33 وفي رأي ابن خلدون أن هذا التنظيم والتخطيط هو الذي جعل الحيوانات مسخّرة للإنسان و في طاعته ، فالفكر الذي يتميز به الإنسان يجعله يدرك الترتيب الطبيعي الموجود بين الأشياء و الحوادث ، فيراعي هذا الترتيب في أفعاله ،فإذا قصد الإنسان إيجاد شيء من الأشياء تتبع الترتيب الذي ينظم الحوادث ذات العلاقة ، فيتتبع الأسباب والشروط التي توصل للشيء ، فلا يجعل المتقدم متأخرا و لا المتأخر متقدما ، و حتّ وصل إلى السبب الأخير والشرط الأساسي – الذي قد يصله من خلال مرتبتين أو ثلاث أو أكثر – شرع بالعمل الذي يوجد بالنهاية ذلك الشيء الذي قصده في البداية ، و بذلك يكون أول الفكر آخر العمل ، وأول العمل آخر الفكر ، فلو فكّر المرء في إيجاد سقف انتقل بفكره إلى الحائط الذي يدعمه ثم إلى الأساس الذي لا بد منه ، حتّّ يقف الحائط عليه ، و بهذا يكون الأساس آخر الفكر ، و لكن عندما يبدأ العمل فهو يبدأ بالأساس ثم بالحائط ثم بالسقف و هو آخر العمل ..!1 . إن الخطاب القرآني الذي نادى أهل الإسلام " بأولى النهي " و" أولى الألباب " إنما خاطبهم بذلك ليحرّك فيهم الانتباه إلى أعمال العقل ، ليحفزهم على النباهة و الفطنة التي من أهم ثمراتها و صفاتها (التخطيط) و(التدبير) .. و ها هو الكندي يؤكد بأن " التدبير و النّظر في الأمور" هو من خصائص الأذكياء لا الحمقى و المغفلّين ،يقول رحمه الله : (النّظر في الأمور نجاة من الغرر، و العزم في الأمور سلامة من التفريط وداعية الظّفر ، و التّدبر و التّفكر ينتجان عنه الفطنة ، و يكشفان عن الحزم .. ففكّر قبل أن تعزم ، و تدبّر قبل أن تهجم ، و شاور قبل تقدم . النّاس حازمان و عاجز ، فأحد الحازمين : الذي إذا نزل به البلاء لم ينتظر و تلقّاه بحيلته ورأيه حتّ يخرج منه ، وأحزم منه : العارف بالأمر إذا اقبل فيدفعه قبل وقوعه ، والعاجز في تردّد بائر لا يأتمر راشداً و لا يطيع مرشداً ) 2 . 1 - المقدمة431. ) 2 -أنظرالمصدر نفسه(431. )
عدد الصفحات ٣٣34 ويشير الجاحظ إلى أنّ أهل الحك مة و العلم لم يفضّلوا على غيرهم إلا بما تميّزوا به من عقلية تخطيطية بعيدة عن الفوضى و الارتجال ، و ما يعقبها –لأصحابها – من مفاجآت لم تكن في الحسبان . يقول في رسالة إلى أبي الوليد محمد بن أحمد بن أبي داود الذي ولاّه المتوكل على قضاء بغداد : ( ... واجب على كل حكيم أن يُسن الارتياد لوضع البُغية ، وأن يتبّين أسباب الأمور، و يمهد لعواقبها ، فإنما حمدت العلماء بحسن التثبت في أوائل الأمور و استشفافهم بعقولهم ما تجيء به العواقب فيعلمون عند استقبالها ما تؤول به الحالات في استدبارها ، و بقدر تفاوتهم في ذلك تستبين فضائلهم ، فأما معرفة الأمر عند تكشّفها ، و ما يظهر من خفياتها ، فذلك أمر يعتدل فيه الفاضل و المفضول و العالم والجاهل ) 1 . بل إنّ الجاحظ يُبدع في التأكيد على أهمية ( التخطيط ) ليصارح بحقيقة ناصعة مفادها بأن الفاشلين في التخطيط لدنياهم فاشلين تلقائيا في التخطيط لحماية دينهم و العكس صحيح. يقول رحمه الله : ( أصول أمور التدبير في الدّين و الدنيا واحدة ، فما فسدت فيه المعاملة في الدّين فسدت فيه المعاملة في الدنيا ، و كلّ أمر في معاملات الدنيا لم يصح في الدّين . و لذلك قال الله عزّ وجلّ سيبيلاً74 ، وقال ابن عباس في تفسيرها : ( من كان ليس له من العقل ما يعرف به كيف دُبرت أمور الدنيا ، فكذلك هو إذا ما انتقل إلى الدّين ، فإنما ينتقل بذلك العقل ، فبقدر جهله بالدنيا يكون جهله بالآخرة أكثر . لأنّ هذه شاهدة و تلك غيب ، فإذا جهل ما شهد فهو بما غاب أجهل )2 . 1 – كتاب " المصنّف " للكندي أبو بكر بن موسى (ت113هجري ), تحقيق عبد المنعم عامر وجاد الله احمد سلطنة عمان , وزارة التراث القومي والثقافة (1/.11. ) 2 – رسائل الجاحظ ,تحقيق وشرح عبد السلام محمد هارون– القاهرة –مكتبة الخانجي ( دون سنة طبع ) , ( 4 / 61. )
عدد الصفحات ٣٤31 وها هو يُبدع ثانية في إظهار قيمة التخطيط ، و إن خالفت النتائج – أحيانا – مُراد المُخطط فذلك لا يُلغي أبداً أهمية التخطيط ، إذ أن نجاح الجاهل سيء التدبير في الوصول إلى ما لم يصل إليه المُدبر لا يعنَ إعدام قيمة التخطيط ، فيستطرد قائلا : (... و اعلم أن المقادير ربمّا جرت بخلاف ما قدّر الحكماء ، فنال الجاهل في نفسه المختلط في تدبيره ، مالا ينال الحازم الأريب الحذر .! ،فلا يدعونك ما ترى م ن ذلك إلى التضييع و الاتّكال على مثل تلك الحال ، فإن الحكماء قد أجمعت أن من أخذ بالحزم و قدّم الحذر ، فجاءت المقادير بخلاف ما قدّر ، كان عندهم أحمد رأيا و أوجب عُذرا ممّن عمل بالتفريط ، و إن اتّفقت له الأمور على ما أراد)1 . ويُرشد الغزالِ رحمه الله المسلمين إلى إحكام التخطيط في إفناء الأعمار حتّ لا تضيع ضياع الأنعام ..! فيقول : ( لا ينبغي أن تكون أوقاتك مهملة فتشتعل في كلّ وقت بما أتّفق كيف أتفق ..! بل ينبغي أن تحاسب نفسك و ترتّب أورادك ووظائفك في ليلك و نهارك ، و تعين لكل وقت شغلا لا تتعدّاه و لا تؤثر فيه سواه ، فبذلك تظهر بركة الأوقات ، فأمّا إذا تركت نفسك سدى مهملا إهمال البهائم لا تدري بماذا تشتغل في كلّ وقت ، فينقضي أكثر أوقاتك ضائعاً ، وفاتك عمرك ، و عمرك رأس مالك و عليه تجارتك و به وصولك إلى نعيم دار الأبد في جوار الله تعالى)2. وينقل ابن خلدون رحمه الله نصيحة طاهر بن الحسين لولده عبد الله حين قال له : (... و افرغ من عمل يومك و لا تؤخّره لغدك ، وأكثر مباشرته بنفسك ، فان لغد أمورا و حوادث تلهيك عن عمل يومك الذب أخّرت ،و اعلم أنّ اليوم الذي مضى ذهب بما فيه ، فإذا أخّرت عمله اجتمع عليك عمل يومين ، فيشغلك ذلك حتّ تمرض عنه ، وإذا أمضيت لكل يوم عمله أرحت بدنك و نفسك و جمعت أمر سلطانك ... و انظر عمّالك الذين بحضرتك و كتابّك ، فوقت لكل منهم في كل يوم وقتا يدخل فيه بكتبه ، ومؤامرته و ما عنده من حوائج عمّالك و أمور الدولة ورعيّتك ، ثم فرّغ لما يورد عليك من ذلك ِعك وبصرك و فهمك و عقلك 1 –رسائل الجاحظ1 /11. ) 2 – المصدر نفسه1 /121 . )
عدد الصفحات ٣٥36 ، وكرّر النظر فيه و التّدبر له، فما كان موافقا للحق و الحزم أمضه ، و ما كان مُّالفا لذلك فاصرفه إلى المسألة عنه و التثبّت منه )1 . إن سرد الشواهد على التخطيط عبر العصور الإسلامية ، أمر يصعب حصره ، و ذلك لأنّه لا تخلو حياة أي إنسان من مشكلة صغيرة أو كبيرة يتصدّى لها بالتفكير و التدبير ، و يُلّها على وجه يرضيه ، فكيف بحياة القادة من خلفاء و أمراء وولاّة و سلاطين ؟و كيف قامت دول و زالت أخير هل يمكن أن يكون ذلك قد حدث مصادفة !؟ ز كيف جهزت الجيوش و حقّقت ما حقّقت من انتصارات ؟فهل كان ذلك محض مصادفة دون تخطيط ؟ و كيف شيدت المساجد و المدارس و القصور والجسور و الأسوار حول المدن و حُفرت قنوات الرّي .. إلى آخر ذلك من المظاهر الحضارية آنذاك؟! فهل يُعقل أن يكون قد حدث كل ذلك بشكل عشوائي غير مُّطط تخطيطا دقيقا !؟ 2 . إن إعمال التخطيط لهو معلم من أهم معالم كمال الفهم لهذا الدّين.. يقول الدكتور يوسف القرضاوي : ( و من النّاس من يتصوّرون أو يصوّرون الدّين في موقف المعارض أو المناقض لفكرة التخطيط العلمي للمستقبل ،و هذا من أثر الفكرة القديمة التي جعلت العلم مقابلا للإيمان ، فهما ضدّان لا يجتمعان ، أو خطّان متوازيان لا يلتقيان ..! و الحقيقة أن فكرة الدّين في جوهرها قائمة على أساس التخطيط للمستقبل ، ففيه يأخذ المرء المتدين من يومه لغده ، و بعبارة أخرى من حياته لمو ته و من دنياه لآخرته ، و لا بد له أن يخطط لحياته و يضع لنفسه منهاجا يوصله إلى الغاية ، و هي رضوان الله و مثوبته ، و في القرآن الكريم قصة جعلها الله عبرة لأولِ الألباب ، وهي قصة نبي الله يوسف عليه السلام ، و فيها يذكر القرآن الكريم لنا مشروع تخطيط للاقتصاد الزرا عي لمدّة خمسة عشر عاماً ، لمواجهة أزمة غذائية عامّة ، 1 – بداية النهاية , أبو حامد الغزالي , شركة عيسى البابي الحلبي وأولاده– القاهرة – مصر (16-13. ) 2 – المقدمة114. )
عدد الصفحات ٣٦33 عرف يوسف بما ألهمه ا و علّمه من تأويل الأحاديث ، أنهّا ستصيب المنطقة كلّها ، وقد اقترح يوسف عليه السلام مشروع الخطّة ووكّل إليه تنفيذها ، و كان فيها الخير و البركة على مصر و ما حولها . قال قيالي تـي زْريعُوني سيبْعي سِنِيني ديأيباً فيميا حيصيدتُُّّْ فيذيرُوهُ فيِ سُنبُلِهِ إِلاَّ قيلِيلاً ممَِّّا تيأْكُلُوني27}22 } ثمَُّ ييأْتيِ مِن بـيعْدِ ذيلِكي عيامٌ فِيهِ يـُغياثُ النَّاسُ ويفِيهِ يـيعْصِرُوني 23} }27-23 )1 . واليوم ! و نحن في العشرية الأولى من القرن الواحد و العشرين ،قرن الثورة العلمية التي هزّت أركان الدنيا بمكتشفاتها و مُّترعاتها ، يتعاظم الواجب علينا تجاه ديننا أمام التحديات الجسام التي تحيط به . اليوم و قد ذهب زمن البدائية يظهر التخطيط كأهم سلاح لا يجوز التفريط فيه . فلا بد أن يتطوّر الدعاة مدنيا و يواكبوا الأساليب التكنولوجية المتجدّدة السريعة المتطوّرة إذا أرادوا أن ينجحوا في خطّة المخالطة الاجتماعية . لقد نقل العلم الحديث الدعوة الإسلامية إلى موقف ذي حدّين : تنظر الواجب المتعينّ على الدعاة في تطوير أساليبهم وأدواتهم فتستكبره حتّّ لتظنّ ذلك معظلة ، ثم تنظر في عين الوقت المنيح و الفوائد التي يمكن أن نجنيها من ذلك ، فترى جانبا إيجابيا يُغريك بتطوير عناصرك و أدواتك بما يوافق آخر المخترعات . إلا أن الداعية اليقظ لا يُلّ له أن يبقى حائرا متردّداً بين شعور الإعضال و بسمة التفاؤل إزاء هذا المفترق ، و إنما عليه أن يُسم الأمر سريعا ،وأن يقبل التحدي و يشرع في التحديث و مواكبة الاكتشافات التي أصبحت تتوسع من موسم إلى موسم إلى موسم 2 . إن يوما يصبح فيه " التخطيط و" التنظيم "منهجا حياتيا ظاهراً عند المسلمين في كلّ المواقع ، و خاصّة عند القيادات و أصحاب التوجيه ، لهو اليوم الذي يبشر بقدوم مرحلة الإقلاع 1 – القيادة التربوية في الإسلام لمفيدة محمد إبراهيم– دار مجدلاوي – عمان , الطبعة الأولى ( 241 . ) 2 - الرّسول والعلم43-41 . )
عدد الصفحات ٣٧34 الحضاري التي تخلّص أمّتنا من هذه الفوضى و الرّداءة التي استحكمت فينا ، لأنّ من فشل أن يخطّط يكون قد خطّط لفشله ..! 2.الشـورى في مدرسة النبوة - روى مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك رضي الله عنه : ( أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم شاور حين بلغه إقبال أبي سفيان . قال: فتكلّم أبو بكر فأعرض عنه ، ثم تكلّم عمر فأعرض عنه ، فقام سعد بن عبادة، فقال : إيّانا تريد يا رسول الله !؟ و الذي نفسي بيده لو أمرتنا لأن نخييضُها البحر لأخضناها 1، و لو أمرتنا أن نضرب أكبادها إلى برك الغماد 2 لفعلنا، فندب رسول الله صلى الله عليه وسلم النّاس فانطلقوا...) التخريج: أخرجه مسلم وأبو داود وأحمد 3. -كما روى ابن إسحاق خبر المشورة فقال ...فاستشار النّاس و أخبرهم عن قريش ، فقام أبو بكر الصديق فقال و أحسن ، ثم قام عمر بن الخطاب فقال و أحسن ، ثم قام المقداد بن عمرو فقال : يا رسول الله امض لما أراك الله فنحن معك ، و الله لا نقول كما قال بنو إسرائيل لموسى: اذهب أنت وربّك فقاتلا إنّا هنا قاعدون ، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنّا معكم مقاتلون ، فو الذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد لجالدنا معك من دونه حتّ تبلغه ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرا ودعا له . ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أشيروا عليّ أيها الناّس !- إنما يريد الأنصار ، وذلك أنهّم كانوا عدد النّاس و أنهم حين بايعوه بالعقبة قالوا : يا رسول الله ! بإبراء من ذمامك حتّ تصل إلى ديارنا ، فإذا وصلت إلينا فأنت في ذمّتنا نمنعك ما نمنع منه أبناءنا و نساءنا ، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخوّف ألا تكون الأنصار ترى عليها نصره إلاّ ممّن 1 - منهجية الدعوة21. ). 2 -يعني الخيل ,أي : لو أمرتنا بإدخال خيولنا في البحر وغشيتنا فيه لفعلنا انظر صحيح السيرة النبوية لإبراهيم العلي (22 ).– الهامش 3 – اسم منطقة , صحيح السيرة22 ).– الهامش
عدد الصفحات ٣٨31 دهمه بالمدينة من عدوّه، وأن ليس عليهم أن يسير بهم إلى عدوّه من بلادهم ، فلمّا قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له سعد بن معاذ : و الله لكأنك تريدنا يا رسول الله ؟ قال: أجل ! قال : فقد آمنّا بك و صدّقناك و شهدنا أنّ ما جئت به هو الحقّ ، و أعطيناك على ذلك عهودنا و مواثيقنا على السمع و الطاعة لك ، فامض يا رسول الله لما أردت ، فنحن معك ، فو الذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلّف منّا رجل واحد ، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غداً ، إنّا لصبرُ في الحرب ، صدق عند اللّقاء لعلّ الله يريك منّا ما تقرّ به عينيك ، فسر على بركة الله . قال:فيسُرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بقول سعد و نشطه، ثم قال:( سيروا و أبشروا فإنّ الله قد وعدني إحدى الطائفتين، و الله لكأني أنظر إلى مصارع القوم ) . التخريج: أخرجه ابن هشام في السيرة 1 . - روى البخاري في صحيحه عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: قدم عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر، فنزل ع لى ابن أخيه الحرّ بن قيس بن حصن وكان من النّفر الذين يدنيهم عمر ، و كان القرّاء أصحاب مجلس عمر و مشاورته كهولا كانوا أو شباناً). 1 – صحيح مسلم– كتاب : الجهاد – باب: غزوة بدر ( 1331) , وسنن أبي داود2641) , ومسند أحمد3/144)
عدد الصفحات ٣٩40 التخريج : أخرجه البخاري 1 . - روى البخاري في صحيحه عن ابن عباس رضي الله عنهما أنّه لمّا خرج عمر إلى الشام و بلغه خبر الطاعون فيها قال: )ادع لِ المهاجرين الأولين ، فدعاهم فاستشارهم و أخبرهم أن الوباء قد وقع بالشام، فاختلفوا ...، فقال : ارتفعوا عنَّ . ثم قال: ادع لِ من كان هاهنا من مشيخة قريش من مهاجرة الفتح ، فدعوتهم فلم يختلف منهم عليه رجلان . فقالوا نرى أن ترجع بالنّاس ولا تقدمهم على هذا الوباء ... ) التخريج : أخرجه البخاري 2 . الشّـرح: إن المتأمل في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم و سنته الشريفة يجد المحطات الكثيرة التي تستوقفه فيها أجواء " الشورى " التي كان يمارسها النبي المعصوم صلى الله عليه وسلم مع صحابته الكرام رضي الله عنهم لأن رسول الله وهو يربي الأمّة وقادتها لم يكن يربيهم على التسليم دون بصيرة، ولا أشعرهم يوما أنهم " أتباع " من الدرجة الثانية ..! وإنما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو النبي المرسل يعيش بينهم ويقتسم معهم مشاق الحياة و أعباءها . و يوم خرج المسلمون إلى بدر وهم ثلاثمائة وتسعة عشر رجلاً 3، كان معهم سبعون بعيرا يتعاقبون على ركوبها ، وكان الرّسول صلى الله عليه وسلم وأبو لبابة وعلي بن أبي طالب يتعاقبون على بعير واحد ، فأرادا أن يؤثراه بالركوب فقال: ( ما أنتما بأقوى منَ ،و لا أنا بأغنى عن الأجر منكما )4 . 1 - أخرجه ابن هشام في السيرة1/614-611) بإسناد صحيح وقد صرح ابن إسحاق بالسماع, وأخرجه الطبراني وإسناده حسن كما في المجمع (6/33) , وابن كثير في البداية والنهاية3/262-263) وقال: وله شواهد من وجوه كثيرة فمن ذلك رواية البخاري والنسائي وأحمد . قال د/ أكرم ضياء العمري : ويُشير ابن كثير على رواية البخاري ورواية الإمام احمد : الفتح (3/43) ومسند أحمد1/211( )3614) طبعة أحمد شاكر , نقلا عن : السيرة النبوية الصحيحة للدكتور أكرم ضياء العمري (2/311 )– الهامش 2 – صحيح البخاري– كتاب الاعتصام – باب قوله تعالى وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ }1/113) 3 – صحيح البخاري– كتاب:الطب – باب: ما يذكر في الطاعون (1324 . ) 4 – شرح النووي على مسلم12/44) , وقال البخاري في روايته:( بضعة عشر وثلاثمائة) فتح الباري (3/21.- 212)
عدد الصفحات ٤٠41 بهذه الرّوح المتواضعة السّمية ال لا تفصل بين قيادة وجندية في تحمّل الأعباء و المشاق تربيّ صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم . فحين ِع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بالمدينة خبر إقبال أبي سفيان لم يفصل في الأمر بالخروج و لم يُعط الأوامر دون استشارة – ولو فعل لأطاعوا –و لكنه صلى الله عليه وسلم أراد أن يزرع فيهم فكر "الشورى" ونبذ الاستبداد . و الرواية التي ذكرها الإمام مسلم في صحيحه وكذا تلك التي أوردها ابن إسحاق في سيرته توضحان بكل جلاء كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمارس الشورى بين أصحابه . قال ابن حجر: (ويمكن الجمع بأنّ النبي صلى الله عليه وسلم استشارهم في غزوة بدر مرّتين : الأولى بالمدينة أوّل ما بلغه خبر العير مع أبي سفيان ، وذلك بينّ في رواية مسلم ولفظه : ( أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم شاور حين بلغه إقبال أبي سفيان و الثانية كانت بعد أن خرج ) 1 . إن مشاورة القائد للآخرين تعنَ ( اختبار ما عند كل واحد منهم و استخراج ما عنده ) 2 . والشورى هي الوسيلة التي لا تحرم الأمة من خبرة أولِ المعرفة فيما لا يستبدون برأي و يقصون صاحب علم و خبرة ، وإنّ رجلا في قدر ومنزلة سيدنا عمر رضي الله عنه ما منعه ذلك أن يستبدّ أو يعتدّ ، وإنمّا طوّق حوله خيار الأمّة و صلحاءها وجعل منهم أهل استشارة ، وكان القراء أصحاب مجلس عمر و مشاورته كهولا كانوا أو شبّانا كما ورد في حديث الباب ، و كان يوصي بقوله : ( و استشر في أصحابك الذين يخشون الله ) 3 . وتعليقا على حديث مشاورة سيدنا عمر رضي الله عنه للصحابة الكرام في أمر الطاعون ، يقول ابن حجر رحمه الله : ( فيه الترجيح بالأكثر عدداي ، والأكثر تجربة ، لرجوع عمر لقول مشيخة قريش مع من انظم إليهم ممن وافق رأيهم من المهاجرين و الأنصار ، فإن 1 – مسند أحمد1/411( )31.1) ووقال الحاكم في مستدركه3/2.) : صحيح على شرط مسلم , ووافقه الذهبي ,وقال الهيثمي:( رواه أحمد والبزّار وفيه عاصم بن بهدلة وحديثه حسن , وبقية رجال أحمد رجال الصحيح ) مجمع الزّوائد (6/61 .) 2 – فتح الباري3/244. ) 3 بدائع السلك في طبائع الملك32. )
عدد الصفحات ٤١42 مجموع ذلك أكثر من عدد من خالفه من كل من المهاجرين و الأنصار ، ووازن ما عند الذين خالفوا ذلك من المهاجرين و الأنصار من مزيد الفضل في العلم و الدّين ، مع ما عند المشيخة من السنّ و التجارب ، فلما تعادلوا من هذه الحيثيّة ، رجّح بالكثرة ) 1 . وتأمل الخطاب القرآني وهو يدعو المسلمين إلى اعتماد الشورى منهجا وأسلوبا ، فيقول تعاممَِّا ريزيقـْنياهُمْ يُنفِقُوني }92 وقوله تعاهُمْ وياسْتـيغْفِرْ لهيُمْ ويشياوِرْهُمْ فيِ الأيمْرِ 353 وهاهو الإمام القرطبي رحمه الله ينقل لنا قول ابن عطيّة الذي بينّ : - بأن الشورى من خصائص هذا الدين . - و أنّه لا خير في مستبد ، و من كان كذلك فالواجب تنحيته . - و أنّ واجب ولاّة الأ مور عدم تهميش ذوي الخبرة ، وذلك باستشارة كل فريق في مجال تخصصه . فقال : ( و الشورى من قواعد الشريعة وعزائم الأحكام و عزائم الأحكام ، و من لا يستشير أهل العلم و الدّين فعزله واجب ، و هذا ما لا خلاف فيه ، وقد مدح الله المؤمنين بقوله شُوريى بـييـْنـيهُمْ و فيما أشكل عليهم من أمور الدّين ووجوه الجيش فيما يتعلق بالحرب ، ووجوه النّاس فيما يتعلق بالمصالح ووجوه الكتاّب و الوزراء و العمال فيما يتعلق بمصالح البلاد و عمارتها ..، قال بعضهم : شاور من جرب الأمور ، فإنه يعطيك من رأيه ما وقع عليه غالبا ، وأنت تأخذه مجاناي ..)2 . وما دامت صفة " البشرية " تبقى قائمة في الإنسان مهما علا كعبه في علم أو دين أو خبرة ، فإنه بذلك يبقى في أمس الحاجة إلى استشارة غيره من ذوي العلم و الخبرة ، و من استبدّ 1 – الخراج للقاضي ( أبو يوسف– ص(11. ) 2 – فتح الباري12/214. )
عدد الصفحات ٤٢43 برأيه اعتدادا بعلمه أو قوته ، فكأنه جعل لنفسه المرتبة فوق مرتبة نبيّ هذه الأمّة ..! حاشى رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك ..! قال ابن تيمية رحمه الله : ( لا غنى لولِ الأمر عن المشاورة ، فإن الله أمر بها نبيّه صلى الله عليه وسلم فقال : {فياعْفُ عينـْهُمْ وياسْتـيغْفِرْ لهيُمْ ويشياوِرْهُمْ فيِ الأيمْرِ ..!1 . ( وتظهر فائدة المشاورة عندما تتم مع أهل الخبرة و الاختصاص و المعرفة و الإطلاع ، الذين تتوافر لديهم دراية فنّية و بصيرة في الأشياء و إدراك في الأمور ممّا يوسّع الأفق و يفتح المدارك و ينبه الفكر ، فيتّجه إلى جادة الصّواب و يختار الصحيح من علم و معرفة . ويزداد هذا الأساس أهمية وخطورة عندما يتعلّق الأمر بالأمة و الدولة و مصالح المجتمع ، فيفرض على الرّاعي أن يتعمّق في البحث ، وأن يستطلع أراء النّاس الذين يتعلّق الموضوع بهم ، وقد يكونون أدرى منه به ، وأعرف بمصالحهم من غيرهم ، فتقتضي المسؤولية أن يرجع إليهم ، وأن يستعين برأيهم ، وأن يشاركهم في الأمانة و اتخاذ القرارات و الأحكام لتحقبق المصالح .. و يتضمّن أساس الشورى مظاهر المساواة بين الأفراد ، و عدم التعالِ عليهم ، و الاعتراف بما عندهم ، و من ثمّ تُعمل النتائج و الأفكار على كاهل الجميع الذين تشاوروا و قرّروا ، لأنّ الإنسان ضعيف بذاته قوي بأخيه لا يستطيع الإحاطة بجوانب الأمور المختلطة ، و بالمشاورة يتجنب عثرات الطريق و مزالق الحياة ) 2 . ولأنّ الاستبداد ما أفلح قط في قيام دنيا أو خدمة دين ! فقد كان المنهج النبوي بحقّ هو منهج التربية على الشورى و استكشاف طاقات الآخرين ، في الوقت الذي عمدت فيه الاستبداديات القاصرة على إلغاء و إقصاء كلّ ذي رأي حصيف . وقد أبدع اللواء الرّكن محمود شيت خطاب رحمه الله في بحثه " الشورى العسكرية في الإسلام " حين عرض تلك الموازنة بين الشورى النبوية والشورى عند القادة المحدثين . 1 الجامع لأحكام القرآن4/241) و4/161. ) 2 – الفتاوى24/346-343 ).
عدد الصفحات ٤٣44 فقال رحمه ا ( فقد كان للنبيّ صلى الله عليه وسلم مشاورون يلازمونه ويستعين بآرائهم في مُّتلف الظروف والأحوال ، وكان على رأس هؤلاء المستشارين أبو بكر الصديق و عمر بن الخطاب رضي الله عنهما تماما كرؤساء الدول و القادة العامّين للدول مستشارون يلازمونهم و يستعينون بآرائهم . وكان للنبي صلى الله عليه وسلم مستشارون يختصون بقسم من الصحابة ، فقد كان يستشير أبا بكر الصديق و عمر بن الخطاب في الأمور التي تخص المهاجرين ، وكان يستشير سعد بن معاذ و سعد بن عبادة في الأمور التي تخص الأنصار ، و كان له مستشارون في القضايا التعبوية ، كالحباب بن المنذر ، ومستشارون في القضايا السَّوقية كسلمان الفارسي ، وكان له مستشارون في الطرق و مجاهلها وهم الأدلاّء .وأِاؤهم مذكورة في كتب السيرة النبوية ، و كان له مستشارون في نقل المعلومات كحذيفة بن اليمان و له مستشارون في مُّتلف الأمور العسكرية وغير العسكرية تذكرهم كتب السيرة بالتفصيل ، تماماً كما لرؤساء الدول و القادة العامّين للدول مستشارون في مُّتلف الأمور العسكرية و غير العسكرية . و كان مستشارو النبي صلى اله عليه وسلم من المؤمنين برسالته ، وكانت مشورتهم يريدون بها وجه الله ، ولا يريدون بها السمعة ولا المكافأة و لا الترقية ولا الأوِة ،ولا شيئا من أمور الدنيا المادية والمعنوية ، إنها مشورة صادرة عن القلوب العامرة بالإ يمان العميق . أمّا المستشارون المحدثون ، فهم موظفون من موظفي الدولة ، يتقاضون أجرا على مشورتهم ، و يريدون بها السمعة ولا المكافأة و لا الترقية ولا الأوِة ، وغير ذلك من أمور الدنيا المادية والمعنوية فهي مشورة في واقعها صادرة من الجيوب المحبة للمادة وم تاع الدنيا ، وشتان بين الشورى الصادرة عن القلوب و الشورى الصادرة عن الجيوب ، وهيهات أن ترقى شورى العقول بالمادة إلى مستوى شورى العقول العامرة بالإيمان ..! و كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يكتفي بالشورى ، بل يشجّع أصحابه على المبادرة بإبداء مشورتهم ، وكان من وسائله التشجيعية على غرس روح هذه المبادرة في أصحابه ، الأخذ
عدد الصفحات ٤٤41 بمشورة المبادرين و الدعاء لهم ، ووضع مشورتهم في حيّز التنفيذ ، ولو كانت مُّالفة لرأيه الصّريح .. ولا أعرف رئيسا أو قائدا عامّاً في الوقت الراهن ، يشجّع رجاله على المبادرة بالشورى ، ويأخذ بها ويطبّقها إذا كانت مُّالفة لأرائه الصريُة ..! وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتنازل عن رأيه الصريح من أجل آراء المستشارين ، و المتعارف عليه أن يقرّ المستشارون رأي الرئيس أو القائد ، ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا ، ويتنازلوا عن آرائهم من أجل إبراز رأيه و إقراره ..!! وكان النبيّ صلى الله عليه وسلم يعاود استشارة أصحابه الذين أخطأوا في مشورتهم من قبل ، ويعفو عن المخطئين ويستغفر لهم ، أمّا الرئيس أو القائد في الوقت الرّاهن ، فلا أقل من أن يتخلّى عن الذين استشارهم فأخطأوا ، هذا إذا لم يُضيف إلى تخلّيه عن استشارتهم التشنيع و العقاب ..!! 1 . ومن خلال الجدول التالِ تظهر عملية الشورى التي مارسها النبيّ صلى الله عليه وسلم في المجال العسكري ، مع بيان موضوع الاستشارة و زمنها 2 . 1 –الشورى في الإسلام , د/ محمد مصطفى الزحيلي3/112.-1121. ) 2 –الشورى في الإسلام– بحث اللواء الركن محمود شيت خطاب رحمه الله , ص (113-114 )
عدد الصفحات ٤٥46 التسلسل الغزوة التاريخ موعد الاستشارة المستشار أو المستشارون النتائج 3- بدر الكبرى رمضان من السنة الثانية الهجرية في مسيرة الاقتراب المهاجرون و الأنصار ضمان مشاركة الأنصار في القتال قبل نشوب القتال الحباب بن المنذر تبديـل معسـكر المسامين إلى معسكر مناسب وبادر الحباب بإبداء المشورة قبل نشوب القتال سعد بن معاذ بناء العريش للنبيّ صلى الله عليه وسلم وكانت المبادرة بإبداء المشورة من سعد بعد المعركة أبو بكر الصديق وعمر ابن الخطاب أشار أبو بكر في إبقاء الأسرى ، فأخذ النبيّ صلى الله عليه وسلم بمشورته
عدد الصفحات ٤٦43 4- أحد شوال من السنة الثالثة الهجرية قبل نشوب القتال كان رأي أغلب المسلمين الخروج إلى أحد أخذ النبي صلى الله عليه وسلم برأي الأغلبية وخرج إلى أحد 9- حمراء الأسد شوال من السنة الثالثة الهجرية قبل التحرك إلى القتال أبو بكر الصديق وعمر ابن الخطاب أشار بالخروج إلى حمراء الأسد فأخذ النبيّ صلى اله عليه وسلم 2- الخندق ذو القعدة من السنة الخامسة الهجرية قبل نشوب القتال سلمان الفارسي أشار بحفر الخندق فأخذ النبيّ صلى الله عليه وسلم بمشورته في أثناء القتال سعد بن معاذ وسعد بن عبادة أشارا بعدم إعطاء شيء من ثمار المدينة لغطفان ، فأخذ النبيّ صلى الله عليه وسلم بمشورتهما
عدد الصفحات ٤٧44 2- خب المحرم من السنة السابعة الهجرية في أثناء القتال الحباب بن المنذر 3 .أشار بتبديل معسكر المسلمين فعمل النبي صلى الله عليه وسلم بمشورته . 4 . أشار بقطع النخل ، فعمل النبي صلى الله عليه وسلم بمشورته . 9 . أشار بالتوقف عن قطع النخل ، فعمل النبيّ صلى الله عليه وسلم بمشورته في أثناء القتال الحباب بن المنذر في إثناء القتال أبو بكر الصديق 7- حن شوال من السنة الثامنة الهجرية الجعرانة بعد توقف القتال المسلمون في سبي هوزان ، فكان المسلمون الاولون قد بادروا في التنازل عما بأيديهم من السبي ، أسوة برسول الله صلى الله عليه وسلم ، أما المسلمون الجدد الذين حرصوا على سبيهم ، فعوضهم الرسول صلى الله عليه وسلم بما أرضاهم
عدد الصفحات ٤٨