواه مسلم وعن أبي رافع قال (أشهد لكنت أشوي لرسول الله صلى الله عليه وسلم بطن الشاة ثم صلى ولم يتوضأ) رواه مسلم وعن جابر وعائشة وأم سلمة مثله عن البني صلى الله عليه وسلم قال البيهقي وغيره وفي الباب عن عثمان وابن مسعود وسويد بن النعمان ومحمد ابن مسلمة وعبد الله بن عمرو بن العاص والمغيرة وابي هريرة (1) المجموع شرح المهذب 1/93 (2) المجموع شرح المهذب 2/42
عدد الصفحات ٤٠41 وعبد الله بن الحرث ورافع بن خديج وغيرهم * واحتج الأصحاب أيضا بحديث جابر المذكور في ال كتاب واعترض عليه جماعة ممن نفى القول بإيجاب الوضوء فقالوا لادلالة فيه لأنه مختصر من حديث طويل رواه أبو داود وغيره عن جابر قال (ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى امرأة من الأنصار فقربت شاة مصلية (أي مشوية) فأكل وأكلنا فحانت الظهر فتوضأ ثم صلى ثم رجع إلى فضل طعامه فأكل ثم حانت صلاة العصر فصلى ولم يتوضأ) قالوا فقوله آخر الأمرين يريد هذه القضية وأن الصلاة الثانية هي آخر الأمرين يعني آخر الأمرين من الصلاتين لا مطلقا: وممن قال هذا التأويل أبو داود السجستاني قالوا والأحاديث الواردة بالأمر بالوضوء متأخرة على حديث جابر وناسخة له: وممن قال هذا الزهري وغيره فعندهم أن أحاديث ترك الوضوء منسوخة بأحاديث الأمر به وهذا الذي قالوه ليس كما زعموه فأما تأويلهم حديث جابر فهو خلاف الظاهر بغير دليل فلا يقبل وهذه الرواية المذكورة لا تخالف كونه آخر الامرين فلعل هذه القضية هي آخر الامر واستمر العمل بعدها على ترك الوضوء ويجوز أيضا أن يكون ترك الوضوء قبلها فإنه ليس فيها أن الوضوء كان لسبب الأكل: وأما دعواهم نسخ أحاديث ترك الوضوء فهي دعوى بلا دليل فلا تقبل وروى البيهقي عن الإمام الحافظ عثمان بن سعيد الدارمي شيخ مسلم قال اختلف في الأول والآخر من هذه الأحاديث فلم يقف على الناسخ منها ببيان يحكم به فأخذنا بإجماع الخلفاء الراشدين والأعلام من الصحابة رضي الله عنهم في الرخصة في ترك الوضوء مع أحاديث الرخصة: والجواب عن أحاديثهم أنها منسوخة هكذا أجاب الشافعي وأصحابه وغيرهم من العلماء ومنهم من حمل الوضوء فيها على المضمضة وهو ضعيف * واحتج القائلون بوجوب الوضوء بأكل لحم الجزور بحديث جابر بن سمرة أن رجلا سأل رسول." (1) "له مصنفات كثيرة في أنواع من العلوم منها الإيضاح في المذهب نحو سبع مجلدات نفيس وقد بسطت حاله تهذيب الاسماء: (السمألة الثالثة) أجمع المسلمون على تحريم الصلاة على المحدت (1) وأجمعوا على أنها لا تصح منه سواء إن كان عالما بحدثه أو جاهلا أو ناسيا لكنه إن صلى جاهلا أو ناسيا فلا إثم عليه وإن كان عالما بالحدث وتحريم الصلاة مع الحدث فقد ارتكب معصية عظيمة ولا يكفر عندنا بذلك إلا أن يستح له وقال أبو حنيفة يكفر لاستهزائه * دلينا أنه معصية فاشبهت الزني وأشباهه هذا كله إذا لم يأت ببدل ولا اضطر إلى الصلاة محدثا * أما المستحاضة وسلس البول وسائر من به حدث دائم ومن صلى بالتيمم ومن صلى الفرض بلا ماء ولا تراب لعدممها أو أكره على الصلاة محدثا فلا شك في أنه لا إثم عليه في هذه المواضع في الصلاة وإن كان محدثا: وحكم سجود التلاوة والشكر حكم الصلاة في ذلك وأما ما يفعله عوام الفقراء وشبههم من سجودهم بين يدي المشايخ وربما كانوا محدثين فهو حرام بإجماع المسلمين وسواء في ذلك كان متطهرا أو غيره وسواء استقبل القب لة أم لا وقد يتخيل كثير منهم أن ذلك تواضع وكسر للنفس وهذا خطأ فاحش وغباوة ظاهرة فكيف تكسر النفوس أو تتقرب إلى الله تعالى بما حرمه وربما اغتر بعضهم بقوله تعالى (ورفع أبويه على العرش وخرواله سجدا) والآية (1) المجموع شرح المهذب 2/58
عدد الصفحات ٤١42 منسوخة أو متأولة كما هو معروف في كتب العلماء وسئل الشي خ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله عن هذا السجود الذي قدمناه فقال هو من عظائم الذنوب ونخشى أن يكون كفرا: (المسألة الرابعة) يحرم على المحدث الطواف بالكعبة فإن طاف عصى ولم يصح: هذا مذهبنا وبه قال مالك وأحمد في إحدى الروايتين عنه وقال أبو حنيفة يصح بلا طهارة وفي تحريمه عنه روايتان دليلنا الحديث المذكور وهو صحيح عن ابن عباس كما ذكرنا وثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ للطواف وقال (لتأخذوا عني مناسككم) وسواء الطواف في حج وعمرة وغيره والله أعلم: (المسألة الخامسة) يحرم على المحدث مس المصحف وحمله سواء إن حمله بعلاقته أو في كمه أو على رأسه وحكى القاضي حسين والمتولي وجها أنه يجوز حمله بعلاقته وهو شاذ في المذهب وضعيف قال أصحابنا وسواء مس نفس الاسطر أو ما بينهما أو الحواشي أو الجلد فكل ذلك حرام وفي مس الجلد وجه ضعيف أنه يجوز وحكى الدارمي وجها شاذا بعيدا أنه لا يحرم مس الجلد ولا الحواشي ولا م ا بين الاسطر ولا يحرم الانفس المكتوب والصحيح الذى قطع به الجمهور __________ (1) اي القارئ على غير الطهارة اه اذرعى (1) "وقال المتولي والروياني يكره والمختار ما قاله آخرون انه ان لم يكن فيها شئ من القرآن جاز والأولى أن يفعل إلا بطهارة وإن كان فيها قرآن فعلى الوجهين في كتب الفقه (الثالثة) يجوز للمحدث مس التوراة والانجيل وحملهما كذا قطع به الجمهور وذكر الماوردي والروياني فيه وجهين أحدهما لا يجوز والثاني قالا وهو قول جمهور أصحابنا يجوز لأنها مبدلة منسوخة قال المتولي فإن ظن أن فيها شيئا غير مبدل كره مسه ولا يحرم قال الرافعي وحكم المنسوخ تلاوته من القرآن حكم التوراة (الرابعة) إذا كتب المحدث أو الجنب مصحفا نظران حمله أو مسه في حال كتابته حرم وإلا فالصحيح جوازه لأنه غير حامل ولا ماس وفيه وجه مشهور أنه يحرم ووجه ثالث حكاه الماورد ي (1) أنه يحرم على الجنب دون المحدث: (الخامسة) إذا كتب القرآن في لوح فله حكم المصحف فيحرم مسه وحمله على البالغ المحدث هذا هو المذهب الصحيح وبه قطع الأكثرون وفيه وجه مشهور أنه لا يحرم لانه لايراد للدوام بخلاف المصحف فعلى هذا يكره قاله في التتمة ولا فرق بين أن يكون المكتوب قليلا أو كثيرا فيحرم على ال صحيح قال إمام الحرمين لو كان على اللوح آية أو بعض آية كتب للدراسة حرم مسه وحمله: (السادسة) لا يجوز كتابة القرآن بشئ نجس ذكره البغوي وغيره قال البغوي وغيره يكره نقش الحيطان والثياب بالقرآن وبأسماء الله تعالى قال ال قاضي حسين والبغوي وغيرهما وإذا كتب قرآنا على حلوى وطعام فلا بأس بأكله قال القاضي فإن كان على خشبة كره إحراقها ( 2 ) (السابعة) قال القاضي حسين وغيره لا يجوز توسد المصحف ولا غيره من كتب العلم قال القاضي إلا أن يخاف عليه السرقة فيجوز وهذا الاستثناء فيه نظر والصواب منعه في المصحف وإن خاف السرقة قال القاضي حسين ولا يمكن الصبيان من محو الألواح بالأقدام ولا يمكن المجنون والصبي الذي لا يميز من حمل المصحف لئلا ينتهكه: (الثامنة) لو خاف المحدث على المصحف من حرق أو غرق أو وقوع نجاسة عليه أو وقوعه بيد كافر جاز أخذه مع الح دث صرح به الدارمي وغيره بل يجب (1) المجموع شرح المهذب 2/67
عدد الصفحات ٤٢43 ذلك صيانة للمصحف ولو لم يجد من يودعه المصحف وعجز عن الوضوء فله حمله مع الحدث قال القاضي أبو الطيب ولا يلزمه التيمم له لأنه لا يرفع الحدث وفيما قاله نظر وينبغي أن يجب التيمم لأنه وإن لم يرفع الحدث فيبيح الصلاة ومس المصحف وحمله: (التاسعة) قال القاضي حسين وغيره يكره للمحدث حمل التعاويذ يعنون الحروز قال أبو عمرو بن الصلاح في الفتاوى كتابة الحروز واستعمالها مكروه وترك تعليقها هو المختار وقال في فتوى أخرى يجوز تعليق الحروز التي فيها قرآن على النساء __________ (1) هذا النقل عن الماوردي فيه نظر فانه يوءذن بانه أورد الوجه في المحدث وزاد وجها ثالثا وليس كذلك بل جزم بتمكين المحدث وخص الوجهين بالجنب نعم يخرج من كلامه وجه فارق بين الجنب (2) نقل ابن الرفعة: عن القاضي انه قال لا يجوز احراقها قال وقال في الروضة يكره فليحقق: اه اذرعى (1) "و رواية البيهقى (أنزل أولم ينزل) قيل المراد بشعبها رجلاها وشفراها وقيل يداها ورجلاها وقيل ساقاها وفخذاها: وعن عائشة أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم الرجل يجامع أهله ثم يكسل هل عليهما الغسل فقال النبي صلى الله عليه وسلم (إني لأفعل ذلك أنا وهذه ثم نغتسل) رواه مسلم في صحيحه وفي الباب أحاديث كثيرة صحيحة: واستدل الشافعي رحمه الله بقول الله تعالى (ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا) قال والعرب تسمي الجماع وإن لم يكن معه إنزال جنابة: واستدل أصحابنا من القياس بأنه حكم من أحكام الجماع فتعلق به وإن لم يكن معه إنزال كالحدود: والجواب عن الأحاديث التي احتجوا بها أنها منسوخة هكذا قاله الجمهور: وثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما جواب آخر وهو أن معنى الماء من الماء أي لا يجب الغسل بالرؤية في النوم إلا أن ينزل: وأما الآثار التي عن الصحابة رضي الله عنهم فقالوها قبل أن يبلغه م النسخ: ودليل النسخ أنهم اختلفوا في ذلك فأرسلوا إلى عائشة رضي الله عنها فأخبرتهم إن النبي صلى الله عليه وسلم قال (إذا جلس بين شعبها الأربع وجهدها وجب الغسل) فرجع إلى قولها من خالف: وعن سهل بن سعد الساعدي قال حدثني أبي بن كعب أن الفتيا التي كانوا يفتون إنم ا الماء من الماء كانت رخصة رخصها رسول الله صلى الله عليه وسلم في بدء الإسلام ثم أمر بالاغتسال بعد: وفي رواية ثم أمرنا حديث صحيح رواه الدارمي وأبو داود والترمذي وابن ماجه والبيهقي وغيرهم بأسانيد صحيحة قال الترمذي هو حديث حسن صحيح: وعن محمود بن لبيد قال سألت زيد بن ثابت عن الرجل يصيب أهله ثم يكسل ولا ينزل قال يغتسل فقلت إن أبيا كان لا يرى الغسل فقال زيد إن أبيا نزع عن ذلك قبل أن يموت هذا صحيح رواه مالك في الموطأ بإسناده الصحيح قوله نزع أي رجع: ومقصودي بذكر هذه الأدلة بيان أحاديث المسألة والجمع بينها وإلا فالم سألة اليوم مجمع عليها ومخالفة داود لا تقدح في الإجماع عند الجمهور والله أعلم * واحتج أبو حنيفة في منع الغسل بإيلاجه في بهيمة وميتة بأنه لا يقصد به اللذة فلم يجب كإيلاج أصبعه واحتج أصحابنا بأنه أولج ذكره في فرج فأشبه قبل المرأة الحية: فإن قالوا ينتقض هذا با لمسك فإن في البحر سمكة يولج فيها سفهاء الملاحين (1) المجموع شرح المهذب 2/70
عدد الصفحات ٤٣44 ببحر البصرة فالواجب ما أجاب به القاضي أبو الطيب ونقله الروياني عن الأصحاب أنه إن كان هذا هكذا وجب الغسل بالإيلاج فيها لأنه حيوان له فرج: والجواب عن دليلهم من وجهين: أحدهما أنه منتقض بوطئ العجوز الشوهاء المتنا هية في القبح العمياء الجذماء البرصاء." (1) "(فرع في آداب الناس كلهم مع القرآن قال الله تعالى (ومن يعظم شعائر الله فانها من تقوى القلوب) وفي صحيح مسلم عن تميم الداري إن النبي صلى الله عليه وسلم قال (الدين النصيحة قلنا لمن يا رسول الله قال لله ولكتابه ولرسو له ولأئمة المسلمين وعامتهم) وهذا الحديث أصل من أصول الإسلام وقد أوضحت شرحه في أول شرح صحيح مسلم وبينت الدلائل في أن مدار الإسلام عليه وأقوال العلماء في شرحه: ومختصر ما يحتاج إليه هنا أن العلماء قالوا نصيحة كتاب الله تعالى هي الإيمان بأنه كلام الله تعالى وت نزيله لا يشبهه شئ من كلام الخلق ولا يقدر الخلق على مثل سورة منه وتلاوته حق تلاوته وتحس ينها وتدبرها والخشوع عندها وإقامة حروفه في التلاوة والذب عنه لتأويل المحرفين وتعرض الملحدين والتصديق بما فيه والوقوف مع أحكامه وتفهم علومه وأمثاله والاعتبار بمواعظه والتفكر في عجائبه والبحث عن عمومه وخصوصه وناسخه و منسوخه ومجمله ومبينه وغير ذلك من أقسامه ونشر علومه والدعاء إليه وإلى جميع ما ذكرنا من نصيحته: وأجمعت الأمة على وجوب تعظيم القرآن على الاطلاق وتنزيهه وصيانته: واجمعو على أن من جحد منه حرفا مجمعا عليه أو زاد حرفا لم يقرأ به أحد وهو عالم بذلك فهو كافر: وأجمعوا على ان من استخف بالقرآن أو بشئ منه أو بالمصحف أو ألقاه في قاذورة أو كذب بشئ مما جاء به من حكم أو خبر أو نفى ما أثبته أو أثبت ما نفاه أو شك في شئ من ذلك وهو عالم به كفر: ويحرم تفسيره بغير علم والكلام في معانيه لمن ليس من أهله وهذا مجمع عليه: وأما تفسير العلماء فحسن بالإجماع: ويحرم الم راء فيه والجدال بغير حق: ويكره أن يقول نسيت آية كذا بل يقول أنسيتها أو أسقطتها: ويجوز أن يقول سورة البقرة وسورة انساء وسورة العنكبوت وغيرها ولا كراهة في شئ من هذا والأحاديث الصحيحة في هذا كثيرة وكره بعض السلف هذا وقال إنما يقال السورة التي يذكر فيها البقرة." (2) "وبالله التوفيق * (فرع) مذهبنا ومذهب الجمهور أنه يجوز الانتباذ في جميع الأوعية من الخزف والخشب والجلود والدباء وهي القرع والمزفت والنحاس وغيرها ويجوز شربه منها ما لم يصر مسكرا كما سبق وأما الأحاديث المشهورة في الصحيحين عن ابن عباس وغيره رضي الله عنهم أن النبي صلى الله عليه وسلم (نهى عن الانتباذ في الدباء والحنتم) وهي جرار خضر وقيل كل الجرار والنقير وهي الخشبة المنقورة من النخل والمزفت والمقير وهو المطلي بالزفت والقار فهي منسوخة بحديث يريدة الذي ق دمناه قريبا وقد بسطت ذلك بدلائله في أول شرح صحيح البخاري ثم في شرح مسلم وبالله التوفيق (1) المجموع شرح المهذب 2/137 (2) المجموع شرح المهذب 2/170
عدد الصفحات ٤٤45 * (فرع شرب الخليطين والمنصف إذا لم يصر مسكرا ليس بحرام لكن يكره فالخليطان ما نقع من بسر أو رطب أو تمر أو زبيب والمنصف ما نقع من تمر ورطب وسبب الكراهة أن الإسكار يسرع إليه بسبب الخلط قبل أن يتغير طعمه فيظن الشارب أن ه ليس مسكرا وهو مسكر ودليل الكراهة حديث جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم (نهى أن يخلط الزبيب والتمر والبسر والتمر) وفي رواية أن النبي صلى الله عليه وسلم (نهى أن ينبذ التمر والزبيب جميعا و نهى أن ينبذ الرطب والبسر جميعا) وفي رواية (لا تجمعوا بين الرطب والبسر وبين الزبيب والتمر نبيذا) وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من شرب النبيذ منكم فليشربه زبيبا فردا أو تمرا فردا أو بسرا فردا) وعن قتادة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا تنبذوا الزهو والرطب جميعا ولا تنبذوا الزبيب والتمر جميعا وانتبذوا كل واحد منهما على حدته) وعن ابن عمر وابن عباس وأبي هريرة رضي الله عنهم عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه وروى هذه الروايات كلها مسلم وروى البخ اري وغيره بعضها أيضا والله أعلم *." (1) "أيضا بحديث زيد بن خالد رضي الله عنه أنه سأل عثمان بن عفان رضي الله عنه قال (أرأيت إذا جامع الرجل امرأته ولم يمن قال عثمان يتوضأ كما يتوضأ للصلاة ويغسل ذكره قال عثمان سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم) رواه البخاري ومسلم زاد البخاري فسأل علي بن أبى طالب والزبير ابن العوام وطلحة بن عبيد الله وأبي بن كعب فأمروه بذلك: وعن أبي بن كعب رضي الله عنه: أنه قال (يا رسول الله إذا جامع الرجل المرأة فلم ينزل قال يغسل ما مس المرأة منه ثم يتوضأ ويصلي) رواه البخاري ومسلم وهذان الح ديثان في جواز الصلاة بالوضوء بلا غسل منسوخان كما سبق في باب ما يوجب الغسل و أما الأمر بغسل الذكر وما أصابه منها فثابت غير منسوخ وهو ظاهر في الحكم بنجاسة رطوبة الفرج والقائل الآخر يحمله ع لى الاستحباب لكن مطلق الأمر للوجوب عند جمهور الفقهاء والله أعلم: وقول المصنف رطوبة فرج المرأة فيه نقص و الأحسن رطوبة الفرج فإنه لا فرق بين رطوبة فرج المرأة وغيرها من الحيوان الطاهر كما سبق والله أعلم * * قال المصنف رحمه الله [ * [ * نجسة على المذهب ولا تنجس ما ماتت فيه على الصحيح (الثاني) النجاسة التي لا يدركها الطرف لا تنجس الماء والثوب (1) المجموع شرح المهذب 2/566
عدد الصفحات ٤٥46 على الأصح كما سبق (الثالث) الهرة إذا أكلت نجاسة ثم ولغت في ماء قليل أو مائع قبل ان تغيب لا ننجسه على أحد الأوجه (الرابع) إذا لاقت النجاسة قلتين فصاعدا من الماء." (1) "بقدر ما يحصل للحيطان فيئ يمشي فيه طالب الجماعة ولا يؤخر عن النصف الأول من الوقت وللإبراد أربعة شروط أن يكون في حر شديد وأن تكو ن بلاد حارة وان تصلي جماعة وأن يقصدها الناس من البعد هكذا نص الشافعي في الأم وجمهور الأصحاب على هذه الشروط الأربعة وترك المصنف اشتراط البلاد الحارة وهو وجه مشهور حكاه صاحب الحاوي وجماعة من الخراسانيين وفي البويطي قول أنه لو قربت منازلهم من المسجد استحب الإ براد كما لو بعدوا وهذا ا لقول حكاه القاضي أبو الطيب وابن الصباغ وغيرهم من العراقيين وجماعة من الخراسانيين وطردوه في جماعة هم في موضع لا يأتيهم إليه أحد وفيمن يمكنه المشي إلى المسجد في ظل وفيمن صلى في بيته منفردا والأصح المنصوص أنهم كلهم لا يبردون بل تشترط الشروط الأربعة هكذا قاله الأصحاب متابعة لنص الشافعي رحمه الله وظاهر الحديث أنه لا يشترط غير اشتداد الحر وأما الجمعة فالأصح أنهم لا يبردون بها ودليل الوجهين في الكتاب والله أعلم وأما حديث زهير عن أبي إسحاق عن سعيد ابن وهب عن خباب بن الأرت رضي الله عنه قال " شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حر الرمضاء فلم يشكنا قال زهير قلت لأبي إسحاق أفي الظهر قال نعم قلت أفي تعجيلها قال نعم " رواه مسلم فهو منسوخ بين البيهقي وغيره نسخه * قال المصنف رحمه الله * * (واوكد الصلوات في المحافظة عليها الصلاة الوسطى لان الله تع الى خصها بالذكر فقال تعالى (والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين) فقرنها بالقنوت ولا قنوت الا في الصبح ولان الصبح يدخل وقتها والناس في أطيب نوم فخص بالمحافظة حتى لا يتغافل عنها بالنوم ولهذا خص بالتثويب) * * * (الشرح) * اتفق العلماء على أن الصلاة الوسطى آكد الصلوات الخمس واختلفوا فيها فقال الشافعي هي الصبح نص عليه في الأم وغيره وهو مذهب مالك ونقله الواحدي عن عمر ومعاذ ابن جبل وابن عباس وابن عمر وجابر رضي الله عنهم وعطاء وعكرمة ومجاهد والربيع بن أنس رحمهم." (2) "* (الشرح * أما حكم المسألة فاتفق أصحابنا على استحباب هذه القعدة قدر ما تجتمع الجماعة إلا في صلاة المغرب فإنه لا يؤخرها لضيق وقتها ولأن الناس في العادة يجتمعون لها قبل وقتها ومن تأخر عن التقدم لا يتأخر عن أول الصلاة ولكن يستحب (1) المجموع شرح المهذب 2/571 (2) المجموع شرح المهذب 3/60
عدد الصفحات ٤٦47 أن يفصل بين أذانها وإقامتها فصلا يسيرا بقعدة أو سكوت أو نحوهما هذا مذهبنا لا خف فيه عندنا وبه قال أحمد وأبو يوسف ومحمد وهو رواية عن أبي حنيفة وقال مالك وأبو حنيفة في المشهور عنه لا يقعد بينهما وأما استحباب التحول للإقامة إلى غير موضع الأذان فمتفق عليه للحديث * * قال المصنف رحمه الله * * (والمستحب أن يكون المقيم هو المؤذن لأن زياد بن الحارث الصدائي أذن فجاء بلال ليقيم فقال النبي صلى الله علي ه وسلم " إن أخا صداء أذن ومن أذن فهو يقيم " فان اذن واحد وأقام غيره جاز لأن بلالا أذن وأقام عبد الله بن زيد) * * * (الشرح) * حديث زياد بن الحارث رواه أبو داود والترمذي وغيرهما قال الترمذي والبغوي في إسناده ضعف وعلق البيهقي القول فيه فقال إن ثبت كان أولى مما روي في حديث عبد الله ابن زيد " أن بلالا أذن فقال عبد الله يا رسول الله إني أرى الرؤيا ويؤذن بلال قال فأقم أنت " لما في إسناده ومتنه من الاختلاف وأنه كان في أول ما شرع الأذان وحديث الصدائي كان بعد ه وأما حديث عبد الله بن زي د فرواه أبو داود وغيره وقد ذكرنا قول البيهقي فيه وقال الإمام أبو بكر الحازمي في كتابه الناسخ والمنسوخ في إسناده مقال قال واتفق أهل العلم في الرجل يؤذن ويقيم غيره أن ذلك جائز واختلفوا في الأولوية فقال أكثرهم لا فرق والأمر متسع وممن ر أى ذلك مالك وأكثر أهل الحجاز وأبو حنيفة وأكثر أهل الكوفة وأبو ثور وقال بعض العلماء الأولى أن من أذن فهو يقيم وقال الشافعي إذا أذن الرجل أحببت أن يتولي الاقامة لشئ يروى أن من أذن فهو يقيم قال الحازمي وحجة هذا المذهب حديث الصدائي لأنه أقوم إسنادا من حديث عبد الله بن زيد ثم حديث ابن زيد كان في أول ما شرع الأذان في السنة الأولى وحديث الصدائي بعده بلا شك والأخذ بآخر الأمرين أولى قال وطريق الإنصاف أن يقال الأمر في هذا الباب على التوسعة وادعاء النسخ مع إمكان الجمع بين الحديثين على خلاف الأصل: أما الصدائي فبضم الصاد وتخفيف الدال المهملتين وبالمد منسوب إلى صداء تصرف ولا تصرف وهو أبو هذه القبيلة." (1) "مسألة إثبات البسملة لأن جماعة ممن يرى الاسرار بها لا يعتقدونه قرآنا بل يرونها من سنته كالتعوذ والتأمين وجماعة ممن يرى الإسرار بها يعتقدونها قرآنا وإنما أسروا بها وجهر أولئك لما ترجح عند كل فريق من الأخبار والآثار. واحتج من يرى الإسرار بحديث أنس رضي الله عنه " أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر رضي الله عنهما كانوا يفتتحون الصلاة بالحمد لله رب العالمين " رواه البخاري وعن أنس أيضا رضي الله عنه قال " صليت مع رسول الله صلى (1) المجموع شرح المهذب 3/121
عدد الصفحات ٤٧48 الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان فلم أسمع أحدا منهم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم " رواه مسلم وعنه " صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان فكانوا يفتتحون بالحمد لله رب العالمين لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في أول قراءة ولا في آخرها " رواه مسلم وفى رواية الدراقطنى " فلم أسمع أحدا منهم يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم ". وعن عائشة رضي الله عنها قالت " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستفتح الصلاة بالتكبير والقراءة بالحمد لله رب العالمين " رواه مسلم وروي عن ابن عبد الله بن مغفل قال " سمعني أبي وأنا أقرأ بسم الله الرحمن الرحيم فقل أي بني إياك والحدث فإني صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومع أبي بكر وعمر وعثمان فلم أسمع رجلا منهم يقوله فإذا قرأت فقل الحمد لله رب العالمين " رواه الترمذي والنسائي قال الترمذي حديث حسن وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال " ما جهر رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة مكتوبة ببسم الله الرحمن الرحيم ولا أبو بكر ولا عمر رضي الله عنهما " قالوا ولأن الجهر بها منسوخ قال سعيد بن جبير " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم بمكة وكان أهل مكة يدعون مسيلمة الرحمن فقالوا إن محمدا يدعو إلى إله اليمامة فأمر رسول الله صلي لله عليه وسلم فأخفاها فما جهر بها حتى مات " قالوا وسئل الدارقطني بمصر حين صنف كتاب لجهر فقال لم يصح في الجهر بها حديث. قالوا وقال بعض التابعين الجهر بها بدعة قالوا وقياسا على التعوذ. قالوا ولأنه لو كان الجهر ثابتا لنقل نقلا متواترا أو مستفيضا كوروده في سائر القراءة واحتج أصحابنا والجمهور علي استحباب الجهر بأحاديث وغيرها جمعها ولخصها الشيخ أبو محمد المقدسي فقال (اعلم) أن الأحاديث الواردة في الجهر كثيرة (منهم) من صرح بذلك (ومنهم) من فهم من." (1) "أحاديثه ولأنه إثبات فهو مقدم على النفي ولعل النسيان عرض له بعد ذلك: قال ابن عبد البر من حفظ عنه حجة على من سأله في حال نسيانه والله أعلم * وأما الجواب عن حديث ابن عبد الله بن مغفل فقال أصحابنا والحفاظ هو حديث ضعيف لأن ابن عبد الله بن مغفل مجهول: قال ابن خزيمة هذا الحديث غير صحيح من جهة النقل لأن ابن عبد الله مجهول وقال ابن عبد البر ابن عبد الله مجهول لا يقوم به حجة وقال الخطيب أو بكر وغيره هذا الحديث ضعيف لأن ابن عبد الله مجهول لا يرد على هؤلاء الحفاظ قول الترمذي حديث حسن لأن مداره على مجهول ولو صح وجب تأويله جمعا بين الأدلة السابقة وذكروا في تأويله وجهين (أحدهما) قال أبو الفتح الرازي في كتابه في البسملة إن ذلك في صلاة سرية لا جهرية لأن بعض الناس قد يرفع قراءته بالبسملة وغيرها رفعا يسمعه من عنده فنهاه أبوه عن ذلك وقال هذا محدث والقياس أن البسملة له ا حكم غيرها من القرآن في الجهر والإسرار (الثاني) جواب أبي بكر الخطيب قال ابن عبد الله مجهول ولو صح حديثه لم يؤثر في الحديث الصحيح عن أبي هريرة في الجهر لأن عبد الله بن مغفل من أحداث أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو هريرة من شيوخهم وقد صح أن النبي ص لى الله عليه وسلم كا ن يقول لأصحابه (1) المجموع شرح المهذب 3/343
عدد الصفحات ٤٨