الدت المكون العربيينحولات الشعر في ي 65 - اﻟ ﻌﺪد1 ﻳﻮﻧﻴﻮ ،2004 ونعتك أزمنة خفت وعظتك أجداث صمت تبلى وعن صور سبت وتكلمت عن أوجه ر وأنت حي لم تمت وأرتك قبرك في القبو 32(: ومن تكون النار مثواه ويل لمن لم يرحم الله ا حسرتى في كل يوم مضىي يذكرني الموت وأنساه وعاش فالموت قصاراه من طال في الدنيا به عمره قد كنت آتيه وأغشاه كأنه قد قيل في مجلس رحمنا الله وإياه صار اليسيري إلى ربه ي تنا، فذكرنا الأصدقاء فترحموا علينا، لقد يمكن أن نلحظ قسوة صورتنا وقد م تم نقل المتلقي إلى بعد زمني آخر، فالماضي ليس الذاكرة بل هو الحي المتكلم نفسه، والصورة يعيشها يوميا أمام جنائز الأصدقاء والجـيرة، لـكن أبا العتاهية يضع القبور بينه وبين المخاطب، ويمحي من النص، فيتحول الخطاب بين المتلقي والقبور نفسها، وهي موعظة صامتة، لا تتم بالكلمات بل بالصور والرموز. ويمكن أن تفجأ بقسوة خليفة أو حاكما في لحظات متعة وأنس فيبكي ويتأثر، فقد بكى 33(: غلب الرجال فما أغنتهم القلل باتوا على قلل الأجبال تحرسهم فأودعوا حفرا يا بئس ما نزلوا بعد عز من معاقلهمواستنزلوا أين الأسرة والتيجان والحلل ناداهم صارخ من بعد ما قبروا لك الوجوه عليها الدود يقتتل وأفصح القبر عنهم حين ساءلهم ت ففارقوا الدور والأهلين وانتقلوا ورا لتحصنهمقد طالما عمروا د في هذا النص ترسخ وامتد حتى جر المركب النصي غير أن المسعى الوعظي
عدد الصفحات ٦٥يحيى بن عباس. د 66 - اﻟﺘﺮاث ﺣﻮﻟﻴﺎت ﻣﺠﻠﺔ كله تحت ضغط الرغبة في إيصال رسالة جد مبسطة وواضحة إلى منحى مغاير، حول شعر الزهد تماما ونهائيا عن وجهته. فقد أدت النتيجة التي استخلصت من ول العبرة العامة والأولية إلى الانتقال إلى نتائجها وما ينجر عنها في السلوك، فتح التركيز من المؤثرات التكوينية الأساسية في العنصر الديني، إلى منظومة عقلية استقرت في إطار تعليمي لا يختلف كثيرا عن الشعر التعليمي المعروف، ولهذا قال أبو العتاهية حين تحدث عن شعر الزهد والأمثال والحكم الذي احترفه ي الشعر والغريب، وقال إن فأخرجه من دائرة اهتمام الملوك والمتخصصين ف 34(. ومنه فقد ضاقت المسافة بسبب التوجه التهذيبي بينه وبين شعر الأمثال، فنظمت قصائد زهدية كثيرة بنيت على التلقي العقلي والذهني لمضمون الرسالة الشعرية، جوزة مزدوجة طويلة لأبي العتاهية سماها )ذات الأمثال(، قيل وكانت مثلا أر 35(: ما أكثر القوت لمن يموت حسبك مما تبتغيه القوت من اتقى الله رجا وخافا الفقر فيما جاوز الـكفافا ر هي المقادير فلمني أو فذ ر إن كنت أخطأت فما أخطا القد ؤ ذي، وإن قل ألملكل ما ي م ما أطول الليل على من لم ين وخير ذخر المرء حسن فعله ما انتفع المرء بمثل عقله وهكذا، فإن التفاف الخطاب الشعري الديني على ذاته، تحول إلى بنية أسلوبية مباشرة، أبعدته من دلالاته التي بدأ عليها، وانتهى في كثير من الأحيان إلى وعظية.خطبة تهذيبية لق والمعرفة المباشرة:الاتجاه إلى المط إن الصورة التكوينية المرتبطة بالمعرفة الأساسية والإحساس، وهي مكونات ضرورية في العنصر الديني غابت عن مدونة الشعر الزهدي، ولـكنها انتقلت في صورة أخرى، أكثر عمقا وأشد ارتباطا بالإلهي في صورته المطلقة.
عدد الصفحات ٦٦الدت المكون العربيينحولات الشعر في ي 67 - اﻟ ﻌﺪد1 ﻳﻮﻧﻴﻮ ،2004 الذي كان أبو العتاهية وأضرابه يتوجهون بالنص الديني نحو النظم ففي الوقت - ري بعيدا عن المسار العام والممهد للفن الشع -ون ن يؤسسالزهدي، كان آخرو تكوينا جديدا لشعر ديني، أعاد عنصره الخام، حتى أن علاقته بالشعر الديني نفسه ي قد نتصورها دون فحص.محل نقاش، كما أن علاقة بشعر الزهد ليست بالقوة الت ظر في تأريخ القشيري للتصوف، فقد صنف أهل الديانة إلى صحابة ثم ولنن تابعين ثم أتباع التابعين، "ثم اختلف الناس وتباينت المراتب، فقيل لخواص الناس ممن لهم عناية شديدة بأمر الدين )الزهاد والعباد(. ثم ظهرت البدع، ريق ادعوا أن فيهم زهادا، فانفرد خواص وحصل التداعي بين الفرق، فكل ف أهل السنة، المراعون أنفاسهم مع الله تعالى، الحافظون قلوبهم عن طوارق الغفلة 36(. ومن السهل أن نستنتج من هذه الإفادة تفرقتهم الواضحة بين تعامل الشعر دي مع المكون الديني وحضوره في النص الصوفي، كما أنه يعتبر الصوفية الزه خواص أهل السنة، وأن مدار الموضوع كله هو القلب لا العقل، وهذا فرق أساسي بين المنحيين؛ لأن الزهد مسار انطلق من النص القرآني نفسه، فكان ا عقلنوا فيه سلوك المتنزهون يحذرون الدنيا بسبب عواقبها، ومنه بنوا تصورا شامل الزاهد وخلقه، بينما اتجه الصوفي إلى تأويل إحساسه وباطنه للعلاقة بالذات الإلهية نفسها. وقد أوضح أحمد أمين أن التصوف لم يظهر إلا بعد اختلاط المسلمين بأجناس وثقافات وديانات أخرى، فأبو يزيد البسطامي فارسي أدخل هـ( من أصل مسيحي فارسي هـ( العربية هـ فرط جمالها وحسنها يقول: "لو تمثلت المعرفة رجلا لهلك كل من نظر إليها ل 37(. إن هذه العبارة مهمة؛ فتركيز العنصر الديني في النص الصوفي على الذات الإلهية جعله يجردها من الهوية التي انبثقت عن المنظومة الإسلامية، فالله معبود
عدد الصفحات ٦٧يحيى بن عباس. د 68 - اﻟﺘﺮاث ﺣﻮﻟﻴﺎت ﻣﺠﻠﺔ بين تصور المسلمين وغيرهم له، هو فرق لا -في النهاية -الإنسان ككل، والفرق عور نحو الله أو تصوره العام، بل في الممارسة والتحديدات التي يكمن في الش ضبطتها كل عقيدة للذات الإلهية، ولـكن إذا تم تجريد التصور الإنساني للذات فإن -وهو ما يحدث في حال التواصل والتأمل -الإلهية من هذه التحديدات د. وهاهنا يلتقي التلقي البشري لشعور الإيمان والاتصال، وبالتالي التصوف واح النص الصوفي مهما كانت اللغة التي كتب بها، ومهما كانت الديانة التي تكون في إطار نظامها العقائدي؛ لأن الصورة المجردة لمفهوم الألوهية في النهاية واحدة. ويبدو أن هذه المسألة أساسية؛ لأنها تشرح التواصل الذي حدث بين التصوف التصوف في الثقافات الأخرى. لقد كان الحلاج الإسلامي ومختلف مدونات "واعلم أن اليهودية والنصرانية والإسلام وغير ذلك من الأديان هي ألقاب مختلفة وأسام متغايرة، والمقصود منها لا يتغير ولا يختلف". لأن تجاوز اسي الشاعر لأصول والشعائر الخاصة بكل عقيدة أو ديانة وانتقاله إلى ما هو أس في الدين كدين، ألقى له جسورا ليلتقي مع الممارسة الدينية في مستواها الداخلي وهو الحقيقي أو المقصود من الدين كله كما قال الحلاج، وقد عبر عن ذلك ابن 39(: فمرعى لغزلان ودير لرهبان لقد صار قلبي قابلا كل صورة وبيت لأوثان وكعبة طائف ر اة ومصحف قرآنوألواح تو ركائبه فالحب ديني وإيماني أدين بدين الحب أنى توجهت ت مرتبطة بديانات كباورغم أن له تفسيرا مغايرا للنص، إلا أن حضور مر أخرى، كون سياقا صدميا ومناوئا وعلى الخصوص في مجرى ديني بحت. بل إن 40(: ركبت البحر وانكسر السفينه ألا أبلغ أحبائي بأني ولا البطحا أريد ولا المدينه على دين الصليب يكون موتي
عدد الصفحات ٦٨الدت المكون العربيينحولات الشعر في ي 69 - اﻟ ﻌﺪد1 ﻳﻮﻧﻴﻮ ،2004 وتبعه رجل، فوجده في داره يصلي ويقرأ القرآن ويبكي، فسأله عن معنى هذا التناقض، فقال: "أن تقتل هذه الملعونة، وأشار إلى نفسه". فاعتناق دين الحب هو توسيع لظاهرة الإيمان نفسها أينما كانت، والموت على دين الصليب، إشارة إلى شدة التعلق بالمطلق، إلى حد الفناء. ومنه، فإن المدار كله على الحالة، حالة إدراك المطلق، التي تمنح معرفة لا تاج النص توفرها الممارسة الدينية العادية بالجوارح الظاهرة، ولا توفرها آليات إن العادي، ولا يوفرها النص المقدس أيضا إذا اعتبر ظاهرا فقط. فالنص الأدبي ولهذا لن ؛ ر ستكون شبه لمسافة التي ستفصل النثر عن الشعتكون إلا شعرية؛ أي أن ا منعدمة. نظور العام والأساسي للصوفية، والمتعلق إن شعرية هذه التجربة تشرح الم بالمعرفة، فقد التقوا جميعا عند قصور الوسيلة الحسية أو العقلية لإدراك المعرفة العرفان المرجوة، ومنه أهمية الوصول إلى وسيلة مباشرة لبلوغها، ويطلق عليها الناس لقد أوضح أبو علي الدقاق أن: " ، إما أصحاب النقل والأثر وإما أرباب العقل والفكر، وشيوخ هذه الطائفة الصوفية ارتقوا عن هذه الجملة. فالذي للناس غيب فهو لهم ظهور، والذي للخلق من ل الحق سبحانه موجود، فهم أهل الوصال والناس أهالمعارف مقصود، فلهم من موقفين مختلفين تماما، على الأخص والعبارة تؤسس تناقضا بين ال؛ أي الذوق، أو التجربة.بين الاستدلال المنطقي وبين الوص إن تجريد النص الشعري الديني من المستندات الدينية العادية، وتركيزه على المطلق، حوله إلى بنية مختلفة تماما؛ لأن التعبير عن تجربة غامضة ورؤى غير ب صدم الذائقة الأدبية العربية، ولم تتمكن الممارسة واضحة، أفضى إلى تبني أسلو النقدية والتشريع الأدبي السائد من مباشرته، بل اكتفت بإقصائه بعيدا عن المدونة الأدبية الموروثة، كما أنه بقي في الوقت نفسه تعاملا مع العنصر الديني انتشارها مختلفا عن تعامل الشعر الزهدي المعهود، وهي بالتالي تجربة، رغم
عدد الصفحات ٦٩يحيى بن عباس. د 70 - اﻟﺘﺮاث ﺣﻮﻟﻴﺎت ﻣﺠﻠﺔ وسيادتها قرونا، إلا أنه لم يكتب لها الاعتراف ضمن الدراسة الأدبية التقليدية. الهوامش: علي البطل: الصورة في الشعر العربي حتى آخر القرن الثاني الهجري، دراسة في أصولها 42. 185. م: المذاهب الأدبية الـكبرى في فرنسا، ترجمة فريد أنطونيوس، دار فيليب فان تيغ 12. وما بعدها وما بعدها 58-59. 92. 227. (، دار الشاطئأبو العلاء المعري: رسالة الغفران، تحقيق عائشة عبد الرحمن )بنت 535. .نفسه رة، القاه ، 21. 132. 9. 271. 183. 68. ، لقرن الثاني الهجري، دار المعارفمحمد مصطفى هدارة: اتجاهات الشعر العربي في ا 324. وما بعدها. ، 41.
عدد الصفحات ٧٠الدت المكون العربيينحولات الشعر في ي 71 - اﻟ ﻌﺪد1 ﻳﻮﻧﻴﻮ ،2004 139. 19. 302. 176. 97. 78. 111-112. ت(، مصر، )د. ، 59. 26-78. 214. 284. 411. 308. 474. 72. 38. عبد الـكريم القشيري: الرسالة القشيرية في علم التصوف، تحقيق معروف زريق وعلي عبد 389. 58. الحلاج: أخبار الحلاج مطبوع مع الديوان والطواسين، تحقيق محمد باسل عيون السود، 55. 43. 58. ووكالة المطبوعات الجامعية، دار عويداتمحمد أركون: الفكر العربي، ترجمة عادل العوا، يقول: "فمن حيث أن التصوف طريق تحقيق روحي، )الاتحاد ع أن ترقى حتى ونظام زهد يتوخى تحويلا جذريا للأنا النفسية إلى )أنا( عليا تستطي بالله(". ،
عدد الصفحات ٧١يحيى بن عباس. د 72 - اﻟﺘﺮاث ﺣﻮﻟﻴﺎت ﻣﺠﻠﺔ 251. المصدر وينظر، محمد عابد الجابري 251. References: 1 - Abbās, Iḥsān: Dīwān shi‘r al-Khawārij, Dār al-Shurūq, 4th ed., Cairo 1982. 2 - Al-A‘shā: Dīwān, Dār Beyrout, Beirut 1980. 3 - Al-Baṭal, ‘Alī: As-ṣūra fī a sh-shi‘r al-‘arabī ḥattā ākhar al-qarn ath-thānī al- hijrī, Dār al-Andalus, 2 nd ed., Beirut 1981. 4 - Al-Ḥallāj: Akhbār al-Ḥallāj, edited by Muḥammad Bāsil ‘Uyūn al-Sūd, Dār al- Kutub al-‘Ilmiyya, 1st ed., Beirut 1998. 5 - Al-Jābirī, Muḥammad: Bunyat al-‘aql al-‘arabī, Markaz Dirās āt al-Waḥda al- ‘Arabiyya, 6th ed., Beirut 2000. 6 - Al-Ma‘arrī, Abū al-‘Alā’: Risālat al-ghufrān, edited by ‘Ā’ isha ‘Abd al-Raḥmān, Dār al-Ma‘ārif, 6th ed., Cairo 1977. 7 - Al-Qalamawī, Suhayr: Adab al-Khawārij fī al-‘aṣr al-’umawī, Lajnat al-Ta’līf wa al-Tarjama, Cairo 1945. 8 - Al-Qushayrī, ‘Abd al-Karīm: Al-risāla al-qushayriyya fī ‘il m as-ṣarf, edited by Ma‘rūf Razzīq and ‘Alī ‘Abd al-Ḥamīd, Dār al-Jil, 2 nd ed., Beirut (n.d.). 9 - Amīn, Aḥmad: Ḍuḥā al-Islām, Dār al-Kitāb al-‘Arabī, 10th ed., Beirut. 10 - Arkoun, Mohammed: Al-fikr al-‘arabī, (La pensée arabe), translated by ‘Adil al-‘Awwā, Dār Oueidat-OPU, 2nd ed., Beyrouth-Alger 1982. 11 - Ḍayf, Shawkī: Al-‘aṣr al-‘abbāssī ath-thānī, Dār al-Ma‘ārif, Cairo (n.d.). 12 - Ḍayf, Shawkī: Al-‘aṣr al-islāmī, Dār al-Ma‘ārif, 8th ed., Cairo (n.d.). 13 - Ḍayf, Shawkī: At-taṭawwur wa at-tajdīd fī ash-shi‘r al-’um awī, Dār al- Ma‘ārif, 6th ed., Cairo (n.d.). 14 - Haddāra, M. Mustafa: Ittijahāt ash-shi‘r al-‘arabī fī al-q arn ath-thānī al-hijrī, Dār al-Ma‘ārif, 2nd ed., Cairo (n.d.). 15 - Huisman, Denis: ‘Ilm al-jamāl, (L'esthétique), translated by Ẓafar al-Ḥassan, SNED, 2nd ed., Alger 1975. 16 - Ibn ‘Arabī, Muḥyī al-Dīn: Tarjumān al-ashwāq, Dār Beyrout, Beirut 1981. 17 - Ibn Ja‘far, Qudāma: Naqd ash-shi‘r, edited by Kamāl Mustaf a, Maktabat al- Khānjī, 3rd ed., Cairo. 18 - Ibn Qutayba: Ash-shi‘r wa ash-shu‘arā’, edited by Mufīd Qu mayḥa, Dār al- Kutub al-‘Ilmiyya, Beirut.
عدد الصفحات ٧٢الدت المكون العربيينحولات الشعر في ي 73 - اﻟ ﻌﺪد1 ﻳﻮﻧﻴﻮ ،2004 19 - Ibn Thābit, Ḥassān: Dīwān, Matba‘at al-Imām, Egypt (n.d.). 20 - Nallino, Carlo Alfonso: Tārīkh al-adāb al-‘arabiyya, Dār a l-Ma‘ārif, Cairo 1945. 21 - Van Tieghem, Philippe: Al-madhāhib al-adabiyya al-kubra fī Farança, (Les grandes doctrines littéraires en France), translated by Farīd A ntonius, Dār Oueidat, 2 nd ed., Beirut 1982. o
عدد الصفحات ٧٣مجلة حوليات التراث
عدد الصفحات ٧٤التراث حوليات ،مجلة العدد1،2004 ص ،75 - 82 ISSN 1112-5020 اﻟﻨﺸﺮﺗﺎرﻳﺦ1/6/2004 bouzid_nadjet@yahoo.fr © الجزائر مستغانم، جامعة2004 الشعر العربي الإسلامي بين الإخلاص الديني والالتزام الوطني نجاة بوزيد جامعة مستغانم، الجزائر الملخص: إن الشعر العربي الإسلامي ينطلق دائما من رؤية إسلامية ترتكز على التصور الديني ن أصالة للقضايا الفكرية والثقافية والاجتماعية للأمة العربية الإسلامية، والمنبثق أساسا ع الوعي الديني لهذا الشعب، لذا سأحاول أن أقف من خلال بعض المحطات الشعرية عند مهمة الشاعر التي أيقظتها الرغبة في تصحيح العلاقة المتوترة بين العقيدة والأدب، وضرورة الإخلاص لها من أجل خدمة المصلحة العامة من جهة، وتحقيق شعرية النص باعتباره خطابا مشفرا من جهة أخرى، حتى يصبح متميزا عن الوثيقة المباشرة الحاملة لأوامر ونواه تواصليا هي من مهام مختصين. الكلمات الدالة: .الوعي الديني، الإخلاص، الشعر العربي، العقيدة، شعرية النص o Arab Islamic poetry between religious devotion and national commitment Nadjet Bouzid University of Mostaganem, Algeria Abstract: Arab-Islamic poetry always stems from an Islamic vision that is based on the religious perception of the intellectual, cultural and soci al issues of the Arab Islamic nation, and stems mainly from the authenticity of the r eligious awareness of this people. Therefore, I will try to stand through some poe tic stations at the poet’s mission that was awakened by the desire to correct the t ense relationship between belief and literature, and the need for devotion to it in order to serve the public interest on the one hand, and to achieve the poetici ty of the text as a c o m m u n i c a t i v e a n d c o d e d d i s c o u r s e o n t h e o t h e r h a n d , i n o r d e r for it to be distinguished from the direct document carrying orders and its intent, it is the
عدد الصفحات ٧٥بوزيد نجاة 76 - اﻟﺘﺮاث ﺣﻮﻟﻴﺎت ﻣﺠﻠﺔ task of specialists. Keywords: religious awareness, sincerity, Arabic poetry, creed, poetic text. o إن منطلق الشعر العربي الإسلامي هو الالتزام المحكوم بقيم الإسلام ومبادئه، لارتباطه القديم بالعروبة والإسلام، وبالثوابت والأصول الدينية التي تجعله يؤدي دورا رساليا لخدمة الأمة الإسلامية، وفق تصور إسلامي للحياة والـكون. ة في تاريخنا العربي ولهذا كانت ريادة هذا الضرب من الشعر ممتد الإسلامي، وشاهدة على دوره في تأريخ وحتى تأسيس الثقافة العربية الإسلامية بشكل يدعو للإعجاب والذهول أمام مهمته النبيلة التي وجهها الإسلام لخدمة المسلمين عامة. لقد اعتمد العربي قبل مجيء الإسلام على منطق العنف الذي كان يحكمه لاقتصادي، بفرض السطو والغارة على الخصم في محاولة لإثبات ويغذيه الوازع ا الذات والتعبير عنها، وفرض السلطة والمكانة في المنطقة. وصاحب الشعر هذا العربي في التعبير عن هذا الهاجس الذي يشكل دعامة أساسية في تشكيل شخصيته، وميزه عن بني البشر في أقطاب المعمورة. بة الرسول صلى الله عليه وسلم للشرك والمشركين وبمجيء الإسلام ومحار تأسست دعائم جديدة للحياة العربية، وقلبت النظام السائد واستبدل الخبيث بالطيب، في الوقت الذي لقيت دعوته معارضة قريش، التي تدعمت بشعر شعرائهم المشركين، الذين حاربوا الإسلام ورسالته لأنهم شعروا بتزعزع نظامهم، ف سلطانهم فعارضوا بمختلف الطرق والوسائل.وارتجا وقد رد القرآن عليهم بليغا وصارما، فأسكت البلغاء وحير الفصحاء بإعجازه اللغوي، فأبدت الآية الـكريمة "والشعراء يتبعهم الغاوين ألم ترى أنهم في كل واد وون موقفا سلبيا رافضا الشعر لأن الغا ،
عدد الصفحات ٧٦الوطني والالتزام الديني الإخلاص بين الإسلامي العربي الشعر 77 - اﻟ ﻌﺪد1 ﻳﻮﻧﻴﻮ ،2004 هم الضالون من الشياطين والإنس "وقيل هم شعراء قريش عبد الله بن الزبعري وهبير بن أبي الصلت، قالوا نحن نقول مثل محمد، وكانوا يهجونه ويجتمع إليهم 2(. ه الشعر حتى أن الله أبعد في محكم تنزيله أن يكون الرسول شاعرا "وما علمنا وأن يكون القرآن شعرا بعدما ادعى عقبة بن أبي محيط أن 4(. من سورة الشعراء" استثنت الشعراء الذين قبلوا إرساء ، د الله بن رواحة وحسان بن ثابت والـكعبان كعب بن حيث أن المستثنين هم عب مالك وكعب بن زهير الذين شجعهم الرسول صلى الله عليه وسلم وهم شعراء الدعوة الإسلامية، الذين دافعوا عنه صلى الله عليه وسلم وكافحوا هجاة قريش. حث به الرسول صلى الله عليه وسلم كعب بن مالك إلى دور الشعر في زعزعة وبذلك كان الإسلام رافضا لكل مظاهر العنف والانحراف التي طالما شجعها الشعر الجاهلي. لقد اعتبر تشجيع الرسول لهذا النوع من الشعر دعوة إلى تهذيب الشعر ل القيم السلبية، وتقضي على التغني وتغذيته بالمفاهيم الإسلامية النبيلة التي تنبذ ك بمفاخر الجاهلية، وتحث على الإعراض عن الهجاء إلا للانتصار لدين الله. فكانت دعوته صريحة في قوله: "إنما الشعر كلام مؤلف فما وافق الحق منه فهو حسن وما 7(. قيا للحركة الأدبية الملتزمة، تعتبر هذه الشهادات والتحفيزات، تفعيلا حقي التي غلف فيها الشعر بالقيم الإيجابية والردود العملية على تحدي ومجابهة المشركين، وأصبحت المعطيات الجديدة التي قدمها الإسلام منبع الشعر المدعم والناصر لهذا الدين والمحارب للشر والفساد. كما كان نقد الرسول صلى الله عليه وسلم تقويما وتصحيحا لمهمة الشعر الهادف. فها هو عليه الصلاة والسلام يعجب بشعر النابغة
عدد الصفحات ٧٧بوزيد نجاة 78 - اﻟﺘﺮاث ﺣﻮﻟﻴﺎت ﻣﺠﻠﺔ 8( :وكان شعره يقول إذا لم يكن لهم بوادر تحمي صفوة أن يكدرا ولا خير في حل إذا م ولا خير في جهل إذا لم يكن محلير اا أورد الأمر أصد لقد عرفت الساحة الأدبية شعراء دافعو، عن الإسلام والمسلمين وأسسوا بة الشعرية العفيفة والبعيدة عن الـكذب والتلفيق، فكان حسان بن ثابت كتالل حاضرا كلما دعاه الرسول صلى الله عليه وسلم ليرد على المشركين والشعراء منهم ل بها. حيث دعا له الرسول بالجنة والوقاية من النار فكان في مستوى المهمة الموك 9(: لعرض محمد منكم وفاء فإن أبي ووالده وعرضي فكريا وثورة تصحيحية إن من نتائج تمسك المسلمين بدينهم أن أحدثوا تغييرا عن السلبيات والخرافات لما كان سائدا، حيث ارتقى العربي بالإسلام وتسامى والأباطيل والحمية التي كانت من عمق التفكير الجاهلي، ووجه الشاعر هدفه في خدمة الدعوة، فسجل أحداث الغزوات والفتوحات بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، ودعا إلى الجهاد وتقديم النفس فداءا لدين الله. ب الله وسنة رسوله، كتامن وبعد تغلغل وتمكن الفكر الإسلامي النابغ أسس المسلمون لبناء حضارتهم ووجهوا فكرهم إلى التأمل والتدبر في الـكون وموجده. واعتمدوا في حل وتحليل قضايا الوجود والموت والحياة على العقل، فكان طلب العلم أسمى الغايات عندهم، حيث حرك الإسلام ذلك العقل الجامد والبرهان في الـكشف عن أسرار الخلق والوجود. وكان نحو التفكير واعتماد الحجة الشعر ناطقا رسميا لكل المناحي الفكرية والسياسية والثقافية عندهم، لأنه تدعم وتأسس بأسس متينة فرضها الإسلام فكانت المعاني الإسلامية محك جودة الشعر أو رداءته. المجموعة )ظهور وبفعل تطور الحركة الأدبية والنقدية، وظهور فنون القول
عدد الصفحات ٧٨الوطني والالتزام الديني الإخلاص بين الإسلامي العربي الشعر 79 - اﻟ ﻌﺪد1 ﻳﻮﻧﻴﻮ ،2004 أجمع الـكثير على ضرورة الالتزام بالصدق في المديح وفي المعاني وإصابة اللغة. وتجاوزت مهمة الشاعر مجال العقيدة لتشمل مناحي أخرى مشكلة للحياة لغاها ونبذها، أالعربية والإسلامية، وشهد الشعر عودة أغراض كان الإسلام قد لـكن ظل التزام الشعر الديني حاضرا وقويا دعمته جماعات الزهاد التي ابتعدت عن حياة المغريات والملذات، والزُهد عنها. وساعدهم في ذلك شدة التدين والانصراف إلى تهذيب السلوك الإنساني وتربية النفس على القيم العليا. إلا أن ط، بل كان داعيا إلى استيفاء مسؤولية المسلم هدفهم لم يكن موقوفا على هذا فق تجاه الله والمخلوقات حيث وظف الشعراء منهم شعرهم لتربية المجتمع وإصلاحه. ولنا من النماذج ما يمثل هذا الاتجاه أحسن تمثيل، إذ كان أبو العتاهية متقدما في 11(. دخار الثواب عند الله يقول أبو العتاهية داعيا إلى حسن التصرف بالمال وا تعالى: تملـكه المال الذي هو مالـكه إذا المرء لم يعتق من المال نفسه وسلـكت جماعات المتصوفة سبيلا جديدا في فرض الشعر، حيث أعطت شكلا جديدا يبحث في الوجود والتوحد مع الذات الإلهية والاستعانة بالنور دما اعتبرت الخيال كشفا عن نوع الإلهي. فعمقت هذه الجماعات دور الشعر، عن مهم من المعرفة والحقيقة، وكانت فكرة الخلق الشعري عند ابن عربي مثلا تماثل في جوهرها فكرة خلق العالم كتجسيد لتجلي الخالق في خلقه. لقد تمكن شعراء التصوف من استثمار إمكانيات اللغة البلاغية لتشكيل ن، وساهم هذا الشعر في بلورة الأفكار عناصر الرؤية الفلسفية والفنية للـكو الصوفية في الأشعار غير العربية كالفارسية مثلا، في الوقت الذي أخذ من نظريات مستوحاة من ثقافات قديمة غير إسلامية أسست للفكر الصوفي، وبذلك فتحت الصوفية أفقا واسعة للرسالة الإسلامية وأحاطتها بالدفء والمشاعر النبيلة.
عدد الصفحات ٧٩بوزيد نجاة 80 - اﻟﺘﺮاث ﺣﻮﻟﻴﺎت ﻣﺠﻠﺔ للتصدعات التي عرفتها الحضارة العربية الإسلامية دورا في لقد كان تشعب الثقافات الوافدة إليها والمؤثرة في مسار تفكيرها. ومن الطبيعي أن يتأثر الشعر بالتيارات المؤسسة لهذه الثقافات ويدخل في ضوائق المذهبية التي سطرت أهدافا مختلفة للأدب، حتى يكون في خدمة واده بين من يدعو للحفاظ على الشعر العمودي وما يتبعه من مبادئها، وتنوع ر شعر الأحياء ومن يدعو إلى الشعر الرومانسي والإبحار باتجاه العاطفة البشرية. وبدأ الحديث عن أدب وجودي وماركسي وشيوعي، فانبثقت الواقعية الاشتراكية مثلا من منظور مادي وأوغلت السريالية في الحث عن الطبقات عيدة للنفس والبشرية.الب وعرفت القصيدة العربية أشكالا متعددة، خاصة بعد ظهور الشعر الحر ومدارسه ثم قصيدة النثر، وأثريت قضية أزمة الشعر، أي الاتجاهات والأشكال أكثر تشكيلا لهذه الأزمة، وكيف بدأت وما هو مصدرها. لـكن ما يجب اته فلن يفقد خصوصيته إذا ما الإشارة إليه هنا أن الشعر ولو اختلفت اتجاه حافظ على بناء مكتمل يجمع بين المعرفة الجمالية والرؤية الفلسفية والمضمون الفكري والموقف الصادق والصريح. فالشعر العربي الحديث، باختلاف أشكاله تضمن كل هذا، ولازال جزء يحمل كبير من الشعراء يحرص على بقاء الدور الرسالي للشعر، وبخاصة إن كان في جنباته ارتباطا بالموروث الأصيل واستمرارية مع كل حديث نافع. لأن التجديد ضرورة واستجابة حقيقية لمتغيرات العصر، ونحن كما يقول مشري بن 12(. أن ينحصر في فنيتها بل بة الشعرية رسالة لا يجبكتالـكن مع الإيمان بأن ال يتجاوزها إلى أبعد من ذلك. فالأدب "هو التغيير عن تجربة شعورية في صورة وبذلك يكون ما قاطع مع الاجتهاد في ٺتيجمع الشعراء العرب المسلمين تحقيق المنفعة الإنسانية التي جمالية التي تحققها قدرة الشاعر وبراعته في الأداء.تشكيل القيم ال
عدد الصفحات ٨٠