المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

مجلة حوليات التراث العدد 02 2004 مستغانم

Med Alg

صفحة ٦ من ١٤

خليل لجبران" النبي "في الإنسانية والحياة للعالم الصوفية الرؤيا 81 - اﻟ ﻌﺪد2 ﺳﺒﺘﻤﺒﺮ ،2004 للإبحار، وفي أعماقي شوق عظيم يترقب هبوب الريح على القلوع بفارغ الصبر ولـكنني أود أن أتنفس مرة واحدة في هذا الجو الهادئ وأن ابعث بنظرة عطف وليست نظرة العطف هذه التي يريد أن يلقيها إلا كلمته المجنحة . وليس الوراء إلا الحياة الإنسانية التي تبرقع بها دهرا. وليس أهل أورفليس تلك إلا المجتمع البديل الذي سيرث رسالته المقدسة. أما البحر التي تترجح أصداء ندائه المبهمة في نفس النبي، فليس إلا ذاته الـكبرى التي يحن إلى الالتحام بها، لأنها أول مرة. وبذلك فالبحر قد يغدو أيضا رمزا "إلى الرحم الأولى التي انفصل عنها ولذلك فمشروع النبي هو العودة بالإنسان إلى لحظة ولادته الأولى، إلى عهد الفطرة والبراءة حيث كان يعيش حالة "العري" من كل ما يمت إلى نظام المدينة بصلة. لا يخفي رفضه للإنسان "الصناعي"، وحنينه إلى الإنسان "الطبيعي" وجبران إذ يتمنى زوال الحضارة التي فصلت الإنسان عن نبعه الروحي الأول: الطبيعة، لـكنها تبقى مجرد أمنية لم تحن ساعتها بعد إذ يقول نبيه المسمى "المصطفى" لأهل بددها في الإحراج والرياض أورفليس: "أواه لو أتستطيع أن أجمع بيوتكم بيدي فأ كما يبذر الزارع زرعه في الحقول. أود لو كانت الأودية شوارع لـكم، ومسالك التلال الخضراء أزقة تطرقها أقدامكم عوضا عن أزقتكم وشوارعكم القذرة... ع ذلك، يدعو أهل لـكنه م يعيشوا بين الطبيعة في تصورهم للحياة، إذا كان لابد أن ل نموذجالمدينة إلى تمث : "اِبن من خيالك مظلة في الصحراء قبل أن تبني بيتا في داخل أسوار المدينة قائلا 9(. وإذا كان خليل حاوي قد لاحظ بأن جبران "يذم... حياة الحضارة في وأرجع ذلك إلى افتقار جبران إلى المسؤولية الثقافية والاجتماعية الصحيحة، مما جعل النبي عملا مترديا ينقصه وعلى ، فإننا نرى عكس ،

عدد الصفحات ٨١

مكرومالسعيد 82 - اﻟ ﺣﻮﻟﻴﺎت ﺘﺮاثﻣﺠﻠﺔ لك، فمن حق الفنان أن يحلم شعريا بواقع مثالي، عقلي، مجهول على أنقاض ذ واقع موضوعي معلوم، ذلك أن الحقيقة الشعرية هي حقيقة رمزية لا حرفية. وعلى هذا النحو يحب فهم خطاب النبي، فكثير من مقاطعه شعري. وإذ يتمنى ي بذلك ما تنطوي عليه جبران زوال الحضارة لتقوم مقامها حياة بدائية، فإنما يبتغ هذه الحياة من معان روحية، لا الارتداد إلى عهد الطفولة الإنسانية. وهو الغرض نفسه الذي من أجله أشاد "جان جاك روسو" بحياة المتوحش البدائي، شيوعي طوباوي في نهاية التاريخ. ومن أجله حلم "ماركس" بقيام مجتمع من الغرض الجـبراني هو دعوته إلى وما يدفعنا إلى ترجيح وجهة النظر هذه عدم الفصل بين الحياة والدين. فالدين في نظره ليس رهين الطقوس والدعوات، بل إنه يشمل جميع مجالات الحياة إذ هو معاملة أخلاقية وحضارية. ففي الفصل الخاص بالدين يقول جبران على لسان النبي: "إن حياتكم اليومية هي هيكلـكم وهي خذوا معكم كل ما لـكم عندما تدخلون هيكلها. خذوا السكة والـكور ديانتكم. ف والطنبور، وكل ما لديكم من الآلات التي صنعتموها رغبة في قضاء حاجاتكم أو فلو كان جبران مبطلا لمنجزات الحضارة، لما ها ضرورية للتخفيف طلب من البشر أن يستخدموا آلاتهم المخترعة لأنه يفهم أن من أعباء الـكفاح في الحياة. وعلى هذا النحو، يجب فهم دعوة النبي على أنها دعوة إلى إقامة حضارة على أساس روحي، حضارة يصبح فيها الإنسان عظيما "كالسنديانة الجبارة المغطاة ء، ببراعم التفاح الجميلة، فقدرته تقيدكم بالأرض، وشذاه يرفعكم إلى أعالي الفضا هكذا يقول النبي لأهل أورفليس مشيدا بالإنسان البالغ العظمة، الكامن في ذواتهم. وهو ما يعني تأليه الإنسان، ذلك أن ألوهيته كامنة فيه بالقوة، وهو يدركها في الأبد، لـكن نه عظيم بجسده وروحه معا، دون اجتثاث جذوره من الأرض التي أنبتته لأ فالجوهر والعرض كلاهما واحد في نظر جبران. وإذ يكتشف هذه الحقيقة التي واعتزازه بالانتماء ينطوي عليها الوجود البشري كله، فإنه يبدي محبته الكلية للبشر،

عدد الصفحات ٨٢

خليل لجبران" النبي "في الإنسانية والحياة للعالم الصوفية الرؤيا 83 - اﻟ ﻌﺪد2 ﺳﺒﺘﻤﺒﺮ ،2004 : "وأنتم لا تعرفون العظمة إلا بهذا الإنسان العظيم الذي فيكم، وعندما إليهم قائلا فلولاهم لما تملـكه الحب الشديد للحياة إذ وهي العطية التي جعلته يتحرق شوقا إلى الينبوع الذي انبثقت منه جميع المخلوقات، ألا وهو يترجمه قول النبي: "إنه ما من عطية الروح الكلي الخالد، ضمير كل شيء. وهو ما في هذا العالم أجزل فائدة للإنسان من العطية التي تحول كل ما في كيانه من الميول والرغبات إلى شفتين محـترقتين عطشا وتجعل حياته جميعها ينبوعا حيا ذلك أن غاية هذا العطش أو الشوق هو بلوغ الوحدة الشاملة، ومنها الإنسان في كل زمان ومكان، حيث يبلغ الفرد الجـبراني ذروة ارتقائه، التوحد ب ومعه ترتقي الحياة الإنسانية وتحقق كمالها النهائي. و"النبي" هو درجة في هذا الارتقاء التي جعلت أهل أورفليس يغدون له أنصارا وأتباعا، ينشدون مثاله للإنسان في الأبد، وهو وقد نتساءل كيف يتم هذا الارتقاء الروحي الأخلاقي. بطبعه ناقص، يجـترح الشرور والآثام؟ فـ"من الواجب أن ينظر إليه بصفته مقيدا والجواب "أن الخلاص لا يمكن إلا أن يكون كونيا لا فرديا. وعلى هذا يجب أن تكون عجلة يع، حتى الذين بلغوا حالة الـكمال الروحي، فهؤلاء أيضا لا التقمص هي نهاية الجم وهنا تطرح بالفعل مسألة الحرية في التصور الجـبراني لها، في سياق المرحلة الجديدة التي دية أثر في تغيير الوضع الشخصي أصبح "النبي" رمزا لها. فإذا لم يكن للإرادة الفر والإنساني عبر كفاح الإرادة تلك، لتحقيق الخلاص الشامل، فإن الأمر إذن هو موكول إلى الإرادة الـكونية، إرادة الروح الكلي. ومعنى هذا قبول جبران أخرا بالعذاب الإنساني إلى حين تبدده نهائيا مع بلوغ الإنسان حالة كماله المطلق باتحاد اديتين: إرادة الذات الصغرى )الذات الفردية( مع إرادة الذات الـكبرى الإر )الإرادة الإلهية(. ولن يتحقق هذا إلا عبر دوامة التناسخ الأبدية. وما دام الأمر كذلك، فما على الإنسان إلا أن يحمل صليبه على كاهله مستمرئا عذابه إلى حين

عدد الصفحات ٨٣

مكرومالسعيد 84 - اﻟ ﺣﻮﻟﻴﺎت ﺘﺮاثﻣﺠﻠﺔ ن تعني حالة الانتظار هذه ارتقاب تجلى الروح الكلي )الله( على العالم، دون أ عودة المسيح الجبار أو قيام ملـكوت السماء، ذلك أن العقيدة الجـبرانية في وحدة نافر مطلقا مع عقيدة البعث المسيحية.تـتالوجود هي -كما يخاطب النبي البشر -وعلى هذا النحو، فالحرية بالمعنى الجـبراني ءكم بمنطقة الجهاد والعمل، وٺثقل كاهلـكم ق هموم الحياة وأعمالها أحقا"أن تنط فلا معنى للحرية بدون مكابدة الآلام والاستسلام لمشيئة الروح الكلي وحكمته. فالتحرر من نواقص الحياة وأعبائها مرهون بقبول المعاناة المؤقتة لأنها هي في حد اتها شكل من التمرد الصامت على عجز الذات البالية العتيقة، ذلك أن ما يقيد ذ مصير الإنسان ليس أشكال العبودية الموجودة خارجه، وإنما هي الأهواء النازفة في داخله. ولن يتحرر منها إلا بتجديد حالة الميلاد الذاتية عبر التناسخ والتقمص، اء معرفته الروحية وتصاعد شوقه إلى الوحدة فيتسامى عن تلك الأهواء بارتق : كله. وهو ما يفوه به النبي قائلاالشاملة، حتى ينحسر الظل ويسود النور العالم "وماذا يجدر بكم طرحه عنكم لـكي تصيروا أحرارا سوى كسر صغيرة رثة في ذاتكم فيكم وليست هذه الـكسر الصغيرة الرثة إلا تلك "الرغبات تتحرك كالأنوار والظلال، فإذا اضمحل الظل ولم يبق له من أثر أمسى النور المتلألئ ظلا لنور آخر سواه. وهكذا الحال في حريتكم، إذا حلت قيودها أمست هي نفسها قيدا إذن فالغاية من الوجود الإنساني ليست التحرر من ناقصا، لـكنه يتوق فطريا إلى الامتلاء النقص الأخلاقي في الإنسان، فهو يولد من النبع الـكوني وهو ما سيتحقق له في الأبد عبر الولادة المتجددة. ولـكن لا يجب النظر إلى النقص الإنساني باعتباره شرا، إذ من شأن ذلك أن يجزئ كيان الإنسان، الشبيه بالسنديانة الجبارة، فلا يصلح وصفه مرة بالشر ومرة أخرى ذلك أن "الثمرة لا تستطيع أن تقول للجذر: كن مثلي ناضجا جميلا جوادا، بالخـير، يبذل كل ما فيه لأجل غيره لأن العطاء حاجة من حاجات الثمرة لا تعيش 24(.

عدد الصفحات ٨٤

خليل لجبران" النبي "في الإنسانية والحياة للعالم الصوفية الرؤيا 85 - اﻟ ﻌﺪد2 ﺳﺒﺘﻤﺒﺮ ،2004 لبدء فالإنسان هو، في التحليل النهائي، ذات كلية شاملة، مسكونة منذ ا بالعظمة. أمّا أن أمر إدراكها )العظمة( متفاوت بين الأفراد فهو صحيح، لـكنه غير ممنوع إذ تحقيقها هو منال متأت للجميع بسبب الحنين المتأصل في الإنسان إلى ذاته الجبارة. يقول النبي: "أجل، إن الخـير الذي فيك إنما هو في حنينك إلى ذاتك ميعكم. غير أنه يشبه في البعض منكم سيلا جارفا الحنين فيكم ج الجبارة. وهذا يجري بقوة منحدرا إلى البحر، فيحمل معه أسرار التلال والأودية وأناشيد الأحراج والجنان. وهو في غيرهم أشبه بجدول صغير يسير في منبسط من الأرض، يريق ماءه في الزوايا والمنعرجات، ولذلك يطول به الزمان قبل أن يصل وهكذا، تنتفي ثنائية الخـير والشر، ويتوحد كلاهما في ذهن جبران متجاوزا بذلك الحكم الأخلاقي التصنيفي لأشكال الوجود عند الفلاسفة المثاليين، ومفكري اللاهوت المسيحي. وهي نزعة جبرانية تتجه نحو تبرئة ساحة ن إلى التوحد بالله ليس الإنسان من الخطيئة التي ألصقتها به المسيحية. فالحني مدفوعا بالشعور بالذنب بل مدفوع بالشوق الخالص الكامن في الذات. وهكذا يتخذ الفكر الجـبراني مسارا آخر مغايرا للوجودية الغربية المؤمنة عند كير كجورد، التي تجعل انتقال الفرد من المدرج الحسي إلى الأخلاقي وصولا إلى ذلك أن جبران يعتبر حركة الوجود الإنساني موجهة بالقدر الـكوني الذي ينتقل به من حالة إلى أخرى نحو كماله، دونما تدخل للفعل الفردي الخاص، فمآل الصيرورة الـكونية هو حتمي المعتقد نحو ولادة الإنسان الكامل، المزدهي بألوهيته. وتفسير هذا التحول في الجـبراني من الأسلوب الوجودي الذي ميز مراحله السابقة نحو الاتجاه الصوفي الجـبري الخالص هو خروجه من أزمته اللاانتمائية نحو الخلاص النهائي في الانتماء إلى ذاته، إلى الإنسان الـكوني الكامن في كل الذوات الإنسانية، فلقد منحه دة الذات وتلاحمها.جود شعورا بوحالإيمان بوحدة الو أما المركز الروحي الذي صار يستقطب اهتماماتها وميولها ونزعاتها فهو الـكينونة الإلهية التي تنطوي عليها. فلم يعد الله وجودا أعلى مفارقا لوجود أدنى بل

عدد الصفحات ٨٥

مكرومالسعيد 86 - اﻟ ﺣﻮﻟﻴﺎت ﺘﺮاثﻣﺠﻠﺔ غدا ضميرا حيا خالدا، مستوطنا الذات. وبالتالي تغدو النفس الإنسانية المتأهلة دامت هذه النفس أي أنها هي خالقة الشريعة والنظام. وما مصدر القيم جميعا الإنسانية متمخضة عن الروح الكلي الشامل الذي يسود الـكون، فكل ما يصدر عنها هو متطابق مع الحقيقة. وليست هذه الحقيقة متعالية عن الإنسان بل إنها لأسمى تفيض موجودة في حنينه إلى ذاته الجبارة. وحالما يتحقق له هذا الوجود ا العالم في النظام العدل تلك الحقيقة عن ذاته صورة للوجود الحق الشامل، فيتوحد المطلق. غير أن تجلي هذا النظام الشامل هو رهن الولادة المتجددة للذات الصغرى الحالمة بالاتساع. ولذلك يعتقد جبران بالعودة المتجسدة إلى هذا العالم حتى يسهم وع الـكوني بإضافة لبنة إلى بنائه الشامخ حتى ينتقل تجسيده في تحقيق ذلك المشر : عل. وهو ما يعبر عنه النبي قائلامن طور الوجود بالقوة إلى طور الوجود بالف "قليلا ولا ترونني، وقليلا ترونني، لأن امرأة أخرى ستلدني. أودعكم وأودع قد أنشدتم لي الشباب الذي قضيت بينكم، فإننا في الأمس قد اجتمعنا في حلم في وحدتي، وبنيت لـكم من أشواقكم برجا في السماء... فإذا جمعنا شفق الذكرى مرة أخرى فإننا حينئذ نتكلم معا، وحينئذ تنشدون لي أنشودة أوقع في النفس من أنشودة اليوم. وإن اجتمعت أيدينا في حلم ثان فهنالك سنبني برجا آخر في تالية، يضيف الإنسان درجا آخر إلى سلم ارتقائه وهكذا بالعودة المت حتى يتوحد الحلم بالواقع. وفي سبيل تحقيق هذا المشروع الجـبراني الحضاري، فإن المحبة يجب أن تكون شريعة الإنسان في كل زمان ومكان بأن تفيض ينابيعها فتروي شجرة لا أمل في خلودها، الإنسان الجبارة. فدوام نموها يحتاج إلى ماء المحبة إذ بدونه ومادام وجودها ضروريا واجبا، فحق أن ينقاد لندائها كل قلب بشري لأن حقيقة الـكون قائمة بها، فـ"إذا أحببت فلا تقل: إن الله في قلبي، بل قل صدر المحبة بمفهومها الإنساني الشامل تـتوهكذا ، فقد "أحس أن الذات لا يمكن أن تتخطى نظام الفضائل جميعا عند جبران

عدد الصفحات ٨٦

خليل لجبران" النبي "في الإنسانية والحياة للعالم الصوفية الرؤيا 87 - اﻟ ﻌﺪد2 ﺳﺒﺘﻤﺒﺮ ،2004 نفسها لتبلغ الذات العظمى مادام فيها كره واحتقار وسخرية ونقمة. فتخطي الذات يشترط محبة تشمل الإنسانية جمعاء والوجود بكامله، مادامت الذات كما تقول نازك سابا يارد في وبهذا المعنى، فالمحبة الجـبرانية وإن كانت تشكل بعدا -السابق ب كتامقدمتها ل مسيحيا في مشروعه، إلا أن الذي اقتضاها فلسفيا عنده هو إيمانه بوحدة الإنسان طابق لا مع المعتقد المسيحي ولا ٺتوالوجود معا، ذلك أن صورة الله في ذهنه لا بة المسيحية القبول بالقدر المعتقدات السماوية الأخرى غير أنه كما تفترض المح المأساوي للإنسان فوق الأرض، فكذلك المحبة الجـبرانية. وفي حين تجعل الأولى نهاية العذاب الإنساني مرتبطا بنهاية التاريخ وقيام ملـكوت الأبدية، فإن الثانية تربط نهايته باتساع الذات وبلوغ الإنسان حالة كماله في التاريخ أي على هذه هذا العالم. وحسبُ المحبة أن تسود العالم فتتحقق معها جميع الفضائل الأرض وفي الأخرى، ذلك أن هذه تبع لتلك. وهو السبب الذي جعله يقدم الحديث عنها ب النبي. أما أخرى الفضائل التي أشاد بها في مشروعه فهي: كتا)المحبة( في أول بها جميعا يقوم صرح العطاء، التضحية، التسامح، العمل، الحرية، الجمال. و لعقل والهوى في النفس الإنسانية.الحضارة الشامخ في ظل من توازن ا ويعد هذا التوازن ضروريا لعودة السلام والوحدة إلى النفس وهو يقر برغبته هذه قائلا على لسان النبي: "وإنني أود أن أكون صانع سلام في نفوسكم سلام"فأحول ما فيكم من تنافر وخصام إلى وحدة و إذ لا يمكن تجسيد ، مشروع المحبة إذا ظل الاختلاف قائما بين قطبي النفس: العقل والهوى. فالغاية من التوفيق بينهما هي الحفاظ على الجوهر الروحي للطبيعة الإنسانية فلا تجنح نحو قطب دون الآخر لأن في ذلك تأثيرا سلبيا على مسار الحضارة. وإذ يعترف لعقل والنفس هما سكان النفس وشراعها وهي سائرة في بحر جبران بأن "ا فإن هذا التحديد لهوية الذات الإنسانية يعني أنه لا ينكر إنجازات ، عارض مع نظام فضائله سواء أكانت هذه الإنجازات معنوية ٺتالعقل ما لم س وأهوائها روحية أم تقنية مادية، كما يعني ذلك إقراره بحق إشباع حاجات النف

عدد الصفحات ٨٧

مكرومالسعيد 88 - اﻟ ﺣﻮﻟﻴﺎت ﺘﺮاثﻣﺠﻠﺔ ما لم تؤد هي أيضا إلى الإخلال بتلك الفضائل. فالتوازن بين عناصر النفس ضروري "لأن العقل إذا استقل بالسلطان على الجسد قيد أهواءه. ولـكن الأهواء إذا لم يرافقها العقل كانت لهيبا يتأجج ليفني د ألا يفصل كما يقول النبي. وإذا شئنا توضيحا نقول إن جبران يري ، التقدم الحضاري الإنسان عن فطرته التي جبل عليها أول ما انفصل عن روحه الكلي الذي تتخايل ظلاله في الطبيعة، "لـكن هذه الفطرة ليست الانسياق الأعمى د حضورا لاقة التي تهدم مدينة زائفة لتولوراء الهوى الغريزي بل إنها الفطرة الخ ذلك أن المدنية الغربية التي عاش في ظلها لم ، تكن تقيم ذلك التوازن الحكيم، فأطلقت العنان للعقل والهوى معا، فغدت مادية حيوانية، لا يزعها ضابط من روح الإنسان. وبما أن جبران يؤمن بالطبيعة فهو - كما عبرت عنه من قبل آمنة العلوية -الروحية للوجود الإنساني والـكوني يهدف إلى تصحيح مسار الحضارة بأن تجعل البعد الروحي أساسا لها، "فلا يعود العقل مقيدا بحيثيات الواقع الرتيب أو أسيرا للحاضر، كما لا يعود الهوى جارفا للحياة نحو اللامعنى. إنه العقل المتحرك أبدا أمام الفطرة الهاجمة عليه من العالم 34(. ولعل هذه النظرة الجـبرانية المؤلفة لقوى النفس هي نتيجة للإدراك الحيوي الصوفي للعالم، الذي صار يتمتع به. وهو الإدراك القائم على الجمع بين القوى العقلية التي يمتلـكها العالم، والقابلية السلبية التي يمتلـكها الشاعر، وبعبارة أخرى، تريد ة الجـبرانية التأليف بين العلمي والشعري في الإنسان. وهي صورة الإنسان الرؤي الكامل، الـكوني في مشروعه النبوئي الحالم. وقد ساءه أن يكون اتجاه الحضارة الحديثة قائما على انحسار مجد الروح وتعاظم شأن المادة، فأورثه ذلك قلقا روحيا ات الجـبرانية إلا نتيجة هذا القلق عظيما. وليس "النبي" في ضوء سيكولوجيا الذ الذي سكن نفسه المتعطشة إلى الـكمال. ألم يصرح إلى "ماري هاسكل" في إحدى رسائله "أن الطموح الجوهري للشرقي العظيم هو أن يكون نبيا، في حين أن طموح الروسي أن يكون قديسا، والألماني أن يكون فاتحا، والفرنسي أن يكون فنان

عدد الصفحات ٨٨

خليل لجبران" النبي "في الإنسانية والحياة للعالم الصوفية الرؤيا 89 - اﻟ ﻌﺪد2 ﺳﺒﺘﻤﺒﺮ ،2004 35(. أما النبوة فهي أعلى أشكال الوعي تلك، وهي طموح كل شرقي عظيم مثله ومن شأن الوعي النبوئي أن يجعل الإدراك أكثر عمقا وحدّة، لأنه، بالتفسير الجـبراني، متصل بضمير الـكون الذي يكشف للروح الفردي الحقائق والأسرار. مأساة الإنسان وضياعه في ظل حضارة اتجهت وبما أن جبران كان يدرك جيدا نحو تأليه المادة وتغييب الروح، فقد أعلن أن مجيئه إلى هذا العالم هو من أجل ويبدو "أن هذه الكلمة هي نبوءته، 37(. الهوامش ، 315. ، 305. ائر، بوعات الجامعية، الجزسيد محمد غنيم، ديوان المط .ريتشارد لازاروس: الشخصية، تر 120. ل، يدار الج سائل، تقديم أنطوان القوال،جبران خليل جبران: المجموعة الكاملة لمؤلفاته، الر 229. 83. مندريت أنطونيوسريب الأرشع، تبران: المجموعة الكاملة لمؤلفاته المعربةجبران خليل ج 83. 202. 101. 100. 312. 313. قلته "بربارة يونغ" عن جبران قوله: "أود لو أرى مدينة عصرية، لا أضواء من ذلك ما ن 312.

عدد الصفحات ٨٩

مكرومالسعيد 90 - اﻟ ﺣﻮﻟﻴﺎت ﺘﺮاثﻣﺠﻠﺔ 313-314. 133. 138 -141. نفسه نفسه نفسه 252. 252 -253. 112. 113 -125. نفسه نفسه نفسه ، 79 -80. 88. نفسه يارد، مؤسسة نوفل، مقدمة ودراسة نازك سابا المؤلفات الكاملة، جبران خليل جبران 15. 114. نفسه 115. 195. نفسه 164. مكتبة جبران خليل جبران: المجموعة الكاملة لمؤلفاته العربية، تقديم ميخائيل نعيمة، 349. 247.

عدد الصفحات ٩٠

خليل لجبران" النبي "في الإنسانية والحياة للعالم الصوفية الرؤيا 91 - اﻟ ﻌﺪد2 ﺳﺒﺘﻤﺒﺮ ،2004 References: 1 - Adonis: Ath-thābit wa al-mutaḥawwil, Dār al-‘Awdah, 4th ed., Beirut 1967. 2 - Badawī, ‘Abd al-Raḥmān: Dirāsāt fī al-falsafa al-wujudiyya, Dār al-Thaqāfa, 3rd ed., Beirut 1973. 3 - Ḥāwī, Khalīl: Jabrān Khalīl Jabrān, (Gibran Khalil Gibran), translated by Saïd Fāris, Dār al-‘Ilm, Beirut 1982. 4 - Jabrān, Jabrān Khalīl: Al-majmu‘a al-kāmila li mu’allafātih i , D ā r a l - J ī l , Beirut1994. 5 - Jabrān, Jabrān Khalīl: Al-mu’allafāt al-kāmila, edited by N azik Sabā Yārd, Mu’assasat Nawfal, Beirut. 6 - Khālid, Ghassān: Jabrān al-faylasūf, Mua’ssasat Nawfal, 2 nd ed., Beirut 1983. 7 - Lazarus, Richard: Ash-shakhṣiyya, (Personality), translated by Sayyid Muḥammad Ghunaym, OPU, Alger. 8 - Wilson, Colin: Suqūṭ al-ḥaḍāra, (Fall of civilization), tra nslated by Anīs Zakī Ḥassan, Dār al-Adāb, 2 nd ed., Beirut, 1971. o

عدد الصفحات ٩١

مجلة حوليات التراث

عدد الصفحات ٩٢

التراث حوليات ،مجلة العدد2،2004 ص ،93 - 98 ISSN 1112-5020 اﻟﻨﺸﺮﺗﺎرﻳﺦ15/9/2004 sofianet3379@yahoo.com © الجزائر مستغانم، جامعة2004 الصوفية من خطاب الفتنة إلى فتنة الخطاب نصيرة صوالح ، الجزائرجامعة تلمسان الملخص: لا شك أن الخطاب الصوفي قد لاقى الـكثير من الرفض من متلقيه القدامى ذلك أنه قاطع جملة وتفصيلا مع أفق الانتظار الأيديولوجي الذي ألفه ٺتيحمل في طياته أفكارا ومعان اتهم الصوفي بالـكفر والزندقة والمروق لأن خطابه العرفاني اعتمد الرمز المتلقي آنذاك حيث والإشارة والتلميح لغة له، لا يفهمها إلا العارف بالتجربة الصوفية. وبناء لذلك سيكون موضوع المحاضرة يدور حول هذه الفكرة من أجل الإجابة عن بعض إشكاليات الخطاب الصوفي بيا قائما بذاته. وكيف انتمى رسميا إلى مؤسسة الإبداع كتامطا وكيف استطاع أن يفرض نفسه ن الأدبية من بابها الواسع. الكلمات الدالة: .الخطاب الصوفي، العرفان، الرمز، اللغة الصوفية، التجربة o Sufism from discourse of discord to discord of discourse Nacira Soualeh University of Tlemcen, Algeria Abstract: There is no doubt that the Sufi discourse met with a lot of rej ection from its old recipients, because it carries in its folds ideas and m eanings that intersect altogether with the horizon of i deological waiting that the rec ipient at the time composed, as he accused the Sufi of blasphemy, heresy, and infi delity because his mystical discourse adopted the symbol, sign and allusion as his language, only the one who knows the mystical experience can understand it. Accordingly, the topic o f t h e l e c t u r e w i l l r e v o l v e a r o u n d t h i s i d e a i n o r d e r t o a n s w e r some of the p r o b l e m s o f t h e S u f i d i s c o u r s e a n d h o w h e w a s a b l e t o i m p o s e h imself as a stand-alone writing style, and how he officially belonged to th e Foundation for Literary Creativity, from its wide door. Keywords: Sufi discourse, Sufism, symbol, Sufi language, experience.

عدد الصفحات ٩٣

صوالح نصيرة 94 - اﻟﺘﺮاث ﺣﻮﻟﻴﺎت ﻣﺠﻠﺔ o كيف استطاع الخطاب الصوفي أن يفرض وجوده أدبيا؟ وكيف تمكن من تحقيق التواصل مع جمهور المتلقين بعد ما كان خطابا أيديولوجيا فرض عليه حضر القراءة مع العنف؟ كيف ارتقى هذا الخطاب من خطاب فتنوي إلى س مساحة جديدة للترقب خطاب فاتن؟ وهل نجح في تغيير وجهة التلقي بتأسي الانتظار؟و الحمد لله القائم بذاته، والدائم بصفاته، والحروف بعظيم آياته، والموصوف بكريم هباته، والعادل الحكيم في تصرفاته، عم جوده أهل أرضه وسماواته، واعترف بوجوده كل ناطق وصامت من مخلوقاته. الخطاب الصوفي شكل من أشكال التعبير اللغوي عن تجارب عرفانية بة الإبداعية له خصوصياته الفنية والجمالية التي كتاكما أنه ضرب من الوجدانية، انتماءه الأدبي بغض النظر عن خلفياته الدينية -بما لا يدع مجالا للشك - ٺثبت له وتوجهاته الإيديولوجية ومضامينه الفلسفية، فالشروط اللغوية والبلاغية - أيا كان نوع الخطاب - ابوالأسلوبية هي التي تضمن الوظيفة الأدبية للخط وقد عانى الخطاب الصوفي من الإقصاء زمنا طويلا كان الموقف منه موقفا مصادراتيا إلغائيا، حيث اصطدم بجدار التلقي واستحال تحقق العملية التواصلية، والاتفاق بين أفق ألفه المتلقي وآخر في طور الإنجاز، ذلك أن الخطاب الصوفي ينهض على الإيمان بأن هناك حقيقة واحدة، وحيدة، نهائية، "نشأ في مناخ ثقافي وكل ما عداها باطل وهي إلى ذلك مجسدة في شريعة يستند إليها ويحرسها نظام سياسي وكل قول آخر إما أنه يتطابق معها وحينئذ يكون نافلا، وإما أنه يتناقض 1(. ،ه الظاهري خطابا مناقضا للحقيقة الشرعيةويعد الخطاب الصوفي من جانب بة كتالذلك نبذ هذا الخطاب وأقصي من دائرة ال ،من وجهة نظر التلقي السلبي الأدبية لأنه خاطب الناس بغير ما ألفوه، فتعطل تمام العملية التواصلية لانبهام المرجع وخضع الخطاب الصوفي للقراءة الجامدة، لذلك عمد الصوفية إلى

عدد الصفحات ٩٤

الخطاب فتنة إلى الفتنة خطاب من الصوفية 95 - اﻟ ﻌﺪد2 ﺳﺒﺘﻤﺒﺮ ،2004 اعات السرية يقول محي الدين ابن عربي: "هذا الفن من الـكشف والعلم الاجتم يجب ستره عن أكثر الخلق لما فيه من العلو فغوره بعيد والتلف فيه قريب فإن من لا معرفة له بالحقائق ولا بامتداد الرقائق ويقف على هذا المشهد من لسان ومن أهوى أنا لهذا نستره صاحبه المتحقق به وهو لم يذقه ربما قال أنا من أهوى 2(. 3(: ستر المحبة والهوى فضاح وارحمتا للعاشقين تكلفوا وكذا دماء العاشقين تباح بالسر إن باحوا تباح دماؤهم عند الوشاة المدمع الساح وإذا هم كتموا تحدث عنهم ا لمشكل أمرهم إيضاحفيه وبدت شواهد للسقام عليهم وقد ذكر أن الجنيد البغدادي، إمام الصوفية الحقيقية، أنه لم يكن يبدأ درسه الصوفي، إلا إذا تأكد من إحكام إقفال الباب ومن خلو المجلس ممن يخشى منهم الأذى، ويعد المحاسبي "أول صوفي يرسي قواعد المعرفة الصوفية على سرية تعقد في غرف مقفلة لا يقبل فيها إلا أساس ثقافي يتمثل في حلقات درس إن هذه الأجواء الاستسرارية المحيطة بهذا النوع من الخطابات قد فرضتها خصوصية المعاني المعبرة عنها، فكيف يمكن تجسيد معاني مجردة غيبية ؟مجهولة هي من صميم الباطن الخفي في لغة محسوسة رمز من قصور اللغة الوضعية الاصطلاحية ذلك أن لقد استعاذ الصوفية بال "اللغة الإنسانية هيئت للإدراك الحسي بالأساس أما ما يمكنها أن تحققه في مجال التعبير التجريدي فليس إلا جهدا مضنيا بذله العقل ليتخطى عالم الحسية، من هنا لغة يظل انقهار الإنسان متى ما طمح إلى الـكشف عن الكليات والمغيبات ب أرضية تعيينية ومن هنا أيضا تظل وسيلته لتجاوز بعض قصوره أن يصطنع الشعر فلا يمكن التعبير عن عوالم غير عادية بلغة عادية ولا يمكن القبض على معان مائعة غائمة تجل عن التشكل في قوالب لغوية

عدد الصفحات ٩٥

صوالح نصيرة 96 - اﻟﺘﺮاث ﺣﻮﻟﻴﺎت ﻣﺠﻠﺔ المعتاد وطمس بنية المعيار والقضاء جاهزة لذلك عمل الصوفي على خرق البناء على نوع القراءة التي تنسب إليه. إن تجربة الـكشف عند الصوفي تفترض لغة كشفية تتجاوز الشائع من التعابير وتضرب بلغة الفلاسفة والمناطقة عرض الحائط ذلك أن لغة الفلسفة هي لغة كسرت النمط نتاج العقل فيما لغة المتصوفة هي لغة القلب والحلم والماوراء، وخرقت المألوف وغاصت في الغرابة والغموض والحـيرة والتناقض والتشويش لأنها عبرت عن عالم غريب وغامض ومحـير ومتناقض ومشوش فبدت غاية في "فالألفاظ في ، تلمح ولا تصرح، توهم ولا تري.الإلغاز والإبهام تشير ولا تعبر والعبارة عائق، والاصطلاح أستار وحجب، والكلمة حائل، رحاب الله... 6(. إن البناء الرمزي للغة الصوفية قد شكل حاجزا بين القارئ وبين النص الصوفي فنتجت عن ذلك إشكالات عويصة باعتبار الرمز قد تسبب في كثير من التشوهات التي لحقت فهم القارئ للنص وبالتالي شوهت الرؤية الفكرية للتصوف الضروري التوسل بآليات فهم النص الصوفي كي لا نقع ككل ومن هنا كان من في المزالق، لأن "النص الصوفي ينطوي على توجه ضمني يفترض أن وضعية الإنتاج في صورته المنجزة تحقق وضعية تواصلية، وفي حقيقة الأمر أن التواصل ينعدم إلا في ظل تلك الإحالات التي تعري اللغة من طابعها الرمزي أولا ثم جعل المعنى في سياقه العام ثانيا، يؤدي انكشاف هذه الأوضاع إلى معرفة القيمة ت 7(. إن خلل الفهم الواقع بين النص الصوفي والمتلقي قد أدخل هذا النص في مساحة الفتنة، وخلق أزمة في التواصل أقصت الخطاب الصوفي من الثقافة ردها من الزمن للتعارض القائم بين أفق الانتظار الجديد الذي أنشأه الرسمية الخطاب الصوفي وبين أفق المتلقي، فقد جنب هذا الأخير نفسه عناء هدم موجود قائم متكامل البناء وأبى أن يهيئ نفسه لإعادة تشييد ما لم يألفه بعد، كما ب مع ما رسخ في ذهنه صالٺترفض أن يقيم عالما من التوقعات والمفاجآت التي

عدد الصفحات ٩٦