37 تأليف القرآن من رسول ﷺ، وأنه مؤلف من ذلك الوقت، وهذا أصل من أصول المسلمين لا يسعهم جهله؛ لأن تأليف القرآن من إعجازه، ولو كان ورسوله لسوعد بعض الملحدين على طعنهم، ثم فرق بين اللهالتأليف من غير عنه وبين ما جاء هذا اللهالمراد بجمع القرآن على حرف في عهد عثمان رضي . ورُوِيَ )1( ﷺاللهالحديث عن تأليف القرآن الذي يراد به ترتيبه من رسول ذلك عن علي بن أبى طالب؛ وذلك لأنه ذكر أربعة أقسام للقرآن الكريم كانت معلومة الترتيب من النبي ﷺ. ) واستدلوا باختلاف ترتيب بعض السور المتجانسة في القرآن بأنها لم ترتب 3 متوالية، فلو كان الأمر اجتهادياً لروعي فيه هذا الجانب إذ الاجتهاد يقوم على جمع المتجانسات والمتماثلات بعضها على بعض، فسور المسبِّحات فصل بين سورها بالمجادلة، والممتحنة، والمنافقون. وسورة ﴿طسم﴾ الشعراء، و﴿طسم﴾ القصص لم يتعاقبا مع تماثلهما؛ بل فصل بينهما بسورة أقصر منها وهي ﴿طس﴾ كما قال السيوطي كون )2(ولاء، بل فصل بين سورها وفصل بين ﴿طسم﴾ القصص بـ ﴿طس﴾ مع أنها أقصر منها، ولو كان الترتيب اجتهادياً لذكرت . وكذا الفصل بين )3(ولاء، وأخرت ﴿طس﴾ سورة النمل عن القصص الانفطار والانشقاق بالمطففين، وهما نظيرتان في المطلع والمقصد، فلولا أنه توقيفي لحكمة لَتوالت المسبحات، وأخرت ﴿طس﴾ عن القصص، ).159 الناسخ والمنسوخ في القرآن الكريم لأبي جعفر النحاس (ص )1( المراد سورة النمل، ولعل ما قاله صحيح إذا أريد الحروف الهجائية لا عدد الآيات )2( .)220/1 الإتقان في علوم القرآن )3(
عدد الصفحات ١٧38 وأخرت المطففين أو قدمت، فقالوا: فإننا لا نجد قاعدة ثابتة يمكن القول أنه رتبت سور القرآن الكريم على أساسها؛ لأن الاجتهاد يقوم على أسس واضحة، فلم تأت السور المتشابهة متوالية مثل التي بدأت بالقسم أو الحروف المقطعة، ولا رتب حسب النزول، ولا حسب القصر والطول، ولا غير ذلك، فلو رُتِّبت بالاجتهاد لَوَضَحَ أو وضحت القاعدة التي بُنِيَ عليها هذا الاجتهاد؛ لأنه لا يعقل أن يضعوا سور القرآن كيفما اتفق لهم، فلو كان ترتيبها باجتهادهم لرتَّبوها إما بحسب تاريخ نزولها أو مواقعها، وإما بحسب طولها وقصرها، وإما بحسب ترتيب مصحف أحد كبار الصحابة كعلي بن أبى طالب وابن عباس وابن مسعود وأُبي بن كعب، وكل ذلك لم .)1(يكن فما هناك سوى التوقيف ) استدلُّوا بما ثبت أن جبريل عليه السلام كان يعارض النبي ﷺ القرآنَ كلَّ سنةٍ 4 مرةً؛ وعرض عليه القرآن مرتين في السنة التي قبض فيها، ولا ريب أن القرآن ﷺ، فعَرْضُه على جبريل عليه السلام اللهحينئذ كان قد أنزل كله على رسول هذه المرة كان من أوله إلى آخره، وأن تلك العرضة لابد أن تكون قد تمت على ترتيب معين؛ هو الذي نقل إلينا، وبالضرورة أن يكون موافقاً لما هو في اللوح المحفوظ؛ إذ لا يعرضه ﷺ العرض الأخير على جبريل إلا مرتب الآيات والسور كما سمعه منه؛ لأنه لا يمكن النبي ﷺ أن يخالفه، وما كان للصحابة ﷺ، وأبعدهم اللهأن ينقلوا لنا خلافها؛ لأنهم كانوا أشد الناس اقتداء برسول عن الابتداع والعمل بالظن والهوى، ومما لا شك فيه أنه حين جمعهم للقرآن الكريم تحرَّوا في كل شيء ما كان عليه النبي ﷺ، فما قدَّموا سورة على أخرى )، وتاريخ القرآن الكريم لمحمد 73/1)، وأسرار ترتيب القرآن للسيوطي220/1 انظر: الإتقان )1( .)72/1طاهر الكردي
عدد الصفحات ١٨39 « :)1(إلا باستناد إلى أمره ﷺ أو فعله أو تقريره، كما قال الإمام مالك ، وزيد بن ثابت كان )2( ﷺاللهالقرآن على ما كانوا يسمعون من قراءة رسول حاضراً هذه العرضة الأخيرة، وهو كاتب الوحي فعلى هذه العرضة كتبت .)3( عنهمااللهصحف أبي بكر ومصاحف عثمان رضي ) أن جَمْعَ القرآن الكريم في الصدور على عهد النبي ﷺ كان مرتباً آياته 5 وسوره، وقد جمعه عدد من أصحابه في حياته، ثم جمع على ذلك النحو في الصحف والمصاحف توثيقاً وتحقيقاً؛ مخافة أن يزول الجمع الأول بزوال الصدور التي جمعته حين استحرَّ القتل بكثير منهم جهاداً في سبيل سبحانه وتعالى، فما فعله الصحابة من الجمع لم يكن أكثر من استنساخ الله الجمع القائم في الصدور ليكون بين دَفَّتي مصحف، وأن النسخة الأم في .)4(شأن القرآن الكريم كانت الصدور ) إنَّ الذي يتدبَّر في وَضْع السور في المصحف يجدها في غاية الإحكام والاتساق 6 والتناسب، فإنَّ بعضها آخذ برقاب بعض، فكل سورة تجمعها وجه مناسبة لما ختمت به السورة التي قبلها ومكملة لمقاصدها وموضوعاتها، في صورة تحمل الكثير من روائع الإعجاز، بما يؤكد أنه توقيفي صادر عن حكيم عليم، فوق أن يُرَدَّ ذلك لاجتهاد بشري، قال الزركشي غاية المناسبة لما ختم به السورة قبلها، ثم هو يخفى تارة ويظهر أخرى، كافتتاح الأصبحي المدني، إمام الحديث، وصاحب المذهب المالكي الله مالك بن أنس بن أبي عامر أبو عبد )1( ). انظر: التاريخ الكبير هـ179في الفقه، ومن سادات التابعيين والفقهاء الصالحين، توفي سنة ).140)، ومشاهير علماء الأمصار، لابن حبان، (ص310/7للبخاري ).5 المقنع في رسم مصاحف الأمصار لأبي عمرو الداني (ص )2( .)70/1 انظر: تاريخ القرآن الكريم، لمحمد طاهر الكردي )3( .)183/1 انظر: الإمام البقاعي ومنهاجه في تأويل بلاغة القرآن، لمحمود توفيق محمد سعد )4(
عدد الصفحات ١٩40 سورة الأنعام بالحمد؛ فإنه مناسب لختام سورة المائدة من فصل القضاء كما ، وكافتتاح ]75[﴾قال سبحانه: ﴿ سورة فاطر بالحمد أيضاً؛ فإنه مناسب لختام ما قبلها من قوله: ﴿ ، وكما قال تعالى: ﴿ ]54[﴾ ، وكافتتاح سورة الحديد ]45[﴾ بالتسبيح؛ فإنه مناسب لختام سورة الواقعة من الأمر به، وكافتتاح البقرة بقوله: ؛ إشارة إلى الصراط في قوله: ]2،1[﴾ * ﴿ ؛ كأنهم لما سألوا الهداية إلى الصراط ]6[﴾﴿ المستقيم قيل لهم: ذلك الصراط الذي سألتم الهداية إليه هو الكتاب... وتأمل ارتباط سورة لإيلاف قريش بسورة الفيل إلى السور، فما ظَنُّكَ بالآيات، وتَعَلُّقِ بعضها ببعض، بل عند التأمل يظهر أن . )1(القرآن كله كالكلمة الواحدة وقال الزركشي توقيفي صادر عن حكيم أحدها بحسب الحروف كما فى الحواميم، وثانيها لموافقة أول السورة لآخر ما قبلها كآخر الحمد في المعنى وأول البقرة، وثالثها للوزن في اللفظ كآخر تبت وأول الإخلاص، ورابعها لمشابهة جملة السورة .)2(لجملة الأخرى مثل والضحى وألم نشرح ) واستدل أصحاب هذا الرأي بأن الصحابة أجمعوا على المصاحف التي كتبت 7 عنه، وحرقوا ما سواها، ولم يخالف منهم أحدالله في عهد عثمان رضي ).257/1 البرهان في علوم القرآن )1( .)260/1 البرهان في علوم القرآن )2(
عدد الصفحات ٢٠41 في كلماته وآياته ولا في ترتيبه، وإجماعهم لا يتم إلا إذا كان الترتيب الذي أجمعوا عليه عن توقيف؛ لأنه لو كان عن اجتهاد لتمسك أصحاب المصاحف المخالفة بمخالفتهم لكنهم لم يتمسكوا بها بل عدلوا عنها وعن ترتيبهم، عنه اللهوعدلوا عن مصاحفهم وأحرقوها ورجعوا إلى مصحف عثمان رضي ﷺ وإبعاد الظن اللهوترتيبه جميعاً الذي تحرَّى فيه كل شيء الاقتداء برسول .)1(والبدعة ) إن العقل لا يمكن أن يتصور أن هذا الكتاب المجيد الذي حظي بعناية وإجلال 8 وتقديس في الملأ الأعلى والأدنى بما لم يلقه كتاب سابق ترك دون أن توضع .)2(كلُّ سورة منه في موضعها وموقعها الذي يلائمها القول الثاني: أن ترتيب السور اجتهادي: ذهب جماعة من العلماء أن ترتيب السور اجتهادي، اجتهد فيه الصحابة عنه ثم أجمعوا عليه، ولم يكن بتوقيف الله عنهم في عهد عثمان رضي اللهرضي ، والقاضي )4(، وأحمد بن فارس )3(من النبي ﷺ، وممن قال إنه اجتهادي: مالك )، والإعجاز البياني في ترتيب آيات القرآن الكريم 54 انظر: البرهان في تناسب سور القرآن (ص )1( )، ومناهل العرفان في علوم القرآن، للزرقاني269وسوره، للدكتور محمد أحمد يوسف القاسم (ص ). 354/1( .)453/1 انظر: إتقان البرهان في علوم القرآن )2( علماً بأن قول مالك أن اجتهادهم كان وفق ما سمعوه من النبي ﷺ وليس مجرد اجتهاد محض كما )3( هو الظاهر من قوله، وهذا الذي جعل الزركشي في البرهان يقول: الخلاف بين الفريقين لفظي، ولكن منهم من جعله اجتهاداً محضاً من الصحابة، كما هو الظاهر من كلام ابن فارس، وأبي بكر الباقلاني. هو: العلامة أبو الحسين أحمد بن فارس الرّازي اللغوي، من أئمة اللغة والأدب، له مصنفات قيمة )4( .)هـ395منها ).193/1)، والأعلام47/2انظر: الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة
عدد الصفحات ٢١42 فيما اعتمده من قوليه واستقر عليه رأيه، وذكره مكي بن أبي طالب)1(أبو بكر بن الطيب في تفسير سورة براءة، ونسبه ابن الزبير، والزركشي، والسيوطي، وابن حجر )2(القيسي . قال ابن فارس)3(العسقلاني لجمهور العلماء تأليف السور كتقدم السبع الطوال، وتعقيبهما بالمئين فهذا الذي تولَّته الصحابة، وأما الجمع الآخر وهو جمع الآيات في السور فهو توقيفي تولاه النبي ﷺ كما أخبر به عن القاضي أبي بكر بن الطيب )5(، ونقل ابن عطية)4(جبريل عليه السلام عن أمر ربه الباقلاني قوله في تفسير سورة براءة الله عنه في ذلك، وقد ذكر ذلك مكي رحمه اللهعثمان رضي في السور ووضع البسملة في الأوائل هو من النبي ﷺ ولمَّا لم يأمر بذلك في أول براءة تركت بلا بسملة هذا أحد ما قيل في براءة. ثم قال: هذه الآثار تدل على أن السبع الطوال والحواميم والمفصل كان مرتباً في زمن النبي ﷺ، وكان من السور ما .)6(لم يرتب؛ فذلك هو الذي رتب وقت كتابة المصحف هو: القاضي أبو بكر الباقلاني محمد بن الطيب بن محمد بن جعفر بن القسم القاضي البصري، )1( وكان ثقة عارفاً بالكلام. صنف الرد عل الرافضة والمعتزلة والخوارج والجهمية، وهو الملقب بسيف السنة ولسان الأمة المتكلم على لسان أهل الحديث وطريق الشيخ أبي الحسن الأشعري، توفي في ).370/1). الوافي بالوفيات، للصفديهـ403( هو: أبو محمد مكي بن أبي طالب بن محمد بن مختار القيسي، كان فقيهاً مقرئاً، غلب عليه علم )2( .)378/1). انظر: الديباج المذهبهـ437القرآن وكان من الراسخين فيه، توفي سنة )، وفتح 217/1)، والإتقان 324/1)، والبرهان 79 انظر:البرهان في تناسب سور القرآن (ص )3( .)40/9الباري )، والإتقان في 259/1)، والبرهان في علوم القرآن59/1 انظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي )4( .)244/1)، ومناهل العرفان170/1علوم القرآن هو: القاضي أبو محمد عبد الحق بن غالب بن عطية المحاربي الأندلسي الغرناطي، صاحب كتاب )5( .)278/1). انظر: طبقات المفسرين للداوديهـ546المحرر الوجيز في التفسير، توفي سنة ).47/1 المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز )6(
عدد الصفحات ٢٢43 واستدلوا على قولهم بعدد من الأدلة أبرزها ما يلي عنه قَال: (صَلَّيْتُ الله ما رواه مسلم في صحيحه عن حذيفة رضي أولاً: مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَافْتَتَحَ الْبَقَرَةَ، فَقُلْتُ: يَرْكَعُ عِنْدَ الْمِائَةِ. ثُمَّ مَضَى. فَقُلْتُ: يُصَلِّي بِهَا فِي رَكْعَةٍ فَمَضَى. فَقُلْتُ: يَرْكَعُ بِهَا. ثُمَّ افْتَتَحَ النِّسَاءَ فَقَرَأَهَا ثُمَّ افْتَتَحَ آلَ عِمْرَانَ فَقَرَأَهَا يَقْرَأُ مُتَرَسِّلاً إِذَا مَرَّ بِآيَةٍ فِيهَا تَسْبِيحٌ سَبَّحَ، وَإِذَا مَرَّ بِسُؤَالٍ سَأَلَ، وَإِذَا مَرَّ بِتَعَوُّذٍ تَعَوَّذَ، ثُمَّ رَكَعَ فَجَعَلَ يَقُولُ لِمَنْ حَمِدَهُ اللهُمِنْ قِيَامِهِ، ثُمَّ قَالَ ، فقرأ البقرة ثم )1(فَقَالَ النساء ثم آل عمران بدون الترتيب الذي في المصاحف. عنهما قَالَ: قُلْتُ لِعُثْمَانَ الله واستدلوا بحديث ابن عباس رضي ثانياً: عنه: (مَا حَمَلَكُمْ أَنْ عَمَدْتُمْ إِلَى اللهابْنِ عَفَّانَ رضي الْمَثَانِي، وَإِلَى الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ اللهِسَطْرَ ﷺ مِمَّا يَأْتِي عَلَيْهِ الزَّمَانُ وَهُوَ ِاللهعَلَى ذَلِكَ؟ فَقَالَ عُثْمَانُ: كَانَ رَسُولُ تَنْزِلُ عَلَيْهِ السُّوَرُ ذَوَاتُ الْعَدَدِ؛ فَكَانَ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ الشَّيْءُ دَعَا بَعْضَ مَنْ كَانَ يَكْتُبُ فَيَقُولُ: ضَعُوا هَؤُلاءِ الآيَاتِ فِي السُّورَةِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا كَذَا وَكَذَا، وَإِذَا نَزَلَتْ عَلَيْهِ الآيَةَ فَيَقُولُ: ضَعُوا هَذِهِ الآيَةَ فِي السُّورَةِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا كَذَا وَكَذَا، وَكَانَتْ الأَْنْفَالُ مِنْ أَوَائِلِ مَا أُنْزِلَتْ بِالْمَدِينَةِ، وَكَانَتْ بَرَاءَةٌ مِنْ آخِرِ ﷺ؛ِ اللهالْقُرْآنِ؛ وَكَانَتْ قِصَّتُهَا شَبِيهَةً بِقِصَّتِهَا فَظَنَنْتُ أَنَّهَا مِنْهَا فَقُبِضَ رَسُولُ رواه مسلم في صحيحه في كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب: اسْتِحْبَابِ تَطْوِيلِ الْقِرَاءَةِ فِى صَلاَةِ )1( .)1850اللَّيْلِ برقم
عدد الصفحات ٢٣44 وَلَمْ يُبَيِّنْ لَنَا أَنَّهَا مِنْهَا؛ فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ قَرَنْتُ بَيْنَهُمَا؛ وَلَمْ أَكْتُبْ بَيْنَهُمَا سَطْرَ بِسْمِ .)1( الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فَوَضَعْتُهَا فِي السَّبْعِ الطوال ِالله « : )2(قال القاضي عياض المسلمين حين كتبوا المصحف، وأنه لم يكن ذلك من ترتيب النبي ﷺ، بل وكله إلى أمته بعده. وقال: وهذا قول مالك وجمهور العلماء، واختاره القاضي أبو بكر .)3(الباقلاني، وقال: هو أصح القولين مع احتمالهما استدلوا بحديث يُوسُفَ بْنِ مَاهَكٍ قَالَ: إِنِّي عِنْدَ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ثالثاً: عَنْهَا، إِذْ جَاءهَا عِرَاقِيٌّ فَقَالَ: أَيُّ الْكَفَنِ خَيْرٌ؟ قَالَتْ: وَيْحَكَ وَمَا اللهرَضِي يَضُرُّكَ؟! قَالَ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ أَرِينِي مُصْحَفَكِ. قَالَتْ: لِمَ؟ قَالَ: لَعَلِّي أُؤَلِّفُ الْقُرْآنَ عَلَيْهِ؛ فَإِنَّهُ يُقْرَأُ غَيْرَ مُؤَلَّفٍ. قَالَتْ: وَمَا يَضُرُّكَ أَيَّهُ قَرَأْتَ قَبْلُ؟... قَالَ: . ووجه الدلالة فيه أن )4(فَأَخْرَجَتْ لَهُ الْمُصْحَفَ فَأَمْلَتْ عَلَيْهِ آيَ السُّوَرِ )، 8007)، والنسائي في السنن الكبرى برقم3011)، والترمذي برقم786 رواه أبو داود برقم )1( )، والحاكم في المستدرك152/7)، ورواه البيهقي في دلائل النبوة376وأحمد في المسند برقم )، 102/1)، وابن جرير في تفسيره43)، وابن حبان في صحيحه برقم3230) برقم221/1( ج وقد ضعَّفه الشيخ أحمد شاكر، بل حكم عليه أنه لا أصل له؛ وضعَّفه الألباني في ضعيف سنن الترمذي )، ويزيد الفارسي مجهول وقد انفرد بهذا الحديث، ومن قبل: ضعفه ابن عطية فقال599برقم ). وقد حسنه بعض أهل 3/3 هكذااللهالقول يضعفه النظر أن يختلف في كتاب )، وأورده ابن كثير 221/1العلم منهم الإمام الترمذي، وقال الحاكم صحيح الإسناد ولم يخرجاه « :)143)، وقال (ص73،72في فضائل القرآن (ص هو: عياض بن موسى بن عياض بن عمرون اليحصبي السبتي، أبو الفضل، عالم المغرب وإمام أهل )2( الحديث في وقته، وولي القضاء، له مصنفات قيمة، منها ).99/5). انظر: الأعلامهـ544سنة ).27/1)، وروح المعاني61/6 انظر: صحيح مسلم بشرح النووي )3( .)4993 رواه البخاري في صحيحه، كتاب: فضائل القرآن، باب: تأليف القرآن برقم )4(
عدد الصفحات ٢٤45 السائل كان يسأل عن ترتيب السور، بدليل قول عائشة له: وَمَا يَضُرُّكَ أَيَّهُ قَرَأْتَ قَبْلُ؟ لأن السلف متفقون على المنع من قراءة القرآن منكوساً، بأن يقرأ من آخر السورة إلى أولِها، ولو كان السائل يسأل عن ترتيب الآي لأنكرت عليه عائشة قراءة القرآن غير مؤلف. ويُفْهَمُ من هذا الحديث أن الناس كانوا يقرأون القرآن ويكتبونه من غير ترتيب لسوره حتى جمع عثمان مصحفه، وحمل الناس عليه. واستدلوا باختلاف مصاحف الصحابة في ترتيب السور قبل جمع رابعاً: المصاحف العثمانية، فكان مصحف علي بن أبي طالب مرتباً على النزول، فأوله كان ، وكان مصحف ابن مسعود أوله: )1(« « النزول، ومصحف أُبَي « .)2(مصاحف الصحابة عن ترتيب النبي ﷺ، ولكانت جميعاً على ترتيب واحد قالوا: لو كان ترتيب السور بتوقيف من النبي ﷺ لظهر وفشا ونُقِل خامساً: .)3(مثله، وفي العلم بعدم ذلك النقل دليلٌ على أنه لم يكن منه توقيف فيه وكذلك قالوا: إنَّ الخلاف نقل في ترتيب السور دون ترتيب الآيات في سادساً: سورها، مما يدلُّ على أن أمر ترتيب السور مغاير لموضوع ترتيب الآيات. ).79/9 فتح الباري لابن حجر )1( )،353/1)، ومناهل العرفان53/9)، وفتح الباري224/1)، والإتقان276/1 انظر: البرهان )2( .)88/1والتحرير والتنوير ).82 نكت الانتصار لنقل القرآن، للقاضي أبو بكر محمد بن الطيب الباقلاني (ص )3(
عدد الصفحات ٢٥46 القول الثالث: أن ترتيب السور كان بعضها توقيفياً وبعضها كان اجتهادياً ذهب جماعة من العلماء أن ترتيب السور منها ما هو توقيفي، ومنها ما هو اجتهادي، فما وردت فيه الأدلة على ترتيبه قلنا إنه توقيفي، وما لم يرد فيه دليل هذا القول )1(قلنا إن ذلك تركه النبي ﷺ لاجتهاد الصحابة، ونسب ابن عاشور ، قال الزركشي) 2(للجمهور ترتيبها في حياته ﷺ، كالسبع الطوال، والحواميم، والمفصل، وأن ما سوى ذلك . وقال أبو جعفر بن الزبير: )3(يمكن أن يكون قد فوض الأمر فيه إلى الأمة بعده « . وقال ابن حجر )4(قليل من السور يمكن فيها يجري الخلاف أو يكون وقع « ذكر حديث عثمان ثم قال: فهذا يدلُّ على أن ترتيب الآيات في كل سورة كان توقيفاً، ولما لم يفصح النبي ﷺ بأمر براءة أضافها عثمان إلى الأنفال اجتهاداً في المدخل) 6(. وقال البيهقي) 5( تعالى عنهالله منه رضي النبي ﷺ مرتباً سوره وآياته على هذا الترتيب إلا الأنفال وبراءة هو: محمد بن الطاهر بن عاشور، رئيس المفتين المالكيين بتونس، وشيخ جامع الزيتونة، توفي سنة )1( .)174/6). انظر: الأعلامهـ1393( قال )2( .)88/1( .)255/1 والملاحظ في قوله أنه لم يذكر شيئاً في الاجتهاد. البرهان في علوم القرآن )3( .)82 انظر: البرهان في تناسب سور القرآن (ص )4( .)53/9 فتح الباري )5( بن موسى الحافظ، أبو بكر البيهقي النيسابوري، حافظالله هو: أحمد بن الحسين بن علي بن عبد )6( كبير من أئمة الحديث، وأصولي نحرير، زاهد ورع، من كتبه ).116/1). انظر: الأعلامهـ458و
عدد الصفحات ٢٦47 في الإتقان ترتيبها توقيفي إلا براءة والأنفال الزرقاني في كتابه بعد أن ذكر حديث عثمان)2(. وقال ابن العربي)1(العلماء، ولعلَّه أمْثَلُ الآراء ، وأن تأليفه من تنزيله، اللههذا كله دليل على أن تأليف القرآن كان منزلاً من عند يبينه النبي ﷺ لأصحابه، ويميّزه لكتّابه، ويرتبه على أبوابه، إلا هذه السورة فلم يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، ولا يسأل اللهيذكر لهم فيها شيئاً، ليتبين الخلق أن عن ذلك كله، ولا يعترض عليه، ولا يحاط بعلمه إلا بما أبرز منه إلى الخلق، وأوضحه بالبيان. ودلَّ بذلك على أن القياس أصل الدين، ألا ترى إلى عثمان وأعيان الصحابة كيف لجأوا إلى قياس الشبه عند عدم النص، ورأوا أن قصة براءة قد بيَّن دخول القياس في تأليف اللهشبيهة بقصة الأنفال، فألحقوها بها فإذا كان .)3(القرآن فما ظنك بسائر الأحكام؟ وقد اختلف القائلون بهذا القول في السور التي جاء ترتيبها عن توقيف والسور التي جاء ترتيبها عن اجتهاد، فمنهم من نصَّ على أن الاجتهاد فقط في سورة التوبة والأنفال، مثل البيهقي والسيوطي وابن العربي، ومنهم من لم ينصَّ على ذلك لكنه لم يُسَمِّ غيرها، منهم ابن عطية وابن الزبير وابن حجر. ).357/1 (ج )1( بن أحمد المعروف بابن العربي الأندلسي، كان مقدماً في الله هو: الحافظ أبو بكر محمد بن عبد )2( ). انظر: طبقات المفسرين للداوديهـ543جميع المعارف، حريصاً على أدائها ونشرها، توفي سنة ).181/1( .)446/2 أحكام القرآن لابن العربي )3(
عدد الصفحات ٢٧48 المبحث الثاني مناقشة أقوال العلماء في ترتيب السور مع الترجيح انقسم موقف المحققين في النظر إلى اختلاف أقوال العلماء في ترتيب السور وترجيح أحد الأقوال في عمومه إلى فريقين: نظر في أدلة كل قول ورجَّح أحد الأقوال بقرائن ترجحت الفريق الأول: عندهم، كما سبق من بيان ما استدلَّ به كل فريق لترجيح قولهم. نظروا إلى الخلاف على أنه لفظي أكثر من أنه عملي فهوَّنوا منه، الفريق الثاني: كما قال الزركشي اجتهاد منهم يقول: إنه رمز إليهم بذلك، لعلمهم بأسباب نزوله، ومواقع كلماته؛ ولِهذا قال الإمام مالك: إنَّما ألفوا القرآن على ما كانوا يسمعونه من النبي ﷺ، مع قوله بأن ترتيب السور اجتهاد منهم، فآل الخلاف إلى أنه: هل ذلك بتوقيف قولي، أم بمجرد استناد فعلي، وبحيث بقي لهم فيه مجال للنظر .)1(ذلك أبو جعفر بن الزبير والظاهر أن الزركشي وابن الزبير يتحدثان عن الفترة التي سبقتهما من خلاف العلماء، كما هو ظاهر من قول مالك، أما الخلاف فيمن جاء بعدهما ليس خلافاً لفظياً فقط لأنهم نصوا على أنه اجتهادي تولته الصحابة من بعد النبي ﷺ؛ ولذا كانت الحاجة إلى تحقيق وتحرير الموضوع من الأهمية بمكان؛ والذي يميل إليه الباحث؛ وإن تباينت أقوال العلماء في ذلك هو ترجيح القول بأن ترتيب سور القرآن كلها أعلم - وذلك للآتي:اللهتوقيفيٌّ - و ).172/1 الإتقان )1(
عدد الصفحات ٢٨49 قوة أدلة الفريق الأول ووضوحها سواء أكانت الأدلة النقلية، أو الأدلةأولاً: العقلية، مع ضعف أدلة الفريق الثاني والثالث، إما من حيث السند، أو من حيث تعالى.اللهالحجة والدلالة، كما سوف نبين ذلك بإذن لورود أحاديث كثيرة عن النبي ﷺ تشير إلى الترتيب الذي في المصاحف ثانياً: . وعن عبد الرحمن )1(اليوم منها قوله ﷺ ابن يزيد بن قيس قال: (سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَالْكَهْف، وَمَرْيَمَ، . وبما ورد كذلك عن النبي ﷺ )3( الأُْوَلِ )2(وَطه، وَالأَْنْبِيَاءِ: إِنَّهُنَّ مِنْ الْعِتَاق ﴾إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ كُلَّ لَيْلَةٍ جَمَعَ كَفَّيْهِ، ثُمَّ نَفَثَ فِيهِمَا، فَقَرَأَ فِيهِمَا ﴿ ﴾، ثُمَّ يَمْسَحُ بِهِمَا مَا اسْتَطَاعَ مِنْ جَسَدِهِ ﴾ و﴿و﴿ . وكقراءته )4(يَبْدَأُ بِهِمَا عَلَى رَأْسِهِ وَوَجْهِهِ، وَمَا أَقْبَلَ مِنْ جَسَدِهِ، يَفْعَلُ ذَلِكَ ثَلاثَ مَرَّاتٍ في صلاة الجمعة بسورة الجمعة والمنافقين، كما روى مسلم في صحيحه عَنِ ابْنِ ﴾ السَّجْدَةُ * عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ في صَلاَةِ الْفَجْرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ﴿ ﴾، وَأَنَّ النبيَّ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ في صَلاَةِ الْجُمُعَةِ سُورَةَ وَ﴿ . وفي رواية الترمذي وغيره )5(الْجُمُعَةِ وَالْمُنَافِقِينَ عنه الله. وروي عن أنس رضي )6(﴾﴾ وَ﴿ بـِ ﴿ ).1337 رواه مسلم في كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب: فضل قراءة القرآن وسورة البقرة برقم )1( وقوله )2( .)4610 رواه البخاري في صحيحه كتاب فضائل القرآن، باب: تأليف القرآن، برقم )3( .)4630 رواه البخاري في صحيحه كتاب فضائل القرآن، باب: فضل المعوذات، برقم )4( .)2068 رواه مسلم في كتاب:صلاة المسافرين وقصرها، باب: ما يقرأ في يوم الجمعة، برقم )5( )، وأحمد في المسند637)، والنسائي برقم1174)، وابن ماجه برقم536 رواه الترمذي برقم )6( )، وقال شعيب الأرناؤوط في تعليقه على المسند: إسناده صحيح على شرط مسلم18454برقم )، وقال الترمذي: حَدِيثٌ 276/4رجاله ثقات رجال الشيخين غير حبيب بن سالم فمن رجال مسلم ). 423/2حَسَنٌ صَحِيحٌ
عدد الصفحات ٢٩50 إن أثر الوجعالله ﷺ ذات ليلة شيئاً، فلما أصبح قيل: يا رسول اللهأنه قال: وجد رسول .)1( قد قرأت البارحة السبع الطوالاللهعليك لبيّن، قال ومما رجَّح هذا الرأَيَ قولُ سليمان بن بلال قال ثالثاً: - يسأل: لِمَ قدِّمت البقرة وآل عمران )2(أبي عبد الرحمن، المعروف بربيعة الرأي وقد نزل قبلهما بضع وثمانون سورة بمكة، وإنما نزلتا بالمدينة؟ فقال: قدِّمتا، وألف القرآن على علم ممن ألفه به، ومن كان معه فيه، واجتماعهم على علمهم بذلك، فهذا . قال ابن وهب: وسمعت مالكاً يقول )3(مما ينتهى إليه ولا يسأل عنه .)4(القرآن على ما كانوا يسمعونه من النبي ﷺ فهذا الأثر وما جاء فيه يرجح أن ترتيبه توقيفي؛ لأنه لو كان تم باجتهاد لبني ذلك الاجتهاد وفق معطيات واضحة، مثل: أن يرتب على حسب أسبقية النزول، أو الطول، أو القصر، أو الموضوعات، ولا نجد في ترتيب القرآن كل هذه المعطيات التي يمكن أن تنبني عليها الاجتهادات البشرية، وهذا يؤكد أن ترتيبه من لدن حكيم خبير. )، والحاكم 2329)، والبيهقي في شعب الإيمان برقم1073 رواه ابن خزيمة في صحيحه برقم )1( )، وقال 1106في المستدرك على الصحيحين برقم ) 3649)، والهيثمي في مجمع الزوائد ومنبع الفوائد حديث برقم 177/3ولم يخرجاه )، وضعَّفه الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة 323/2وقال ). 3995برقم هو الإمام، مفتي المدينة أبو عبد الرحمن القرشي التيمي مولاهم، المشهور بربيعة الرأي، كان )2( )،89/6). سير أعلام النبلاء للذهبيهـ 136فقيهاً عالماً بالحديث من أئمة الاجتهاد. توفي سنة ). 194/1وشذرات الذهب )، وقال صاحب المقدمات الأساسية 220/1)، والإتقان 86 فضائل القرآن (ص )3( .)136»)1016/3أخرجه عمر بن شبَّة في تاريخ المدينة ). 60،59/1 الجامع لأحكام القرآن للقرطبي )4(
عدد الصفحات ٣٠51 ومما يؤكد أن ترتيبه توقيفي أن الجمع الذي تم في عهد أبي بكر رضيرابعاً: عنه لم يكن لترتيب الآيات أو السور، الله عنه، وكذلك في عهد عثمان رضي الله وإنما كان لجمع القرآن في مصحف واحد في عهد أبي بكر، ونسخه في عدد من المصاحف في عهد عثمان، فلو كان هناك اجتهاد يتعلق بترتيب السور أو غير ذلك لنقل إلينا، كما نقل إلينا ما هو دونه بكثير. ما صحت به الروايات الصحيحة بأن النبي ﷺ كان له ورده اليومي خامساً: جلَّ جلاله يحرص على قراءته حتى يختم القرآن بين الحين والحين، اللهمن كتاب وَفْق تحزيب معين للقرآن الكريم كما في حديث وفد ثقيف، وكان للصحابة الكرام عنهم أورادهم اليومية، وتحزيبهم كذلك للقرآن وفق هديه ﷺ كما أشار اللهرضي حديث وفد ثقيف وغيره إلى ذلك، حيث جاء فيه ؟ قَالَ: طَرَأَ عَلَيَّ حِزْبٌ مِنْ الْقُرْآنِ فَأَرَدْتُ أَنْ لا أَخْرُجَ حَتَّى أَقْضِيَهُ، قَالَ: فَسَأَلْنَا ِالله ﷺ حِينَ أَصْبَحْنَا، قَال: قُلْنَا: كَيْفَ تُحَزِّبُونَ الْقُرْآنَ؟ قَالُوا: نُحَزِّبُهُ ِاللهأَصْحَابَ رَسُولِ ثَلاثَ سُوَرٍ، وَخَمْسَ سُوَرٍ، وَسَبْعَ سُوَرٍ، وَتِسْعَ سُوَرٍ، وَإِحْدَى عَشْرَةَ سُورَةً، وَثَلاثَ عَشْرَةَ سُورَةً، وَحِزْبَ الْمُفَصَّلِ مِنْ قَافْ حَتَّى يُخْتَمَ اللهله ترتيب محدد وهذا صار له طريقة متوافقة في تحزيبه مسترشدين بهدي رسول ﷺ في تحزيبه. إن القول بالتوقيف يزيد من عظمة القرآن وجلاله، ويقوي الوحدة سادساً: المعنوية بين سور الكتاب المبين وهي بارزة فيه، ويقطع الطريق أمام المشككين المجيد؛ هذا إذا كانت الأقوال متوازية فكيف إذا كان القول اللهوالطاعنين في كتاب سبحانه وتعالى مثل هذا اللهبالتوقيف هو راجح، وليست هنالك حكمة ظاهرة أن يدع لعباده، ولو كانوا صحابة نبيه الكريم فيما يتعلق بكتابه المجيد الذي حَظِيَ بالعناية الكاملة في السموات والأرض.
عدد الصفحات ٣١52 لأنَّ أدلة الفريق الثاني والثالث عليها ملاحظات وتعقيبات واضحة سابعاً: تضعف الاستدلال بها، وهي: - فلا يقوي )1() أنَّ استدلالهم باختلاف ترتيب مصاحف الصحابة - إن صح1 لهم دليلاً فيما ذهبوا إليه؛ وذلك لأنه يمكن رده بالآتي أ - أن ذلك كان قبل العرض الأخير؛ وربما يكون ذلك قبل علمهم بالتوقيف؛ الذي كان في نهاية الأمر بعد اكتمال نزول القرآن الكريم، حيث أثبت فيه ما لم ينسخ، وما ثبت من قراءات في العرضة الأخيرة، وما استقرَّ عليه القرآن من حيث الترتيب، فقد جاءت المصاحف العثمانية على ما استقر في العرضة الأخيرة في جميع الجوانب مما يمكن أن يكون لم يبلغ أُبيّاً وابن مسعود كما لم يبلغهما نسخ ما وضعاه في مصاحفهما من القراءات التي تخالف المصحف العثماني، فالذي بين أيدينا هو المتوافق مع التلاوة والكتابة النبوية الذي استقر عليه القرآن في عرضته الأخيرة، دون تلك الكتابات المتفرقة التي كانت لبعض الصحابة، وهي لم تَحْظَ بتدقيق وعناية كما حظيت المصاحف العثمانية؛ لأنه لا يستطيع أحد منهم أن يدعي أنه باشر جميع ما نزل ولم يغب عنه شيء، خاصة وقد كانوا في تلك الفترة أصحاب مهمات وأعمال أخرى في نصرة الدين، والقرآن كان ينزل منجماً، ومنه ما ينسخ بعد نزوله، وقد تكتمل سورة نزلت متأخرة قبل سورة نزلت متقدمة كالبقرة والتوبة، ولذا كان الواحد إذا غاب في سَرِيَّة أو أي مهمة ثم نزلت سورة أو آيات بعد أن يرجع تلقاها ثم كتبها في مصحفه. ب - قالوا: الاختلاف بين مصاحف الصحابة إن صح ليس دليلاً على نفي التوقيف؛ وذلك لأن مصاحف الصحابة كانت خاصة بهم ولم تكن عامة للناس، ولم لأن الروايات التي نقلت في اختلاف مصاحف الصحابة عن ما جاء في المصاحف العثمانية جاءت )1( في كتب لم يلتزم مؤلفوها صحة الرواية؛ وقد تكلم العلماء في سندها وبينوا ضعفها، وهو موضوع يحتاج أن يفرد بالدراسة والتحقيق، وليس مجال هذا البحث يسع لذلك.
عدد الصفحات ٣٢