13 إن الدعوة لقيام " مجتمع إسلامي تكنولوجي ، و بدء عصر "تكنولوجيا إسلامية " إنما هو استمرار طبيعي لموقف الإسلام المفتوح من معطيات العلم في آفاته . إن " التكنولوجية الإسلامية " التي ترتبط – بطبيعة الحال – بخلفيتها الإيمانية تُعد " ضرورة مُلحة" ليس فقط على مستوى الجماعة الإسلامية نفسها ، و لكن على مستوى البشرية عامّة ، لأنها ستعرف كيف تتحرك و تنضبط على هدى القيم الدينية و الإنسانية القادمة من عند الله ، فتكون حقّا في خدمة الإنسان الذي عانى الكثير من تكنولوجيا الكفر ، و العرقية ، و الأنانية ، و العصيان 1 إن قضيتنا الإسلامية قضية حضارية ، تستلزم مشروعا حضاريا ، و هي أبعد من كونها مجرّد وصول إلى الحكم ، و أبعد من كونها مهمّة علميّة أو إغاثية ، أو إصلاحا اجتماعيا . و مثلما حرص التوجيه النبوي الكريم على التأصيل لقيمة العمل ، فإنه أصل أيضا لقيمة الإتقان في نفوس المسلمين و ذلك عملا على الارتقاء بمستوى الأداء الإسلامي لكل عمل وقول . و تعليقا على حديث الإتقان الوارد في الباب ( إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة ،وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح ...) يقول صاحب كتاب"حسن السلوك":( وإنما ذكر صلى الله عليه وسلم القتلة و الذبح لأنّهما الغاية من الفاعل في أذى الحيوان و لا يبقى بعدهما للإحسان وجه . فإذا كان مأمورا بالإحسان في فعل ما هو الغاية في الأذى ، فكيف بغير ذلك !؟ ، فالإحسان مأمور به على كل حال ) 2 . وقال ابن دقيق العيد : ( و هذا الحديث من الأحاديث الجامعة لقواعد كثيرة ) 3 . 1 - انظر : الوسيط في الحضارة الإسلامية333- 334 ) 2 -حسن السلوك الحافظ لدولة الملوك لمحمد بن محمد عبد الكريم الموصلي الشافعي (ت334هج - دراسة وتحقيق وتعليق الدكتور فؤاد عبد المنعم أحمد – ص( 111. ) 3 – شرح النووي على صحيح مسلم13/1.3. )
عدد الصفحات ١٧14 وقال ابن حجر الهيتمي : ( و هذا الحديث قاعدة من قواعد الدّين العامة ،فهو متضمّن لجميعه ، لأنّ الإحسان في الفعل هو إيقاعه على مقتضى الشرع كما مرّ . ثم ما يصدر عن الشخص من الأف عال إما أن يتعلق بمعاشه و هو سياس ة نفسه و بدنه و أهله وإخوانه و ملكه و باقي النّاس ، أو بمعاده و هو الإيمان الذي عمل القلب ، والإسلام الذي هو عمل الجوارح . فمن أحسن في هذا كلّه وأتى به على وفق السداد و الشرع ، فقد فاز بكل الخير و سلم من كل ضير ) 1 . ومن ملامح المنهج النبوي في التربية الإبداعية و الترقي بالأعمال إلى أِى المراتب ، أنه صلى الله عليه وسلم كان يربي أصحابه على روح التّأمل إلى خلق الله في كونه و أبدع في صنعه ، فكان يلفت نظرهم على الجمال و الإتقان الرّبانيين في مُّلوقاته و مصنوعاته ، وهو ما يعبرّ عنه الخطاب القرآني غالبا ب(التّحسين):ففي ( خلق الإنسان ) نبه القرآن الكريم إلى الإبداع في خلقه ، فقال تعالى:{ويصيوَّريكُمْ فيأيحْسيني صُويريكُمْ}2. و في ( خلق الكون ) نبّه القرآن إلى دقّة صنعة البار ي عزّ وجل و جمالية خلقه : {ضي ميديدْنياهيا ويأيلْقييـْنيا فِيهيا ريوياسِيي ويأينبيتـْنيا فِيهيا مِن كُلِّ زيوْجٍ بهيِيجٍ {7} لِكُلِّ عيبْدٍ مُّنِيبٍ 2} } ق . { فيأينبيتـْنيا بِهِ حيديائِقي ذياتي بـيهْجيةٍ مَّا كياني ليكُمْ أين تُنبِتُوا شيجيريهيا أيإِليهٌ مَّعي الل هِ بيلْ هُمْ قـيوْمٌ يـيعْدِلُوني }2. فأينما قلّب الإنسان بصره وجد جمال الصنع و بديع الخلق ..! {337 ) لذلك تركزت الدعوة الإسلامية على إعداد و تكوين الصفوة و النّخبة و تهيئتهم ليكونوا كفاءات في خدمة أمتهم ، من خلال الاعتماد عليهم في حركة البناء و الإعمار و الترقي نحو آفاق التمكين وإعزاز الأمّة و الدّين . 1 – الأربعين حديثا النووية بشرح ابن دقيق العيد (ت3.2هج) ,ص32. ) 2 – فتح المبين لشرح الأربعين لأحمد بن حجر الهيتمي134هج) , ص162. )
عدد الصفحات ١٨11 ( فالمتميّزون ركائز أساسية و ضرورية لكل مجتمع متقدّم ، فهو ينتجون المعرفة الإنسانية و يطورونها و يطوعونها للتطبيق ، و هم الأمل في حلّ المشكلات التي تعيق التّقدم الحضاري ، وهم القوّة الدافعة نحو التّقدم و يتم أداء هؤلاء المتفوقين في سياق اجتماعي يُيط بالفرد في مراحل عمره المختلفة ، فإمّا أن يعمل هذا السياق الاجتماعي على تشجيع و تسهيل الأداء الإبداعي فينميه و يدفعه للظهور ، أو يعيق ظهوره و يمنع استمراره ،و تتمثل ضخامة الخسائر في الثروة الإنسانية في أطفال بالغين لا يجدون تشجيعا على إظهار هوايتهم. و نظرا لأنّنا نعيش في عصر يتّسم بالتّفجر العلمي والمعرفي و التطور التقنَ والتغيرّ والتقدم المتسارعين ، فإن دول العالم المتقدم تتسابق للسبق في ميدان التقدم في مُّتلف مجالات الحياة ، و هنا يبرز دور العملية التربوية المنظمة و المخططة في تنمية الإبداع وتطويره ،وذلك من خلال توفير المناخ الملائم للترّبية الإبداعية التي تجعل من المتعلم متميّزا في فكره و قوله و عمله 1 . وفي هذه المرحلة الحرجة من حياة أمّتنا، وفي هذه الأزمنة الرّديئة التي طوّقتنا فيها أغلال العجز والتخاذل و الوهن، حين صار ( فشل البرامج ) و( رداءة الأعمال ) و(تحكم المهازيل) ِة غالبة على أمّتنا ، حتّ صرنا نجزم بأنها مرحلة ( القصعة ) التي تتداعى علينا فيها الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها . في هذه المرحلة الحرجة لا انعتاق لنا من هذا الحال الذي يدمي القلب إلاّ بالعمل جديّا و عمليا على " كينس " كل مظاهر الرّداءة و دواعيها و مشجعيها ، لأنّ الأمم التي بلغت شأوا في التحضر و الرّقي و القوة والمنعة – حتّ أوصل بعضها إلى الغطرسة و التجبرّ الذي لم يعرف ل ه التاريخ مثيلا – لم تبلغ هذه القوة والمنعة إلاّ بشنّ حرب على " الرّداءة " ..! وها هو وزير التعليم الأمريكي ( بتريل بل ) سنة ( 3329م) يقول ( لو أن قوة معادية فرضت تعليما متدنيا على الشعب الأمريكي لاعتبر ذلك مدعاة للحرب !) 2 1 –سورة غافر: (64. ) 2 – انظر: تربية الموهوبين والمتفوقين– لماجدة السيد عبيد , ص(14. )
عدد الصفحات ١٩20 وعلى هذا الأساس فإن الذين يعدّون رداءة التعليم بمثابة إعلان حرب ضدهم يجعلنا نتساءل : ماذا عسانا نقول و نحن نرى الرّداءة في كل شبر و في كلّ ثغر من ثغور حياتنا !؟ إنه إعلان بالفناء إن لم نستعجل النهوض و القيام ..! إن بلوغ الأعمال ذروة الكمال ، وتأصيل سلوك ( الإتقان ) في التركيبة النفسية و العقلية و الوجدانية للمسلم المعاصر أمر في غاية الأهمية ، لأن ذلك تخليص للعقلية المسلمة التي أصبحت تعتقد بأن الرّداءة ( قدر) محتوم علينا ، بينما (الجودة) و(الإبداع ) و(الإتقان) هو سلوك ( الآخرين ) من غير العرب و المسلمين ..!! . و لنأخذ هذا المثال ، نقارن به حالنا بحال دولة (كاليابان ) : كيف كانت ، و ماذا أصبحت ؟ و كيف كنّا و ماذا أصبحنا ؟ ( اليابان تلك الدولة التي خرجت من الحرب العالمية الثانية خائرة القوى بعد ضرب أرضها بالقنابل الذّرية ، لم تعد العدّة لردّ الصاع صاعين بل تذكّرت مرسوما أصدره زعيمها " طوكوجاوا" ينصّ على تعلّم فنون السلام يعدّ مساويا تماما لتعلّم فنون القتال ..! و كان هذا وفاء لعهد الإمبراطور " ميجي " لشعبه حين قال : إن المعرفة سوف يبحث عنها و يقتفي أثرها في كلّ أنحاء العالم ... ودارت الأيام ، فإذا بنا نبتعد عن الدين و عن منابع عقيدتنا الإسلامية السمحاء ، و نستبدل بعزّة المؤمنين ذلّة الجاهلين ، و بعلم الرّجال خزعبلات أشباه الرّجال ، و يختفي من تاريخنا اسم صلاح الدين ، و العز بن عبد السّلام ، لتظهر أِاء أفراد لا لون لهم و لا عزيمة و لا جهاد ، و تبدأ أوروبا التي حملت معها شرقنا العربي المسلم كثيرا من الأفكار عن العلم . و عمّا يصنعه في عقول النّاس و في حياتهم و مستقبلهم ، و تقول جامعة هنا ، و مدرسة هناك ، و يرصّف طريق هنا و يُبنى مستشفى هناك ، و تدعم مؤسسات الدولة بأفراد ينهلون من العلم ويعملون به، فيتقدّمون و يتقدّم المجتمع كله من حولهم ..
عدد الصفحات ٢٠21 ويذهب أبناؤنا إلى هناك ، فيبدو على بعضهم علامات الدهشة و التّعجب والانبهار حين يجدون عربة ترش الماء في الشوارع طالبا لشيء من النظافة ، و نسوا ما كان يجري في بغداد في عصرها الذهبي من أعمال للنظافة ك انت غيبا بالنسبة لأوروبا آنذاك ..!، ورأوا مستشفيات تداوي المرضى و من اهتمام بشؤونهم ..! ورأوا طلاب العلم يسعون إلى مظانّه ينهلون من منابعه الصّافية فأعجبوا و نسوا ما كان يجري في دار الحكمة في بغداد من ترجمة و تأليف ، وما كان يجري في الأزهر من حلقات للدرس على يد شيوخ علماء ، ومن إنفاق على طالبي العلم ..! ومن بين أنقاض هيروشيما و ناكازاكي خرج العملاق الياباني برأسه مرّة ثانية ،و أفرغ جهده و قوته وعزيمته في أمور أخرى غير الحرب : في العلم و التربية و الإبداع والتقدم ، بإصرار ، بعد توفير ما كان ينفقه على الحروب ووضعه في قنوات العلم و التربية ، فتنفق على التربية من ميزانيتها القومية ما نسبته ( 34 )%1 . أنّ التربية الإبداعية هي الوسيلة الأساسية لكل ابتكار و إتقان و إحكام و تقدم في الميادين العلمية والصّناعية و الإدارية و المهنية ،ولن نستطيع اليوم السير مع ركب التقدم في الاختراعات الحديثة ، و السبب أننا لا نربي رجالا وشخصيات يمتازون بالقدرة على الإبداع و الاختراع و الابتكار في مجال تخصصاتهم . و لا بد لنا من الخروج من دائرة التهمة بأنّ التربية الإسلامية لا تكوّن رجالا و شخصيات عندهم ر وح الاختراع و الإبداع و الابتكار، وإنمّا تكوّن شخصيات ليس عندهم سوى روح الالتزام بالماضي لأنهّم يعتقدون أنّه ليس في الإمكان أبدع ممّا كان ..!! ولهذا فهم عاجزون عن الإتيان بجديد ، وانعدمت عندهم روح الإقدام و الإبداع ، وتشكّلت شخصياتهم بقالب لا يستطيعون الخروج عنه2. إن التربية الإبداعية هي الملاذ الذي ييعصمُنا من حالة الانحدار و الاندحار التي تلبّسنا بها ، فهي الوسيلة العلمية العملية التي تخرجنا من هذا التخلّف الحضاري المقيت الذي وقعنا فيه . 1 – دراسات في التنمية البشرية المستدامة في الوطن العربي , إعداد مجموعة من الباحثين طبع بيت الحكمة – بغداد – الطبعة الأولى –أيار- مايو (2..1م) ص226. ) 2 – التربية في اليابان المعاصرة , تأليف ادواردن ر.بوشامب , ترجمة : د/محمد عبد العليم مرسي , ص1 ).
عدد الصفحات ٢١22 فالمسلمون ملزمون بتنمية أنفسهم و تطويرها ليقولوا قولا سديدا ويعملوا عملا صوابا ، وينجزوا أمورهم بإتقان ، وإلاّ فإنّ سنّة الله في كونه وخلقه لن تترك الكون و الحياة بيد المهازيل و لو كانوا مسلمين ..! فستتدخّل سنّة ( الاستبدال ) حينئذ لتأخذ مكانها ييسْتيبْدِلْ قـيوْماً غييـْ ريكُمْ ثمَُّ لاي ييكُونُوا أيمْثياليكُمْ 92 1 . وقد اعتبر سعيد حوى رحمه الله وجود أهل الاختصاص المهرة واحدة من بين شروط – رآها -لتحقيق ارتقاء حضاري ،فقال : ( ونمو مدنية ما وارتقاؤها لا يتوقف على ثقافتها دائما ،بل يتوقف على عوامل كثيرة ، قد يكون إحداها الجانب الثقافي وقد لا يكون ، وهذه العوامل هي : - استغلال الطاقات الكونية الظاهرة والباطنة استغلالا تامّاً . - الاستفادة من الوقت استفادة تامة . - وجود الإنسان المختص الماهر في اختصاصه . - كفاية الاختصاصات لكل حاجات الأمّة . - حكم يؤمّن استقرارا . وعل مقدار نمو هذه الجوانب وتكاملها يكون رقي مدنية ما ، و بمقدار ضمور هذه الجوانب أو بعضها يكون ضمورها ) 2 . وقد سبق في التأصيل لذلك عالم الاجتماع المسلم ابن خلدون رحمه الله حين جعل قيمة الإنسان مرتبطة ارتباطا وثيقا بنوعية عمله وشرفه بين الأعمال ، فقال: (إن الكسب الذي يستفيده البشر إنما هو قيم أعمالهم ، ولو قدّر أحد عُطّل عن العمل جملة لكان فاقد الكسب بالكلية ، وعلى قدر عمله وشرفه بين الأعمال وحاجة الناس إليه يكون قدر قيمته ، وعلى نسبة ذلك نمو كسبه أو نقصانه ) 3 . 1 – انظر : جوانب التربية الإسلامية الأساسية , د/مقداد يالجن , ص441) 2 – إعداد الكفاءات وحسن توظيفها في ضوء السنة النبوية,د/ نور الدين بن يربح ,ص2.6.) 3 – "الإسلام " لسعيد حوى , ص111. )
عدد الصفحات ٢٢23 إن الأمة لا تقوم على أنصاف المتعلم و لا على أشباه المتخصصين، لأنّ الإتقان لا ينبع من بين يدي هؤلاء ، ففاقد الشيء لا يعطيه ، بل إن تمكين هؤلاء هو تمكين للرّداءة و الهشاشة . حتّّ لقد قيل:( نعوذ بالله من نصف فق يه ونصف طبيب،فإن الأول يفسد الدين، و الثاني يفسد البدن !! ) 1. وإن قصورنا في عملية ( الإتقان ) هو ما جعلنا في مؤخرة الأمم من حيث الجودة و التصنيع ،ولو ألقينا نظرة من حولنا إلى ما نستهلكه – مثلا – من أجهزة إلكترونية و غيرها سنُصاب بالذهول حين نجد أنّ مساحة عطائنا في هذه ( الصناعات ) لا يكاد يُذكر ..!! و سنذكر هنا مثالين ، أحدهما تفوّق غيرنا في الاستثمار البشري و السيطرة على (العقول ) (المتقنة) . و الثاني هو تفوقهم في الصناعات الدقيقة و الحساسة . الأول أننا إذا تأملنا غير المسلمين وجدناهم يمت لكون من القدرات البشرية التي تصنع (الإتقان) وتبدع في الجودة ، وهم أصحاب العقول و المهارات الفائقة ، إذ تشير الدراسات بأن توزيع الباحثين و العلماء و المهندسين يتركز على النحو التالِ : 1 – المقدمة31. ).
عدد الصفحات ٢٣24 (03،6%) فقط من هذه العقول و القدرات البشرية هو ما تملكه الدول النامية( و معظم – إن لم نقل كل – الأمة الإسلامية ضمن الدول النامية ) ، مقابل ) %87،4 ( ممّا تمتلكه الدول الصناعية من هذه العقول 1 . الثانيأن غير المسلمين قد استأثروا بأعلى النسب في الإبداع والتصنيع في أدق و أعقد الصناعات ، بينما عطاء المسلمين يكاد ينعدم ، و الجدول التالِ يوضح ذلك : 2 المجال التقني نسبة حصة الدول المتقدمة التقنية الجوية 99،1% حاسبات 32 % إلكترونيات 35،9 % تقنيات المعلومات %93،3 طيران 96،9% المعدات الكهربائية 96،5% إنّنا بحاجة إلى إعادة قراءة لكثير من تعاليم ديننا التي لم نحسن فهمها و لا توظيفها ، ولو أدركنا البُعد الحضاري لدعوة القرآن إلى إتقان الأعمال لما آل بنا الأمر إلى هذه الحال ..!! لو فهمنا و فهّمنا أجيالنا بأن إتقان الأعمال عبادة لله رب العالمين ، و سلوك حضاري رفيع ، كما فهمها و فهّمها الفضيل بن عياض حين عبرّ عن ( أحسن الأعمال ) بأنها ما كانت على (إخلاص )و (صواب ) ، إذا فسّر قوله تعا كُمْ أيحْسينُ عيميلاً (الملك:4 ) 1 – مفتاح السعادة لطاش كبرى زادة1/41. ) 2 دراسات في التنمية البشرية221. )
عدد الصفحات ٢٤21 بقوله ) أحسن العمل : أخلصه و أصوبه ! قالوا : يا أبا علي ما أخلصه و ما أصوبه ؟ قال : إن العمل إذا كان خالصا و لم يكن صوابا لم يُقبل ، و إذا كان صوابا و لم يكن خاصا لم يقبل ، حتّ يكون خالصا صوابا ) 1 . إنّ الرداءة و الفوضى و التخلف قد صارت لنا علم ا! ولازلنا نبحث عن أهل " التخصص " و"الإتقان " ليتولوا دورهم في إعادة بعث هذه الأمة ، و ما بقي لنا سوى هذه الجيوش من ( الخطباء) الذين لا زالوا ( يخطبون ) عن (ماضي الأمّة) في الوحدة و الأخوة و عزّة الفرد المسلم !! بينما الحاخام اليهودي الذي يصنع ( حاضر ) أمته و يبنَ شخصية ( الفرد ) اليهودي المعاصر ، يضحك منهم و لا يعبأ بخطبهم و أشعارهم و معلّقاتهم ..!! و تمر السنون و لم يُطبق من الإسلام " بعض البعض " و لم نوحّد العرب و لا المسلمين ، و لم نمنع تقهقرهم إلى دويلات عبس و ذبيان و أيام بعاث و حليمة ..!! و لا أقمنا الدولة الإسلامية ، ولا نقلنا جماهير الأمّة من الغياب الاجتماعي في العصبيات إلى الحس الاجتماعي بالأخطار و التحديات ،ولا أصلحنا النفوس و لا الاقتصاد و لا الاجتماع ، و استبدلنا ( لغو) الخطابة و( حميّة) المعلقات السبع بدل العلم المتخصص!! و استهنّا بأهل المعرفة و خلطنا العلم و الفكر بالخطابة و الشعر!! ، و كان من ثمار ذلك كله أن أصبح الفشل قاعدة في حياتنا ، نتوقعه وننتظره في جميع محاولاتنا و مشروعاتنا ، حين تصورنا أن مشكلات حياتنا يمكن أن يُلها ( خطيب ) بليغ أو ( شاعر) مصقع نوصله إلى البرلمان أو الوزارة ، أو يعلو منبراً أو يتصدّر حفلاً ..!! و انتهى بنا الأمر إما إلى الارتماء في زوايا اليأس و القنوط – أي الانتحار الجماعي – وإما إلى الترّدي في مهاوي ال تطرف الأعمى و التزمت المتشنج 2 . 1 -المصدر نفسه2.1. ) 2 – الفتاوى– كتاب السلوك (1/.133-134 )– .
عدد الصفحات ٢٥26 التخطيط1 في مدرسة النبوة الأصل في كل من ينتسب للإسلام – فردا كان أو جماعة أو مؤسسة أو دولة – أن يتحرك في ضوء كاشف ، بحيث تظهر الغاية أمامه فلا تغيب عنه ،وهو يشقّ طريقه في مسيرته الإسلامية ، ذلك أن هذا الدين العظيم ذا المنهج الشامل لكل مناحي الحياة و نشاطاتها ، يُلزم المسلم المنتسب إليه بالتحرك باعتباره جزءا من كل ، وواحداي من جماعة ،و يدعوه إلى نبذ الفوضى و الارتجالية في مسيرته لأن "الفوضى " هي " الفيروس " المخرّب لكل مساهمة أو بناء يسعى إلى تحقيق نهضة الأمّة وإعادة مجدها. و بذلك يكون العمل الجاد على وضع تخطيط إسلامي يعيد بناء عالم الأفكار ( يوفّر) الطاقات الإسلامية و يُهندسها و يضعها في مجالاتها المُجدية . يكون من أوجب الواجبات ، و إلا تبددت كلّ الجهود بفعل ( ثقافة ) الفوضى و الارتجال ...! و الحق أنّنا لو أردنا تأصيلا شرعيا لمبدأ التخطيط من السنّة النبوية ، لوجدنا مساحة الاستدلال تمتدّ من أوّل أيام النبوة إلى آخر عهده صلى الله عليه و سلم بالدنيا ، و ذلك لأن تبليغ هذا الدين و تربية الأمّة به و بناء الدولة على أسُسه ما كان ليتم إلا و روح التخطي ط و التنظيم و حسن التدبير تسري في كلّ حركة من هذا البلاغ النبوي العظيم .. ! و لذلك سنختار من حلقات المسار النبوي الجليل تلك الحلقة التي ربطت بين مرحلتي (التكوين) و ( التمكين ) ،لنسلّط الضوء عليها استكشافا لملامح التخطيط النبوي فيها . تلك هي حلقة ( الهجرة إلى المدينة ) و ما أحاط بها من حكمة التخطيط النبويّ :فلما جاء الإذن الرّباني لرسوله الكريم صلى الله عليه و سلم بالهجرة ، و ذلك من حديث ابن عبّاس رضي اله عنها قال : 1 – هكذا ظهر جيل صلاح الدين وهكذا عادت القدس . د/ ماجد عرسان الكيلاني
عدد الصفحات ٢٦23 ( كان رسول الله صلى الله عليه و سلم بمكّة فأُمر بالهجرة و أنزل عليه أيدْخِلْنَِ مُدْخيلي صِدْقٍ ويأيخْرِجْنَِ مُُّْريجي صِدْقٍ وياجْعيل لِِّ مِن لَّدُنكي سُلْطياناً نَّصِيراً 2. 1. بدأ التحرك النبوي لتحقيق هذا الهدف العظيم بفكر تخطيطي يتناسب و عظمة الهدف . و كانت أبرز ملامحه ما يلي : 0- اختيار الصّاحب الأمين ( أبي بكر الصديق رضي الله عنه فقد اختار صلى الله عليه وسلم في هجرته هذه واحدا من أهل الكفاءة العالية التي تميّزت بصفاء المعدن و صفاء الولاء لله و رسوله ، و كل صفات (الصفوة ) الصافية التي تُبنى عليها الأمم : عن علي رضي ا لله عنه أن النبي صلى الله عليه و سلم قال لجبريل: ( من يهاجر معي؟قال : أبو بكر الصديق ) 2 . وعن عائشة رضي الله عنها قالت : بينما نحن يوما جلوس في بيت أبي بكر في نحر الظهيرة ، قال قائل لأبي بكر: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم متقنّعا في ساعة لم يكن يأتينا فيها ، فقال ابو بكر : فدى له أبي و أمّي، و الله ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر..! قالت : فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم و استاذن له ، فدخل ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر : (أي خرج من عندك ) فقال أبو بكر : إنما هم أهلك بأبي أنت يا رسول الله .قال : ( فإني قد أذن لِ في الخروج ) . فقال أبو بكر : الصّحابة ( أي أريد الصحبة ) بأبي أنت يا رسول الله ! 1 - وقد عرّف أهل الاختصاص التخطيط بأنه( وضع الأهداف المرحلية وتحديدها ورسم المسار– والمسارات البديلة – لتحقيقها , بواسطة الإمكانات المتاحة والمتوقعة ) . انظر : التخطيط .لحسني شيخ عثمان , الدار الشامية – الأردن : الطبعة الأولى. ص 14 و قيل هو: ( تجميع المعلومات وافتراض توقعات في المستقبل من أجل صياغة النشاطات اللاّزمة لتحقيق الأهداف,و هو يضمن ارتباط النشاط بالأهداف وذلك بتوجيه الجهود نحو الوصول إلى النتائج المرجوة) انظر : دليل التدريب القيادي (1.1 . ) 2 -أخرجه الترمذي في سننه3131) في التفسير , وقال :حديث حسن صحيح , والحاكم في مستدركه ( 3/3) وقال : صحيح الإسناد , ووافقه الذهبي
عدد الصفحات ٢٧24 قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (نعم . قال أبو بكر : فخذ بأبي أنت يا رسول الله إحدى راحلتي هاتين قال صلى الله عليه وسلم : (بالثّمن) 1 . 3- استخلاف علي رضي الله عنه لينام في فراشه تمويها للمشركين عن عبد الله بن عبّاس رضي الله عنهما قال : ستر عليّ نفسه ، و لبس ثوب النبي صلى الله عليه وسلم ثم نام مكانه ، و كان المشركون يرمون رسول الله صلى الله عليه وسلم ، و قد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ألبسه بردة ، و كانت قريش تريد أن تقتل النبيّ صلى الله عليه وسلم فجعلوا يرمون علياً و يرونه النبيّ صلى الله عليه وسلم ، و قد لبس برده ، و جعل عليّ رضي الله عنه يتضوّر فإذا هو علي ..! فقالوا : إنك للئيم إنّك لتتضوّر ، و كان صاحبك يتضور و لقد استنكرناه منك 2 ( وكان تصرف النبي صلى الله عليه وسلم بنوم عليّ على فراشه و تسجّيه ببرده جزءا من مسؤولية القائد في إنجاح خطّته ، و ذلك بالتمويه و التّعمية على عدوه ، و قد نجحت هذه الجزئية في التمويه نجاحا تاماً رغم الاحتمالات الكبرى لكشفها ... و رغم ثقة رسول الله صلى الله عليه و سلم بحماية ربه له ، فهذا لم يمنعه من أن يأخذ الاحتياط البشري الذي يملكه ، و في الوقت الذي أعمى الله تعالى عنه الأبصار أثناء خروجه ، شاءت إرادته تعالى أن يُرس نبيّه صلى الله عليه وسلم لا بمعجزة و لكن بعالم الأسباب في تخطيط البشر .. 1 – مستدرك الحاكم3 /1) , وقال : صحيح الإسناد والمتن , ووافقه الذهبي وقال صحيح غريب 2 – صحيح البخاري ( الفتح3/231-232( )31.1) , وصحيح السيرة النبوية لإبراهيم العلي , تقديم د . عمر سليمان الأشقر , وراجعه د . همّام سعيد , دار النفائس , الطبعة الرّابعة (163-164. )
عدد الصفحات ٢٨21 و ما أحوجنا إلى أن ندرك واجبنا في الإعداد لمواجهة العدو رغم اعتمادنا الأول و الأخير على الله تعالى ، لا أن نحيل تقصيرنا و ضعفنا وتهاوننا على القدر ،ونتوجع عل ى عدم نصر الله تعالى لنا ، و نحن المسؤولون عن ذلك )1 . 2- اللّجوء إلى الغار : وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم و أبا بكر رضي الله عنه ( ركبا فانطلقا حتّ أتيا الغار و هو بثور فتواريا فيه ) 2. و تظهر التضحية و الولاء للصّاحب والرّفيق أبي بكر رضي الله عنه حين قال لنبيه و قائده قبل دخول الغار : ( مكانك يا رسول الله حتّ أستبرىء لك الغار ، فدخل و استبرأ حتّ إذا كان في أعلاه ذكر أنه لم يستبرىء الحجرة ، فقال : مكانك يا رسول الله حتّ استبرىء لك الحجرة ، فدخل و استبرأ ثم قال : انزل يا رسول الله ، فنزل ) 3 . يقول العلامّة صفي الرحمن المبار كفوري ( و لمّا كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم أن قريشا ستجد في الطلب ، و أن الطريق الذي ستتّجه إليه الأنظار لأول وهلة هو طريق المدينة الرئيسي المتّجه شمالا ، فقد سلك الطريق الذي يضاده تماما ، وهو الطريق الوا قع جنوب مكّة ، و المتّجه نحو اليمن ، سلك هذا الطريق نحو خمسة أميال حتّّ بلغ إلى جبل يعرف بجبل ثور ، وهذا جبل شامخ ، وعر الطريق ، صعب المرتقى ، ذا أحجار كثيرة ..) 4 . ويقول الأستاذ منير الغضبان : 1 -الحاكم في مستدركه3/4) ,وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يُخرجاه وقد رواه أبو داود الطيالسي وغيره عن أبي عوّانة بزيادة ألفاظ , ووافقه الذهبي. 2 – انظر : المنهج الحركي للسيرة النبوية لمنير الغضبان– مكتبة المنار : الأردن : الزرقاء – الطبعة الأولى (144-141. ) 3 -فتح الباري3/341. ) 4 - أخرجه الحاكم في مستدركه3/6) , وقال : حديث صحيح الإسناد على شرط الشيخين–لولا إرسال فيه – لم يخرجاه , ووافقه الذهبي , وقال : صحيح مرسل .
عدد الصفحات ٢٩30 ( وإذا توقعنا تخطيط مكّة للقضاء على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فسوف يكون طريق المدينة مرصودا من عدد غفير من الفرسان حتّّ يُُال دون وصوله إليها ، وإن التفكير البشري سينصبّ طبيعيا على رصده لأنه هو هدف الرّسول صلى الله عليه وسلم و في القبض عليه إنهاء للمعركة كاملة معه ، فاتجاه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الغار فوّت على العدو مُّططه و أحبطه.. و تبدو عظمة التخطيط أكثر حين نعلم أن غار ثور في جنوبي مكة و ليس على طريق المدينة ، حيث احتمالات الرّصد 1 . 2- ترك العيون في مكّة و قد اختار لها صلى الله عليه وسلم واحدا من ذوي النباهة و الفطنة : عبد الله بن أبي بكر رضي الله عنهما ، الذي وصفته عائشة رضي الله عنها بقولها بأنه ( غلام شاب ثقف لقن ) 2 ... ذريّة بعضها من بعض..! ! تقول عائشة رضي الله عنها : ( فمكثا ثلاث ليال ، يبيتُ عندهما عبد الله بن أبي بكر –و هو الغلام الشاب الثقف اللّقن –فيدلج من عندهما بسحر ، فيصبح من قريش بمكة كبائت ، فلا يسمع أمراً يُكتادان به إلا وعاه ، حتّ يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام )3. إذا لابد من التعرّف مباشرة على أسرار العدو و مُّطّطاته، بحيث تصل أوّلا بأوّل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيكون متابعة تنفيذ الخطّة قائما على خبرة بالواقع ، لا عن ظنّ و حدس يخطئ و يُصيب . 1 -الرحيق المختوم للشيخ صفي الدين الرّحمن المبار كفوري– دار الوفاء للطباعة والنشر – مصر (114. ) 2 – المنهج الحركي للسيرة النبوية11. ). 3 – فتح الباري3/232. )
عدد الصفحات ٣٠31 وكما كانت القيادة أعلم بواقع العدو و أدرى بأسراره ، و لها في صفوفه من ينقل إليها كلّ تخطيطاته، كلّما كان ذلك أنجح لها في تنفيذ خُططتها و مُّططاتها 1 . 5- إعفاء الأثر: تقول عائشة رضي الله عنها : (... و يرعى عليهما عامر بن فهيرة – مولى أبي بكر – منحة من غنم فيريُها عليهما حتّ تذهب ساعة من العشاء ،فيبيتان في رسل –و هو لبن منحتهما و رضيفهما – حتّ ينعق بها عامر بن فهيرة بغلس و يفعل ذلك في كل ليلة من تلك الليالِ الثلاث ) 2 . ( وإذا كان اقتفاء الأثر خير دليل لمعرفة وجودهما في الغار ، خاصة و أِاء و عبد الله يوميا يأتيان إلى الغار ، فكان غنم عامر بن فهيرة هو الذي يأتي على آثار أقدامهما فيعفي الأثر و يزيل الاحتمال ) 3. إننا اليوم–بحاجة على اقتداء فاعل و رصين بهذا الفكر التخطيطي النبوي ، و ذلك لأنّ الفوضى و اللاّمبالاة قد طوّقت حياتنا مثلما يطوّق السوار المعصم ..! ( لقد أصبحت الحاجة مُلحّة لعملية التقنية الثقافية ، و أصبحنا أحوج من أيّ وقت مضى إلى الذين يُملون عقل المهندس ، و مبضع الطبيب ، و حرقة الوالدة ، على مستوى الفكر و الثقافة ، ليقوم بعملية الإخلاء و الإملاء ،أو عملية الهدم المسبوقة بمخطط واضح و مدروس لعملية البناء ، لأن بعض النّاس يُسنون الهدم و هم يُسبون أنهم يُسنون صنعا ، لأن البناء يستدعي التأني و الصبر و الزّمن و النّضج ... و كلها متطلبات لا تقتضيها عملية الهدم ، و تبقى المشكلة في بناء العقلية القادرة على البناء و في تصويب مسار هذه القدرة ... إن العقل الذي لا يتحقّق بالرؤية الشمولية الكاملة لا يمكنه الترتيب ، لانعدام الرؤية الدقيقة لسلّم المشكلات التي تواجه ع الم المسلمين ، و بالتالِ فلا يمكن له القيام بعملية " 1 – المصدر نفسه3/232. ) 2 -المنهج الحركي11.-111. ) 3 – فتح الباري3/232. )
عدد الصفحات ٣١32 البرمجة "و لا يمتلك القدرة على التصنيف وإعطاء كلّ مشكلة علاقتها و مكانها الذي تستحق و الطاقة التي تحتاج )1. ولئن كان بعض المعاصرين تستهويهم مصطلحات (التخطيط ) و(التنظيم) ... فاعتقدوا أنهّا من خصائص الفكر المعاصر ، فإنهّم لو عادوا إلى العقلية الإسلامية الأولى لوجدوا (التخطيط) و(التنظيم) مؤصلاً عندهم فكراً و عملاً ... فقد أصّل لها ابن منظور رحمه الله في لسانه ،حين ذكر بأن التخطيط و التدبير هو (أن تنظر إلى ما تؤول إليه عاقبته . و التدبُر والتفكُّر فيه )2 . وبأن ( التنظيم من نظم ... ونظمت اللؤلؤ أي جمعته في السلك و التنظيم مثله .. والنظام ما نظمتُ فيه الشيء ، و الجمع أنظمه وأناظيم و نظم ) 3 . وزادها ابن باجة توضيحا حين قال : (ة التدبر هو خطة الإنسان العاقل في المجتمع الذي يسوده العقل )4 . وأسلمها الحديث الشريف : ( يا أبا ذر : لا عقل كالندبير ، ولا ورع كالكفّ ولا حسب كحسن الخلق ) 5. وفي كلّ ذلك دلالة واضحة بأنّ التدبير خصيصة إنسانية مرتبطة بما ميّز به سبحانه و تعالى الإنسان و بما أنعم عليه من عقل و فكر ، و هو ما يميز الإنسان عن الحيوان ، و لذلك يرى ابن خلدون أنّ الأفعال منها ما هو (منتظم مرتّب ، و هي الأفعال البشرية ، ومنها غير منتظم ولا مرتّب ، وهي أفعال الحيوانات غير البشر ) 6 . 1 – المنهج الحركي111-112. ) 2 -حول تشكيل العقل المسلم للدكتور عماد الدين خليل– المقدمة (11. ) 3 – لسان العرب1/141. ) 4 – المصدر نفسه12/134. ) 5 – تدبير المتوحّد لابن باجة , تحقيق معن زيادة– دار الفكر : بيروت (13. ) 6 – سنن ابن ماجة– كتاب الزّهد باب الورع والتقوى (4/431) . قال البوصيري في زوائد ابن ماجة: ( هذا إسناد ضعيف لضعف الماضي بن محمد الغافقي المصري ) ( 144( )1433) . وهو أبو مسعود ضعيف من التاسعة مات سنة ثلاث وثمانين ومائة كما في التقريب (441 . )
عدد الصفحات ٣٢